المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : موسوعة روّاد المسرح العربي والعالمي



حسن العلي
03-04-2008, 06:00 AM
http://bahrain2day.com/uploader/pic/najeeb2.gif

نــجــــيــــــــب الريــــــــحاني


عاش الكوميدي الموهوب نجيب الريحاني في الفترة (1889-1949) والذي لقب بموليير الشرق. ولد إلياس نجيب الريحاني ونشأ في أسرة من الطبقة المتوسطة بحي باب الشعرية بالقاهرة ، لأب من أصل عراقي وأم مصرية . انجذب نجيب الريحاني نحو المسرح منذ الصغر على الرغم من عدم ثقته من موهبته وقد درس بمدرسة الفرير بالخرنفش واشترك في تمثيل نصوص من المسرح الفرنسي ،هجر الدراسة قبل حصوله على البكالوريا . التحق في عام 1906 بالبنك الزراعي وهناك التقى بالفنان عزيز عيد والذى كان موظفا في نفس البنك حيث قامت بينهما الصداقة ، اشتركا في تمثيل أدوار صغيرة بعروض الفرق الفرنسية الزائرة وفي عام 1907 انضم لفرقة عزيز عيد الفودفيلية التي كونها ولكنه لم يستمر بها وفصل من البنك لعدم انتظامه فى العمل . انضم بعدها إلى فرق كثيرة منها فرقة سليم عطا الله ، عين بشركة السكر بنجع حمادي عام 1910 لكنه فصل منها بسبب مغامرة عاطفية ، التحق بعدها بفرقة الشيخ أحمد الشامي وتجول معها بأقاليم مصر والتي أكسبته خبرة طيبة بالرغم من المعيشة القاسية في المأكل والمبيت . بعدها أعادته والدته إلى شركة السكر وفضل بعدها الإقامة في القاهرة ليكون قريبا من الأنشطة المسرحية . في عام 1914 التحق بفرقة جورج أبيض ولكن الأخير وجده لا يصلح للتمثيل فاستغنى عنه ورجع مرة أخرى إلى فرقة عزيز عيد في يونيو 1915 ولم يستمر طويلا .

كانت بداية الريحاني كصاحب مشروع فني في صيف 1916 عندما فكر في تقديم عمل من خلقه ، تأليفا وتمثيلا وإخراجا ، بطله شخصية وثيقة الصلة بالواقع هي كشكش بك العمدة الريفي المتلاف عاشق النساء ، المحب للحياة ، الذي يفد للقاهرة ليغشى دور اللهو حيث ينفق أمواله على الحسان ويعود إلى قريته نادما تائبا . كان العرض الأول تعاليلي يابطة قدمها بكازينو آبيه دي روز في أول يوليو 1916 ، وتلتها بستة ريال ، بكره في المشمش ، خليك تقيل ، هز ياوز ، اديلو جامد ، بلاش أونطة ، كشكش بك في باريس ، أحلام كشكش بك... ، كانت أبرز الشخصيات كشكش التي مثلها الريحاني ، والحماة المزعجة أم شولح ، والخادم زغرب ، وكانت الفكاهة تعتمد على الهزل المحض من شخصيات مغلوطة ولهو خشن وسباب وسوء الفهم الناشئ عن إلتباس الألفاظ والحوار الذي يتضمن عبارات فرنسية .


قدم الريحاني أعمال استعراضية عام 1917 ، لينافس علي الكسار الذي كان يقدم هذا اللون بفرقة الأوبريت الشرقي بكازينو دي بار ، فقدم أم أحمد ، أم بكير ، حماتك بتحبك ، حمار وحلاوة (استمر عرضها ثلاثة أشهر 1918) ، على كيفك ، التي سادها الغناء والإستعراض وافتقدت للصراع والأحداث المترابطة والكوميديا وتميزت بالمشاعر الوطنية وأغانيها الحماسية وفقدت أهميتها عقب إنتهاء الثورة عام 1919 . توجه الريحاني إلى لون ارقى واكمل كالأوبريت لتوفر عناصر الدراما من قصة وشخصيات وأحداث مترابطة ومساحة للكوميديا ، وكانت البداية العشرة الطيبة التي قدمها 1920 اقتباس محمد تيمور وتلحين سيد درويش ، وكتب بالاشتراك مع بديع خيري خلال( 1923-1924) اوبريتات الليالي الملاح ، البرنسيس ، الشاطر حسن ، أيام العز ، الفلوس ، مجلس الإنس ، لو كنت ملك ، واعتمدت معظمها على قصص (ألف ليلة وليلة) واسند البطولة النسائية إلى زوجته الراقصة بديعة مصابني . هذه المسرحيات شكلت خطوة متقدمة لمسرح الريحاني .


تراجع الريحاني في الفترة بين (1926-1931) ، إذ حاول أن ينافس يوسف وهبي بتقديم مليودرامات وليؤكد على أنه قادر على أداء ألوان جادة غير الكوميدي ، فقدم مليودراما المتمردة عام 1929 ثم موفانا ، ولكن الجمهور لم يتقبل الريحاني ، نجم الكوميديا فقدم هزليات غنائية استعراضية بطلها كشكش بك ، وكان الرقص والغناء أبرز العرض في مسرحيات ليلة جان 1927 ، مملكة الحب ، الحظوظ ، يوم القيامة ، آه من النسوان ، ابقى اغمزني 1928 ، ياسمينه ، نجمة الصبح ، اتبحبح 1929 ، ليلة نغنغة ، مصر باريس نيويورك ، أموت في كده ، عباسية 1930 .


في المرحلة القادمة تطور فن الريحاني ، لأن الصراع لا يدور بين كشكش بك وحمته أم شولح بل بينه وبين أبناء الطبقة المتوسطة في المدينة ، كما تمتزج حيل الفارس بالسخرية اللاذعة والنقد في محاولة الخروج عن الهزل المحض ، واتخذ خطوات للإقلال من حجم الغناء والاستعراض ، واتى بشخصيات متنوعة من صميم المجتمع ، صبحت فيما بعد شخصيات أساسية في مرحلة النضج الفني 1932 -1949 مثل الإنسان الصغير الشريف ، الخادمة النشطة الشريفة ، الحماة المزعجة .



http://bahrain2day.com/uploader/pic/najeeb1.gif


كانت الجنيه المصري نقطة تحول في حياة الريحاني اشترك فيها مع بديع عن نص توباز للكاتب الفرنسي مارسيل بانيول ، وهي كوميديا اجتماعية مثلتها فرقة الريحاني على مسرح الكورسال عام 1931 ، تكلمت على تأثير المال على الفرد والجماعات وكيف يفسد الضمائر وينتهك الأخلاق والمبادئ ، وقد مثلت الجنيه المصري بعد ذلك بنجاح تحت اسم الدنيا بتلف ، ثم السكرتير الفني ، ولكن الجمهور لم يتذوق هذه الكوميديا الساخرة عام1931 ، إلا أن الريحاني عاود التجربة عام 1935 بتقديم مسرحيات اجتماعية ناجحة ، التي شكلت مرحلة النضج الفني التي استمرت حتى وفاته .


في معظم مسرحيات تلك الفترة ظهر الريحاني كإنسان شريف نزيه متمسك بالقيم ، على درجة من الدهاء والثقافة ، ولكنه يائس مفلس وسيئ الحظ ، مؤمن بالقدر ، خفيف الظل ومتهكم ، ساخر من أوجه الزيف والفساد والمظهرية الجوفاء في المجتمع .ثم تدخل القدر وهبطت عليه ثروة ترفع من قدره ومكانته بفضل المسرحية "الدنيا لما تضحك" 1934 ، و" بندق أبو غزالة" الذي يسخر من قيادات الدولة المتخلفة في حكم قراقوش 1936 ، ثم تحسين المدرس البائس في مسرحية قسمتي 1936 ، " شحاتة " الكاتب الداهية في إدارة الوقف في " لو كنت حليوة " 1938 ، أنور الموظف الصغير في مواجهة فتاة ثرية رعناء أفسدها التدليل في " الدلوعة " 1939 ، ثم في دور " سليمان " المحامي المفلس الباحث عن كنز في قصر تتحكم في شؤونه عجوز تركية تعيش في الماضي و ذلك في " إلا خمسة" 1943 ، في عام 1945 مثل دور " عباس " في " حسن ومرقص وكوهين" .


في هذه المرحلة كثف الريحاني الخط الكوميدي الإنتقادي وأخذ ينهل من صيغ الكوميديا متعددة المستويات ابتداء من الكوميديا الراقية إلى الفارس والكوميديا الشعبية ، إلا أنه خفف قدر استطاعته من أساليب الهزل والهذر التي لا تخدم غايته وكانت سائدة في مراحل سابقة .
توفي نجيب الريحاني إثر إصابته بالتيفوئيد في 8 يونيو 1949 .


المراجع

1. د. فاطمة موسى ، قاموس المسرح ، الهيئة المصرية العامة للكتاب.

2. محمود تيمـور، طلائع المسرح العربي، مكتبة الآداب ومطـبعتها.

3. لانــدو ، تاريخ المسرح العربي، ت : يوسف نور عوض ، دار القلم - لبنان ، 1980.

.
.

حسن العلي
03-04-2008, 06:04 AM
http://bahrain2day.com/uploader/pic/masks.gif

أرســـــــــطوطاليـــــــــــس(384-322 ق م )




فيلسوف يوناني وهو مؤلف أقدم كتاب موجود دفاعا فلسفيا عن التراجيديا ، ولد أرسطو في(ستاجيرا) قرية في شمال أثينا (وطن التراجيديا) ، في السابعة من عمرة قصد أثينا ليدرس على يد أفلاطون(428-348ق م).ولقد أنفق ثلاث سنوات معلما للإسكندر الأكبر بعد مغادرته لأثينا .وبعد عودته إلى أثينا بعد غياب تجاوز الثلاثة عشر عاما أنشأ مدرسته الخاصة به، وسماها (اللقيوم). وأهم ما قدمه أرسطو رده على اتهام أفلاطون بالتراجيديا. فأفلاطون يرى التراجيديا بأنها خداعة وأنها تزود الناس بمعلومات غير صحيحة حول مسائل هامة مثل :الخير والشر والحقيقة والنجاح والسعادة ....

أيد أرسطو النظرية السقراطية والأفلاطونية ،التي ترى أن الرجال الطيبين والخيرين هم منطقيا السعداء غير أنه عمد إلى تطوير رؤية أستاذه أفلاطون إلى الظاهرة أو الظواهر من حيث تغييرها وتبديلها إذ انه ينكر أن للطاقة اللاعقلانية وجودا جوهريا في العالم .

ولم يكن لأرسطو تأثير هام في أوروبا إلا في القرن الثاني عشر ،أما التفات الناس إلى كتاباته الأدبية فقد ظهر في القرن السادس عشر. فالكتابات الأرسطية تضم أفضل البحوث والدراسات التحليلية عن أروع المسرحيات التراجيدية الإغريقية من كتاباته (انغرام بايوتر1909)أفضل ترجمة لأرسطو ضمنها كتابا بعنوان (أرسطو وفن الشعر).

المراجع :

1. جون غاسنر - إدوارد كوِن ، قاموس المسرح - مختارات من قاموس المسرح العالمي ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر .

.
.

ناصر عبدالواحد
03-04-2008, 05:38 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الأخ حسن العلي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


بأختصار عضو فعال اثرى واحة الدراما والمسرح بمواضيع مفيدة وتهتم بالشأن الفني ..

شكراً لك أخي ونحن متابعين .

حسن العلي
04-04-2008, 05:06 AM
.
.

وعليكم سلامُ الله ورحمته ،،
عزيزي الفنان الفاضل / ناصر عبدالواحد ( عضو فرقة أمواج المسرحية ) المحترم ،،

أخجلتموا تواضعنا ،، شكراً لشهادتك وهي وسام أتوج به ،، لم نبدأ بعد هنا وما هذا إلا قليل وقليل
جداً من بحر المسرح الذي لاينضب ،،

إن كانت مشاركاتي القليلة جداً كماً وكيفاً قد أثرت القسم الدرامي والمسرحي فماذا أقول عن
مشاركاتكم ومواضيعكم التي أثرت وأحييت القسم حتى تلألأت نجومه في سماء العطاء

سنحاول أن يكون القسم ليس مقتصراً بطرح الأخبار فقط ،، وأن لا يكون محلياً فقط
أتمنى أن تتفق معي ،،

وشكراً لشهادتك ثانية يا فنان ،،

وغداً يومٌ آخر
.
.

حسن العلي
04-04-2008, 05:13 AM
http://bahrain2day.com/uploader/pic/hakeem.jpg

تـــــوفـيـــــــق الحكيـــــــــــــم


إنه الرائد الأكبر للمسرح الـحديث ، والكاتب الفنان العظيم الذي حاول أن ينقض مقولة كبرت بريفر القائلة: " إلى يومنا هذا لا توجد دراما عربية، بل توجد فقط دراما باللغة العربية. لأن جميع المسرحيات التي ظهرت في لغة محمد ليست إلا ترجمات، وعلى أحسن الفروض تقليدات تحاكي الأعمال الأوروبية ". إنه توفيق الحكيم الذي غذى الفن الدرامي و جعله فرعا هاما من فروع الأدب العربي ؛ وخير دليل على ذلك أعماله المسرحية التي تربو على الخمسين باختلاف أنواعها وشخصياتها ، لذا كان جديرا أن يطلق عليه اسم ( والد المسرح العربي ).([1])

أمـا عن السيرة الذاتيـة للحكيـم فنعرف أنه ولـد فـي مدينـة الإسكندريـة عـام 1898 مـن والـد مصـري فـي قريـة (الدلنجـات ) إحـدى قـرى مركـز ( ايتاي البـارود ) بمحافظـة البحـيرة.([2])

لكنَ هناك من يـؤرخ تاريخاً آخر لولادة توفيـق الحكيـم ـ رغم تأييد الحكيـم نفسه لهذا التاريخ ـ وذلك حسبما أورده الدكتور إسماعيـل أدهـم والدكتور إبراهيـم ناجي فـي دراستهمـ‏ا عـن الحكيـم حيث أرَخا تاريخ مولده عام 1903 بضاحية ( الرمل ) فـي مدينة الإسكندرية. لكنَ أرجح الآراء تأكد على أنّ تاريخ مولده كان عام 1898.([3])

اشتغل والد الحكيم بالسلك القضائي، وكان يعد من أثرياء الفلاحين، وكانت أمه سيدة متفاخرة لأنها من أصل تركي لذا كانت صارمة الطباع، تعتز بعنصرها التركي أمام زوجها المصري، وتشعر بكبرياء لا حد له أمام الفلاحين من أهله وذويه.

وكثير ما أقامت هذه الأم الحوائل بين الطفل توفيق وأهله من الفلاحين، فكانت تعزله عنهم وعن أترابه من الأطفال وتمنعهم من الوصول إليه، ولعل ذلك ما جعله يستدير إلى عالمه العقلي الداخلي، وبدأت تختلج في نفسه أنواع من الأحاسيس والمشاعر نتيجة لهذه العزلة التي فرضتها والدته عليه، فنشأت في نفسه بذور العزلة منذ صغره ، وقد مكّنه ذلك من أن يبلغ نضجاً ذهنياً مبكراً.

وقضى الطفل مرحلته الابتدائية بمحافظة البحيرة، ثم انتقل إلى القاهرة ليواصل دراسته الثانوية. وكان لتوفيق عَمّان بالقاهرة، يعمل أكبرهما معلماً بإحدى المدارس الابتدائية، بينما الأصغر طالباً بكلية الهندسة، وتقيم معهما أخت لهما. ورأى الوالد حفاظاً على ابنه أن يجعله يقيم مع عمّيه وعمتـه. لعل هؤلاء الأقارب يهيئون له المنـاخ المناسب للدراسة والتفرغ للدروس وتحصـيل العلم والتفرغ له.([4])

وفي أواخر دراسته الثانية من تعليمه الثانوي عرف الحكيم معنى الحب فكان له أكبر الأثر في حياته. وقصة هذا الحب أنه أحب فتاة من سنه كانت ابنة أحد الجيران، الذي اتصلت أسباب الصلة بين عائلتها وبين عمة توفيق، ونتيجة لزيارة هذه الفتاة لمنزل عمته فقد تعلق الحكيم بها إلى درجة كبيرة، إلا أنه للأسف فإن نهاية هذا الحب هو الفشل، حيث أن هذه الفتاة ساءت علاقتها بعمة توفيق أولاً، كما أنها أحبت شخصاً آخر غير توفيق. وكانت لهذه الصدمة وقعها في نفس الحكيم، الذي خرج بصورة غير طيبة عن المرأة من خلال هذه التجربة الفاشلة.([5])

وقد عاصر هذه العلاقة العاطفية بين الحكيم وفتاته اهتمامه بالموسيقى والعزف على آلة العود، وعنيّ بالتمثيل وراح يتردد على الفرق المختلفة التي كانت تقيم الحفلات التمثيلية في المسارح، ومن أهمها: ( فرقة عكاشة ) التي قدّم لها الحكيم العديد من أعماله.

وفي هذه المرحلة انفجرت ثورة 1919. وكان لها الأثر الكبير في نفوس الشباب لأنها تعادي الإنجليز الذين يستغلون بلادهم، وكانت بزعامة سعد زغلول، لذا اشترك فيها الكثير من الشبان آنذاك. ورغم أنها فشلت وتم القبض على سعد زغلول وعلى الحكيم ـ الذي هو أيضاً اشترك فيها ـ وغيرهم، إلا أنها كانت ينبوعاً لأعمال الكثير من الأدباء والفنانين، لأنها أشعـلت الروح القومية في قلوبهم فأسـرعوا يقدمون إنتاجهم الذي يفيـض بالوطنيـة، فكانت أولى أعمال الحكـيم " الضيف الثقيل ". وبعد انقضاء فترة السجن في المعتقل درس الحكيم القانون بناءً على رغبة والده الذي كان يهدف من تعليم ابنه أن يحصل على الدكتوراه في القانون.([6])

ونتيجة لاتصال الحكـيم بالمسرح العربي فقد كتب عدة مسرحيات كانت مواضيعها شرقية ويدل على ذلك عناوينها: " المرأة الجديدة " و " العريس " و " خاتم سليمان " و " علي بابا ".([7])

بعد ذلك عزم الحكـيم على السفر إلى فرنسا لدراسة الحقوق، فأرسله والده إلى فرنسا ليبتعد عن المسـرح والتمثيل ويتفرغ لدراسة القانـون هناك. وكان سفره إلى باريس عام 1925. وفي باريس تطلـع الحكـيم إلى آفاقٍ جديدة وحياةٍ أخرى تختلف عن حياة الشـرق فنهل من المسرح بالقدر الذي يروي ظمأه وشوقه إليه.([8])

وفي باريس عاصر الحكيم مرحلتين انتقاليتين هامتين في تاريخ المسرح هناك، وكان ذلك كالتالي:

1) المرحلة الأولى: وعاصر الحكيم فيها مرحلة المسرح بعد الحرب العالمية الأولى. عندما كانت ( المسارح الشعبية ) في الأحياء السكنية، أو (مسارح البوليفار) تقدم مسرحيات هنري باتاي، وهنري برنشتن، وشارل ميريه، ومسرحيات جورج فيدو الهزلية. وكانت هذه المسرحيات هي المصدر الذي يلجأ إليه الناقلون في مصر عن المسرح الغربي.

2) المرحلة الثانية: وتتمثل في الحركة الثقافية الجديدة التي ظهرت شيئاً فشيئاً في فرنسا. وتعتمد على مسرحيات ابسن وبراندللو وبرنارد شو وأندريه جيد وكوكتو وغيرهم .([9])

وكان هناك أيضاً مسرح الطليعة في مسارح ( ألفييه كولومبييه، والايفر، والاتلييه ). فاطّلع الحكيم على هذه المسارح واستفاد منها لمعرفة النصوص المعروضة وأساليب الإخراج فيها. وحاول الحكيم خلال إقامته في فرنسا التعرف على جميع المدارس الأدبية في باريس ومنها اللامعقول، إذ يقول الحكـيم عن ذلك: " إن اللامعقول والخوارق جزء لا يتجزأ من الحيـاة في الشرق ".([10])

وخلال إقامة الحكيم في فرنسا لمدة ثلاث سنوات استطاع أن يطلع على فنون الأدب هناك، وخاصة المسرح الذي كان شغله الشاغل، فكان نهار أيامه يقضيه في الإطلاع والقراءة والدراسة، وفي الليالي كان يتردد على المسارح والمحافل الموسيقية قاضياً فيها وقته بين الاستفادة والتسلية.
وفي فرنسا عرف الحكيم أن أوروبا بأكملها أسست مسرحها على أصول المسرح الإغريقي. فقام بدراسة المسرح اليوناني القديم وقام بقراءة المسرحيات اليونانية تراجيدية كانت أو كوميدية التي قام بكتابتها الشعراء المسرحيون اليونانييون. كما اطلع على الأساطير والملاحم اليونانية العظيمة.

وإضافة على اطلاعه على المسرح الأوروبي انصرف الحكيم إلى دراسة القصة الأوروبية ومضامينها الوطنية مما حدا به إلى كتابة قصة كفاح الشعب المصري في سبيل الحصول على حريته، فكتب قصة " عودة الروح " بالفرنسية، ثم حولها فيما بعد إلى العربية ونشرها عام 1933 في جزأين.

وفي عام 1928 عاد الحكـيم إلى مصر، وعيّن وكيلاً للنيابة عام 1930، وفي عام 1934 نقل مفتشاً للتحقيقات بوزارة المعارف، ثم نقل مديراً لإدارة الموسيقى والمسرح بالوزارة عام 1937، ثم مديراً للدعاية والإرشاد بوزارة الشؤون الاجتماعية. وخلال هذه الفترة لم يتوقف الحكيم عن الكتابة في مجالات المسرح والقصة والمقال الأدبي والاجتماعي والسياسي، إلى أن استقال من عمله الحكومي في عام 1944 وذلك ليتفرغ لكتاباته الأدبية والمسرحية.([11])

وفي نفس العام انضم إلى هيئة تحرير جريدة أخبار اليوم، وفي عام 1954 عيّن مديراً لدار الكتب المصرية، كما انتخب في نفس العام عضواً عاملاً بمجمع اللغة العربية. وفي عام 1956 عيّن عضواً متفرغاً بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب بدرجة وكيل وزارة. وفي عام 1959 عيّن مندوباً لمصر بمنظمة اليونيسكو بباريس، وبعد عودته عمل مستشاراً بجريدة الأهرام ثم عضواً بمجلس إدارتها في عام 1971، كما ترأس المركز المصري للهيئة الدولية للمسرح عام 1962 وحتى وفاته.([12])

وفاز توفيق الحكيم بالجوائز والشهادات التقديرية التالية:
1) قلادة الجمهورية عام 1957.
2) جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1960، ووسام العلوم والفنون من الدرجة الأولى.
3) قلادة النيل عام 1975.
4) الدكتوراه الفخرية من أكاديمية الفنون عام 1975.
كما أطلق اسمه على فرقة ( مسرح الحكيم ) في عام 1964 حتى عام 1972، وعلى مسرح محمد فريد اعتباراً من عام 1987.
وخلال حياة الحكيم في مصر ظهرت لنا كتاباته أدبية كانت أو مسرحية أو مقالات أو غيرها. وترك لنا الحكيم الكثير من الآثار الأدبية المتنوعة في أساليب كتاباتها، كما ترك لنا ذلك الرصيد الهائل من المسرحيات التي تنوعت بين ذهنية واجتماعية وأخرى تميل إلى طابع اللامعقول.
وفي يوليو من عام 1987 غربت شمس من شموس الأدب العربي الحديث ورمز من رموز النهضة الفكرية العربية، شمس سيبقى بريقها حاضراً في العقلية العربية جيلاً وراء جيل من خلال ذلك الإرث الأدبي والمسرحي الذي أضافته للمكتبة العربية. فقد رحل نائب الأرياف توفيق الحكيم عن عمر يزيد على الثمانين، بعد حياة حافلة بالعطاء عمادها الفكر وفلسفتها العقل وقوامها الذهن.

مسرح توفيق الحكيـم

بالنسبة للمسرح فقد كانت أول أعمال الحكيم المسرحية هي التي تحمل عنوان " الضيف الثقيل ". ويقول عنها في كتابه سجن العمر ما يلي:
" … كانـت أول تمثيليـة لي في الحجـم الكامل هي تـلك التي سميتها " الضيف الثقيل " … أظن أنها كتبت في أواخر سنة 1919. لست أذكر على وجه التحقيق … كل ما أذكر عنها ـ وقد فقدت منذ وقت طويل ـ هو أنها كانت من وحي الاحتلال البريطاني. وأنها كانت ترمز إلي إقامة ذلك الضيف الثقيل في بلادنا بدون دعوة منا " .([13])

وبالنسبة للمسرح عند الحكيم فقد قسم الحكيم أعماله المسرحية إلي ثلاثة أنماط رئيسية:

أولاً: المسرح الذهني ( مسرح الأفكار والعقل )
كتب الحكيم الكثير من المسرحيات الذهنية من أشهرها:
1) مسرحية " أهل الكهف ". ونشرت عام 1933.
تعتبر هذه المسرحية الذهنية من أشهر مسرحيات الحكيم على الإطلاق. وقد لاقت نجاحاً كبيراً وطبعت هذه المسرحية مرتين في عامها الأول كما ترجمت إلى الفرنسية والإيطالية والإنجليزية وهذا أكبر دليل على شهرتها.([14])

والجدير بالذكر أن المسرح القومي قد افتتح بها نشاطه المسرحي؛ فكانت أول الـعروض المسرحية المعروضة فيه هي: " أهل الكهف " وكان ذلك عام 1935 وكان مخرجها الفنان الكبير زكي طليمات. ولكن للأسف كان الفشل حليفها، واصطدم الجميع بذلك حتى الأستاذ توفيق الحـكيم نفسه الذي عزا السبب في ذلك إلى أنها كتبت فكرياً ومخاطبة للذهن ولا يصلح أن تعرض عملياً.([15])

إن محور هذه المسرحية يدور حول صراع الإنسان مع الزمن. وهذا الصراع بين الإنسان والزمن يتمثل في ثلاثة من البشر يبعثون إلى الحياة بعد نوم يستغرق أكثر من ثلاثة قرون ليجدوا أنفسهم في زمن غير الزمن الذي عاشوا فيه من قبل. وكانت لكل منهم علاقات وصلات اجتماعية تربطهم بالناس والحياة، تلك العلاقات والصلات التي كان كلاً منهم يرى فيها معنى حياته وجوهرها. وفي حينها وعندما يستيقظون مرة أخرى يسعى كل منهم ليعيش ويجرد هذه العلاقة الحياتية، لكنهم سرعان ما يدركون بأن هذه العلاقات قد انقضت بمضي الزمن؛ الأمر الذي يحملهم على الإحساس بالوحدة والغربة في عالم جديد لم يعد عالمهم القديم وبالتالي يفرون سريعاً إلى كهفهم مؤثرين موتهم على حياتهم.

2) مسرحية " بيجماليون ". ونشرت عام 1942.
وهي من المسرحيات الذهنية الشهيرة للحكيم، وهي من المسرحيات التي اعتمد فيها الحكيم على الأساطير، وخاصةً أساطير الإغريق القديمة.
والأساطير إدراك رمزي لحقائق الحياة الإنسانية التي قد تكون قاسية. وهدفها خلق نوع من الانسجام بين الحقائق الإنسانية حتى تستطيع أن تستجمع إرادتنا وتوحد قوانا ويتزن كياننا المضطرب.([16])

وحسب هذا المفهوم استغل الحكيم الأساطير وخاصةً الأساطير اليونانية، فكتب ثلاث مسرحيات أحداثها مستوحاة من التراث الإغريقي الأسطوري وهي: " براكسا " و" بيجماليون" و" الملك أوديب ". ولكنه بثّ في هذه المسرحيات أفكاره ورؤيته الخاصة في الموضوع الذي تتحدث عنه كل مسرحية.

3) مسرحية " براكسا " أو " مشكلة الحكم ". ونشرت عام 1939
وهي أيضاً مستقاة من التراث الإغريقي. ويظهر الحكيم من خلال هذه المسرحية وهو يسخر من الإطارالإغريقي من النظام السياسي القائم في مصر وهو الديموقراطية التي لم تكن في تقدير الحكيم تحمل سوى عنوانها. وفي هذه المسرحية التي تحمل الطابع الأريستوفاني جسدّ الحكيم آراؤه في نظام الأحزاب والتكالب على المغانم الشخصية والتضحية بالمصالح العامة في سبيل المنافع الخاصة.

4) مسرحية " محمد ". ونشرت عام 1936.
لم تتجلى الموهبة العبقرية للحكيم كما تجلت في مسرحيته " محمد " وهي أطول مسرحياته بل أطول مسرحية عربية. وربما بسبب طولها فإنه من الصعب وضعها على المسرح. وقد استقى الحكيم مادتها من المراجع الدينية المعروفة. والمسرحية بمثابة سيرة للرسول عليه السلام، إذ أنها تشمل فقرات من حياة الرسول تغطي أهم جوانب تلك الحياة.

وهناك الكثير غير هذه المسرحيات الآنفة الذكر كتبها الحكيم، ومن أشهر مسرحياته: " شهرزاد " و " سليمان الحكيم " و " الملك أوديب " و " إيزيس " و " السلطان الحائر" … وغيرها.

ثانياً: مسرح اللامعقول
يقول الحكيم في مجال اللامعقول:
" … إنّ اللامعقول عندي ليس هو ما يسمى بالعبث في المذاهب الأوروبية …ولكنه استكشاف لما في فننا وتفكيرنا الشعبي من تلاحم المعقول في اللامعقول … ولم يكن للتيارات الأوروبية الحديثة إلا مجرد التشجيع على ارتياد هذه المنابع فنياً دون خشية من سيطرة التفكير المنطقي الكلاسيكي الذي كان يحكم الفنون العالمية في العصور المختلفة… فما إن وجدنا تيارات ومذاهب تتحرر اليوم من ذلـك حتى شعرنا أننـا أحـق من غيرنا بالبحث عـن هـذه التيارات في أنفسنا … لأنها عندنا أقدم وأعمق وأشد ارتباطاً بشخصيتنا ".([17])

ولقد كتب الحكيم في هذا المجال العديد من المسرحيات ومن أشهرها:
1) مسرحية " الطعام لكل فـم ".
وهي مزيج من الواقعية والرمزية. ويدعوا الحكيم في هذه المسرحية إلى حل مشكلة الجوع في العالم عن طريق التفكير في مشروعات علمية خيالية لتوفير الطعام للجميع، فهو ينظر إلى هذه القضية الخطيرة نظرته المثالية نفسها التي تعزل قضية الجوع عن القضية السياسية. فالحكيم لا يتطرق هنا إلى علاقة الاستعمار والإمبريالية والاستغلال الطبقي بقضية الجوع ولا يخطر بباله أو أنه يتناسى عمداً أن القضاء على الجوع لا يتم إلا بالقضاء على الإمبريالية التي تنهب خيرات الشعوب نهباً، ولا يتم ذلك إلا بالقضاء على النظام الرأس مالي الاستغلالي وسيادة النظام الاشتراكي الذي يوفر الطعام للكل عن طريق زيادة الإنتاج والتوزيع العادل.

2) مسرحية " نهر الجنون ".
وهي مسرحية من فصل واحد، وتتضح فيها أيضاً رمزية الحكـيم. وفيها يعيد الحكيم علينا ذكر أسطورة قديمة عن ملك شرب جمـيع رعاياه من نهر كان ـ كما رأى الملك في منامه ـ مصدراً لجنون جميع الذين شربوا من مائه، ثمّ يعزف هو ورفيق له عن الشرب، وتتطور الأحداث حتى ليصّدق رعاياهم فعلاً أن هذين الاثنين الذين لم يشربا مثلهم ـ بما فيهما من اختلاف عنهم ـ لا بدّ وأنهما هما المجنونان إذاً. وعلى ذلك فإنّ عليهما أن يشربا أيضاً مثلما شربوا. وقد جردّ الحكيم مسرحيته من أي إشارة إلى الزمان والمكان. وهكذا فإننا نستطيع أن نشعر بصورة أكثر وضوحاً لاعترض الحكيم ضد هذا القسر الذي يزاوله المجتمع على الإنسان فيجبره على الإنسياق و التماثل.

وهناك العديد من المسرحيات الأخرى المتسمة بطابع اللامعقول، ومن أهمها: " رحلة إلى الغد " و " لو عرف الشباب ". وفي المسرحية الأولى منهما يسافر رجلان خمسمائة سنة في المستقبل. وفي الثانية يسترد رجل مسن شبابه. ويحاول هؤلاء جميعاً التكيف مع حياتهم الجديدة ولكنهم يخفقون.

ويخرج الحكيم من هذا بأنّ الزمن لا يقهر، والخلود لا ينال، لأنهما أبعد من متناول أيديّنا. وإلى جوار فكرة الزمن يشير الحكيم إلى النتائج الخطيرة التي يمكن أن تنجم عن البحث العلمي والتقدم فيه.

خصائص مسرح توفيق الحكيم

يمكن أن نجمل أهم مميزات مسرح توفيق الحكيم فيما يلي:
1) التنوع في الشكل المسرحي عند الحكيم. حيث نجد في مسرحياته: الدراما الحديثة، والكوميديا، والتراجيوكوميديا، والكوميديا الاجتماعية.([18])
2) جمع الحكيم بين المذاهب الأدبية المسرحية في كتاباته المسرحية. حيث نلمس عنده: المذهب الطبيعي والواقعي والرومانسي والرمزي.
3) نتيجة لثقافة الحكيم الواسعة واطلاعه على الثقافات الأجنبية أثناء إقامته في فرنسا فقد استطاع أن يستفيد من هذه الثقافات على مختلف أنواعها. فاستفاد من التراث الأسطوري لبعض هذه الثقافات، ورجع إلى الأدب العربي أيضاً لينهل من تراثه الضخم ويوظفه في مسرحياته.
4) استطاع الحكيم في أسلوبه أن يتفادى المونولوج المحلي الذي كان سمة من سبقه. واستبدله بالحوار المشع والحبكة الواسعة.
5) تميزت مسرحيات الحكيم بجمال التعبير، إضافة إلى حيوية موضوعاتها.
6) تزخر مؤلفات الحكيم بالتناقض الأسلوبي. فهي تلفت النظر لأول وهلة بما فيها مـن واقعية التفصيلات وعمق الرمزية الفلسـفية بروحها الفكهة وعمق شاعريتها… بنزعة حديثة مقترنة في كثير من الأحيان بنزعة كلاسيكية.([19])
7) مما يؤخذ على المسرحيات الذهنية عند الحكيم مسألة خلق الشخصيات. فالشخصيات في مسرحه الذهني لا تبدوا حيةً نابضةً منفعلة بالصراع متأثرةً به ومؤثرةً فيه.([20])
8) تظهر البيئة المصرية بوضوح في المسرحيات الاجتماعية. ويَبرُز الحكيم فيها من خلال قدرته البارعة في تصوير مشاكل المجتمع المصري التي عاصرتها مسرحياته الاجتماعية في ذلك الوقت. وأسلوب الحكيم في معالجته لهذه المشاكل.
9) ظهرت المرأة في مسرح توفيق الحكيم على صورتين متناقضتين. كان في أولاهما معادياً لها، بينما كان في الأخرى مناصراً ومتعاطفاً معها.
10) يمكن أن نستنتج خاصية تميز مسرح الحكيم الذهني بصفة خاصة ومسرحه الاجتماعي ومسرحه المتصف بطابع اللامعقول بصفةٍ عامة وهي النظام الدقيق الذي اتبعه في اختياره لموضوعات مسرحياته وتفاصيلها، والبناء المحكم لهذه المسرحيات الذي توصل إلى أسراره بعد تمرس طويل بأشهر المسرحيات العالمية.([21])


الهوامش
([1]) د . نادية رءوف فرج . يوسف إدريس والمسرح المصري الحديث . ص 71 .
([2]) د . شوقي ضيف . الأدب العربي المعاصر . ص 288.
([3]) د . إسماعيل أد هم ، و د . إبراهيم ناجي . توفيق الحكيم . ص 57 .
([4]) د . مصطفى علي عمر . القصة وتطورها في الأدب المصري الحديث . ص 202.
([5]) د . إسماعيل أد هم ، ود . إبراهيم ناجي . المرجع السابق . ص66 وما بعدها.
([6]) يعقوب . م. لنذاو . دراسات في المسرح والسينما عند العرب . ترجمة أحمد المغازي . ص 235 .
([7]) بقلم . أ. بابادبولو . " توفيق الحكيم وعمله الأدبي " . مقالة ضمن مسرحية " السلطان الحائر" . ص 182 .
([8]) د . فاطمة موسى . قاموس المسرح ج (2) . ص 574 .
([9]) أحمد حمروش . خمس سنوات في المسرح . ص 99 وما بعدها .
([10]) أميرة أبو حجلة . في مسرح الكبار والصغار . ص43 .
([11]) د . فاطمة موسى . المرجع السابق . ص 574 .
([12]) د . فاطمة موسى . نفس المكان .
([13]) د . توفيق الحكيم . سجن العمر . ص 150 .
([14]) لاندو . تاريخ المسرح العربي . ترجمة د . يوسف نور عوض . ص 110 .
([15]) أحمد شوقي قاسم . المسرح الإسلامي روافده ومناهجه . ص 91 .
([16]) د . سامي منير . المسرح المصري بعد الحرب العالمية الثانية بين الفن و النقد السياسي والاجتماعي . ص 18 .
([17]) د . عبد الرحمن ياغي . في الجهود المسرحية ( الإغريقية الأوروبية العربية ( من النقّاش إلى الحكيم ) . ص 185 .
([18]) د . محمد مبارك الصوري . " في الذكرى الأولى لوفاة توفيق الحكيم " . مجلة البيان . العدد 270 سبتمبر 1988 . ص 13 .
([19] ) أ . بابا دوبولو . " توفيق الحكيم وعمله الأدبي " . المرجع السابق . ص 188 .
([20] ) د . محمد مندور . مسرح توفيق الحكيم . ص 39 .
([21]) د . فؤاد دوارة . في النقد المسرحي . ص 39 .

المراجع

1. د . نادية رءوف فرج . يوسف إدريس والمسرح المصري الحديث
2. د . شوقي ضيف . الأدب العربي المعاصر
3. د . إسماعيل أد هم ، و د . إبراهيم ناجي . توفيق الحكيم
4. د . مصطفى علي عمر . القصة وتطورها في الأدب المصري الحديث
5. يعقوب . م. لنذاو . دراسات في المسرح والسينما عند العرب . ترجمة أحمد المغازي
6. أ. بابادبولو . " توفيق الحكيم وعمله الأدبي " . مقالة ضمن مسرحية " السلطان الحائر"
7. د . فاطمة موسى . قاموس المسرح ج (2)
8. أحمد حمروش . خمس سنوات في المسرح
9. أميرة أبو حجلة . في مسرح الكبار والصغار
10. توفيق الحكيم . سجن العمر
11. لاندو . تاريخ المسرح العربي . ترجمة د . يوسف نور عوض
12. أحمد شوقي قاسم . المسرح الإسلامي روافده ومناهجه
13. د . سامي منير . المسرح المصري بعد الحرب العالمية الثانية بين الفن و النقد السياسي والاجتماعي
14. د . عبد الرحمن ياغي . في الجهود المسرحية ( الإغريقية الأوروبية العربية ( من النقّاش إلى الحكيم )
15. د . محمد مبارك الصوري . " في الذكرى الأولى لوفاة توفيق الحكيم " . مجلة البيان . العدد 270 سبتمبر 1988
16. د . محمد مندور . مسرح توفيق الحكيم
17. د . فؤاد دوارة . في النقد المسرحي

حسن العلي
04-04-2008, 05:15 AM
http://bahrain2day.com/uploader/pic/masks.gif

مـــــــــــــارون النقــــــــــــاش




كانت البداية شبيهة بالاسكندرية من ناحية كونها ثغرة ، تفد من خلالها الثقافة الأوروبية إلى سوريا ، وذلك ما أهلها لأن تكون أول بلدة تقام فيها عروض مسرحية حديثة .

ولعل الفضل في اقتناص البذور المسرحية من الغرب وزرعها في التربة العربية إلى ابن صيدا في لبنان ... ذلك التاجر المغامر المثقف مارون النقاش (1817-1855) الذي كان مشعلا متوهجا في مجالات الإدارة والتجارة إلى جانب ثقافته العربية والتركية والإيطالية والفرنسية .

قضى مارون النقاش سنوات في إيطاليا شاهد خلالها بعض العروض المسرحية وقد مكنته معرفته بالإيطالية والفرنسية إلى جانب العربية والتركية من متابعة قيادات المسرح الأوروبي وكان أول ما فعله تعريب مسرحية (البخيل) لموليير شعرا وقد عرضها لأول مرة في منزله لعام (1848) وحضرها نخبة ممتازة من الماشهدين من بينهم قناصل الدولة الأجنبية و بعض الشخصيات المهمة في البلاد و قد تميز العرض ببعض الظواهر التي قيدت المسرح العربي لفترة طويلة من الزمن نوجزها فيما يلي :

1) لم يدخل النقاش أي تغيير على عقدة المسرحية و لكنه تصرف في تطويل بعض المشاهد و تقصير بعضها بما يلائم ذوق الرواد و ثقافتهم . كذلك قام بتعريب الأسماء و تغير المواقع التي دارت فيها الأحداث .

2) أدخل مارون بعض الألحان التركية على النص المسرح و لم يكن متقيدا بملاءمة ذلك مع أحداث المسرحية ، و لأجل ذلك أصبحت المسرحية وسطا بين الملهاة و الأوبريت و قد استمرت هذه الظاهرة الموسيقية في المسرح حتى هذه الأيام .

3) لم يكن يسمح بظهور نساء على خشبة المسرح و لم يكن الجمهور يوافق على ذلك . و قد قام الذكور بدور الإناث ، و مع أن هذه الظاهرة من مخلفات المسرحين الأفريقي والأزبيثي فإن للعرب في الشرق الأوسط أسبابهم الخاصة لذلك.

4) كان معظم الممثلين من أسرة النقاش نفسه ، رغم أن انتخاب الممثلين من الوسط الأسرى ليس قاعدة فإن الأخرين ضلوا ينتخبون ممثليهم من بين أفراد أسرهم .

وهكذا فان النجاح الذي حققه النقاش في عرضه هذه المسرحية شجعه على بناء صالة كبيرة للعرض إلى جانب منزله وقد حصل على فرمان يخوله العرض في تلك الصالة . وفي تلك الظروف كتب النقاش مسرحيته الثانية (أبو الحسن المغفل) سنة (1850) وهي المسرحية التي اعتبرها النقاد تعريبا لإحدى مسرحيات موليير، ولم يكن الأمر كذلك ، فعلى الرغم من أن أبا الحسن كان ساذجا ومخيلا ومدلها بالحب كبطل موليير فان عناصر الشبه بينهما تنتهي عند هذا الحد ...

كذلك أن النقاش استخدم في مسرحيته مادة من (ألف ليلة وليلة) أو هو صاغها على غرارها وتقوم فكرتها على أن أبا الحسن المغفل قد خول أن يصبح خليفة ليوم واحد بأمر من الخليفة هارون الرشيد إلا أنه لم يستطع أن يتأقلم مع وضعه الجديد فدخل في كثير من المفارقات .

وأما المسرحية الثالثة والأخيرة التي كتبها النقاش فهي تعريب لمسرحية موليير وقد عرضها النقاش تحت اسم (الحسود السليط) عام (1853) وقد اختلفت في بعض مواضعها عن النص الأصلي لمسرحية موليير .

كان موت النقاش وهو في سن والثامنة والثلاثين خلال رحلة تجارية إلى طرطوس ضربة قوية للحركة المسرحية العربية الحديثة وهي ما تزال في بدايتها ، وقد تأثرت الحركة المسرحية بذلك في أكثر من وجه فإلى جانب أن الحركة تأثرت بموت رائدها وحماسه وموهبته فإنها خسرت أيضا القاعة التي أنشأها لممارسة عروضه المسرحية والتي حولت من بعده إلى كنيسة تمارس فيها الطقوس الدينية وفي تلك الظروف بدأت تطل من جديد تلك المعارضة التقليدية لفن المسرح وكان المعارضون يتهمون الفنانين بضعف الوازع الديني .

بهذه الجهود الرائدة أرسى مارون النقاش أسس الفن المسرحي على قواعد متينة من فهم صحيح للعملية المسرحية ولكل ما يحيط بها من أبعاد على وجهها الصحيح ! ولا يعني هذا أن مسرحياته قد بلغت ذروة الإجادة ...بل يعني أن ما وراءها من تفهم فني كان صحيحا ...أما التطبيق فأمر صعب في هذه المرحلة .

،،
،

ناصر عبدالواحد
04-04-2008, 07:03 AM
الاخ الزميل حسن العلي

فقط للتوضيح

ناصر عبدالواحد عضو فرقة أفان للفنون المسرحية بسيهات

كما يسعدني أن اكون عضو في أمواج وباقي الفرق .

ومرة أخرى اهلاً وسهلاً بك في واحتك

( واحة الدراما والمسرح )


نتابع

حسن العلي
05-04-2008, 05:32 PM
http://bahrain2day.com/uploader/pic/masks.gif

أبــــو خليـــــــل القبــــــــــاني



كان أبو خليل القباني هو رائد المسرح العربي في سوريا ،وإليه يرجع الفضل الأكبر في وضع أسس المسرح الغنائي العربي ، حيث نقل الأغنية من على التخت الشرقي لكي يضعها فوق المسرح التمثيلي ، فأصبحت الأغنية بذلك جزءا من العرض المسرحي .

ولقد استمد القباني مسرحياته ، التي يبلغ عددها ثلاثين مسرحية ، من التراث العربي والتاريخ الإسلامي ، فيما عدا مسرحية واحدة ، هي مسرحية (متريدات) التي ترجمها عن الفرنسية عن الكاتب الكلاسيكي الشهير راسين .

والطابع الغالب على هذه المسرحيات هو الإنشاد الفردي والجماعي ، بالإضافة إلى الرقص العربي السماعي ، حيث كان القباني من أكبر أساتذة الموسيقى العربية علما وتلحينا وبراعة أداء ، وفضلا عن ذلك ، كان أديبا وشاعرا .

ويعتقد أن القباني المنتمي إلى أسرة تركية ، قد تأثر بالمسرح التركي ، وبما كان يمثل على مسرح ميخائيل نعوم من أوبرات وموسيقيات وكوميديات أكثر مما تأثر بالمسرح اللبناني أو بالمسرح الأوروبي .

خاصة وأن نعوم هذا كان يدير أكبر مسرح في عاصمة الخلافة العثمانية منذ سنة 1844 حتى سنة 1870 ، وأن القباني لم يكن يتقن أيا من اللغات الأوروبية ، وإنما كانت لغته الثانية هي اللغة التركية التي ترجمت إليها قبل ظهوره ، مسرحيات كورني وراسين وموليير وجولدوني ، فضلا عن الأوبرات التي كانت تقدم على مسارح استنبول ومنها مسرح بوسكو ، ومسرح فروي ، والأوديون ، والشرق ، والحمراء ، والكازار ، وقاضي كوى ، كل هذا وكان القباني لا يزال في الخامسة عشر من عمره .

وفي الثلاثين من عمره كان القباني قد استكمل معرفته بالمسرح التركي واللبناني ، وظهرت براعته في التلحين والغناء ورقص السماع ، التي اقتبسها من أستاذه الشيخ أحمد عقيل الحلبي ، أقدم على تأليف مسرحيته " ناكر الجميل " التي جمع فيها بين ألوان التمثيل والغناء والموسيقى ، واستمر في التأليف والاقتباس مستمدا موضوعاته من تراث العرب القدامى في القصص الشعبي ، ومما ترجم واقتبس في لبنان وفي تركيا من روائع المسرح الغربي .

اندفع القباني في نشاطه المسرحي بتشجيع من الولاة الأتراك وخاصة صبحي باشا ومدحت باشا أبي الأحرار ، ولكن حملات الرجعية اشتدت عليه حتى نالت منه ، عندما وشوا به إلى السلطان عبد الحميد ، وأوهموه أنه يفسد النساء والغلمان ، وينشر الفسق والدعارة ، فأمر السلطان بغلق مسرحه ، فارتحل إلى مصر ، حيث أسهم مع زملائه اللبنانيين في نشاط المسرح المصري المزدهر في ذلك الحين .

ومن أهم مسرحياته وأكثرها شهرة .. " هارون الرشيد " ، " عنترة بن شداد " ، و " السلطان حسن " ، و" أبو جعفر المنصور " ، "ملتقى الخليفتين " ، " أنس الجليس " ، "الولادة " وهي جميعها مسرحيات فيها جدة في الأسلوب ، وفصاحة في العبارة ، وطرافة في الحوار ، وأن تأرجح السياق اللغوي بين النظم والنثر ، كما هو الحال في مسرحيات النقاش ومن حذا حذوه .

وربما كان القباني يقصد من وراء هذا ، إلى إقامة وشائج قربى ولو في الأسلوب والمظهر ، بين المسرحية الناشئة الدخلية ، وبين ألوان الأدب العربي القديمة والأصيلة ، وفوق هذا وذاك ، فإن عامة هذه المسرحيات كما يقول زكي طليمات ، لم تكن مقصورة على فن التمثيل فحسب ، بل تجاوزتها إلى صميم الموسيقى والرقص حيث استقام خلط الكلام بالغناء بشكل أتم وأبرز مما ورد في المسرحيات الأولى ، كما أنه فتح المجال لنوع من الرقص العربي الجماعي القائم على السماع ، مما جعل منه بحق رائد المسرحية الغنائية القصيرة أو الأوبريت في المسرح العربي .


المراجع

- المسرح فن وتاريخ "جلال العشري " ، الهيئة المصرية العامة للكتاب
- المسرح " محمد المندور " دار المعارف .

.
.

حسن العلي
06-04-2008, 04:45 AM
http://bahrain2day.com/uploader/pic/Brecht.gif

بيـــــــرتولت بريــــــــــخت ( 1898- 1956)



شاعر ومنظر ومخرج ومؤلف مسرحي ألماني . ولد في عام 1898 . يعتبره الدكتور :كمال عيد في كتابة فلسفة الأدب والفن أشهر المتعاملين مع الأغراب ، وأنه صاحب الملحمية الألمانية ومؤلف الأرجانون الصغير ومؤسس مسرح البرليير أنسامبل في برلين الشرقية الذي دعا الى نظرية مسرحه الملحمي . درس الطب قرب ( ميونيخ ) إلا أن قصيدته ( أسطورة الجندي القتيل ) جعلت السلطات النازية تحرمه من حق المواطنة . كان برخت قوميا في مطلع شبابه ، وخاض الحرب العالمية الأولى بحماسة .
ظهرت أول مسرحية له في عام1941 بعنوان ( الكتاب المقدس ) .في عام 1918 ألف بريخت مسرحيته الناضجة الأولى بعنوان (بعل ) ،إلا أنها كانت غير محتشمة فلم يجد مخرجا يقبل بإخراجها . وبادر والده باقتراح طبعها ونشرها على نفقته الخاصة شرط أن يقبل بريخت بعدم نشر العائلة على الغلاف والاكتفاء بنشر اسمه الأول ، فرفض عام 1919 ألف مسرحيته ( طبول في الليل ) وفي نفس العام نشأت بينه وبين فتاة تدعى (Die Banholzer ) علاقة عاطفية وأنجب منها طفله الذي قتل في غارة جوية خلال الحرب العالمية الثانية . وظهرت له عدة مسرحيات (دغل المدن أو في المستنقع 1923) و (ادوارد الثاني 1924)(النهاية السعيدة 1929 ) (نهضة وسقوط مدينة ماهاغوني 1932 ) و (للإجراءات المتخذة و الأم 1932 ) . وفي عام 1926 كتب ( الرجل رجل ) وهذه المسرحية كانت الخطوة الرئيسية في تخطيه لذاته وتجاوز مسرحة السابق ليلج في عالم (المسرح الملحمي ) وكتب أيضا (السيد بنتيلا ورجله ماتي 1940 ) و (دائرة الطباشير القوزاقية و رؤيا سيمون ماتشارد 1942 ) . في عام 1955 - 1954 نال بريخت جائزة لينين للسلام (التي كانت تسمى في ذلك الوقت جائزة ستالين).لقد استطاع بريخت أن يجدد في حقل المسرح بكل ما في كلمة تجديد من معنى . لقد أبدع بريخت عالما مسرحيا جديدا .

المراجـع

1. جون غاسنر - إدوارد كوِن ، قاموس المسرح - مختارات من قاموس المسرح العالمي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر .

.
.

حسن العلي
07-04-2008, 02:35 AM
هـنريـــــــــــك جـــــــــون إبســـــــــن


كاتب مسرحي نرويجي من كتاب المسرح العظام في العالم. تتسم نظرته للحياة بالعمق والشـمول ويتسـم مسرحه بدقة المعمار والاقتصاد مع تعبير شاعري دقيق. وإذا كانت مسرحياته نادراً ما تأخذ الشكل التراجيدي إلا إنها عموماً تتخذ المزاج التراجيدي أو المأساوي الجـاد. ولقـد كتب أولى مسرحياته (كاتالينا )عام 1850 وجاءت ميلودراما مليئة بالإمكانات التي لم يرها معاصروه. وفي عام 1851 عمل إبسن كمساعد في مسرح بيرجين ثم سافر إلى الدنمارك وألمانيا لدراسة التكنيك المسـرحي. وفي عام 1854 كتب مسرحية السيدة إنجر من ستوارت Lady Inger of Ostrat وهي مسـرحية تجري أحداثها في العصور الوسطى في النرويج المعاصرة لإبسن. وفي عام 1855 كتب مسرحية تتناول موضوعاً من العصور الوسطى بطريقة رومانسية شاعرية مليـئة بالحـديث عن أمجاد النرويج السابقة وقد حققت قدراً من النجاح.

وفي عام 1862م أفلس مسرح بيرجين وأصبح إبسن مديراً فنياً للمسرح النرويجي في مدينة أوسلو وفي نفس العام قدم له المسرح مسرحية شعرية ساخرة تظهر الجانب الآخر من فنه. قوبلت المسرحية ببعض العداء ولكنها نجحت في لفت الأنظار إلى إبسن. وفي نفس العام قدم له المسرح مسرحية شعرية ساخرة تظهر الجانب الآخر من فنه. قوبلت المسرحية ببعض العداء ولكنها نحجت في لفت الأنظار إلى إبسـن. وفي عام 1863 قدمت له مسرحية تاريخية تمتازبالتحليل النفسي والشاعرية. وفي نفس العام حصل إبسن على منحة مكنته من زيارة إيطاليا وألمانيا. وبعد ظهور مسرحيته براند Brand 1860 تلقى معاشاً ثابتاً من الدولة أمن له مسـتقبله ، ورغم أن إبسن قضى بقية أيامه في الخارج إلا أنه لم يفقد اهـتمامه أبداً بالسـياسة النرويجية ولم ينس للحظة واحـدة أنه نرويجـي. كان يعيش في روما حيث كتب مسرحيته براند - تلك المسرحية التي نرى فيها لأول مرة قوته المميزة وجـديته وبحـثه عن الدوافع الكامنة وراء الأفعال. وفيها يتضـح أيضاً منهجه الذي يظهر في مسرحياته المقبلة ويقوم على الإيحاء بطبيعة الحقيقة ضمنياً وبطـريقة غير مباشـرة عن طريق أسئلة لا يجيب عليها. أما بير غنت (Peer Gynt (1867 فهي دراسة كلية للشخصية النرويجية تتسم على عكس براند بالمرح والبهجة. وتشـترك مسرحيتاه براند وبيـر جنت في معالجتهما لمسألة المثالية الجامدة واللامسؤولية.

لم يكتب إبسن مسرحيات شعرية بعد بيرغنت. وفي عام 1869 انتهى من كتابة فورة الشباب وهي مسرحية ساخرة تدور حول موضوع طالما عالجه بلا هوادة هو الزيف والخـداع. وفي نفس العام بدأ عمله الكبير في مسرحية ملك الجليل وانتهى من كتابتها في 1873. وهي تتناول الصراع بين المسيحية والوثنية في الأيام الأولى للمسيحية في أوربا في عصر الإمبراطور جوليان.

بعـدها كتب 4 مسرحيات واقعـية تصور الحياة العادية في بلدة صغيرة معاصرة وتكشف بلا رحمة الأكاذيب التي تقوم عليها المجـتمعات. وأولى هذه المسرحيات أعمدة المجـتمع (1875-1877) The Pillars of Society تتناول الحياة العامة القائمة على أكذوبة ثم الحقيقة التي تكشف وتحرر هذه الحياة من الآكذوبة. ومع ظهور هذه المسرحية بدأت مرحلة تأليفه لما سمي " المسرحية المشكلة" The Problem Play وبذلك وضع إبسن نمط ما يسمى اليوم بالمسرحية الاجتماعية وأخذ يعالج المشاكل الكبيرة والقضايا المقعـدة. أما مسرحية بيت الدمية (1878-1879) Doll's House فتتناول حياة زوجية قائمة هي الأخـرى على أكـذوبة وحينما تفتح البطلة عينيها تضع نهاية لحياة الأسرة التي بدت سعيدة في أول المسرحية. أما مسرحية الشباح 1881 فتتناول زواجاً آخر تسسمه كـذبة. المسرحية الرابعة عدو الشـعب (1882) تتناول شخصية إنسان ينادي بالحقيقة في مواجهة مجتمع قائم على الكـذب وتمتاز هذه المسـرحية باقـتصاد في الأسـلوب وإحـكام في البناء جعلها أكثر المجـموعات تأثيراً في المسرح الواقعي بعد إبسـن.

وعلى رأس مجموعته التالية تأتي مسرحية " البـطة البـرية" (1883-1884) كبداية لمرحلة يلعب فيها الرمز دوراً أساسياً وينتقل اهتمام الفن من تصوير الفرد في المجتمع إلى تصوير الفرد وهو يحاول اكتشاف مناطق مجهولة للتجربة الإنسانية. وتدور المسرحية الثانية وهي روزمرشولم ( 1885- 1886) حول نمو فكر البطل واتصـاله بتقاليد النبلاء. أما سيدة البحر(1888) فتتناول التغلب على فكرة مسيطرة عن طريق المسؤولية والتحرر. وفي هيدا جابلر (1890) يتناول إبسن أثر المجتمع المتكلف على الفرد وبالتـالي تأثير الطبيعة وعدم التكلف. أما مسـرحية المهندس سولنس (1891- 1892) فتطغى فيها الرمزية أكثر من أي مسرحية أخرى وتتناول إشكالية الفنان والإنسان داخل الفرد.

تدور أيولف الصـغير (1894) حول العلاقات الزوجية وطبيعتها وطبيعة الحب وأنواعه وفي جون جابرييل بوركمان (1895- 1896) يتناول إبسن عبقرية لا تحقق ذاتها وعلاقة العبقرية بالمجـتمع. ثم تجـيء مسرحية حينما نسـتيقظ نحن الموتى (1897-1899) كآخر حكم لإبسن على علاقة الفنان بالواقـع.


المراجع

- د. فاطـمة موسى ، موسوعة المسـرح ، الهيئة المصرية العامة للكتاب.

- جون غاسنر- إدوار كون ، قاموس المسرح ( مختارات من قاموس المسرح العالمي) ، ت: مونس الرزاز، المؤسسة العربية للدراسات والنشــر- بيروت.

،،
،

حسن العلي
07-04-2008, 02:38 AM
أنطــــــــــون تشــيكـــــــــوف (1860- 1904)



قصصي أبدع في كتابة القصة القصيرة ومؤلف مسرحي . بدأ تشيكوف الكتابة كي يسدد نفقات دراسته للطب ومع الزمن تحولت هذه الوسـيلة إلى غاية فترك الطـب وأخـذ يكتب القصص القصيرة والمسـرحيات حتى أمسى في رأي الكثيرين أعظم قصصي وكاتب مسرحي في روسـيا.

بدأ تشيكوف باكورة إنتاجه المسرحي في مطلع ثمانيات القرن التاسع عشـر. وكانت معظم مسرحياته المبكرة ذات الفصل الواحد متأثرة بمسرحيات " نيـكولاي غوغول" الهزلية الساخرة وتضم مجموعته هذه "منولوجين" : " المحاضرة الهزلية عن مضار التدخين" و " أغنية الأوز". من أفضل مسرحياته: " الزفاف" (1889). و"اليـوبيـل" (1891). و" عرض الزواج" (1888). و" الدب" (1888) و "تراجـيدي رغم أنفه" (1889) و " روح الغابات".

أخرجت مسرحيته الرئيسـة " ايفانوف" في العام 1887 ثم تبـعتها كل من " النورس" , و"العم فـانيا" و " الشـقيقات الثلاث" وعمله الأخيـر" بسـتان الكــرز".

كثير من النقاد من روسـيا أو خارجها حاولوا دراسة قدرة تشـيكوف الفريـدة في الكتابة المسـرحية. واشار النقاد إلى أن مسرحياته تخلو من الحـبكة والذروة الدرامية وأن أشخاصه لا يتحاورون وإنما يرددون مونولوجات داخلية متوازية ، تعكس أحلامهم وأوهامهم ورؤاهم. وبعض النقاد يتحدث عن تشيكوف ككاتب واقعي وبعضهم يصفه بالواقعي السايكولوجي. وليس من الصعب تسمية واقعية تشيكوف " رمزية" أو "انـطباعية" وذلك لاعتماده على الرموز والتأثيرات الصوتية.

إن العنصـر الذي جعل من تشـيكوف درامياً عـظيماً هو إحســاسه بالمصـير الإنسـاني الموجـع. ومع هذا فقد منعت مسرحياته بعد الثورة البلشـفية إلا أن الثورة سرعان ما اعتبرته ناقـداً واقعياً لعهد القيصــر ، فصار تشـيكوف أحد أنبياء الثورة.

المراجع

- د. فاطـمة موسى ، موسوعة المسـرح ، الهيئة المصرية العامة للكتاب.

- جون غاسنر- إدوار كون ، قاموس المسرح ( مختارات من قاموس المسرح العالمي) ، ت: مونس الرزاز، المؤسسة العربية للدراسات والنشــر- بيروت.

،،
،

حسن العلي
09-04-2008, 12:17 AM
http://bahrain2day.com/uploader/pic/williams.jpg

تنـــــــــــيسـي ويـليــــــــــــمز




مؤلف مسرحي أمريكي. نشـأ في سانت لويس وانتسب إلى جامعة ميسـوري في العام 1929 وعمل - بالإضافة إلى أعمال أخرى - في شركة للأحـذية. تخرج في جامعة لووا في عام 1938. في هذه الفترة شرع يكتب مسرحياته التي كانت تعرض محـلياً.

أول نتاجه التجـاري كان " معركة الملائكة" وقد صـدرت في عام 1940، إلا أن الرقابة في بوسطن قررت إلغاءها. فعمد إلى تأليف مسرحيات أصيلة منها: The Genteleman Caller و The Galss Menagerie "معرض الوحوش" التي لاقت نجاحاً كبيراً. وضعها في العام 1945. بعدها أصـبح أحد أهم المؤلفيـن المسـرحيين في أميركا.

ثم توالت مسرحياته بعد ذلك بمعدل أكثر من مسـرحية في السـنة ومن هذه المسـرحيات :

- " لقد لمسـتني" (1945).

- " عربة اسمها الرغبة" (1947) ، A Street Car Name Desire

- " صـيف ودخان" ( 1948)

- " مهرجان الوردة" (1951) ، The Rose Tatto

- " قطة على سطح صفيح ساخن" (1953) ، Cat on a Hot Tin Roof

- " كاميـنو حقيقي" ( 1957) ، Camino Real

- " هبوط أورفيـوس" (1958) ، Orpheus Descending

- " مفاجأة الصيف الماضي" ، Sunddenly Last Summer

- " طائر الشباب الجميل" ( 1959) ، Sweet Bird of Youth

- " مرحلة التكيف" (1960) ، Period of Adjustment

- " ليلة الفـطاية"، The Night of Iguana

- " قطار الحليب لم يعد يتوقف هنا" (1963)

- " تراجيدية المقرعة " (1966) ، Salpstick Tragedy

- " أجيال ميرتل السـبعة" 1968 ، The Seven Descents of Myrtle



المراجع

- د. فاطـمة موسى ، موسوعة المسـرح ، الهيئة المصرية العامة للكتاب.

- جون غاسنر- إدوار كون ، قاموس المسرح ( مختارات من قاموس المسرح العالمي) ، ت: مونس الرزاز، المؤسسة العربية للدراسات والنشــر- بيروت.

حسن العلي
09-04-2008, 12:19 AM
http://bahrain2day.com/uploader/pic/masks.gif

لويــــــــــجي بيرانديــــــــللو 1867 -1936




شاعر وباحث وروائي وكاتب قصة قصيرة ومؤلف مسرحي إيطالي ، كتب عن نفسه قائلا : ( أنا ابن الفوضى ). كان ابن صاحب منجم . نال شهادة الدكتوراه في عام 1888 من جامعة ( بون ) . وقعت في عام 1904 له كارثة اقتصادية حيث دمر فيضان هائل منجم والده فأثرت على حياته الاجتماعية والعقلية والنفسية . وخلال الحرب العالمية الثانية أنجز عمله الرائع ( أنت على حق ) تلك المسرحية التي أمست إحدى أهم مسرحياته مع مسرحيتيه (فكر فيها مرة أخرى يا جياكومينو) و( ليولي 1956 ) أروع ما كتب وأشهر ما ألف في حقل المسرح .

وقد تحولت مسرحيته (مثل السابق ، ولكن أفضل) 1920 إلى فيلمين سينمائيين . وقد سرت إشاعات حول علاقة له بالممثلة (مارتا آبا ) ويقال أن موسوليني سأله مرة : لماذا لا تضاجعها ؟ فثار بيرانديللو وقال أن هذا الرجل مبتذل . كتب أكثر من 44 مسرحية . ومسرحياته المسماة بالمسرحيات الفلسفية (أنت على حق ) و (ست شخصيات ) و (انريكو IV ) التي كتبت بين عام 1917 والعام 1924 جلبت انتباه الناس والعالم . من مسرحيته الهامة (متعة الصدق 1928 ) و (العاري 1928 ) و ( كما تريدني 1931 ) و ( ستر العرايا 1952 ) و ( حكام اللعبة ) و ( لا أحد يعرف كيف ) .

.
.

حسن العلي
12-04-2008, 05:57 AM
وليــــــــــــــم شكســــــــــــبير (1564- 1616)



درامي وشاعر إنجليزي. ولد في "ستراتفورد" في 26 إبريل 1564. لم ينل شكسـبير حظه من التعليم الجامعي وكانت حياته تتميز بإنها فريدة. لقد كانت سيرة حياة كل المؤلفين في العهد الإليزابيثي تدل على أنهم عاشوا الاغتراب أو الاستلاب سواء على المستوى العائلي أو الاجتماعي أو المزاجي والانهماك الكلي في حياة العاصمة. إلا أن شكسـبير بقي بخلاف معاصريه ودوداً للناس ونظام القيم السائدة.

اضطر وليم شكسـبير إلى العمل في سن الثالثة عشر بعد أن ساءت أوضاع والده المادية. ولما بلغ الثامنة عشر تزوج ورزق وزوجته بطفلة ثم بتوأمين.

كان عمره حوالي الحادية عشرة حين أسست المسارح في لندن ولا شك أن شكسـبير كان قد حقق نجاحاً كمؤلف مسرحي في العام 1590م حين ظهرت مسرحيته هنري السادس .. ولعله كان يؤلف ويمثل منذ أعوام عديدة قبل هذا التاريخ.

في عام 1592 توقف النشاط المسرحي في لندن بسبب الطاعون واستمر ذلك حتى العام 1594. في تلك الفترة نظم شكسبير شعراً قصصياً.

وفي عام 1594 أمسى مع ريتشـارد بيربيج " نجم" المسرح الصاعد وعضواً مشاركاً في فرقة اللورد تشامبيرلين وهي فرقة محترفة أنشئت إثر انقطاع الطاعون وتوقفـه.

كتب ومثل خصـيصاً لهذه الفرقة لمدة الثمانية عشر سنة التالية التي قضاها في لندن. وقد كان شكسـبير يمتلك عشر المبـنى الذي خصصته الفرقة لإقامة مسرحها الكوني - The Globe.


المراجــع

- قاموس المسـرح - مختارات من قاموس المسرح العالمي ، جون غاسنر - إدوارد كون ، ت: مؤنس الرزاز ، المؤسسة العربية للدراسات والنشـر ، بيروت.

.
.

حسن العلي
12-04-2008, 06:01 AM
برنـــــــارد شــــــو( 1856 ـ1950 )



* روائي ومؤلف مسرحي وصاحب موقف سياسي .

* ولد في مدينة دبلن .

* كان والده سكيرا مدمنا للكحول ، و أمه فوضوية عاجزة عن تحمل مسؤولية عائلة . استمد برنارد شو مواهبه عن والديه على الرغم من سلبياتهما . فقد ورث عن أبيه عادة استلهام النكات من المواقف المؤلمة ، وعن أمه عادة الانسحاب من فوضى الحياة اليومية لينصرف الى التمتع بالفنون بمختلف أشكالها . وعن رأيه عن المدارس يقول برناردشوإنها " ليست سوى سجون ومعتقلات ، لذا فهو لم يتعلم من المدارس .

* تعرض برناردشو إلى "أزمة تحديد الهوية" أي أنه لم يكن يعرف ما الذي كان يريده من الحياة ، و لا الدور الذي يريد أن يلعبه فيها ، وحينها كان في العشرين من عمره . مما دفعه إلى مغادرة دبلن إلى لندن . وكذلك غادرت إلى هناك أمه التي انفصلت عن أبيه ولجأت هناك إلى شقيقيه .

* كان برنارد شو يعتمد في إعالة نفسه على أمه وبعض الكتابات الصحفية من نقد فني و موسيقى و عرض للكتب في الصحف والمجلات .

* آراء شو و آراء ماركس : استمع برنارد شو إلى هنري جورج ـ صاحب مشروع إصلاحي زراعي ـ و هو يتحدث عام 1882 . ولابد أن حديث جورج هذا قد حول شو إلى الاهتمام بالأمور الاقتصادية . وحين حاول مناقشة أحد مواضيع جورج الاقتصادية في أحد اجتماعات جمعية هندومان الديموقراطية(هندومان أحد أتباع الإنجليز القلائل) ، منع من ذلك إلا بعد قراءة كارل ماركس . وحين ظهر عمل من الأعمال الإنجليزية الإشتراكية الكلاسيكية بعنوان " أبحاث فابيه في الإشتراكية" كان برنارد شو محرر الأبحاث الوحيد الذي تناول ماركس مناقشا و مجادلا . و يمثل رد شو على نظرية ماركس في فائض القيمة علامة بارزة أخرى في حياته .

* برنارد شو كان أحد مفكريِّ الإشتراكية الفابية الأساسيين .

* قال شولفرانك هاريس ـ أحد الذين كتبوا عن سيرة شو ـ "أنه كان متزوجا من العزوبية، وأنه ظل بكرا لم يمارس الحب حتى التاسعة و العشرين من عمره".

* تخللت الثلاثينات من عمره بعض العلاقات مع عدة نساء . إلا أنه عزم حين بلغ الثالثة والأربعين من عمره أن يعيش مع رفيقة عمره وهي تشارلوت بيتاونشيد فتزوجها عام1898. . . ولكن دون ممارسة الحب ودون إنجاب ، وهي إمرأة إيرلندية كان قد لقيها في أجواء الفابيين ، وقد شاعت أيضا أقاول حول محبة شو للممثلة باتريك كامبل .

* من أقوال شو :

* " نعم ، أرغب في المضي الى وطني ومغادرة الجحيم . . . أريد أن أموت . . . لكنني لا أستطيع ، لا أستطيع ".

* "إذا فشلت تجربة لينين . . . انهارت الحضارة " ؟؟!!


كتاباته و مسرحياته

في العام 1879 كتب روايتيه " عدم النضج " و " العقدة اللاعقلانية".
في العام 1881 كتب رواية "الحب بين الفنانين"
في العام 1882 كتب رواية " مهنة كاشل بايرون "
في العام 1884 كتب رواية الاشتراكي و اللااشتراكي "
في العام 1892 انهى شو كتابة مسرحيته " بيوت الأرامل "التي تصور النظام الرأسمالي فتنتقده ، وتسخر منه .
في العام 1893 ألف مسرحية " العابث " ثم " مهنة السيد وارن "
في العام 1894 كتب مسرحية "السلاح والإنسان" أو " الذراع والإنسان "
في العام1895 كتب مسرحية " كانديدا "
في العام 1899 ألف مسرحية " لن تستطيع أن تتنبأ "وكتب أيضا مسرحيات أخرى بعنوان " ثلاث مسرحيات للمتطهرين " و" حواري الشيطان " و "قيصر وكليوباترا"
وفي العام 1900 كتب مسرحية " تحول الكابتن براس باوند "
ثم هناك مسرحيته الإنسان و الإنسان الخارق التي كتبها عام 1905 والتي يعتبرها النقاد من أفضل المسرحيات الكوميدية التي كتبت في القرن التاسع عشر وتكمن عظمتها في شخصياتها الفنية والحوار الرائع .وهي مسرحية تنم عن تأثر شو بكل من داروين وبيرجسون ، على أنه ينحو في هذه المسرحية منحى يشدد على الربط بين التطور والسياسة . إذ أن شو الملحد الذي لم يعد يؤمن بعالم خالد فوقي أو علوي ، أخذ يبحث عن إحساس يرتبط بالنظرة الحديثة إلى التاريخ والتطور التي ترى أن ثمة حركة أبدية تحمل الإنسان نحو أهداف عليا وغايات فضلى باستمرار .

وكذلك من مسرحيات شو مسرحية "جزيرة جون بل الأخرى " و كذلك مسرحية "الرائد باربرا" وهي من المسرحيات المماثلة مسرحية "الإنسان والإنسان الخارق" ففي هذه المسرحيات جميعا نجد أنفسنا إزاء الشعور الذي عبر عنه نيتشه قائلا :" لقد مات الله " ، وإزاء البحث عن بديل لله كتب مسرحية عربة التفاح في عام 1929 كذلك ألف مسرحية "القديسة جوان" في عام 1932 وفي نفس العام ألف مسرحية " لا أكاد أصدق" وفي عام 1933الف مسرحية "على الثلج" ومسرحية" جنيف" في عام 1938 وقد أظهرت هذه المسرحية الأخيرة عجز المؤلف عن إدراك حقيقة هتلر .


المراجـع
1. جون غاسنر - إدوارد كوِن ، قاموس المسرح - مختارات من قاموس المسرح العالمي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

.
.

حسن العلي
12-04-2008, 06:04 AM
جـــــــــان بـــــــــول ســــــــارتر(1905- 1980)



فيلسـوف وروائي ومؤلف مسرحي. بدأ حياته العملية أستاذاً. درس الفلسـفة في ألمانيا. خلال الحرب العالمية الثانية. حين احتلت ألمانيا النازية فرنسا انخرط سارتر في صفوف المقاومة الفرنسية السـرية.

بعد الحرب أصبح رائد مجموعة من المثقفين في فرنسا. وقد أثرت فلسفته الوجودية - التي نالت شعبية واسعة - في معظم أدباء تلك الفترة. منح جائزة نوبل للآداب عام 1964. تميزت شخصياته بالانفصـال عنه وبدت وكـأنها موضوعات جدال وحوار أكثر منها مخلوقات بشرية ، غير أنه تميز بوضع أبطاله في عالم من ابتكاره.

لم يكن سارتر مؤلفاً مسرحياً محترفاً وبالتالي فقد كانت علاقته بالمسرح عفوية طبيعية. وكان بوصفه مؤلفاً مسرحياً ، يفتقر أيضاً إلى تلك القدرة التي يتمتع بها المحترف بالربط بين أبطاله وبين مبدعيهم. كما كان يفتقر إلى قوة التعبير الشاعري بالمعنى الذي يجعل المشاهد يلاحق العمق الدرامي في روح البطل الدرامي.

تميزت موضوعات سارتر الدرامية بالتركيز على حالة أقرب إلى المأزق أو الورطة. ومسرحياته " الذباب" " اللامخرج" "المنتصرون" تدور في غرف التـعذيب أو في غرفة في جهنم أو تحكي عن طاعون مصدره الذباب. وتدور معظمها حول الجهد الذي يبذله المرء ليختار حياته وأسلوبها كما يرغب والصراع الذي ينتج من القوى التقليدية في العالم التقليدي الذي يوقع البطـل في مأزق ويحاول محاصرته والإيقـاع به وتشـويشه وتشويهه.

وإذا كان إدراك الحرية ووعيها هي الخطوة الأولى في الأخلاقية السارترية فإن اسـتخدامه لهذه الحرية وتصرفه بها - التزامه- هو الخطوة الثانية. فالإنسان قبل أن يعي حريته ويستثمر هذه الحرية هو عدم أو هو مجرد "مشـيئ" أي أنه أقرب إلى الأشـياء منه إلى الكائن الحي. إلا أنه بعد أن يعي حريته يمسي مشـروعاً له قيمته المميزة.

في مسرحيتيه الأخيرتين "نكيرازوف" (1956) و"سجناء التونا" (1959) يطرح سارتر مسائل سياسية بالغة الأهمية. غير أن مسرحياته تتضمن مسائل أخرى تجعلها أقرب إلى الميتافيزيقيا منها إلى السـياسة. فهو يتناول مواضيع مثل: شرعية اسـتخدام العنف ، نتائج الفعل ، العلاقة بين الفرد والمجتمع ، وبين الفرد والتاريخ. من مسرحياته أيضاً : "الشـيطان واللورد" و "رجـال بلا ظـلال".


المراجــع

- جون غاسنر - إدوارد كون ، قاموس المسـرح - مختارات من قاموس المسرح العالمي ، ت: مؤنس الرزاز ، المؤسسة العربية للدراسات والنشـر ، بيروت.

.
.

حسن العلي
12-04-2008, 06:07 AM
يوجيــــــــــن أيونســــــــــكو


. مؤلف مسرحي فرنسي من أصل بولوني .

. تتميز مسرحياته بمعالجتها الفلسفية لمصير الإنسان ، فهو كاتب عبثي يرى أن الإنسان محكوم عليه بالفناء بينما العالم المادي الثقيل محكوم عليه بالاستمرار ، وهو كاتب يعتمد على السخرية والتهكم .

. من مسرحياته :
ـ مسرحية " المغنية الصلعاء " ألفها عام 1950 يدور موضوع هذه المسرحية حول زوجين تقدمت بهما السن ، و على الرغم من ذلك نرى أن كليهما يجهل الآخر ، ويعجزان عن التواصل رغم أنهما أنفقا معا حياة مشتركة طويلة . و في هذا الوضع تصبح الأشياء البديهية أشياء غير مؤكدة يتطرق إليها الشك ، ويمسي الناس غير متيقنين من هويتهم و معانيهم .إن المغنية الصلعاء هي محاكاة ساخرة لحواراتنا وأحاديثنا المتبادلة ، ولما يسمى بالوضع الدرامي في حياتنا ، ولعجزنا عن الصمت . ترجمت هذه المسرحية إلى الإنجليزية بقلم " دونالد آلن " في العام 1965
ـ مسرحية " الصوت الجاف القوي " .
ـ مسرحية " الدرس " التي كتبها في العام 1950 .
ـ مسرحية " أميديا " التي كتبها في العام 1953 والتي يركز فيها على المرارة التي تتخلل العلاقة الزوجية بين زوجين ، فقد تلاشى الحب وحل محله شعور بالذنب . إنهما يشعران بوجود جثة في البيت تتضخم تدريجيا حتى تملأ البيت وتكاد تخترق جدران المنزل وتحطمها ، والجثة هنا رمز إلى حب الزوجين الذي مات .
ـ مسرحية " المقاعد " أو " الكراسي " .
ـ مسرحية " المستأجر الجديد " التي كتبها في العام 1957 .
ـ مسرحية " فتاه في سن الزواج " .
ـ مسرحية " الجوع والظمأ " .
ـ مسرحية " مشاجرة رباعية " .
ـ مسرحية " تخريف ثنائي " .
ـ مسرحية " لعبة الموت " .
ـ مسرحية " الثغرة " .


المراجـع
1. جون غاسنر - إدوارد كوِن ، قاموس المسرح - مختارات من قاموس المسرح العالمي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
.
.

حسن العلي
12-04-2008, 06:10 AM
رواد المســـــــــــــــــرح الإغريـــــــــــــــقي



إسخيلوس (525-456 ق م)

أول الكتاب المسرحيين العظام من المبرزين في معركتي ماراثون و سلاميس. لم يكن ينشغل في كتاباته بتوافه الأمور أو يقصد مجرد توفير التسلية للجمهور فكانت مسرحياته بعيدة المدى عظيمة التأثير .وعالجت مسرحياته مجموعة من الأبطال والملوك والآلهة الذين أوقعتهم الظروف في أزمات شديدة متفجرة .والمظنون انه كتب تسعون مسرحية لم يبقى منهى الا سبع نصوص كاملة وهي : الضارعات - الفرس- بروميثيوس مصفدا- سبعة ضد طيبة - والأورستايا

سوفوكليس(حوالي497-405 ق م )



http://bahrain2day.com/uploader/pic/sophocle.jpg


وأعظم الكتاب في العصور الأدبية كلها .فكانت حياته أقل إثارة من حياة إسخيلوس وإن كان اعظم منة ككاتب مسرحي ,وكاد أن يبلغ في حياته العملية والمسرحية مرتبة الكمال تقريبا. وقد ظلت مهارته الحرفية معيارا للكتاب المسرحيين ومثلاً أعلى لهم طوال خمسة وعشرين قرنا تقريبا ، فلم يستطع كاتب مسرحي آخر أن يجاريه بين العمق في التفكير والفن في التعبير ..سوفوكليس أستاذ في خلق الدوافع،وفي صناعة التوتر المسرحي وإثارة التهكم الدرامي وأستاذ في الشاعرية واتزان الأحكام. ولا بد لكل شخص يدرس المسرح أن يقرأ واحدة على الأقل من المسرحيات الثلاث :أوديب ملكا والكترا وانتيجون ، ومجموع أعماله سبعة أعمال. الثلاث السابقة وأوديب في كولون وواجاكس والتراقيات وفيلوكتيتس. وتعتبر مسرحية أوديب ملكا هي اكمل مسرحية كتبت على الإطلاق.

يوربيدس (حوالي485 - حوالي406 ق م)

كان مفكرا حرا وصاحب نزعة إنسانية عاش في عالم ينتشر فيه الخنوع والطاعة العمياء والتعصب الذميم .وعكست مسرحيات الظروف التي أحاطت به فمثلا على ذلك عام416 ق م أرسل الأثينيون حملة عسكرية وحشية ضد أهل جزيرة بيلوس فلما انتصروا ذبحوا الرجال وسبوا النساء .فخرج يوربدس عليهم بمسرحيته (النساء الطرواديات ) يصور فيها جريمة مماثلة لجريمتهم. وتعد هذه المسرحية أعنف هجوم شنه كاتب على الحرب حتى الآن .وقد مات يوربيدس في المنفى دون أن يذوق طعم الشهرة أو النجاح ،ولكن في القرن التالي لوفاته أصبح يوربيدس اكثر الشعراء الثلاثة شعبية .قد وصلنا من مسرحياته ثمانية عشر مسرحية اشهرها:الكترا- ميديا - النساء الطرواديات - هيبوليتوس - افيجينيا في الويس .

ارستوفان (حوالي448-حوالي385 ق م)

كان أعظم الكوميديين في عصره على الإطـلاق لما تمتـع به من فكاهة مدمرة وسخرية قاسية ومع ذلك لا تخلو مسرحياتة من ضعف في المعالجة الفنية أو التركيب الدرامي . وايضاً هو المؤلف الوحيد الذي بقيت لنا من أعماله عدة مسرحيات في نصها الكامل منها الضفادع والزنابير والسحب.

المراجع

1. المدخل إلى الفنون المسرحية ، هوايـتنج ، فرانك م.، دار المعرفة ، القاهرة ، 1970

.
.

حسن العلي
12-04-2008, 06:14 AM
نشــــــــأة المســــــرحيـــــــة عنــــــد الإغريـــــــــــــــق



أقدم المسرحيات التي عرفها الوجود في ظل كيانها المستقل هي المسرحيات الإغريقية ، وكان لنشأتها في بلاد اليونان علاقة بعقائدهم فقد آمن الإغريق بآلهة متعددة والتي كان منها الآلهة ((ديونيسوس)) إله النماء والخصب ، وبخاصة العنب والخمر ، وقد اعتادوا أن يقيموا لها حفلين أحدهما في أوائل الشتاء ، بعد جني العنب وعصر الخمور ، ويغلب عليه المرح وتنشد فيه الأناشيد الدينية ، وتعقد حلقات الرقص ،وتنطلق الأغاني ،ومن هذا النوع المرح نشأت الملهاة {الكوميديا} ، والحفل الثاني في أوائل الربيع حيث تكون الكروم قد جفت وتجهمت الطبيعية ، وهو حفل حزين ومنه نشأت المأساة {التراجيديا} ، وكان التمثيل أول الأمر يتكون من الرقص وبعض الأناشيد والأغاني التي تعبر عن حزنهم لغياب الإله والابتهال له لكي يعود سريعا ثم تقمص أحدهم شخصية ديونيسوس فكانت (الجوقة) الفرقة تشير إليه وهو على مسرح مرتفع ، ثم أدخل الحوار بينه وبين الجوقة .وكان الممثلون يظهرون وسط قومهم على هيئة البشر في نصفهم الأعلى وصور الماعز في نصفهم الأسفل ، ومن هنا اشتقت كلمة {تراجيدي} أي المأساة وهي مركبة من كلمة (أغنية) وكلمة (الجدي)تركيبا مزجيا .
وأخيرا وضع (( أسخيلوس )) 525 -456 ق.م أول مسرحية شعرية وهي الضارعات حوالي سنة 490 ق.م وكان فيها ممثلان رئيسيان بجانب الفرقة ، ثم ظهر ((سوفوكليس )) الشاعر الذي أدخل ممثلا ثالثا إلى المسرحية وقوى جانب التمثيل على جانب الغناء . وقد أدى هذا إلى تقدم سريع في الحوار المسرحي بدل ترانيم الجوقة. وإلى اهتمام الذين يكتبون للمسرح والقاء المزيد من العناية بالفن المسرحي .وكان أول من استخدم الممثلين أو بالأصح أول من مثل هو(( تسبس )) في سنة 535 ق.م وبهذا نجد أن اليونانين هم أول من اهتم بالمسرح ، ووضعوا له نظاما خاصا ، وعنهم أخذ العالم هذا الفن .

ويعد إسخيلوس وسوفوكليس ويوربيدس أعظم رواد التراجيديا ( المأساة) الإغريقية كما يعد أرستوفانيس رائد الكوميديا الإغريقية.

المراجع
1. عمر الدسوقي ، المسرحية : نشأتها وتاريخها وأصولها ، دار الفكر العربي.
2. شلدون تشيني ، تاريخ المسرح في ثلاثة آلاف سنة ، مكتبة الآداب ومطبعتها.

للمزيد من الإطلاع
1. إلاردس نيكول ، علم المسرحية ، مكتبة الآداب ومطبعتها- المطبعة النموذجية.

أتمنى أن يستفيد من هذه المعلومات القيمة كل مهتم بالمسرح ، و السؤال هو/ كيف نستفيد من هذه المعلومات ؟

وغداً يومٌ آخر ،،

.
.

حسن العلي
25-04-2008, 03:26 AM
سعد الله ونوس

ولد الكاتب المسرحي سعد الله ونوس عام 1941 في قرية (حصين البحر) محافظة طرطوس, سوريا.. درس الشهادة الابتدائية في مدرسة القرية, ثم تابع الدراسة في ثانوية طرطوس حتى البكالوريا وفي فترة مبكرة بدأ يقرأ ما تيسر له من الكتب والروايات, كان اول كتاب اقتناه وعمره 12 سنة هو (دمعة وابتسامة) لجبران خليل جبران, ثم نمت مجموعة كتبه وتنوعت (طه حسين وعباس العقاد وميخائيل نعيمة ونجيب محفوظ ويوسف السباعي واحسان عبدالقدوس وغيرهم).
في عام 1959 حصل سعد الله ونوس على الثانوية العامة وسافر الى القاهرة في منحة دراسية للحصول على ليسانس الصحافة من كلية الآداب جامعة القاهرة.. واثناء دراسته وقع الانفصال في الوحدة بين مصر وسوريا مما اثر كثيرا عليه وكانت هذه الواقعة بمثابة هزة شخصية كبيرة ادت الى ان كتب اولى مسرحياته والتي لم تنشر حتى الان وكانت مسرحية طويلة بعنوان (الحياة ابداً) عام 1961. وفي 1962 نشر في مجلة (الاداب) مقالا حول الوحدة والانفصال وكذلك عدة مقالات في جريدة (النصر) الدمشقية.
عام 1963 حصل على ليسانس الصحافة وانتهى من اعداد دراسة نقدية مطولة عن رواية (السأم) لألبرتو مورافيا ونشرها في (الآداب) وفي نفس المجلة نشر مسرحيته (ميدوزا تحدق في الحياة).. بعدها عاد الى دمشق وتسلم وظيفته في وزارة الثقافة.
عام 1964 اصابه نشاط ادبي حيث نشر ثلاث مسرحيات قصيرة في الاداب البيروتية والموقف العربي بدمشق وهي مسرحية (فصد الدم) و(جثة على الرصيف) و(مأساة بائع الدبس الفقير) بالاضافة الى العديد من المقالات والمراجعات النقدية.. وفي عام 1965 صدرت اول مجموعة له من المسرحيات القصيرة عن وزارة الثقافة تحت عنوان (حكايا جوقة التماثيل) وقد ضمت المجموعة ست مسرحيات منها (لعبة الدبابيس) و(جثة على الرصيف) و(الجراد) و(المقهى الزجاجية) و(الرسول المجهول في مأتم انتيجونا).
وفي عام 1966 حصل ونوس على اجازة دراسية من وزارة الثقافة وسافر الى باريس ليطلع على الحياة الثقافية هناك ويدرس المسرح الاوروبي, ولم يكتف بالمشاهدة والدراسة فقد نشر في (الآداب والمعرفة وجريدة البعث) عددا من الرسائل النقدية عن الحياة الثقافية في اوروبا.
كانت نكسة 1967 بمثابة الطعنة المسددة لشخص سعد الله ونوس عن قصد, اصابته بحزن شديد خاصة وانه تلقى النبأ وهو بعيد عن وطنه وبين شوارع باريس فكتب مسرحيته الشهيرة (حفلة سمر من اجل خمسة حزيران) ثم مسرحية (عندما يلعب الرجال) وتم نشرهم في المعرفة.. هذا مع عدد من الدراسات التي نشرت في الطليعة الاسبوعية السورية.
وفي نهاية هذا العام عاد الى دمشق حيث عهدت وزارة الثقافة اليه بتنظيم مهرجان دمشق المسرحي الاول في شهر مايو وبالفعل اقيم المهرجان وتم تقديم اول عرض مسرحي لونوس من اخراج علاء الدين كوكش وكانت مسرحية (الفيل يا ملك الزمان) التي كان قد انتهى من كتابتها عام 1969 قبل بدء المهرجان بفترة وجيزة, كما اخرج رفيق الصبان (مأساة بائع الدبس الفقير) وتم تقديم العملين في عرض واحد خلال المهرجان.
عام 1970 اجرى حوارين مع برنار دورت وجان ماري سيرو نشرا في المعرفة وكذلك اصدر بيانات لمسرح عربي جديد واختتم العام بنشر مسرحيته (مغامرة رأس المملوك جابر).
وفي 1972 كتب مسرحية (سهرة مع ابي خليل القباني) وعام 1976 ترجم كتاب (حول التقاليد المسرحية) لجان فيلار وأعد (توراندوه) عن مسرحية لبريخت تحمل نفس العنوان وترجم وأعد (يوميات مجنون) لجوجول.. بعدها حصل على منصب مدير المسرح التجريبي في مسرح القباني حيث كان عليه ان يؤسس هذا المسرح ويضع برنامجه. عام 1977 نشر في ملحق الثورة الثقافي على عددين مسرحية (الملك هو الملك) التي اخرجها فيما بعد المخرج المصري مراد منير وعرضها في القاهرة ودمشق حيث حضر ونوس العرض في دمشق وهو يعاني من السرطان الذي قضى عليه عام 1997.
كذلك نشر في العام 1977 دراسة (لماذا وقفت الرجعية ضد ابي خليل القباني) في نفس الملحق وعرضت (يوميات مجنون) في المسرح التجريبي من اخراج فواز الساجر, وأسس ورأس تحرير مجلة (الحياة المسرحية).. عام 1978 قدم مسرحية (رحلة حنظلة من الغفلة الى اليقظة) وهي اعادة تأليف لمسرحية بيترفايس, ثم ترجم مسرحية (العائلة توت) 1979.
بعد اصابة ونوس بمرض السرطان في اوائل التسعينيات لم يستسلم له وعاد الى الكتابة بعد فترة توقف طويلة شملت معظم الثمانينيات فقدم اعظم اعماله ومنها (منمنمات تاريخية) و(الليالي المخمورة) و(طقوس الاشارات والتحولات).. وقد تم عرض (طقوس الاشارات والتحولات) في لبنان ومصر بعد وفاته من اخراج المخرجة اللبنانية نضال الاشقر والمخرج المصري حسن الوزير).. كذلك مراد منير (الليالي المخمورة) على مسرح الهناجر بالقاهرة.

وفي حوار لونوس عام 1979 شرح تطور اسلوبه المسرحي قائلاً: (منذ منتصف الستينيات بدأت بيني وبين اللغة علاقة اشكالية ما كان بوسعي ان اتبينها بوضوح في تلك الفترة, كنت استشعرها حدثاً او عبر ومضات خاطفة, لكن حين تقوض بناؤنا الرملي صباح الخامس من حزيران, اخذت تلك العلاقة الاشكالية تتجلى وتبرز تحت ضوء شرس وكثيف.
ويمكن الان ان احدد هذه العلاقة بأنها الطموح العسير لان اكثف في الكلمة اي في الكتابة, شهادة على انهيارات الواقع وفعلاً نضالياً مباشراً يعبر عن هذا الواقع وبتعبير أدق كنت اطمح إلى انجاز (الكلمة الفعل) التي يتلازم ويندغم في سياقها حلم الثورة وفعل الثورة معاً.
لمن يكن دور المشاهد وحده يستوعب حدود الفعالية التي اتوخاها, لكن المناضل الذي اريد ان اكونه ليس في النهاية سوى كائن فعله الكلمات, ويتابع (حين عرضت المسرحية بعد منع طويل (يقصد حفلة سمر) كنت قد تهيأت للخيبة لكن مع هذا كنت احس مذاق المرارة بتجدد كل مساء في داخلي وينتهي تصفيق الختام.
ثم يخرج الناس كما يخرجون من اي عرض مسرحي, يتهامسون او يضحكون او ينثرون كلمات الاعجاب ثم ماذا؟ لا شيء اخر. أبداً لا شيء.. لا الصالة انفجرت في مظاهرة ولا هؤلاء الذين يرتقون درجات المسرح ينوون ان يفعلوا شيئاً اذ يلتقطهم هواء الليل البارد عندما يلفظهم الباب إلى الشارع حيث تعشش الهزيمة وتتوالد. )

وهكذا كان سعد الله ونوس مقاتلاً بالكلمة وحالماً بالحرية حتى آخر لحظة في حياته, فقد ذكرت زوجته فايزة شاويش انه لم يترك الكتاب والورق والاقلام حتى في ايامه الأخيرة بالمستشفى وهو يودع دنيانا.
ومن الأقوال الشهيرة له والتي القاها في مؤتمر المسرح بباريس قبيل وفاته (نحن محكومون بالأمل ولا يمكن ان يكون هذا نهاية التاريخ).

http://upload.wikimedia.org/wikipedia/ar/3/38/Wanoos.jpg

حسن العلي
25-04-2008, 03:41 AM
.
.

إن مصطلح ( الفلكلور ) قد يطلق على الشفوي من التراث الروحي للشعب ، وقد يطلق تحديداً على الأدب الشعبي الذي ينتقل شفوياً ، وقد يطلق على الشفوي من الثقافة عموماً .ولكن ( شعبية ) أي عمل ( فلكلوري ) تحدد من خلال تعبيره عن ذاتية الشعب ، بغض النظر عن كونه شفوياً أو مكتوباً ، عامياً أو فصيحاً ، مجهول المؤلف أو معلومه .
وتوظيف التراث الشعبي في المسرح يمكن أن يكون مرئياً أو مسموعاً أو بنيوياً نصياً . وإذا كان التوظيف المرئي والمسموع مرتبطاً بالحرفة المسرحية ، أي بالإخراج ، فإن التوظيف البنيوي النصي مرتبط بالتأليف ، وهو ما يهمنا في هذا البحث الذي سيتيح لنا الوقوف عند عينّات من الأعمال المسرحية العربية التي وظفت التراث الشعبي على هذا النحو . وسنقف بدايةً عند كاتب مسرحي عربي يعد من أبرز الكتّاب المسرحيين الذين امتلكوا ناصية التأليف المسرحي ونجحوا إلى حدٍ بعيد في كتابة نصوص مسرحية تجمع بين قابلية العرض وأدبية النص الذي يستطيع أن يعيش بمعزل عن خشبة المسرح بوصفه عملاً أدبياً يقرأ بمتعة كما تقرأ سائر الأعمال الأدبية السردية ، وهذا الكاتب هو سعد الله ونوس الذي تعامل مع التراث الشعبي السردي الشفوي و المكتوب على حدٍ سواء تعاملاً مبدعاً تجلّى في كثير من مسرحياته ، مثل " مغامرة المملوك جابر " و " سهرة مع أبي خليل القباني " و " الملك هو الملك " .

لم يكن سعد الله ونوس في المرحلة الأولى من حياته المسرحية يتعامل مع التراث الشعبي تعاملاً مبدعاً ، بل كان كان يتعامل معه تعاملاً يكاد يكون حرفياً ، فيكتفي بمسرحة الخامات التراثية دون حرص كبير على توظيفها ، ونقصد بهذه المرحلة الأولى مرحلة " مأساة بائع الدبس " و " الرسول المجهول مأتم أنتجونا " و " فصد الدم " و " المقهى الزجاجي " .
ففي مسرحية " الفيل يا ملك الزمان " يعمد ونوس إلى حكاية تتردد على الألسنة في مشرق الوطن العربي ومغربه ، لقد مسرح سعد الله ونوس هذه الحكاية الشعبية ، وقسمها إلى مشاهد ، وزرع الأدوار وأطلق أسماء على الشخصيات ، أي أنه فصلها . وكل ما أضافه إليها هو وقوف الممثلين في نهايتها ليؤكدوا للمتفرجين أنها حكاية ، وأنهم ممثلون عرضوها عليهم كي يتعلموا ويعلموا عبرتها ، وهي أن الفيلة توجد حين يجبن الشعب ويستكين ، فلا يطالب بحقوقه – كما جاء في الحكاية - . إلا إن سعد الله ونوس حين يتخطى المرحلة لأولى يتحرر من هذه السطحية في مسرحة التراث فيوظفه ، ويتخذه مجرد مسمار يعلق عليه لوحاته النابضة التي نذكر منها " مغامرة المملوك جابر " و " الملك هو الملك " التي وظف فيها حكاية رئيسة من حكايات ألف ليلة وليلة ، وإضافة إلى هذه الحكاية ، نراه يستفيد كذلك من بعض الحكايات الأخرى ، ولكن استفادته منها تظل محدودة جداً إذا قيست باستفادته من حكاية الملك هو الملك .. ويجدر بنا أن نتساءل عما أضافه سعد الله ونوس إلى تلك الحكاية الرئيسة بعد مسرحتها ؟ لقد أحدث ونوس تغييراً ما في الحكاية الأصلية شمل بناءها وشخصياتها وفكرتها على حد سواء . وبطبيعة الحال فإن التغييرات كانت تستهدف خدمة الأفكار التي أراد المؤلف أن يعالجها في مسرحيته ، وهي الأفكار التي نوجزها فيما يأتي :
1-أن الأنظمة السياسية في العصور القديمة والحديثة ، لا يمكن أن تتغير بإحلال فرد مكان آخر .
2- أن الحاكم ذاته قد يكون ضحيةً للنظام الذي يمثله والذي أفرزه .
3- إن الشعب في هذه المسرحية التي تجري أحداثها في العصر العباسي ظاهرياً يحكم عليه هو الآخر بالتنكر بوصفه طرفاً مناقضاً ، وهذا التنكر لا يمكن أن يزول في نظر ونوس إلا عن طريق العودة لحياة الفطرة الأولى عندما كانت حياة الإنسان " تجري كالجدول العذب " ، على حد تعبير عبيد في المسرحية .
إن ما يهمنا هنا هو أن سعد الله ونوس الذي قدم أحداثاً تراثية شعبية مستقاة من " ألف ليلة وليلة " ، جرت في العصر العباسي ، نجح إلى حدٍ بعيد في تجاوز ذلك الإطار الزماني الذي أسقط رؤاه على العصور الحديثة موظفاً ذلك التراث توظيفاً مسرحياً مبدعاً ، أي أن سعد الله ونوس لم يمسرح التراث مسرحة حرفية عقيمة ، بل استلهم التراث وجعل خاماته تخدم رؤيته الفكرية والجمالية.
ومن الكتاب المسرحيين العرب الذين وظفوا التراث الشعبي توظيفاً ذكياً مبدعاً الكاتب ألفريد فرج في مسرحياته " حلاق بغداد " و " علي جناح التبريزي وتابعه قفة " و " الزير سالم " . ففي المسرحية الأولى يمسرح فرج حكاية " محسّن بغداد " الواردة في كتاب " ألف ليلة وليلة " فيعيد بناء شخصية ذلك الحلاّق الذي كان مجرد ثرثار فضولي في " ألف ليلة " ثم أضحى في المسرحية رجلاً يحمل قضية كبرى ، فيحاول أن يصلح العالم ويغيث الملهوف ويرفع الضيم عن المظلومين ، ولكن عزيمته تفتر عندما تصادفه بعض الشدائد ، ويتوب عن التدخل في شئون الآخرين .
وفي مسرحية " على جناح التبريزي وتابعه قفة " نرى ألفريد فرج يستفيد من خامات سردية وردت في الألف ليلة ويعيد صياغة تلك الخامات موظفاً إياها بأسلوب متميز ومحكم . وهذا ما يفعله في مسرحيته " الزير سالم " التي استقى أحداثها من سيرة الهلاليين الشعبية ، واستطاع أن يشحنها بصراع درامي عاتٍ يجعلها تقترب كثيراً من التراجيديا الإغريقية . وهذا ما يؤكد براعة ألفريد فرج في إعادة صياغة هذه العناصر التراثية الشعبية وتوظيفها جمالياً فكرياً ، فالتاً من الوقوع في إعادة كتابة التراث كتابة شكلية بدلاً من قراءته قراءة واعية مبدعة .
ومن الكتاب المسرحيين العرب الذين وظفوا التراث الشعبي الكاتب العراقي يوسف العاني ، وخاصة في مسرحيته " المفتاح " التي استطاع أن يستفيد فيها من أغنية شعبية هذه المرة وليس من خامات سردية مكتوبة .
" والمفتاح عند الحداد – والحداد يريد فلوس – والفلوس عند العروس – والعروس بالحمّام – والحمام يريد قنديل – والقنديل واكع بالبير – والبير يريد حبل – والحبل بقرون الثور – والثور يريد حشيش – والحشيش بالبستان – والبستان يريد مطر – والمطر عند الله "
هكذا تقول الأغنية الشعبية التي لها نظائر في أرجاء الوطن العربي . والمفتاح الحقيقي الذي يقصده العاني هو مفتاح فلسطين السليبة ، ولكن الدرس المستفاد من المسرحية يمكن أن يعمم فيكون حصيلة للصراع بين ثنائيات الفقر والغنى ، والتطور والتقهقر ، والعبودية والتحرر ، ويؤنسنا إلى ذلك تلميحات وتصريحات شخوص المسرحية .
وهكذا نرى يوسف العاني هو الآخر يوظف الحكاية التراثية الشعبية توظيفاً مبدعاً ، ويجعلها تتمخض عن أفكار ورؤى لم تكن حبلى بها في صيغتها الأصلية .
وإذا كان هؤلاء الكتاب المسرحيون قد وظفوا التراث الشعبي فكرياً ، فإن هناك من استطاع أن يوظفه جمالياً مثل يوسف إدريس في مسرحية الفرافير ، وعبد القادر علولة الذي استخلص منهجاً فنياً في كتابة المسرحية وعرضها يعتمد على تقاليد " القوالين " الذين يتعاملون مع خيال المستمع عن طريق الكلمة .
وبعد ، فالذي نخلص إليه أن العودة إلى التراث الشعبي في المسرح العربي تأتي في سياق البحث عن الهوية والأصالة ، وإن كتابنا المسرحيين المعاصرين كانوا يمتحون من التراث الشعبي فيوظفونه مستهدفين التعبير من خلاله عن رؤاهم الفكرية والجمالية ، وهو ما يشكل إرهاصاً لاتجاه مسرحي جديد يمكن أن يكون رافداً يثري المسرح العربي والمسرح العالمي على حدٍ سواء ، فضلاً عن كونه يصدر عن هويةٍ متميزة .


بتصرف عن كتاب / دراسات في المسرح العربي المعاصر
دار الأهالي – الطبعة الأولى 1997
.
.

حسن العلي
25-04-2008, 03:48 AM
.
.

وعي الهزيمة .. قراءة في اعمال سعد الله ونوس المسرحية / نديم الوزة
بتاريخ الأحد 30 تموز 2006

http://www.al-khashaba.com/images/im/wnos.jpgماذا تعني الكتابة عن مؤلف مات بعد أن ترك مجموعة من الكتب تتفاوت أهميتها بين كتاب وكتاب، أو بين قارئ وقارئ؟ هل يعني ذلك أن سعد الله لم يزل لديه ما يقوله؟ أم يعني ذلك أن كاتباً مسرحياً آخر لم يلفت الانتباه بعد فيمكن الحديث عنه ويؤجل سعد الله الي وقت مستقطع بين الأوقات الفاعلة في مسيرة الابداع العربي؟
أسئلة كثيرة ومكررة، وقد لا تلقي أجوبة حاسمة طالما أن الواقع العربي وتجلياته السياسية والاجتماعية والثقافية، هو علي هذا الفوات الحضاري الذي يدمي العين والأذن واللسان، لا ديمقراطية، لا مستوي معيشيا مقبولا، لا وعي بما جري أو يجري، أو الي أين يمكن الوصول؟ هي أسئلة سعد الله ونوس علي أية حال، واستعادتها هي تأكيد آخر علي فشل أجوبته، أو بالأحري علي هزيمة الكتابة في مجتمع لا يقرأ، لأنه ببساطة لا يريد أن يعرف، لأنه ببساطة وجد أن أيّاً من جاهر بمعرفته وأراد أن يساهم بها في حراك أمته، لترقي الي مستوي امكانياتها، مات بالسوط أو بغيره.
استعادة الموت، نبش القبور، الدخول الي السجون، تلقي الصفعات والركلات والهزائم، الاصغاء الي النحيب والآلام، الي المؤامرات والدسائس، الخيبة والندم تحديداً، هو كل ما يمكن أن يجنيه المرء من قراءة ثانية وثالثة ورابعة... أولي وأخيرة لأدب سعد الله، أقول أدباً وأقصد ذلك، فقط ليمكن الحديث ويتشعب ويمتد امتداد حكايات هذا الواقع ووقائعه التي يستعيدها علي شكل شخوص هي غالباً أشباح تتحرك في دواخلنا، في ذاكرتنا، نتنفسها مع الهواء ونشربها مع المياه، أكثر مما نعايشها أو نعيشها في أفكارنا ورؤانا وأحلامنا، لذلك تبدو غريبة حيناً ومستحضرة حيناً، ولكنها هي من يصوغ وجودنا ويدفعه الي هذا الخراب الذي نتبرأ منه طالما هو بدوره يرفضنا، يرفض ما نفكر فيه، وبالتالي يرفض كل ما يمكن أن نقوله له.



ـ 1 ـ
أراد سعد الله أن يحتال، أن يظهر ذكاءه، دخل في مسامات هذا الواقع، في وحوله وهزائمه، وأخذ يكتب منذ البداية كان يعرف أنه يكتب أكثر مما ينشئ مسرحاً، فهو يعرف أن الذين يكتب لهم تعودوا علي السماع، علي التقاط الهمسات أكثر مما تعودوا علي المكاشفة، وربما كان يعرف أيضاً أن لا مسرح بلا كتابة، ولا كتابة مسرحية بلا أدب، بل هذه الكتابة دائماً أرادت أن تكون شعراً، أو اعتقدت ذلك، حتي بدا كما لو لم يكن لدي سعد الله أسئلة مسرحية، كان لديه هاجس أن يعبّر، أن يفضح، أن يشير الي موضع الألم.
كانت همومه في البداية كبيرة بحجم هذه الـ ميدوزا التي تحدق في الحياة بما يعني قلقاً وجودياً مبكراً وخطيراً. لكن من يصغي؟ من يفهم؟ والشعب الذي يكتب له هو شعب مقموع ببدائية، وجائع حتي لرغيف الخبز، فما الذي يعنيه أن تنتصر الآلة ـ الجسد، وينهزم الكمان ـ الروح؟ أو تنتصر الشهوة الحيوانية المبرمجة عقلياً وينهزم الحب بتجلياته الفنية والحسّية ـ بتأويل آخر لهذه المسرحية ـ؟ أسئلة ربما جاء بها سعد الله من عالم حديث ومتقدم، من لغة أخري ليس لديها مشاكل بسيطة مثل هذه التي نعيشها، بمعني ليس الاغتراب أمام الآلة ما هو ملح الآن، ماهو الملح اذن؟ حاول أن يطرح سؤالاً وجودياً آخر، ربما يجعله يقترب من واقعه، ومن الكون الذي يفكر به أو فيه أو من خلاله، فيكتب المقهي الزجاجي لكن لا فائدة أيضاً فنحن لا نصنع الزمن كي يؤرقنا بل مجرد التفكير في ذلك يعني خطيئة عقوبتها النفي والالغاء. لذلك أخذ سعد الله يستعير أفكاراً من أزمنة وأمكنة قديمة ويحاول صياغتها بالواقع المتخلف الذي نعيشه، فكر بالظلم المطلق، بالحظ العاثر، بالغبن الذي يشعر به الشقيق الأصغر تجاه أخيه الأكبر ومردوداته النفسية فكتب مسرحيته الجراد .
فكر بالفقير الذي يموت جائعاً مشرداً علي الرصيف ولا يجد من يدفنه سوي عابر ثري يأخذ جثته ليطعمها لكلبه الجائع، كما تحكي مسرحيته جثة علي الرصيف . فكر بالانسان المثقف المتعلم الذي يقتله رجال الجهل العابث الذين لا يفهمون الرجولة سوي تسلط وقسوة وتهور، كما في مسرحيته عندما يلعب الرجال . فكر بتجار المديح والموالي وصناع المناصب فصاغ كنايته الجميلة عن الكرسي في مسرحيته لعبة الدبابيس .
فكر بالمقاومة وكيف ينبغي أن تتخلص من أمراضها الاجتماعية والسلطوية كي تولد ولادة سليمة فكتب مسرحيته فصد الدم . فكر بسلبية الناس وخوفهم من السلطة ومداراتها فكتب مسرحيته الفيل يا ملك الزمان . هي بدايات، صحيح أنها قصيرة، لكنها تبرز الي أيّ حدّ كان طموح سعد الله بأن يتمثل القلق الانساني بشموليته، بعيداً عن آنية السياسي وتعسفه، بأن يتمثل تلك الرؤي التي تحاول كشف هشاشة الانسان واغترابه، وشعوره بالضعف أمام القوي التي تهدد كينونته: الآلة، الزمن، الارث الاجتماعي والنفسي والاقتصادي والسلطوي... ومن الطبيعي أن يأتي مثل هذا التمثل انزياحاً لغوياً لاعتبارات آنفة، انزياحاً هو أقرب الي القصة الحوارية منه الي الفعل المسرحي.
وبالطبع كذلك لم يأت هذا القول حكماً سلبياً طالما أن سعد الله كان قد صرح به في مقدمة مسرحيته ميدوزا تحدق في الحياة أولي مسرحياته المنشورة، انه توصيف لاهتمام الكاتب الشاب، لعشقه اللغوي، ولشغله علي اللغة طيلة حياته الابداعية باعتبارها الحامل الأول لمسرحياته دون أن يعني ذلك اغفالاً لاستقلالية المسرح كفن ينبغي تمثيله. علي أية حال تتضح أهمية هذه المسرحيات القصيرة تاريخياً أو بالأحري كتأريخ لابداع كاتبها من جهتين: الأولي أنها تبرز مقدرة سعد الله علي صوغ حكاية ـ أو استعارتها ـ في قالب مسرحي. والثانية أهمية الأفكار التي يتصدي لها وعمقها في كشف معاناة الانسان ولا سيما ما هو جوهري في كينونته.
اضافة الي هاتين الناحيتين تمتاز حكاية جوقة التماثيل بأنها المسرحية الأولي التي منحت سعد الله ونوس لقب الكاتب المسرحي ـ كما أري ـ فهي بحكايتيها: بائع الدبس الفقير و الرسول المجهول في مأتم انتيغونا تبدو وكأنها تتويج ابداعي لمرحلة البدايات، فهي علي الأقل تشي بالتركيبة الفنية التي ستظهر فيما بعد في أكثر من مسرحية وعلي أكثر من شكل، وهي بالأصل لم تغب عن سردياته المسرحية عبر هذا المزج الأدبي بين ما هو سردي وحواري بمهارة توضح مقدرة أو موهبة أصيلة في كيفية الحكي وتمثله بأساليب الكتابة والعرض معاً.
اذن في حكايا جوقة التماثيل يستمر سعد الله بانزياحاته اللغوية، ولكن باضافة بعد مسرحي تقليدي يتمثل باستعادة أو بمساءلة المسرح اليوناني علي وجه الدقة وما يمثله من قيم فلسفية وسياسية كانت الجوقة هي من تقوم بدورها في المسرحيات الاغريقية المعروفة. هذا الضمير الجمعي للحق والخير والجمال الذي انهار مثالاً وراء الآخر أمام بؤس الواقع وسلطاته القمعية في حكاية بائع الدبس الفقير لينحل ويتلاشي تماماً في المكان ذاته ولكن عبر الحكاية الثانية الرسول المجهول في مأتم أنتيغونا لا تمثل بموتها موت المثل والقيم المشار اليها وحسب وانما تؤكد علي أنّ للمسرح في زمن الكاتب ومكانه دوراً آخر يختلف تماماً عن دوره في أيام ازدهار الديمقراطية الأولي وازدهار التساؤلات الكبري للذات الانسانية عن العدالة والحق والشر والعقاب، تساؤلات بقيت مطروحة في هذه الحكايا وبانزياح شعري يتمثل باضمحلال الشر ذاتياً ليعود بفكرة القدر القديمة من المسرح الاغريقي ذاته. لكن ما هو أهم في هذه المسرحية أكثر من غيره أنها استطاعت أن تركب بين زمنين مسرحيين متباينين: الأول هو الزمن الاغريقي القديم، والثاني هو الزمن العربي المعاصر، ليسائل أحدهما الآخر في مسرحية واحدة هي بائع الدبس الفقير أو الرسول المجهول في مأتم أنتيغونا ، ولتجعل في مكان الحكي في الوقت نفسه قابلاً لحكايات متعددة هي حكايات العالم أو الانسانية مطلقاً. وعلي هذا لا يبدو سعد الله في هذه المرحلة مهتماً بانشاء مسرح عربي أو حتي التفكير بذلك طالما أن ما يعاني منه هو نتيجة لامتداد تاريخ انساني متكامل، ولصراع تعيشه البشرية جمعاء بما ينفي أية خصوصية تاريخية سوي خصوصية المؤلف وطبيعة كتابته الأدبية.
ـ 2 ـ
مواجهة الواقع المتخلف بثقافة حداثوية متحررة كانت شغل المبدعين العرب في القرن العشرين، ولكن من غير أن يمتلكوا أدوات التغيير فيه، لأقل الأدوات الابداعية لذلك. وهذا ما يمكن ملاحظته في بدايات سعد الله أيضاً، اذ ثمة غربة تقترب كثيراً من قراءة الحكايات الأجنبية المترجمة حتي في مسرحيته حكايا جوقة التماثيل كان لحضور البعد الاغريقي أثر مُخِلّ في تناول المشاكل المحلية أكثر مما هو مخلخل لها ـ هذه المرة سوف يتم تجاوزه حتي في المسرحيات المقتبسة كما هو آت ـ لكن ليكن الحديث عن تحول أساسي بعد هزيمة حزيران (يونيو) التي أرخ لها سعد الله في مسرحيته الشهيرة حفلة سمر من أجل 5 حزيران حيث المسرح بدأ يستجيب للواقع ويدخل في تركيبه الذهني والفني بطريقة يمكن الحديث من خلالها عن تمثل عربي لهذا الفن الوافد الينا مؤخراً، بما يزيد بقليل عن قرن من الزمن. لكن قبل ذلك، وفي هذه المسرحية بالذات، أودّ التوقف عند رؤية سوف تلازم سعد الله فيما سيكتبه لاحقاً وربما هي ما أفضت الي مسرحيات أخري تلامس ما أتحدث عنه بل وتتطور عنه برؤية واضحة لابداع مسرح مختلف وأكاد أقول محليا. غير أن هذه الفكرة الأساسية التي ينبغي البدء بها بعبارة أدق تتحدث عن تركيب رؤيوي للفعل المسرحي يتجاوب وفعل القول بما هو الواقع أيضاً. بمعني آخر ان ادخال المتفرجين في صلب اللعبة المسرحية هو حاجة فعلية لقولها، وليس رؤية فنية مستعارة من التغريب البريختي مثلاً، وهذه الحاجة نفسها هي ما دفعت سعد الله للابتعاد عن لغته الانشائية من أجل الاقتراب من لغة تتواءم والفعل المسرحي بعد أن كانت تحاول الانابة عنه. وهي بالتالي أصبحت لغة متعددة بتعدد شخصيات هذا الفعل وتباين مستوياتها الاجتماعية والنفسية والثقافية، وبالتالي قد لا تبرز أهمية مسرحية مثل حفلة سمر من أجل 5 حزيران في تصديها للهزيمة وتداعياتها ـ فهي لم تقل شيئاً جديداً يمكن فعله سوي اشراك الجماهير حقيقة في العمل السياسي وهذا ما لم يتحقق حتي في المسرح ـ بقدر ما تبرز في كونها شكلت حافزاً للبحث عن أشكال جديدة للفرجة ليس من الضروري أن يكون متعارفاً عليها عالمياً. لكن كيلا يبدو هذا البحث رؤية فنية وحسب يعود سعد الله الي كيفية هذه التركيبة وليس الي الرؤية اليونانية التي أظهر فشل محاكاتها عربياً ليصغي الي الحكاية العربية بل والي كيفية حكايتها ليكتب مسرحيته مغامرة رأس المملوك جابر اذ وكما هو معروف أن كرسي الحكواتي هو أول شكل من أشكال التفرج الحكائي العربي، وربما الحيوية القائمة بين الراوي ومن يصغي اليه، طقسية هذا الروي، وتبادل الآراء والتعليقات وانقسامها واختلافها حول ما يروي، هي ما أغرت سعد الله بالاستفادة من كل ذلك في مفهومه للمسرح السياسي الذي جاء عفوياً ربما في مسرحيته السابقة حفلة سمر ليأخذ منحي جمالياً مقصوداً لذاته في هذه المسرحية، في تركيبها بين زمن الحكي القديم وزمن الاصغاء الجديد من جهة، وحكاية سعد الله للزمنين مجتمعين والتفرج عليها مجدداً من جهة أخري.
ذات التركيبة ينشئها سعد الله في مسرحيته التالية سهرة مع أبي خليل القباني ليؤكد اهتمامه بأشكال الفرجة العربية، ولكن ليظهر، هذه المرة، الولادة العسيرة للمسرح العربي في سورية، لاستقبال هذا المسرح بكثير من الحذر والريبة، ومن ثم المواجهة بين أبي خليل القباني وقوي التخلف في المجتمع العربي بما فيها القوي الفنية التي انتصرت لأشكال الفن القديمة كمسرح الظل والفنون الدينية. أما أهمية هذه المسرحية فربما تعود أساساً الي كونها عززت رؤية سعد الله للمسرح العربي الجديد أو السياسي كما يحلو له أن يسميه، وأوصلتها الي ذروة الحلم أو امكانيته وذلك باستنفاذ أشكال الواقع وتطلعه الي صيغ جديدة للحوار كان نتيجتها حرق مسرح القباني في النهاية!. ما يمكن قوله بهذا الصدد ان رغبة سعد الله في إنشاء مسرح ديمقراطي عربي في مسرحياته المتتالية حفلة سمر من أجل 5 حزيران و مغامرة رأس المملوك جابر و سهرة مع أبي خليل القباني علي أنقاض ديمقراطية المسرح الاغريقي القديم كما يمكن الاستنتاج سطحياً بالمقارنة مع مسرحيته السابقة حكايا جوقة التماثيل انما هي رغبة استفاد منها المسرح العربي فنياً ربما، أقصد بتوظيف أشكال الفرجة المحلية لكسر الحاجز التقليدي بين مكان العرض ومكان التفرج بأسلوب يتجاوب وطبيعة الكتابة المسرحية أو طقسها المتعارف عليه في تراث الحكي العربي، لكنها فشلت في المقــابل أن تحقـــق غايتها أو هدفها في خلق تقاليد لذلك، وقد يكون الواقع السياسي المستبد من أهم الأسباب التي أعاقت سعد الله في ابداع أشكال اخراجية غير تلك التي سمع بها أو رآها، هي ذات الأسباب التي عاني منها أبو خليل القباني ولكن بتجليات أكثر خفاء.
هذا الوعي بالهزيمة، بعدم قابلية العرب للحوار، وبالتالي للمسرح، هو ما دفع سعد الله للارتداد الي دوره الأساس، دور الكاتب الذي ينظر الي عالم علي أنه مسرح ينبغي كشف لعبته، لعبته السياسية التي لم تزل ملحة بشكلها التقليدي ولكن خارج الأطر المحددة للنزعات السلطوية بمختلف ايديولوجياتها التي أفشلت مسرحه أو أجبرته علي الانكماش ولو الي حين، أقصد السلطات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية غير الحاكمة بالضرورة والتي تملك منصباً علي أتباعها هو ذات المنصب الذي يشغله ملك في مكان وزمان غير محددين ليدل علي تشابه السلطات الاستبدادية مهما كان شكلها. وعلي الأرجح هذا ما أراده سعد الله أو ما فهمته من عنوان مسرحيته الملك هو الملك التي تخلت عن محلية الحكي والفرجة لصالح فكرة تصلح لأي واقع يعاني استبداداً ما. لكن كشف الاستبداد، فهم طبيعته، ارتكاس معرفي يفرضه واقع عاجز عن الحراك أو التجاوب ونخبته، بمعني أنه واقع عاجز عن تأريخ حداثوي له. ولذلك بدت هذه المسرحية تقليدية في بنائها وفرجتها اذا ما قورنت بالتطور المفترض عن المسرحيات السابقة لها، لولا أنها برهنت، مع ذلك، علي غني تجربة سعد الله واغتنائها بمقومات مسرحية يمكن اعتمادها في أية كتابة قادمة كتهيئة سردية لأدبية كان قد بدأ حياته الابداعية بها.
ـ 3 ـ
لا أعرف حقيقة ان كان سعد الله علي دراية بفشل امكانية الحوار في مجتمع غير متكافئ القوي، أو غير قادر علي انتاج بنية للتكافؤ في أية مرحلة من مراحله التاريخية يمكن الحوار من خلالها حين توقف عن البحث الابداعي لأشكال المسرح في المجتمع العربي، محاولاً أن يستعير صيغا جديدة للكتابة من أقلام كتاب انتصرت مجتمعاتها حداثوياً لتريحه قليلاً من شبح السلطة بمفهومها السياسي الفظ والمباشر علّه يستحث الجماهير التي حاول الانتصار لها علي أن تفعل شيئاً، أن تنظر الي ما حولها، أن تفكر فيما تعيشه، أن تنفض عنها غبار الغفلة والدردشة لتري ما يمكن فعله قبل أن تسلب كل ما تملك وترمي كنفاية الي طرقات التشرد والموت، فيجد في مسرحية كيف تخلص السيد موكينبوت من آلامه للكاتب بيتر فايس صيغة ملائمة لذلك، يستطيع أن يكتب اعتماداً علي حكايتها مسرحيته رحلة حنظلة من الغفلة الي اليقظة ليعود بالمسرح الي بساطة القول اذا لم يكن الي سطحيته اذ ماذا يعني أن نعرف ما يدور حولنا طالما أنه لا يمكن أن نفعل حياله شيئاً؟، سؤال تبدو اجابة سعد الله عليه أكثر سلبية في مسرحية لاحقة. لكن ما هو ايجابي في هذه المسرحية أنها تحررت قليلاً من مفهوم السلطة الفردية لتوزعه علي شكل بنية اجتماعية واقتصادية أكثر مما هو حالة سياسية آنية، ليقترب بذلك من ملامسة الأزمة لكن بلا أطراف يمكن محاورتها بما يشكل تراجعاً ملحوظاً حتي عن مسرحه السياسي والاكتفاء تماماً بدور الراوي الذي يستطيع أن يلتقط تفاصيل الواقع ويسردها كما هي - لكن مع انطلاق الانتفاضة الفلسطينية أواخر القرن الماضي يجد سعد الله نفسه في موقف محرج، فالواقع العربي ليس علي هذا النحو من السلبية وانما أدوات مبدعيه كانت عاجزة علي ما يبدو عن صياغة فعل مماثل لهذا التحرك العفوي بل هي سارت به الي ما يشبه زهوة الفرسان لتقضي عليه قبل ولادته. وربما لهذا استشرف سعد الله نهاية كارثية لا تحتملها حكاية الفارس ولا حتي وضوح الصراع وبدائيته فلجأ الي التواء المثقف وأزماته فاستعاد حكاية القصة المزدوجة للدكتور بالمي للكاتب المسرحي انطونيو بويرويانيجو ليكتب مسرحيته الاغتصاب التي شرح من خلالها الصراع العربي الاسرائيلي علي أساس عقد نفسية سادية علي الأغلب، ربما يكون الشفاء منه سريرياً أكثر منه سياسياً ليخلص الي هذه النتيجة التي تدعو للدعابة وتتلخص في أن الحوار بين الاسرائيليين والعرب أو الفلسطينيين لا يمكن أن يتم الا بين شرائح المثقفين وقد تخلّوا عن هواياتهم القومية والدينية! ما يؤسف له أيضاً في هذه المسرحية أن امكانية الحوار الذي تفترضه لم يكن بين العرب أنفسهم، وانما مع وافدين من ديمقراطيات أخري، وربما هذا يفسر انضواء كثير من المثقفين والمبدعين العرب تحت اشراف منظمات وقوي ـ علي الأقل سلطاتها هي من تصوغ الواقع العربي منذ اتفاقية سايكس بيكو وأشباهها من الاتفاقيات والمشاريع التي تتبناها الولايات المتحدة الأمريكية اليوم.
ما أريد قوله ان سعد الله، شأنه شأن العرب جميعاً حتي المبدعين الفلسطينيين منهم، لم يستطع أن يتجاوب والمرحلة التاريخية لشعب وجد نفسه لم يعد يحتمل بؤسه وشقاءه فتمرّد علي شرطه التاريخي ليكتشف أنه وحيد ولا أحد قادر علي الانتصار له في هذه المسرحية سوي محاولة أدبية ربما تذكر بأدب القسوة في القرن التاسع عشر. لكن كيلا أحمل سعد الله ما لا طاقة له به يمكن القول: انه ومن خلال هاتين المسرحيتين استطاع أن يؤكد علي كونية المسرح باعتباره فناً مثله مثل الموسيقي والرسم أو أدباً مثله مثل الشعر والرواية فهو ان كان قد استعار شكلهما المسرحي من لغات أخري الا أنه بكتابته الأدبية عرف كيف يجعلهما عربيتين لغة ووقائع، وهذا لا يعني بالضرورة غلق الباب أمام احتمالات مسرحية لها خصوصيتها المحلية.
ہ كاتب من سورية
4 ـ
اطمأن سعد الله في السنوات الأخيرة من حياته الي ما يشبه الواقعية النقدية أو حتي الوصفية فيما يكتبه من مسرحيات، مكتفياً بدور الراوي لأحداث ووقائع يعيشها أو يعايشها في محيطه الاجتماعي، موائماً هذه المرة بين المسرحية والرواية ولكن بعد أن تخلصت لغته من انشائية البدايات وانزياحاتها. وربما يكون توصيف هذه المرحلة الختامية من مؤلفاته بالروايات المسرحية أقرب الي الدقة، وهو توصيف قد لا يملك قيمة معيارية علي أساس أن الكتابة الحديثة كثيراً ما جمعت بين عدة أجناس أدبية وفنية بل كثيراً ما أعدت الروايات مسرحياً لتعرض علي الخشبة بل ان أعمال سعد الله الأخيرة تتضمن هذا الاحتمال الفني لامكانيات الشاشة السينمائية أو التلفازية كفضاء عرض، ومع ذلك لا ينبغي أن ينكر المرء هذه المتعة التي يمكن تحصيلها من قراءة هذه الأعمال وهي متعة أدبية، تشبه ما يجنيه المرء من قراءة الروايات الأدبية المحضة، وهذا شيء لصالح ما يكتبه سعد الله بالتأكيد، بل أعتقد أن هذا الشيء هو ما جعل عمله علي هذا النحو من الأهمية، اضافة الي هذه الجرأة في تناول الواقع نقدياً بوقائعه وشخوصه المعاشة حتي أن أولي هذه الروايات تأخذ عنواناً مباشراً للدلالة علي راهنية ما تتحدث عنه، وأقصد بها مسرحيته يوم من زماننا ..
يبين سعد الله من خلال هذه المسرحية أحد جوانب الفساد في المجتمع وهو جانب الدعارة، ليس بجانبه الوجودي كعلاقة اعتبارية بين الرجل والمرأة وان حصل ذلك كنتيجة وانما في تدخلها في عمل المؤسسات كرشوة أو كمصيدة لمحاربة النزاهة وما الي ذلك، وفي تفشيها بين شرائح الفقراء كمحاولة لتحسين ظروفهم وما يتبع ذلك من مشاكل أخلاقية تطال حتي الرموز الدينية ليؤدي في المحصلة الي هزيمة أبرز المعاني الانسانية التي تربط الرجل بالمرأة وهو الحب الذي ينسحب ممثلوه من الحياة دون أدني مقاومة وكأن قدراً محتماً لا مهرب منه سوف يقضي علي أيّ عاشقين يرغبان في إعلاء شأن الحب أو يحاولان احياءه بل ما هو أشد غرابة من ذلك أن هذا القدر الذي يتمثل بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، سوف يأخذ، وعلي النقيض من منظومة سعد الله العلمانية أو الحداثوية، بعداً طهرانياً يبدو الحب فيه وكأنه خطيئة ينبغي أن يحاسب عليها أيّ عاشق أو عاشقة يقترفانها بعيداً عن المؤسسة الزوجية واستمرارها ليس انتصاراً للقوة الذكورية المتحكمة في المجتمع ولكن كنتيجة حتمية لهيمنة هذه القوة ونفي أيّة امكانية للتغلب عليها كما هي الحال في مسرحيته أحلام شقية ، لكن فهم القدرية باعتبارها شرطاً تاريخياً قد لا يسوغ اعتبار الحب خطيئة ينبغي التطهر منها، بل ما هو أنكي من هذا الفهم أن سعد الله يتبني هذه القدرية الطهرانية في مسرحيته الأيام المخمورة حتي بعد أن تخلص العاشقان من شرطهما التاريخي المتخلف.
أيضاً استحوذت العلاقة بين المرأة والرجل علي تفكير سعد الله في مسرحيته طقوس الاشارات والتحولات ولكن برؤية أكثر حراكاً من المسرحيات السابقة علي الرغم من أنها مستمدة من تاريخ العرب ما قبل النهضوي، وهي مسرحية تحاول، اذا ما أمعنت التفسير في احتمالاتها، أن توضح أهمية الاهتمام بثقافة الجسد، بطاقاته الفنية كالرقص مثلاً، باعتباره حاجة طبيعية ينبغي أنسنتها بعيداً عن طقوس الاسراف أو الزهد في التعامل مع حاجات الانسان الأساسية ومنها الجنس، والا راوح المجتمع في الدوران حول حلقة المحرم والعصيان المستتر و فيها، ولكن سعد الله رصد هذه الحلقة عبر ظاهرتين معاكستين: الأولي هي ممارسة السادة الرجال للجنس مع خادماتهن قبل بلوغهن وتحويلهن بالتالي الي عاهرات يعترف المجتمع بشرعية وجودهنّ في وسطه، والثانية هي المكاشفة في العلاقات الجنسية المشبوهة حتي الشاذة منها لاتخاذ هؤلاء السادة من الغلمان مناهل جنسية، ولكن بما يكفل التراتبية الاجتماعية بين السادة والخدم أو العاهرات من جهة والهيمنة الذكورية من جهة أخري.
لكنّ المسرحية تفترض اختراقاً لهذه التراتبية كأن تقوم امرأة من السادة ـ وتحت رغبة عارمة لجسدها بالانطلاق والتحرر لم تشبعها بزواجها من رجل سيد اعتاد معاشرة العاهرات هو نقيب الأشراف ـ بالتحول من امرأة سيدة الي غانية أو عاهرة تبيع جسدها، ملبيّةً بذلك أصداء أصوات عاشتها من خلال اغتصاب أبيها وأخوتها الذكور للخادمات في حرمة البيت الذي ولدت وتربت فيه، مع ملاحظة أن هذه المرأة أبدت رغبة في الرقص أكثر من الجنس لتسويغ تحولها هذا، ولكن ماذا تفعل اذا ما ارتبط الرقص بالعهر في مجتمعها؟ طبعاً هذا المجتمع سوف يتصدي لهذه الظاهرة الجديدة بالمفهوم الطهراني ذاته فيتم اصدار فتوي بتحريم البغاء لتقتل المرأة علي يد شقيقها الأصغر بينما يقتل زوجها شهوات جسده عن طريق الزهد والتصوف. فتكتمل بذلك حالة الفصام الشرقي بين ما هو ظاهر وما هو مخفيّ، بين تقشف الروح وشهوانية الجسد، بين حلال الرجل وحرام المرأة...أفكار مرتبكة ومربكة لا تؤسس الا لحكايتها التي تحاكي واقعاً تدعي أنها تنقده، كأن سعد الله دخل حقاً نفقاً مظلماً لا نهاية لالتواءاته وتعرجاته.
آخر هذه الالتواءات كانت مسرحيته ملحمة السراب التي تقوم بدورها علي ثنائية اقتصادية حادة التناقض بين انفتاح اقتصادي هو بطبيعته يفتح المجال أمام متع الحياة وأفراحها والواقع المتخلف والفقير الذي يرتضي من الحياة أغانيها، وعلي ما يبدو أن سعد الله ينحاز الي الواقع الثاني للحفاظ علي الحياة الريفية ببساطتها وبمعانيها عن الحب والأسرة والأرض باتخاذه لموقف مسبق من المشروع السياحي الذي يقيمه رجل يصفه سعد الله بالغاوي الذي يتبع شيطانه، متناسياً ربما أن العمل السياحي هو نتاج حداثوي، وليس بالضرورة أن يلغي الحب أو الأغنيات القديمة، وان كان يساعد بما يوفره من غني وتنوع علي مكاشفة الانسان لرغباته وتطلعاته والخوض في هذا أري أنه يحتاج الي وعي أعمق بالوجود لا يبدو أنه كان متوافراً لدي شخصيات مسرحيته التي انقسمت بين مقبل بشراهة علي هذا المشروع وما يتيحه من متع عديدة وزاهد به وبالحياة كلها، بل أن يحتال هذا الغاوي علي رجال القرية في النهاية أمر لا يفند أهمية قيام مثل هذا المشروع، فضلاً عن أن الذاكرة العربية عبر تاريخ حضارتها الواسع مؤسسة علي الانفتاح الذي يمكن وصفه اليوم بالسياحي، لكن يمكن القول: ان الفساد المتفشي في مؤسسات المجتمع ومعاملات الناس فيما بينهم حتي التجارية والصناعية منها بغياب قانون يعطي لكل ذي حق حقه قد يبرز سلبية التطلعات الحداثوية وخاصة اذا ما تمثلت بالمظاهر المتعوية التي تحتاج الي منظومة من التفكير حرّة أو متحررة، وربما هذا ما انعكس علي أوليات سعد الله وتفكيره فيما يكتبه اما بنزوع مقاوم قد لا يصلح لمجتمع هو شره بتكوينه وان يبدي غير ذلك كعادته، واما بنزوع نقدي يستطيع أن يعي مواطن الضعف والهزيمة ولكن بلا رؤية ابداعية واضحة يمكن أن تحرض علي فعل مغاير ومختلف، وربما هو فعل يحتاج الي وعي أكثر امتداداً من الواقع الضيق الذي خاض آلامه واخفاقات أحلامه.
وعلي هذا الأساس شكلت مسرحيته منمنمات تاريخية استجابة لهزيمة الواقع أكثر من رغبة في تخطيها، وهي ان كانت تحمل في معظم مستوياتها عرضاً لأشكال الهزيمة كما هي أعماله الأخري بما لا يدعو الي مزيد من التفكر، الا أنّ سؤالها أو امتحانها للمثقف أو العالم ربما قد جاء سؤالاً نافلاً وربما في غير محله علي اعتبار أن مفكراً وعالماً مثل ابن خلدون يتمثل منظومة فكرية لم يُستنفذ قولها ومفعوله وحسب بل هي بشموليتها وبراغماتيتها قد لا تصغي كثيراً الي ما يصغي اليه سعد الله عن أخلاقية القول ودلالة ما يفعله قائله، بمعني أن أهمية ابن خلدون تكمن في أنه استطاع أن يكتشف علماً كان يستطيع العرب الافادة منه لو أرادوا بينما تتباكي مسرحية مثل منمنمات تاريخية علي ما حصل للعرب وعلي ما يحصل لهم ولم يكن بوسع ابن خلدون أن يرده لو ترك قلمه وامتشق سيفاً ليموت داخل أسوار دمشق أو قلعتها، أما أن تحتاج الشعوب الي مواقف مفكريها ومبدعيها فهذا قد لا يعني شيئاً مهماً طالما أن صحة المواقف قد لا تعني صحة السبل والطرق التي يمكن أن توصل الشعوب الي تحقيق طموحاتها، وما لدي ابن خلدون هو علم يحتاج الي القوة لكي يؤكده وانما كانت خيانته نتيجة لخيانة الواقع لأفكاره، وهذا لا يسوغ شيئاً بقدر ما يوضحه. هل أوضح سعد الله ونوس الواقع؟ ربما أوضح واقعاً مهزوماً فاته أن يعرف كيف يصوغ أسئلته .

ربما لنا عودة
وغداً يومٌ آخر ،، ،
.
.

حسن العلي
30-04-2008, 05:48 AM
جواد الأسدي 30 عاماً يبحث في المنفى ولايزال يبحث عن المفردة المسرحية العراقية


فى اخر عرض مسرحي قدمه المخرج العراقي جواد الاسدي في عام 2003 هو العرض الافتتاحي للمهرجان المسرحي الخليجي للفرق الاهلية «ليالي احمد بن ماجد» وقدم هذا العرض على مسرح الشاطيء في ابوظبي وحظي باشادة كبيرة من الجمهور والفنانين والمسرحيين العرب والخليجيين بشكل خاص والاعلاميين الذين حضروا لتغطية هذه المناسبة، والنص الذي قدم في هذا المهرجان هو نص يسافر الى التاريخ محمولا على بساط الخيال، يعود به جواد الاسدي لاستلهام المسرح المبني على الجدل .
وعلى طرح الاسئلة ولانه على يقين ان كل حضارة الآن لها بذور في تاريخ الامارات، الى ماجلان العرب وإلى احمد بن ماجد الذي عانق البحر والسماء ولم يكفه هذا فخاض الغمار بحثا عن زوادة لعقله ومتعة لقلبه، وعمد الفنان جواد الاسدي في هذا العرض الى تأسيس بنية لم تلتزم حرفيا في دراميتها بالوقائع ليخرج العرض من وثائقيته التسجيلية ليدفع به الى استكناه عوالم .
وأعماق وبواطن الشخصيات الفاعلة والاحداث مقدما لوحة بانورامية ثرية بتنوعها، وفي الوقت نفسه لم يقدم الاسدي حكاية تقليدية تنبني وفق سياق «الحدوتة» وآلياتها المعهودة على مستوى البناء الدرامي من الناحية الشكلية بل وظف حزمة من الشذرات المضيئة التي تزدحم بها حياة حافلة بالاحداث والمشاعر .
الوقائع والرغبات
والوقائع والرغبات والاندفاعات مثل حياة احمد بن ماجد، ومن خلال هذه الشذرات المنتظمة في بناء درامي دفعت به المخيلة المفتوحة الى اقصاها، بث الاسدي رسالته التي كشف بها عن العمق الانساني المرهف لهذا الكائن المفعم بالشعرية بلغت الغايات القصوى في النبل والرفعة والشفافية برغم كل التناقضات المحيطة بها.
وبرغم الصراعات الحادة التي تجاذبتها اطرافها فيما كانت في الاساس طرفا رئيسيا في هذه الصراعات التي تقاطعت فيها المصائر والنزوات والصبابات واللواعج التي عالجها الاسدي بمهارة، برغم صعوبة التصدي لمعالجة سيرة ثرية وملتبسة بصخبها واحداثها وتناقضاتها من جهة ومنمذجة في اطر محدودة من الوقائع والمعلومات والمسلمات المتفق عليها او يراد الاتفاق عليها ضمنا.

واشاد عدد من المسرحيين العرب والخليجيين بعرض «ليالي احمد بن ماجد» واثنوا على فكرة المخرج، وكان من ضمن من تحدث عن هذا العرض الفنان سعد اردش الذي قال، إن عرض بن ماجد يمثل اضافة متميزة للمسرح العربي بوجه عام والخليجي بوجه خاص ووصف العرض بأنه ثري جدا وابداعي وراق فهو من الناحية الفنية .
والموضوعية جيد جدا و يكفي ان هذا العرض يتناول شخصية تاريخية مهمة ومعروفة في تاريخ الامارات والخليج العربي ويعد بحق معالجة جادة لواقع الامة العربية كلها، ويعتبر دون شك اضافة وقيمة فنية مسرحية جيدة.
المسرح الطليعي
منذ ثلاثين عاماً وأكثر، يحمل جواد الاسدي راية المسرح الطليعي ويمضي في عراء المنافي، مشعلاً قنديل الصراعات البشرية، باحثاً عن طلائع جديدة تضيء الدروب المظلمة والقاحلة، وكلما انقضى جيل أتبعه بجيل، من المسرح العراقي إلى الفلسطيني والسوري واللبناني، مروراً بمسارح العالم من موسكو وباريس وبرلين، حتى الأندلس.
وليس انتهاء بالإبحار في مياه المسرح الخليجي، حاملاً وصيّة أمه الطيبة «إذا كانت بلادك لا تقوى على حملك، احملها أنت مثل نخلة باسقة»، وظل جواد الأسدي يطوف في أرجاء الأرض والحياة، سعياً وراء «المسرح» فهو لا يكفّ عن التجريب والبحث والتكسير، تدفعه روح تشتبك فيها أسئلة .
وحب وحنين ورغبة تمرّد هائلة، تحرّكه روح أمه وهي تقف على خشبة مسرح الرشيد، بعد عرض «المجنزرة الأميركية ماكبث» في بغداد، لتشكر الجمهور وتعتذر عن غياب ابنها القابع في عمان، وقلبه وروحه في بغداد.
يوماً بعد يوم، وعملاً وراء عمل، ومن بغداد حتى الإمارات وما بينهما، تتعمّق تجربة جواد الأسدي في الإخراج، فضلاً عن إسهاماته النصيّة التي أعدّها لمجموعة من أعماله، والتي قدم بعضها على الخشبة في عمّان أو دمشق أو بيروت ، هذه التجربة التي تُعدّ من أهم التجارب المسرحية العربية الطليعية، تستحق وقفة مطوّلة ومعمّقة تليق بالغنى الذي تحفل به سيرته الإبداعية.
وهذا ما سنحاوله في مناسبة صدور كتاب الأسدي «جماليات البروفة» من ضمن سلسلة «أبحاث وتجارب» التي تصدر بإشراف اللجنة الدائمة للفرق المسرحية الأهلية في دول مجلس التعاون الخليجي برئاسة د. إبراهيم غلوم، وللاسدي تجربة كبيرة بل له رؤيته وفهمه لمجموعة من العناصر التي تشكّل العمل المسرحي.
ومفهومات أخرى سبق وطرحها في سياقات متعددة، منها كتابه «المسرح والفلسطيني الذي فينا» ثم كتابه الجديد «جماليات البروفة» حيث نجد تفصيلاً لرؤيته إلى هذه المفهومات، والإخراج في نظره هو «تصعيد النص الدرامي إلى حالة طقسية سحرية في فضاء مسرحي مملوء بالإيحاءات والمجازات والمستند الى جو مستتر من الإشارات والأصوات والنداءات الخفية.
ولأنّ مفهوم المخرج لديه هو أنه مفكر ومُفلسف روح العرض، ومهندس الأرواح التحتية، وباعث للضياء والسطوع والبريق الروحاني والجسماني، ورسام في الفضاء المسرحي، وهو محلل ومركب الطبائع وأخلاقيات الشخصيات المسرحية، وقائد أوركسترالي لإيقاعات العرض وألوانه.
نزعته الإخراجية
كما ان النص لديه هو هيكل للإخراج، ونزعته الإخراجية تتساوق مع عقل جان جينيه في إتلافه كل مقومات ومفردات القداسة، إنه ينظر إلى نصوصه على أنها نصوص مختلّة، ناقصة، فلنقل انها رغبة ومتعة في التحرر من الثبوتيات.
وفي تمييزه بين المسرح الجديد والقديم، يعرض جواد لما يسميه «مسرح الكلمة» و«المسرح الجديد» فيقول إن مسرح الكلمة يضع الممثل في حدود لسانه، أما المسرح الآخر، فيرى في الكلمة منطلقاً لمخزون من الصور البصرية.
وعليه فهو يميز المخرج الذي يغرق في الفنتازيا البصرية الشكلانية والآخر الذي يغرق في الكلام، عن مخرج يرى أن الحل هو أن نعثر على لغة جديدة تقع في منتصف الطريق بين الحركة والفكرة، لغة لا يمكن تعريفها إلا بإمكانات التعبير الديناميكي والخلط بين الصورة والكلمة.
وهنا تأتي أهمية فهم البروفة بوصفها هي الحياة ما قبلها استعدادا للدخول فيها، وما بعدها هو ثمرة جهد هذه الحياة، إن مصدر سعادة الفنان هو تلك الحصيلة، فهي ليست هيكلاً ثابتاً تُجرى تعبئته كيفما اتفق، كما أنه ليس هناك شكل واحد للبروفة، بل لكل يوم بروفاته، فما الذي يفرض شكل البروفة وإطارها؟ ولماذا يعمد مخرج، في بروفة اليوم.
إلى تكسير ما توصّل إليه في بروفة أمس؟ أليست البروفة بنية تنمو وتتطور وصولاً إلى العرض، وعلى هذه الأسئلة يجيب جواد بالقول إنه يطيح ببروفاته لاعتقاده أن بروفات أمس لا تصلح لأن تكون مادة بروفات اليوم.
لأنها بنية قابلة للبناء والهدم، وهو شكّاك بالنص وبالمشهد الذي توصل إليه من الناحية الجمالية، كما من ناحية أداء الممثلين لا يستقر على شكل ولا على معنى، وقد درّب الممثلين الذين يعمل معهم على تقبل هذه الحقيقة، يغوص في أعماق الممثل، ليستخرج أغلى لؤلؤة لديه، ليقطف أجمل ثمرة ممكنة، حتى لو اضطر إلى أن يكون عنيفاً، لكنه العنف الهادف إلى الأجمل والأبهى.
المسرح العربي
العلاقة العميقة والملتبسة التي جمعت جواد الأسدي بالمسرح الفلسطيني ومن ثم العربي، هي علاقة من الحب والانسجام والتناغم بين المخرج وأعماله من جهة، وبين فلسطين القضية والسؤال، من جهة ثانية.
بقدر ما فيها من اللبس والأسئلة التي لا بد من الوقوف عليها، بدأت خيوط هذه العلاقة مطلع الثمانينات، وامتدت حتى منتصف التسعينات، قدم خلالها الأسدي مجموعة من الأعمال، منها «أعراس، العائلة توت، خيوط من فضة، ثورة الزنج، رقصة العلم، تقاسيم على العنبر، الاغتصاب، والمجنزرة الأمريكية ماكبث».
المسرح الفلسطيني
ويقول الأسدي إن أجمل سنوات عمره وأكثرها خصوبة وفتوة وخبرة، تلك التي أعطاها لفلسطين وللمسرح الفلسطيني، ليس بوصفه عاشقاً لشعبها وعذاباته، لكن لكونه متيقناً بأن الوعاء الحقيقي الذي يمكن أن يعطي لغربته ومنفاه مصداقية إنسانية ومرجعية فكرية نضالية، هو فلسطين.
منذ اكثر من عقدين لم يطأ المخرج العراقي جواد الاسدي تراب الوطن «العراق» ومن حينها وهو يتأمل في حال المنفيين قسراً وقهراً في بلاد الغربة، يتحينون موعد العودة الذي طال، ومؤخراً وأثناء الحرب الدائرة رحاها في بلاد الرافدين، صدرت للأسدي مسرحيتان في كتابين منفصلين عن «دار كنعان» في دمشق، إحداهما تستوحي ما آلت اليه حياة الممثلة العراقية ناهدة الرماح، التي فقدت بصرها بينما كانت تؤدي احد اروع ادوارها في مسرحية «القربان» لمؤلفها غائب طعمة فرمان.
على مسرح بغداد، ثم هاجرت الى لندن لتواجه نوعاً آخر من الظلمة والبؤس لم تكن تتوقعهما، والمسرحية الثانية هي بمثابة استكمال للاولى إذ تروي هستيريا الغربة عبر قصة ثلاث نساء قذفت بهن قوارب الهجرة الى المانيا، وينتظرن هناك الموافقة على قبول لجوئهن السياسي دون جدوى.
«آلام ناهدة الرماح» لا يعرفها الكثيرون، لكن العراقيين يتذكرون، على الارجح تلك الممثلة التي كانوا يستقلون الباصات، من مختلف المناطق، لرؤيتها تؤدي ادوارها البديعة على مسارح بغداد، قبل ان يسدل الستار على الألق الثقافي في العاصمة العراقية ويتحول المثقفون الى مهاجرين منسيين على ارصفة الغربة.
وفي مسرحية الاسدي نرى الممثلة بلا زوج، بانتظار ابنها عبد الله الذي ذهب الى الحرب وما تزال تمني النفس برجوعه، اما ابنتها شفيقة، التي تعيش معها فكان يفترض ان تصبح مغنية مشهورة، لكن الغربة تكسر الحلم، والنتيجة ان شفيقة امرأة مهزومة، مطلقة هي الأخرى كما امها، وتكاد تعجز عن رعاية ابنتها الصغيرة نورا.
هكذا يبدو بيت الممثلة الرمّاح في لندن جامعاً لثلاثة اجيال من الإناث، بوجود الجدة وابنتها وحفيدتها تحت سقف جليدي واحد، من دون رجال، فهؤلاء اما تائهون معذبون عامر عشيق شفيقة او غائبون زوج ناهدة او في طريقهم الى الغياب بسبب جرّهم عنوة للمشاركة في الحرب الابن عبد الله انه التيه كما يقول عشيق شفيقة متألماً «نعيش هنا كالبهائم، احلامنا ضيقة، صباحاتنا بائسة!
ليالينا هرمة» لكن دخول المخرجة السينمائية ماريا الفاجر واسمها شديد الدلالة على خط سير حياة العائلة العراقية، يفجّر مواجع معتقة، فهي تريد ان تشرك الممثلة المنسية في فيلم تلعب فيه دوراً «يقوم على احاسيس امرأة فقدت ولدها في أقبية الحرب» وناهدة تتهيأ لاستقبال المخرجة التي ستخرجها من ظلمة العمى والعزلة صارخة في وجه ابنتها:
«اريد ان ارتدي الماضي كله في فستان واحد» لكن شفيقة تهز شجرة البؤس الكامنة في والدتها: «ألديك امل في العودة الى بغداد®. منذ ثلاثين سنة وانت تتحدثين عن هذا الامل، بهذا العنف
لن ترجعي وعليك ان تسرعي لشراء قبرك هنا في لندن قبل نفاد القبور» وفي تلك اللحظة التي يختلط فيها التشاؤم بأمل بزوغ فتح طال انتظاره للممثلة المهزومة في وطنها وعائلتها ومهنتها، ويصل خبر وفاة الابن عبد الله، فتنتحر اخته شفيقة هلعاً، وتبقى امها مع الحفيدة ليس لها غير ذكرى «رائحة العجين»، والغرق في صوت كورس يأتيها من بعيد، وصدى موسيقى وغناء، وفي البال نخلة وجيران ومسرح جميل، كان ذات يوم في بغداد.
جواد الاسدي في مسرحيته هذه، يغلق كل النوافذ والابواب، ويحكم الخناق على ابطاله في حلكة مرهقة، مدمرة بلا طرافة او سخرية يدفع الكاتب بأناسه الى هاوية لا قرار لها، وفي مسرحيته الثانية «نساء في الحرب» نجد الهاربات الثلاث «امينة، ريحانة، مريم» من بطش ما عاد يحتمل في بلادهن، على متن قوارب الهلاك، يعشن هستيريا الضياع.
الوصول الى المانيا والعيش في ملجأ صغير، تحت ضغط اسئلة المحققين، بانتظار قبول لجوئهن يزيد من جنونهن، امينة الممثلة المسرحية الموهوبة التي أهالت التراب على ماضيها المضيء، ومريم المكسورة بسبب عنف الجنود الذين جرّوها الى الشارع وعرّوها امام والدها حتى مات قهراً، ثم لكموها في صدرها، الذي هربت به مريضاً، ليستأصل في الغربة.
ثم تقضي على الأثر امام صديقتيها العاجزتين حتى عن إنقاذ نفسيهما «انوثتنا تداس هناك في مسلخ القتلة وهنا تداس في جحيم الغربة» هكذا قالت ريحانة، وتتسأل في الوقت نفسه «لماذا ذبحوا زوجي عز الدين وقطعوه في الشارع إرباً إرباً فقط لأنه كان نزيهاً ووقف ضد الظلم، لماذا يغرق شعبي في بركة دماء كبيرة» ريحانة فقدت كل امل في الخلاص.
لكن الهروب يبدو مستحيلاً، والعبث يبلغ اوجه حين تعرف ريحانة وأمينة، وقد أصبحت مريم جثة هامدة بسبب ان طلب لجوئهن قد رفض، وما عليهما سوى تدبر قبر للراحلة والرحيل بجثتيهما النابضتين الى اللامكان، عبر هاتين المسرحيتين العنيفتي المأساوية، يكتب جواد الاسدي تراجيديا الانوثة في ظل طغيان لا يسميه.
محطة اخيرة
جوادالاسدي حصل على درجة الدكتوراه عام 1983 عن أطروحة «المخرج المعاصر ومشاكل العرض المسرحي» ودرَس مادة التمثيل والإخراج المسرحي في المعهد المسرحي بدمشق واخرج عشرات الأعمال المسرحية التي نال عن بعضها جوائز عديدة حيث حصل على جائزتين ذهبيتين في مهرجان قرطاج عن مسرحيته «العائلة توت».
والجائزة الكبرى عن «ثورة الزنج» وعرضت أعماله «المجنزرة ماكبث» و«يرما» و«راس المملوك جابر» و«مس جوليا» و«الخادمتان» و«المصطبة» في أكثر من عاصمة عربية وأجنبية.
وقد عمد الاسدي إلى انتقاء بعض الأعمال التي قدمها كـ «الاغتصاب» لسعد الله ونوس مدونا نزاعاته المعرفية مع الكاتب حول مستويات الكتابة على صعيد بنية الخط الفلسطيني فهو يرى أن الذي يحكم سياق شخصيات النص خطاب سردي لم يتشكل على مخاضات درامية ولم يؤسس شخصيات مكتنزة ولا يركب حياة عميقة ترتب تلك المصادمات التاريخية بين الخطاب الفلسطيني والخطاب اليهودي وعندما يبين وجهة نظره هذه لونوس يقول له:
ان هذه الهشاشة التي تتكلم عنها في السياق الفلسطيني هشاشة مقصودة لان الصراع العربي الإسرائيلي يكشف عن متانة وغطرسة وازدواجية التكوين التاريخي للشخصية اليهودية وهشاشة وركاكة وبدائية الحالة الفلسطينية الراهنة.
لحظات سكونية طويلة
ويعلق الاسدي على هذا الحوار كان يصطدم بلحظات سكونية طويلة يخرقها سعد الله بنكات مريرة وحديث عن رغبات مؤجلة وعلى هامش الحوار الفكري والمسرحي مع سعد الله كنت ألاعبه وامزح معه دائما و أباغته بسؤال دائم.
واخيرا فان عرض «المجنزرة ماكبث» الذي قدم له على خشبة مسرح الرشيد ببغداد وكان حينها محروما من مصاحبة فريق العرض فبقي في عمان جالسا وجها لوجه أمام ساعة الحائط الكبيرة لكي يتابع العرض لحظة بلحظة مشهدا تلو مشهد حتى وصله اتصال من بغداد يعلن نجاح العرض، لكن المفاجأة التي لم يتوقعها أبدا هي ان أمه قد صعدت إلى خشبة المسرح بعباءتها وشيلتها لتشكر الناس لحضورهم ومشاهدتهم العرض.
هذا كان في مرحلة اصبحت من النسيان واليوم المسرحي العربي جواد الاسدي يعيش مرحلة اخرى تعيش فيها بغداد تحت وطأة الاستعمار الحديث والاحتلال الاميركي البريطاني، ترى كيف هو احساس وشعور جواد الاسدي في هذا الزمن الحاضر، خاصة ونحن نعيش الاطلالات الاولى من العام الجديد 2004

.
.

حسن العلي
30-04-2008, 05:56 AM
http://alfawanis.com/masrah/wp-content/uploads/2007/05/jawad_15_jpg_-1_-1.thumbnail.jpgرست منصة المخرج العراقي جواد الأسدي في العاصمة اللبنانية بيروت بعد أعوام من التنقل بين مسارح العالم، منصة طالما أرادها الأسدي، محاطة بالناس، ومرتكزة داخل مجتمع ديموقراطي يتميز بتعددية ثقافية استثنائية. فها هو يستأجر صالة مسرح مارينيان في شارع الحمراء محولاً اياه «مسرح بابل». عادت بيروت محطة اللمخرج العراقي بعدما شعر أن تأسيسها في موطنه بات مستحيلاً. فالعراق، الذي كان بحسب الأسدي «يتمتع بمناخات متعددة الألوان والأشكال»، بدأت ألوانه تخبو وتكاد «تختفي لتُختصر في لون واحد، هو إمّا لون طائفي أو لون قبلي وثأري وسلطوي».خطوة هروب إلى الأمام، يخطوها جواد الأسدي في سبيل تتويج حياته المهنية وتحقيق الخطوة «الأهم في حياته»، بحيث يحقق حلمه بأن «يكون لدي مكان أمارس فيه جنون أفكاري، وأكون حراً في تقديم أعمال من دون رقابة وشروط ومؤسسة تضع القيود لمستقبلي الفني».
اختار الاسدي، «بابل» اسماً لمسرحه في شارع الحمراء، «شارع الثقافة»، على حدّ تعبيره، لأنه «مسرح يؤسس نوعاً من الارتباط بين الإرث اللبناني الثقافي من جهة، والإرث الثقافي العراقي من جهة ثانية». ويعتبر الأسدي أن «بابل» تختصر تراكماً ثقافياً عراقياً من الأساطير البابلية مثل «جلجامش» و «أنكيدو القصـــيدة»، إلى التــنظير للجانب المدني للقوانين القديمة والأساطير. فـ «بابل»، بحسب قوله، تختصر الكثير من الإشارات، في اتجاه بناء مجتمع مدني، حضاري وانساني.
يرغب الأسدي عبر اختياره بيروت، في اقتسام «الرغيف المسرحي»، مع اللبنانيين، من خلال بناء جسر الثقافة بينه وبين أناس، يعلمون ما معنى أن «يمضغوا الثقافة». ويرى أن بيروت تحفظ له سقفاً عالياً من الحرية، حيث «أستطيع أن احمي نفسي فكرياً وثقافياً وإبداعياً».
لن يحمل مسرح «بابل» استثناء، من الناحية الهندسية أو التقنية للمسارح، لكنّ تميّزه سيكون من خلال هدفه الأساسي الذي يتمحور حول «إعادة تربية الممثل في طريقة جديدة وحديثة». فإلى جانب المسرح الكلاسيكي، سيتشكل محترفات تهدف إلى جذب الشباب في الدرجة الأولى: محترف مسرحي موجّه للشباب، والى جانبه محترف للرقص «لاطلاق جسد جديد ومختلف، جسد يكسر التابو، والخوف، وينجذب نحو لغة إشارية وجسدية، ونحو لغة شعرية». إضافة إلى محترف موسيقي «يتكامل مع التمثيل والرقص».
مغامرة خاصة، يقودها جواد الأسدي في لبنان، متحدياً الظروف السياسية الصعبة التي يمر فيها البلد والمنطقة. مغامرة تحمل معاني خاصة في مفهوم المخرج العراقي الذي «حسم فكرة الانتماء إلى بيروت في شكل قاطع»، ويقول: «سأقدم لهذه المدينة كل ما عندي، وإذا مشت نحو الحرب أو الانكسار، سأكون فيها. وإذا نفضت عن كتفها الغبار، وتخلّصت من رائحة الموت الكريهة ومشت إلى ثقافة الحياة، سأكون مشاركاً أساسياً في هذه الثقافة. وسأعمل على رفع المدينة إلى مستوى الثقافة العالية والقادرة».
يسعى الاسدي وراء النقاش الثقافي الحار، والبعيد من البرودة، مدفوعاً في نمط خاص به، ونابع من حساسيته الثقافية واللغوية، ومن علاقة خاصة مع المجتمع العربي، بكل ما يحمل من تناقضات واختلافات، «مسرحي يزهر هنا أكثر من أي مكان آخر. أنا إنسان حرّ بأفكاري وبإخراجي، وهنا المكان الأمثل الذي تدور فيه الحوارات الشيّقة». ولا يشكل إقبال الجمهور على المسرح، قلقاً عند الأسدي، فـ «جمهور المسرح هو مَن لديه فضول للتعرف الى شيء آخر»، ويؤكد أنّ كلما ازدحمت المدينة بالمسارح المختلفة، يزدهر فن الفرجة أكثر.
ويعمل الأسدي على تركيز برنامج حافل لمسرحه، الذي سيتم افتتاحه في أيلول (سبتمبر) المقبل، وعلى تكريس مكان للثقافة العراقية، في محاولة للاستيعاض عن «الجنة التي خسرها، بسبب الأوضاع السياسية». ويأمل في أن يستطيع حفظ مكان الثقافة العراقية، من خلال مسرحة قصائد لكبار الشعراء العراقيين، مثل «أنشودة المطر»، «الأسلحة والأطفال» وسواهما لبدر شاكر السياب. الأعمال المسرحية التي يفكر الأسدي بتقديمها على مسرحه، لا سيما القصائد منها، ستقترن بعروض موسيقية وجسدية تبرز معانيها. ويقول: «أرغب، أيضاً في تكوين عمل عن الشاعر العراقي، مظفر النواب، على أن يكون عملاً درامياً، بالعامية العراقية، مع موسيقيين ومغنيين وممثلين عراقيين». ومن الأسماء التي ستشارك الأسدي تحقيق «ثورته الفكرية» المغنية جاهدة وهبي، والموسيقي العراقي رعد خلف صاحب فرقة «زرياب للفنون الموسيقية»، الذي سيعمل على تلحين القصائد.
المكانة التي يسعى الأسدي إلى حفظها لثقافة بلده الأم، لن تحتل وحدها مسرح «بابل»، فالثقافة الأوروبية حاضرة في مخططات جواد الأسدي: «أفكر في كولتيز، الكاتب الفرنسي الذي اعتبره من أهم كتاب النص المسرحي الحديث، وبجان جنيه من خلال تقديم «الخادمتان» و «البرافنات»، وإنني أسعى إلى الانشغال به كقيمة وجمالية. وهكذا إلى المسرح العبثي من ادوارد بوند إلى بيكيت فالمسرح الروسي، واستعارة بعض العروض أو النصوص الأوروبية ذات القيمة التجريبية في منطق جديد في الكتابة». ويسعى الأسدي الى جذب فرق رقص فرنسية، وعروض ذات قيمة جسدية عالية، تؤسس ثقافة ذات سقف عالٍ». ويضيف: «هناك بعض الشباب الذين أسعى إلى صيدهم وتقديمهم من هنا من بيروت، ومنهم من يقدمون عملاً جسدياً رائعاً، وبعض المخرجين الشباب وغير الشباب وفي المسرح التونسي. وحتى المسرح الخليجي الذي يظن البعض أنه خالٍ من الطاقات، ولكن أسعى الآن من أجل التعامل مع بعض الأسماء، وان يخرجوا إلى منطقة جديدة من العمل. وهذا المسرح يرتب أيضاً علاقات مع أوروبا الشرقية، اوكرانيا أو موسكو أو هنغاريا، لتقديم مستويات من الأعمال المسرحية التي بيروت في حاجة ماسة إلى رؤيتها».
العروض الأدبية التي يحضّر لها الأسدي ستشكل يوميات مسرح يسعى صاحبه إلى أن يكون مسرحاً يستقطب الأعمال العربية والعالمية على السواء. وقد اختار الاسدي لافتتاح مسرحه، تقديم رواية من روايتي الكاتبة اللبنانية علوية صبح، وهي «على الأرجح رواية مريم الحكايا، وسأسعى من خلال الإخراج إلى نبش أهمية هذا النص وتقديمه بطريقة مختلفة».
ويؤكد الأسدي أن «بابل» موجود ليكمل الفكرة الثقافية في لبنان، وليكمل مع المسارح الأخرى رسم مســــتقبل لمجتمع أكثر مدنيّة وانفتاحاً. ويرفض الأسدي وصفه مخرجاً عراقياً يعمل على افتتاح مسرح في لبنان، لأن «بيروت ليست لبنانية، وانما هي منصة جمالية، للفنانين على اختلاف هوياتهم».
الزوراء

.
.

حسن العلي
30-04-2008, 06:04 AM
المخرج الكبير:جواد الاسدي..في حوار عن رحلته الإبداعية..
يحاوره/ عبد الحق عباس


عندما تمتزج القضية الوطنية العربية بالحب.. الألم.. الانتظار والإبداع، يتألق في سماء المسرح ومن قلب الأزمة.. الحرب، مبدع اسمه المخرج والمؤلف المسرحي العراقيجواد الأسدي.
تجربة زاخرة بالعطاء الإبداعي، مهووسة بالنضال والشغب المسرحي معانقة آراء جريئة في الراهن المسرحي العربي.. مداوية انكسارات الذات!
موقع الشهابوبألقه الإعلامي التقى في الجزائر صاحب القضية العربية عبر أبي الفنون، جواد الأسدي، فراح نجمنا يحاكي تجربته الإبداعية والبداية من مدينة كربلاء...


المدينة التي جعلت أغلب إنتاجاته تتشح بألوان كربلائية، وكانت بداية التألق على خشبات المسارح مع مسرحية "العالم على راحة اليد" وهي عبارة عن قصيدة نثرية لمؤلف روسي.. ليقتحم هذا المبدع عوالم الشغب والنضال المسرحي بعيدا عن السخف والرداءة!! ناحتا بذلك اتجاها أصيلا تنمضع من خلاله طقوس الطفولة، وتندغم فيه هموم الذات المشروخة والوطن الشريد.

إن الابتعاد عن العراق بالنسبة للمخرج جواد الأسدي شيء خطير، ولهذا فهو يقاوم الغربة بالإبداع، لأن المرء بإمكانه أن يحولها إلى معنيين:
إن الابتعاد عن العراق بالنسبة للمخرج جواد الأسدي شيء خطير، ولهذا فهو يقاوم الغربة بالإبداع،

الأول استهلاكي، والثاني فاعلي قائم على الاشتغال.. وهذا المعنى الأخير هو الذي اجتذبه، وجعله ينشغل بالمسرح، فالأسدي يعتمد أسلوبا غرائبيا مع "ممثليه" ينبني على كيمياء علائقية تبحث في أسرار تحويل الإنسان إلى حطب يتلظى بنيران مسعورة في فرن أبدي!! وهذا ما حاول أن يجيب عنه في مسرحية "ماندلين" في إطار تجربته مع مسرح أبو ظبي.


المسرح العربي وإشكاليته العلاجية للقضايا عند جواد الأسدي


بخصوص الراهن المسرحي العربي، يرى الأسدي بأن الطاغي في المشهد العربي هي المشاريع الفردية، إذ لدينا كثير من الممثلين الذين يشتغلون على مشروعهم المسرحي في غياب نظرة شمولية تستوعب مكونات الواقع وتضاريسه، فالمشروع المسرحي العربي هو مشروع أفراد وليس مؤسسات أو جماعات.

كما لاحظ الأسدي غياب وعي اجتماعي حقيقي بضرورة المسرح.. لأنه مازال قابعا في الهامش في العالم العربي، ولهذا يتساءل – بمكر جميل- ماذا سيقع لو أغلقنا المسارح لمدة سنة مثلا في بلادنا؟ هل سنحتج أم ماذا؟!
وكي لا يندثر المسرح ويموت! يجب على المهمومين به أن يناضلوا من أجله, لتأسيس وعي جذري بفعالية الإبداع المسرحي وفعاليته في النسيج المجتمعي العام!


العراق برؤية الابن جواد لأمه إحدى نساء الحرب


http://saihat.net/vb/


ملصقة خاصة بمسرحية نساء في الحرب




وصف المخرج العراقي الدكتور جواد الأسدي الحرب الدائرة على بلده العراق بـ(المأتم الكبير) وقال ": الآن بعد 27 عام وربما هذا مهم بالنسبة لكم، عندي 27 سنة وأنا غائب عن العراق، وبعد تغيير النظام وسقوط السلطة القديمة، رجعت إلى بغداد بهدف المشاركة الفعلية لإعادة بناء العمل الثقافي لأن هناك عدد هائل من المثقفين العراقيين خارج الوطن بسبب طغيان السلطة الديكتاتورية وقتها. الآن العراقيون يحاولون بشكل أو بآخر استعادة أنفاسهم، وهنا أحكي عن الثقافة لا عن السلطة، لأن السلطة لا تعنيني نهائيا، لكن أحكي عن المثقفين، كيف يمكن لهم أن يعودوا إلى مدينة مهدمة، السلطة القديمة هدمتها من جهة، والاحتلال من جهة أخرى، فتحولت بما يشبه مدينة أشباح، مدينة مخربة، مداس عليها بطرق مختلفة، أما بالنسبة لي هذا الاسم لاسمه مسرح جلجامش ببغداد هو المحترف الذي أعمل فيه، وهو الذي سأنشئه وسوف أحاول أن اشتغل عليه، لكي استدرج عدد غير قليل من الفنانين العراقيين خصوصا الشباب خرجي المعاهد والأكاديميات والقادمين من الخارج، وهناك عدد كبير من العراقيين من فنانين تشكليين وسينمائيين، ونحاتين ومسرحيين يعودون قليلا قليلا حتى يبنوا ويعيدوا بناء الشكل الثقافي الذي قتل وانتهك لزمن طويل.

ورأى الأسدي من خلال مسرحية نساء في الحرب أن الأمر يصل به إلىانعدام الرؤيا مبينا أن ما يحدث شيء كابوسي ولحظة حطام للرؤى والأحلاموأضافلقد شعرت بعدما ابتعدت عن وطني العراق أن المنصة شيء يمكن أن أبني عليه وطناصغيرا وتتحول المنصة إلى جسر يربط بيني وبين وطني من خلال بعض أعمالي وسخر الأسدي منأوهام البعض في أن أمريكا ستحرر العراق فقال (التحرير لن يأتي من أمريكا، هذا وهموازدواجية في الرؤيا، الشعوب الحقيقية هي التي تصنع حريتها وتاريخها).


شعرت بعدما ابتعدت عن وطني العراق أن المنصة شيء يمكن أن أبني عليه وطناصغيرا وتتحول المنصة إلى جسر يربط بيني وبين وطني من خلال بعض أعمالي،

فلاش باك عبر أجمل أعمال الدكتور جواد الأسدي المسرحية


مسرحية عراقيات في حرب، هي مسرحية من تأليفي وإخراجي، تتحدث عن الهم العراقي، عن هجرة النساء العراقيات وعن علاقتهم بالعراق عبر الكثير من التحولات، فالمسرحية تحاول أن تسلط الضوء على الهم النسائي، على الهم الأنثوي بشكل أو بآخر، عذابات المرأة في مجتمعها وكيف تحلم أن تحصل على حقها الإنساني، في الطمأنينة والمحبة وفي الحرية بدرجة أولى.


المسرحية فيها ثلاثة نساء، عراقيتين شدى سالم، وسهى سالم، وبنت لبنانية، هؤلاء النساء مختلفات في طبائعهن، وتفكرهن، وشخصيتهن، فهذه مسألة شعب، لكن في الإيحاء والبعد، وليس بشكل مباشر أو مقابل، وحاولت من خلال الأداء أن يكون الأداء يميل للعامية وهذا الأسلوب أتبعه في جميع مسرحياتي، في أغلبها يعني.


المسرحية تمرة تجربتي بأوروبا فهي أول عمل أخرجتها في روما ويمكن من حسن المصادفة أنه لأول مرة عندما أخرجتها كانت ممثلتي الرئيسية يمينة مجوبي، وهي ممثلة جزائرية، وشاركنا بالمسرحية في المهرجان الدولي ديو نيسزس بروما، وقد حققت المسرحية نجاحات منقطعة النظير عبر عديد الجولات المسرحية الأوروبية والعربية.


كانت لي أعمال أخرى نالت تجاوب كبير من الجمهور كمسرحية «حمّام بغدادي»، وهي من كتابتي وإخراجي وسينوغرافية. المسرحية تسلّط الضوء على الحالة العراقية في التباس حالتها، واختلاط المقاييس والقيم الاجتماعية وازدواجية الفهم إزاء الاحتلال. الجديد في هذه التجربة هو التصدّي لواقع عراقي ضبابي، وتشريح عالم سائقي السيارات من خلال كل من حميد ومجيد (الأخ الأكبر) اللذين يقودان حافلات الركاب من عمّان إلى بغداد وبالعكس.


كان هذا الشاهد الأكثر قيمة بالنسبة لعملي أني أنقل المسرح الفلسطيني لمدة 12 سنة من البعث والت
عايشت المسرح الفلسطيني لمدة طويلة، تعرفون أن فترة من الفراغ مر بها المسرح الفلسطيني في فترات كان يعتمد على الخطاب الدعائي، الخطاب الإنشادي، على الخطاب المباشر جدا، حاولت 14 سنة مع المسرح الوطني الفلسطيني أن أخفت هذا الصوت المباشر، وأحيل المسرح إلى الإحساس بالإيحاء، يعني ركزت على الإنسان وليس على الشعار، ركزت على داخل الإنسان وباطنه وليس على بوقه الخارجي. فكان هذا الشاهد الأكثر قيمة بالنسبة لعملي أني أنقل المسرح الفلسطيني لمدة 12 سنة من البعث والتجربة العلمية التطبيقية مع المسرح الوطني الفلسطيني، يحي بوجود خطاب مختلف خطاب جمالي مختلف، حيث قدمت مسرحية خيوط من فضة، التي كتبتها وأخرجتها، مسرحية الاغتصاب، التي ألفها لسعد الله ونّوس ومسرحية المزنجرة مع تويلف.

عملت أيضا مع المعهد العلي للفنون المسرحية السوري بدمشق، عدت أعمال «رأس المملوك جابر»، «ليالي احمد بن ماجد» و«انشودة المطر»، ولكن أهم الأعمال مسرحية «تقاسيم على العنبر» لأنطوان تشيخوف، حيث عملت الكثير من الجدل والكثير من الاختلاف لأنها طرحت جماليات وإشكاليات جديدة وعرضت في المهرجان التجريبي بالقاهرة وأخذت جائزة الإخراج وجائزة التمثيل.

أما التجربة الأوروبية فكانت لي أعمال كثيرة في أوروبا فتجربتي الأولى كانت مع مسرحية نساء في الحرب، ثم أخرجت «مس جوليا» في سنترنبارغ في قوتن بارغ بالسويد، وعملنا جولة في كل السويد شارك فيها ممثلين سويديين ومغاربة. وفي ألمانيا قدمت «الخادمتان»لجون جنيه في مركز ثقافات العالم في برلين، ونفس المسرحية قدمتها في مركز الثقافات بباريس.



المرأة سر نجاحي


90 % من الجوائز الدولية، التي حصلت عليها في عروضي هي للمرأة، لأني وباللاوعي الذاتي، وباللاوعي الإنساني، وباللاوعي الاجتماعي... علاقتي بأمي تكاد تكون علاقة مرضية، من كثرة أني أعبدها وأعشقها وأنتمي إليها ولا أتحدث عن الأنثى بجو بسيط بل أتحدث عن الأم التي لعبت دور تنوير ليبرالي كبير داخل المجتمع العراقي، الأصولي من زمان، كانت شخص غير سياسي، لكنها تمارس السياسة بطريقتها الشعبية الإنسانية البسيطة، كأنما أحسن أن هذه السيدة نموذجي المطلق في العالم.

.
.

حسن العلي
30-04-2008, 06:17 AM
جواد الأسدي: بدايتي المسرحية كانت الفرجة البصرية في كربلاء ... عملي مع الفنانين السوريين شكل ضرورة معرفية... دخلت المسرح من باب المصادفة والقدر

لقاء الأسبوع

الاربعاء 10/5/2006
حوار : رويدة عفوف
ترك المخرج العراقي د. جواد الأسدي , بصمات إخراجية عميقة على المسرح العربي , ساعدته دراسته للمدارس المسرحية على الارتقاء بمستوى النص وتقديم أعمال تحاكي الأساليب الحديثة , دون أن تفقد هويتها وطابعها الشعبي والمحلي .



وقد حصلت أعماله على جوائز عديدة عربية وعالمية , شهدت له بالتميز في أطروحاته إلى جانب اهتمامه الكبير بإبراز القضية الفلسطينية من خلال نصوص وأعمال تحمل توقيعه .‏
جواد الأسدي ... يتلو النص المسرحي بهدوء , ثم يفجر فيك طاقة الرؤية والإحساس , يمشي بك مسرحه على حافة الواقع , ثم يرمي بك إلى خضم أمواج مزهوة بإيقاع الحياة والموت ....‏
لم يسترح جواده , رغم عطش الغربة والبحث في العواصم عن شهوة المسرح وظلاله وإبداعاته .‏
جواد الأسدي ... المسرحي الأكثر التصاقاً مع شخصيات الحياة , إنه كما يقول عن نفسه : (نبّاش القيعان السفلية للشخصيات المنتهكة )‏
لا يخفي رغبته الشرقية الشرسة والعنيفة في النظر إلى الأشياء المحيطة .‏
ورغم اختياره لنصوص كتّاب كبار , إلا أنه شغوف بصياغة نصوص عروضه المسرحية حيث يتابع رؤيته من الورق إلى مشهدية المنصة .‏
وبعد غياب عن المسرح السوري , عاد جواد الأسدي بمسرحيته ( حمام بغدادي ) ...‏
عن الغياب والعودة والمسرح والطفولة والشباب .. حاورنا د. جواد الأسدي ...‏



> أحد عشر عاماً من الغياب , لماذا كان السفر ? وأين وصلت في ترحالك ?‏
>> لا يوجد سبب جوهري بقدر ما هي فكرة التعرف على التجارب الأخرى , والتي جذبتني إلى خارج سورية .. إنها غواية التنوع , ولذة اكتشاف الجديد لفضاءات مسرحية أخرى , إنها مهمة للفنان الذي يحتاج لتبديل دمه وجلده وعقله , والتفاعل مع ممثلين آخرين , وظروف أخرى حيث لكل شعب ثقافة , وهذا ما كان يجذبني انه اكتشاف الجوهر الحقيقي للحياة دائمة التفجر والتغير ... بالإضافة للخبرة التي يكتسبها الفنان من خلال العمل في أكثر من دولة أوروبية بين المحترفات المسرحية .‏
لقد عملت في فرنسا على نصوص لوركية , ومع ممثلين محترفين .. ممثلات مع فرنسا وروسيا . وقدمت مسرحية رأس المملوك جابر باللغة الإسبانية في فلانسيا .. وفي صوفيا حيث تستقطب أغلب الفرق المسرحية العالمية فهي عاصمة ثقافية تشكل مختبراً حديثاً للإخراج والسينوغرافيا .‏
> ماذا أعطتك هذه التجربة الجديدة ?‏
>> هذه التجارب كانت فكرة للتفتح والانفتاح على عوالم مسرحية جديدة , أسست لي مدى تجريبي اختباري لفكرة التلاحم الثقافي بيني كمسرحي عربي , وبين الثقافات الأوروبية بالإضافة للمشاركة في العديد من المؤتمرات التي تعنى بالمسرح وأساساته وجمالياته .. لقد خلقت لي زاداً مختلفاً عرفني على ثقافات مسرحية فيها نكهات ذات أبعاد عالية القيمة .. إنني أسعى دائماً وراء كل معرفة مسرحية .. فأنا مثل طفل متروك يمشي خلف ظلال لا يعرف إلى أين تؤدي به , فلا أحسب خطواتي وأبرمجها , بل أذهب إلى حيث المسرح .‏
> بعد عودتك وعرضك حمام بغدادي .. إلى أين يمضي جواد الأسدي ??‏
>> أحضر لمسرحية مع غسان مسعود .. لقد كان عملي مع الممثلين السوريين دائماً مجال وضرورة معرفية , أظهرت الكثير من القيم .. رغم أن بعد هذه العودة تغيرت الظروف تغيراً قاسياً ومجحفاً لصالح العمل التلفزيوني أحسست أن المسرح مهجور أكثر من أي وقت مضى .. غادروه إلى التلفزيون , ولم يحافظوا على جمالياته .. فأصبح فارغ الروح .‏
> ألم تتابع بعض الشباب المسرحيين وعروضهم الجديدة ?‏
>> نعم في المهرجانات لفت انتباهي غير فايز قزق وغسان مسعود .. الفنان عبد المنعم عمايري .. في عرضه ( فوضى ) كان عملاً مسرحياً مميزاً فيه كودات جمالية ورغبة جامحة لعمل يمتلئ بالروح .. ولكن أخاف عليه من التلفزيون , وفكرة الانصهار في بوتقته المرعبة .‏
طفولة كربلائية‏
> كيف تتذكر جواد الطفل المسكون بالهواجس التي وجهته إلى الفن والإبداع ?‏
>> يبدو أنه من حسن حظي أني ولدت في مدينة كربلاء , المعروفة باستعادة الكثير من الطقوس الدينية , والتي كانت تحفل بالكثير من الصياغات والجماليات التي تشبه المسرح , كانت مشاهد حقيقية غير مفبركة, فيها تلقائية وعفوية كان الناس يصنعونها , وعددهم يتجاوز الثلاثة ملايين في مشهد احتفالي مهيب ..‏
كنت طفلاً صغيراً أقاد دون أن أعرف معناه أو أساسياته والمعايير التي يرتكز عليها , كانت الذاكرة تخزن وتبتلع الكثير من الصور لكي تخفيها في المخزون الشخصي لتظهر مرة أخرى في مرحلة متقدمة من العمر ...‏
كانت كربلاء المدينة الأكثر احتفالية فيما يخص إعادة كتابة واقعة الحسين بشكل ملحمي , تراجيدي وسياسي إنساني , يتوافد عدد هائل من البحرين والباكستان وإيران ليصبح عرضا مسرحيا دوليا تلقائيا .. من هنا كانت البداية .. كانت الفرجة , العين مفتوحة عما حولها .. هذا من الناحية البصرية ..‏
> وماذا عن الناحية الثقافية أو النصية , كيف كونت مخزونك الفكري ?‏
>> الفضل في هذا يرجع لخالي خضير , فهو الذي دلني حقاً على الحياة الثقافية والسياسية ففي عمر 10 حتى 15 انفتحت عيناي على مكتبة كبيرة , فيها الكثير من الكتب المنوعة تحوي القرآن والإنجيل والتوراة , والنصوص البابلية , والكتب التراثية الإنسانية , لابن عربي والسهروردي والمتنبي وابن الرومي .. وكتب أخرى عن لينين وتشيخوف وماركس ..‏
كان خالي من الشغوفين بالقراءة المتنوعة رغم أنه ماركسي , لكنه كان متنورا لا يكرس الثبوتية الأيديولوجية أو المشهد السياسي الواحد .. وبهذا الانفتاح على الإرث الإنساني الثقافي الكبير , تكونت ثقافتي والتي عبرت من جلجامش إلى الالياذة وغيرها ...‏
صدفة مسرحية‏
> كيف انتقلت من المشهديات الحياتية والقراءة إلى مشهدية المنصة والتخصص الأكاديمي المسرحي ?‏
>> في الحياة محض مصادفات تصنع الإنسان , فرغم أنني تربيت تربية غير دينية , ظل مشهد كربلاء في رأسي , طبعني بطابعه , وغطست في مرحلة تعبدية , قرأت خلالها الكثير من النصوص التوحيدية والمثالية والتزهدية .‏




هذا شكل لي سياجاً وسوراً , ولكن عندما خرجت إلى بغداد بدأ هذا السور يتفكك .. وعندما أخذت البكالوريا لم يكن المسرح من الأشياء المطروحة ضمن خياراتي , لكن الصدفة أن درجاتي لم تدخلني إلا كلية الفنون , وكان جزءاً منها المسرح .. ولم أتوقع أن يتم قبولي ..‏
كان داخلي شيْ من التوقد والجنون , وطلب مني مشهد لشكسبير , وآخر لمحمود درويش .. المفاجأة انني كنت الأول على قائمة المقبولين .. فتورطت , وأقحمتني الصدفة في الحياة المسرحية.‏
وبدأت حياتي بطريقة مختلفة , في قسم المسرح كأنما دخل إلى حياتي ويومياتي وفكري تيار وعاصفة كبيرة , غيرت كل المعالم الداخلية والآراء والمعتقدات والطبائع الشخصية التي كانت تأسرني , أحسست أن أبواباً انفتحت أمامي , لأفق أرحب وحياة أوسع ولم أكن أتوقع أن أكون مخرجاً مسرحياً ...‏
> وكيف أصبحت مخرجاً ?‏
>> في الأكاديمية لا يصنعون مخرجين , كنا نقوم بالتجريب خاصة في نهاية السنة , علينا إخراج عمل مسرحي , وكان العمل الذي قدمته نصاً سورياً لوليد إخلاصي بعنوان ( الليلة نلعب ) أخذته لحساسيته الشعرية الجميلة وركبتها على طريقتي في إعادة بعث الأشياء بطريقة مختلفة .. العرض عمل صدمة للطلاب والأساتذة .. وقيل انني أحمل الكثير مما يؤهلني لأكون مخرجاً .. جاء من باب الصدفة والقدر..‏
والعمل الذي أكد هويتي الإخراجية , كان مسرحية ( الحفار ) ل (أرموزوف) مع الفرقة العمالية في سورية على المسرح العمالي .‏
> بعد هذه الصدفة وتورطك بالمسرح , كيف أصبحت علاقتك بهذا الفن ?‏
>> علاقتي بالمسرح ثقافية وإبداعية وإنسانية , ولكنها قبل كل ذلك علاقة لذة واستمتاع , أذهب إلى البروفات كأنني أسعى إلى أرق قصيدة تكتبها امرأة, أو كأنني أقابل أكثر النساء شهوة , المسرح هو عيد من نوع خاص ومع هذا الإحباط المأتمي الذي تشهده الحياة العربية , يصبح المسرح ملاذاً وملجأً جمالياً رائعاً , وأنا عراقي ومتورط بهذه السمة الجميلة التي تدمي روحي , لأن العراق يتمزق على هذا النحو الفجائعي يسكنني وجع لا مثيل له , يسبب لي إرباكاً مرعباً في حياتي الشخصية , كلما انفجرت عبوة أحس كم هذا العالم ظالم ولا إنساني .. أهرب إلى المسرح لأبحث عن لحظة مضيئة وحتى في هذا الضوء دائماً عروضي فيها طابع فجائعي ومأتمي , يبدو أنها بصمة مركبة على روحي العراقية الكربلائية .‏
بين المسرح والسينما‏
>هل أعطاك العرض المسرحي المساحة الكافية لإخراج مخزونك الثقافي والإبداعي ?‏
>> لا .... خشبة المسرح مساحة واسعة بطبيعتها تحمل الكثير من الجماليات الخلاقة والعالية , ولكن كل ما يحيط بنا من ظرف إنتاجي سيئ أو ظروف تقص وتكسر وتؤذي الرغبات والجموحات في استكمال هذا الفن الجمالي الذي أبحث عنه .‏
وكان دائماً يساورني اعتقاد أن السينما هي الفضاء الأرحب لعملي , كنت أحاول وضع القدم الكبيرة في المسرح وقدم في السينما , لكني لم أوفق في فكرة الانتماء للسينما لأنه لم يكن هناك ظروف صحية تدفعني لأقوم بإخراجات سينمائية , فأنا خارج بلدي وعندما يكون الإنسان خارج بلده , يكون هناك درجة عالية من الالتباس فيما يخص العمل الفني وكيف يمكن أن نقدم هذا العمل , إضافةً إلى أن المسرح فنٌ يجمع ثلاثة ممثلين أو أربعة مع خشبة المسرح تشكل عرضاً , أما السينما فهي صعبة ومعقدة وبحاجة إلى تمويل ضخم من مؤسسات كبيرة , ومع ذلك حاولت عبر العروض المسرحية أن أؤسسها على مناخات سينمائية كما حدث في حمام بغدادي ورأس المملوك جابر والاغتصاب .‏
>هل يتيح لك المسرح حدوداً أكبر للتلاعب بالنص , وإلى أي حد تسمح لنفسك بانتهاك النص المسرحي ?‏
>> التلاعب بالنص ليس الكلمة الأكثر دقة أنا أفضل الحديث عن حدود الحرية المتاحة للمخرج المسرحي في قراءة النص واختيار الطرق الجمالية المتاحة لتكوين عرض مسرحي .‏
عندما آخذ النص لا أقرأه كما كتبه المؤلف , دور النص خدمة رؤيتي الإخراجية , لا أغير في الكلام ولا أقوم بانتهاك النص بل أقدم قراءة إخراجية من دون خوف أو تابوهات , فمن غير المعقول أن أردد ما يقوله المؤلف وإلا ليقرأ الناس النص ولا داعي للعرض المسرحي , أنا أسعى في رؤيتي الإخراجية حتى لا أقع في الخارطة التنفيذية للنص أي أتحول إلى مخرج تنفيذي , إنه أسوأ ما في العمل الفني .‏
> من يتابع بروفات مسرحياتك حتى حضور العرض النهائي يلمس التغيير المستمر في المشاهد , هل هي رغبة لاستعراض قدراتك الإخراجية ?‏
>> الرغبة بالتغيير عندي ليست رغبة لاستعراض العضلات الثقافية والإخراجية ولا هي شيء مجاني , إنما هي مدخل لحفريات جمالية حقيقية داخل الشخصيات التي ألعب معها , بالنسبة لي الفن شيء لا يمكن التوقف عن كشف المستور فيه إنه عملية خصبة وخطرة , كلما وصل المخرج مع الممثل في الاعتقاد أن المشهد اكتمل , البروفة تحدد أن هناك نقصا , وهذا النوع من البروفات الحرة الجميلة كانت لها علاقة بشهية الممثلين , وشغفهم بالمسرح , عندما كانوا عذريين قبل أن يسرقهم التلفزيون , الآن وللأسف كل هذا تبدل وأصبحت أواجه بسخط الممثلين وشكواهم من التعب والقول بأنني أتجه بالعرض إلى مدى غير منظور .‏
> هل يريحك التعامل مع نصك أكثر من نصوص الكتاب الآخرين ?‏
>> أصبح لدي توجس من فكرة ثبات عقل المؤلفين ومن تصوراتهم المقولبة وتابوهاتهم غير القابلة للزحزحة , هذا يضعني في إحراج كبير مع الدودة التي تسكنني والرغبة في تحريك النص والاتجاه به نحو انفلاتات إبداعية .‏
فاللجوء إلى النص الذي أكتبه هو خلاص شخصي وفني , من غير المعقول أن أكون مستعبداً للنص إلا إذا كان إلى جانبي المؤلف , كما كان يفعل سعد الله ونوس لنخرج بملاحظات مشتركة تؤدي إلى جمالية العرض المسرحي .‏
> في نصوصك لغة صعبة وفلسفية جداً , هل الأفكار العميقة تنعكس على أداء اللغة وتفاصيلها ?‏
>> حقيقة لا أعرف ولا أستطيع أن أكتب كتابة سهلة , كأنما هناك شيء في دمي يدفعني لتركيب لغوي خاص , هناك نسيج لغوي يلح علي دائماً حاولت تحطيمه في مسرحية حمام بغدادي لكنني لم أتمكن .‏
أزمة تأليف أم إيديولوجيا‏
>هل ترى أن هناك أزمة تأليف مسرحي في الوطن العربي ?‏
>> ليس هناك أزمة ...... بل التأليف المسرحي مات في الوطن العربي , لا يوجد نصوص إبداعية جديدة والنصوص التي تقذف إلى المكتبة العربية فيها الكثير من البدائية , ربما هناك مؤلفين لكن نصوصهم لم تطبع وما ينشر لا يلبي الحاجة الجمالية والثقافية للدور الذي يقوم به المسرح .‏
>هل كان للمد القومي في السبعينات تأثير في التأليف المسرحي وغزارته ?‏
>> أعتقد جازماً أن أي إيديولوجيا تقتل العملية الإبداعية وتخرب روحها من الداخل وتسيجها وتحاصرها , أجمل النصوص التي يمكن أن تظهر على سطح المجتمع تلك التي يكتبها كتاب لا ينتمون إلى تابوهات أيديولوجية , والمجتمع لم يعد بحاجة إلى هذه الكتابات المحنطة التي انتهت ولم يقترب منهاأي شخص .‏
الجمهور والمسرح‏
> تتحدث عن المجتمع .. وأنت تقدم مسرحيات جادة .. أعظمها تستمر لأسبوعين , وحضورها لا يتجاوز ألف مشاهد فما السبب ?‏
>> الأسباب كثيرة ومعقدة , التفاوت التاريخي والمعرفي والجمالي بين ثقافة الجمهور , وثقافة العروض التي نقدمها هناك حساسيات وثقافات متباينة جداً , تصنع هذه العزلة بين العرض والمتفرج وباعتقادي هذا هو الشيء الرئيسي للنزاع بين هذه العروض وهذا الجمهور الذي هو ابن شرعي لكل الاستهلاكات الحاضرة , قبل عشر أو عشرين سنة كان الجمهور أكثر براءة صحيح أنه ليس لديه وعي جمالي عميق ولم يتلقف الكتب التاريخية الجمالية والأدب والثقافة , ولم يدخل هذه المدرسة الضخمة للأدب الطليعي الجديد لهذا كانت علاقته بالمسرح أكثر طفولة وأكثر شغفاً .‏
ولكن خلال هذه السنوات عندما دخلت الفضائيات والمسلسلات التلفزيونية بالشكل الذي نراه , والمؤسسات العربية حولت خطابها من إمكانية لتأسيسات تربوية جمالية عالية , إلى تأسيسات إعلامية ساذجة وبدائية كأنما صار هناك تضامن بين المؤسسة الرسمية وبين وسائل الإعلام لتفريغ المتفرج وتحويله لشخص أجوف وفارغ وفاقد لبراءته , واتفاق على تغذيته بكل ما هو بدائي وساذج وسطحي ولا يصنع لديه ذاكرة جمالية تاريخية وإنسانية ومعرفية من هنا تتسع الفجوة بين المسرح والجمهور .‏
> هل يعقل أن لا يقدم التلفزيون والسينما وغيرها من الفنون ولو القليل من الغذاء الروحي للجمهور ?‏
>>مهما قدمت لا يمكنها أن ترقى إلى فن المسرح لأنه فكرة أخرى غير كل هذه الفنون , المسرح هو أن تقعد أنت والجمهور وجها لوجه وأن تجادلوا بعضكم حتى لو كان المتفرج صامت , المتفرج والممثل يدخلان بمصادمة شعورية وإنسانية الشخصيات التي تطلقها المسرحيات المشاكسة والتي تخدش المتفرج تهز وجدانه وتحرض عقله على التفكير ويصبح داخله صراع وسخط وربما رغبة .‏
> ألا تحمل الجمهور مسؤولية كبيرة ? أليس على المسرح أن يكون كما يريده الناس أقرب لواقعهم ?‏
>> أنا لا أنتمي إلى فكرة نزول العرض المسرحي إلى الناس لكي يرفعهم هذه دعوة ساذجة وبدائية , المسرح لا يزهر هكذا بل عندما يكون هناك جسر جمالي بين وعي الجمهور وبين حصيلتهم الجمالية ومرجعياتهم النصوصية والكتب التي يقرؤونها وذائقتهم الثقافية وذائقة العرض أنا لا أؤمن أنه على العروض أن تنزل سلالم كثيرة لتخاطب المتفرج بما يحمل .‏
> كيف يمكن للمسرح أن يرتقي بالجمهور إليه ?‏
>> ليس دور المسرح بل دور المؤسسات والدولة , عليها أن ترتقي بالناس إلى وعي جمالي عبر المنابر التربوية منذ أن يكون صغيراً حتى يكبر عبر المدارس والتعليم حتى لا يذهب إلى المسرح وهو فارغ العقل وفارغ اليدين إلا من الشيبس والبوشار والضحك المجاني والتفاهة التي تقدمها الكوميديا المبتذلة .‏
> ألا يسبب لك هذا الوضع الإحباط ويدفعك للانزياح صوب زوايا قصيّة ?‏
>> أبداً .... أنا دون كيشوت المسرح بمعنى إحالة الإحباط إلى فعل ورغبة بالحركة من دون كلل أو ملل , لسبب واحد هو أن المسرح هو المساحة الوحيدة المتاحة لي وللممثلين لنقول الأشياء التي نريدها دون مكياج أو أقنعة رغم أن العرض المسرحي عندما يصل إلى الجمهور يضع نفسه تحت لائحة الانضباط ولكن بإبداع .‏
> متفائل رغم أنك تقول ان المسرح والحرية جسدان في مركب واحد يصطدم بكثير من المنزلقات الجديدة !!‏
>>هذا صحيح فالمجتمعات العربية تتجه إلى عودة أصولية مرعبة سياسية ودينية وعشائرية وقبلية , تطبع المجتمع العربي هذا المركب سيصطدم بهذه الأصوليات , أفكر كم علينا أن ندافع عن المجتمعات التي ما زالت تحمل بذور المدنية والعلمانية , كي لا يظهر إلى سطحها أولئك الذين يريدون إعادة الحياة إلى سلفية مخيفة .‏
الثقافة والإبداع السوري‏
> أنت تنتسب إلى المسرح السوري أكثر من أي مكان آخر , كيف تقيم أزمته وهل مديرية المسارح سبب?‏
>> ليس مديرية المسارح بل الحالة الثقافية عامةً , المديرية هي ابن شرعي لمؤسسات الدولة ولكن ورغم الأزمات وحتى هذه اللحظة الثقافة السورية والوضع الثقافي السوري يحوي في رحمه عدداً كبيراً من الخلاقين والمبدعين على اختلاف اختصاصاتهم , يمكن أن يؤسسوا ظاهرة ثقافية طليعية في المجتمع العربي ويمكن أن يوازوا تيارات الطليعية في الحياة الأوروبية .‏
ولكن ما أعتقده أن هناك قصورا فعليا وحقيقيا عند المؤسسة الثقافية الرسمية في نظرها إلى الثقافة السورية , على المؤسسة الثقافية السورية أن تنظر بعين الاعتبار إلى القيمة الإبداعية والجمالية عند الفنانين السوريين , وعندما تفكر جدياً برعايتهم المالية وتهيئة الظروف الإنتاجية الحقيقية والعناية بالثقافة عناية كلية ستتحول الثقافة السورية إلى الكنز الأكثر ضراوة وعظمة وأهمية في سورية ..‏
وربما في تاريخ المؤسسات العربية الرسمية يكون القرار الصادر عن الرئيس (بشار الأسد) بتكليف الدكتورة نجاح العطار لتكون نائبة له للشؤون الثقافية , قراراً ذو قيمة إبداعية ضخمة عليه أن يجد النور ويخرج إلى حيز التنفيذ بسرعة كي ينعكس على الوضع الثقافي السوري الذي هو بحاجة إلى مثل هذه الإجراءات العملية .‏
بين المرأة والمسرح‏
> حضور المرأة في حياتك , هل يشبه ألقها الذي تقدمه على خشبة المسرح ?‏
>>أنا أنتمي إلى عالم المرأة , بالمعنى الأمومي والشفاف , وبالمعنى الروحي, لأن المرأة قطعياً أكثر رقة ورقيا من الذكور الذين طبعوا المجتمعات بالاستهلاك والدماء , وبطابع عنيف , المرأة ظلٌ جمالي عالٍ وظل قصيدة وروح , أنا مسكون بهذا الشعور , لأن أمي كانت ملتصقة بروحي , وعلاقتي الروحية المديدة معها , أنا أنتمي إلى رحمها ... أنا شغوف بالمرأة الحامل .. أراها أعلى من كل المقدسات لأنها تحمل في أحشائها كتابة الخليقة.. إنها الكيان القصيدي والجمالي , بهذا التصور كان للمرأة حضور حقيقي ..‏
وكذلك حضور فاجعي شديد المرارة , كلما تقدمت نحو المرأة لصنع علاقة إنسانية متطورة سرعان ما تتحول العلاقة إلى ملكية قاتلة تحيل الحوار والجسد والنص وكل شيء جميل إلى شيء مرعب لأن لدي نفوراً من فكرة التملك ...‏
> إذا كانت علاقتك بالمرأة بهذا الشكل , كيف تحولها إلى ملكة على المسرح ?‏
>> المرأة على المسرح قدمتها بقيمة عالية , المسرح الذي أقدمه هو مسرح المرأة , والرجل هو ما يحيط بها , أو أحد تنويعات وتشكيلات فضائها .‏
من ينسى ألق (دلع الرحبي) في الاغتصاب ...‏
وأمل عمران في تقاسيم على العنبر .. وغيرهن .‏
المنصة من دون المرأة ليست منصة .. أنا أحب المرأة وأعشقها في المسرح أكثر من الحياة .... ويحزنني هذا التفاوت القاسي والمؤلم , بين الحياة في العرض المسرحي , وبين الحياة على الرصيف ... هناك تفاوت خطر.. لأن المرأة على المنصة تصل بأدائها إلى مستوى خطر من الجمال , يتحطم سحره ويذهب نصه في الحياة .‏


وغداً يومٌ آخر ،،
.
.

الأشباح الخمسة
15-06-2008, 07:06 PM
لك الشكر حسن العلي على هذا المجهود
والسطور الكثيرة

Afan072000
15-06-2008, 07:49 PM
جهود رائعة ايها المبدع حسن العلي

ما تقوم به يوفر على الكثير من المسرحيين الجهد والعناء في البحث عن المعلومات عن هؤلاء الرواد

الان بإمكان اي باحث او فنان مسرحي ان يطبع هذا المعلومات ليكون كتاب مسرحي ثري

لك جزيل الشكر
وننتظر المزيد

حسن العلي
19-06-2008, 03:43 AM
.
.

سلام ُ الله

الأخوة الأفاضل / الأشباح الخمسة ، Afan

عفواً ،، ولكم جزيل الشكر للمتابعة ونتمنى قراءتكم هنا تعود بالفائدة لكما وان تكون هذه الموسوعة مرجع للجميع ونطمح ان تتسع وتتسع بإضافاتكم لها بالمواضيع ، فهي لنا ولكم
وباب المشاركة مفتوح للجميع وليس محصوراً على شخص معين ونحن بخدمة الجميع ،،

وغداً يومٌ آخر ،،
.
.

حسن العلي
19-06-2008, 03:47 AM
.
.

رائد المسرح المصرى..يوسف وهبى http://oldpress.egypt.com/images/M_images/pdf_button.png (http://oldpress.egypt.com/index2.php?option=com_content&do_pdf=1&id=27) http://oldpress.egypt.com/images/M_images/printButton.png (http://oldpress.egypt.com/index2.php?option=com_content&task=view&id=27&pop=1&page=0&Itemid=32) http://oldpress.egypt.com/images/M_images/emailButton.png (http://oldpress.egypt.com/index2.php?option=com_content&task=emailform&id=27&itemid=32) الكاتب/ صالح جودت
22 ابريل 1955



قصة فنان ضخم , ولد و فى فمه ملعقة من ذهب , و لكنه طرحها جانبا , و بنى مجده بلبنات من الحرمان و الجوع ... و فى فمه اليوم ملعقة من ذهب من صنع يديه


عرفته منذ ربع قرن ... و كنت قد رايته قبل ذلك .... رايته فى الليلة الخالدة التى ارتفعت فيها الستارة على قصة المسرح المصرى الحديث , بارتفاعها على الفصل الاول من مسرحية " المجنون" بمسرح رمسيس فى يوم مولده .
سنة 1923 و تتبعته بعد ذلك فى نتاجه الفنى , مؤلفا و ممثلا و مخرجا و منتجا , على المسرح و الستارة , و شهدت لمعاته و انطفاءاته و تابعت معاركه و هزائمه و انتصاراته. http://oldpress.egypt.com/index.php/%E3%DE%C7%E1%C7%CA-%DD%E4%ED%C9/images/stories/youssef.jpg


و حينما اردت ان اكتب عنه هذه الدراسة , قضيت معه يومين كاملين استمع اليه و نحن وحدنا و هو يحدثنى باسطورة حياته بكل ما فيها من ضحكات و دموع ... و اشهد ان يوسف قد فتح لى قلبه ... كل قلبه ... و كم كنت اتمنى ان اكتب هذه الاسطورة بكل تفاصيلها للقراء فأن فى كل يوم منها حدثا قد يضحك القارىء و قد يبكيه و لكن كل هذهالاحداث تلتقى عند حقيقة واحدة هى ان هذا المجد الذى ابتناه لنفسه , انما ابتناه بيديه وحدهبلبنات من الحرمان و الجوع و العرق و الدموع !


بيد انى لن اروى كل شىء , فانا لا اكتب هنا تاريخا و انما التقط من التاريخ الحقائق الكبرى التى صنعت هذه الاسطورة البارعة ... يوسف وهبى ... ولد و فى فمهمللعقة من ذهب ... و هو الآن يعيش و فى فمه ملعقة من ذهب و لكن ... ما ابعد الفارق بين الملعقتين ... لقد وضع الاولى فى فمه قدر ناعم اراد له ان يكون طفلا من ابناء النعمة ابوه من البشوات السراة و لكن الطفل , قبل ان يبلغ السابعة القى من فمه بهذه الملعقة و بدا قصة الحرمان و الهرب و التشرد و الجوع و الكفاح و جعل من كل اولئك جسرا عبره الى النصر ... الى الشهرة و الثراء و النعمة التى يعيش فيها الآن .
فالملعقة الذهبية التى تعيش فى فمه اليوم هى من صنع يديه من صنع الحرمان و الجوع و العرق و الدموع !



فى مدرسة الوحدة:
قضى على يوسف فى طفولته ان يستشعر الوحدة فامه فى القاهرة لترعى اخوته , اما هو ففى صحبة ابيه مفتش عام الرى بسوهاج يومئذ و كان انيسه فى هذه الوحدة هو خادم فيه لمسة الفن , يسهر الليالى , يرتاد المقاهى المتواضعة و الحانات و الملاهى الشعبية فى سوهاج و ياخذ يوسف الصغير فى يده فى غفلى من عينى ابيه.


و يجيل الطفل عينيه فيما حواليه من صنوف الناس و يشهد نشوة السكارى و احلام المخدورين و يستمع الى اهازيج الليل فى مجامع الساهرين و اساطير الربابة وفن الطريق ثم يتسلل مع خادمه بعد منتصف الليل او قبيل الفجر عائدين الى البيت تحت جنح الظلام فى طرق موحشة و دروب قاتمة .


ثم جاء الحدث الضخم الذى زلزل كيانه الطفل , يوم جاءت الى سوهاج فرقة " ابو خليل القبانى " لتقدم مسرحية " عطيل " و كانت لابى خليل مدرسة فى المسرح و طريقة فىالاداء و ذهب يوسف مع ابيه ليشهد التمثيلية ثم عاد الى البيت , و قد اصابته حمى المسرح , كانت حمى لها كل اعراض الحميات القاسية التى تترك بعد ان تزول وطاتها اثرا باقيا فى كيان المريض الى الابد .


و وجده ابوه ينتفض و وجد حرارته عالية فاشفق عليه و دعا اليه الأساة حتى زالت الوعكة ... و بقى الاثر فلم يعد يوسف يطيق ان يمد يده الى طعام و لاالى شراب الا اذا كانت امام عينيه ستارة كستائر المسرح !





الفنانون .... ابناء السادة
ثم عاد مع ابيه ليستقرا مع بقية اهل البيت فى القاهرة , فى ذاك الحى العريق .. المنيرة .. و هناك تعرف الى صبى من لداته من ابناء جيران الحى اسمه محمد كريم .. اجل .. انه محمد كريم , المخرج الذى تعرفونه... و فرح كل منهما بالاخر فقد كانا يسيران فى اتجاه واحد , و كان كريم يحيا الحياة التى طالما تمكناها يوسف لنفسه كانت له غرفة فى البيت فيها " مسرح " و جدرانها مغطاة باعلانات السينما .


و انخرط الصبيان محمد و يوسف و ثانيهما يومئذ فى الثانية عشرة فى فرقة من الهواة برئاسة حسن شريف ( متعهد الحفلات ) و كان فيها محمد توفيق و داود عصمت و غيرهما من الهواة المبكرين و ذهبا ذات يوم فى زورة لجماعة انصار التمثيل و موقعها يومئذ بالدور الثانى من بيت بحى الفجالة الدور الاول فيه ناد لجماعة انصار القوة , برئاسة المصارع الجبار عبد الحليم المصرى , فاحب يوسف الدورين معا و انخرط فيهما معا .


كانت مصر تزهى فى ذلك العهد بان نفرا من ابناء السادة قد انضوى تحت لواء الاستاذ الاول محمد عبد الرحيم فى جماعة انصار التمثيل و من هذا النفر محمد تيمور و فؤاد رشيد و عبد الخالق صابر و سليمان نجيب ثم انتظم العقد صاحبينا , يوسف و كريم ... و قدمت الجماعة الوانا من الفن البارع اضطلعت بادوار الانوثة فيها روز اليوسف و ميليا ديان و نظلة مزراحى و غيرهن .


الى هنا عرفنا بعض اساتذة يوسف وهبى .. كان اول اساتذته الوحدة .. و الخادم الانيس .. ثم خلق النازعة الاولى فيه ابو خليل القبانى ثم جاء محمد عبد الرحيم ثم ... جعل يوسف يكثر من تردده على مقاهى الممثلين فى ذلك العهد و من عمدهم احمد فهيم و عبد العزيز خليل و منسى فهمى و عمر وصفى و يستمع اليهم و يحفظ عنهم .


و كان سيد المسرح يومئذ هو الاستاذ الكبير جورج ابيض , الذى عاد من الكوميدى فرانسيز ليزف روائع المسرح الفرنسى و ينقل اسلوب هذه المدرسة الى مصر , و كثر مقلدوه و لكن احدا لم يصل الى سمائه لان جوج عبقرية فى قوة الحنجرة و سلامة الفظ قل ان تجد لها النظائر فى العالم عذا الى انه نسيج وحده بحيث لا يسهل على احد ان يقلده , و لا شك ان هذه المدرسة الجديدة بروائع فنها قد تغلغلت فى نفس يوسف و حرضته على ما اقدم عليه فيما بعد .


و الناحية المجهولة من حياة يوسف هى الموسيقى .. كان طالبا بالسعيدية حين تعرف الى مختار عثمان فاشتركا فى تلحين و القاء المونولوجات التى تدور فى جو تصويرى و تنحو نحو الموسيقى الغربية و من تلاحينه المشهورة فى ذلك العهد مونولوج " شم الكوكايين " و كان يوسف قد تعلق بالعزف على البيانو , اخذه عن شقيقه محمد الذى كان من كبارالعازفين فى عصره ... ثم بدا يلحن للمسارح الغنائية كفرقة امير صدقى و له كثير من الالحان التى اشتهرت و جرت على السنة الناس كلحن " حنّوا يا ناس عالفقير " و لحن " الالاتية " و لحن " الحواة " ... و كلها منسوب الى غيره من ملحنى هذا العصر !.



اسم الباشا فى الاعلانات:
و كان طالبا فى مدرسة الزراعة فى مشتهر حينما توثقت الصلة بينه و بين الفنان العظيم عزيز عيد و الفنانة العظيمة روز اليوسف و انشأـ عزيز فرقة استأجر لها مسرح " كازينو دى بارى " الذى كان يقوم مكان سينما ستديو مصر و جعل ليوسف البطولة براتب قدره ثمانون جنيها فى الشهر , كان ذلك سنة 1918 و يضحك يوسف حينما يذكر ان الفرقة القومية حينما انشئتبعد ذلك بجيل و نصف جيل من الزمان عرضت عليه راتبا قدره اربعون جنيها فى الشهر !


و وزعت الاعلانات فى الطرقات و وقع احدها فى يد ابيه اذ هو فى مأتم يؤدى واجب العزاء فظن الناس انه منفجع على الميت فاشتدوا فى مواساته فقال لهم :


- بل ابكى لان اسمى اصبح فى اعلانات الطريق !


و وقعت القطيعة بينه و بين ابيه لذلك و لسبب آخر : الحب ... الحب الاول


اما فرقةعزيز عيد فسرعان ما انفرط عقدها , لان السكارى من جنود الانجليز فى اخريات الحرب الاولى كانوا يكثرون من ارتياد المسارح و كانوا يدخلون الى الكازينو دى بارى فلا يفهمون شيئا و لا يسعهم حينئذ الا ان يقذفوا الممثلين بالبيض و الطماطم و باشياء اخرى ... و تسرع الجماهير بالانصراف .


و طرق الحب باب قلبه للمرة الاولى ... و كانت بطلة قصة الهوى شابة اغريقية حسناء امتلكت عليه كل عواطفه و استرسلا فى قصة الهوا فهجر البيت و المدرسة و اقام معها و تفرغ لها وحدها كانت هذه تحويلة حياته فقد اتفق معها على ان يسافر للخارج و يثبت اقدامه فى شىء ثم يستدعيها لتعيش معه بقية العمر .



فى مدرسة كيانتونى:


و سافر خلسة الى ايطاليا ... و قصته فى ايطاليا ممتعة و مؤسية معا ... قصة فتى دون العشرين , طريد اهله , غريب عن وطنه جائع شريد تتقاذفه الانواء و هناك عرف الجوع كما لم يعرفه فنان فى الارض ... قالى لى انه كان يعيش على الجوز – عين الجمل – اياما طويلة لانه ارخص شىء هناك .


و لا يزال يوسف يذكر بالخير ذلك الرجل الطيب " بتسوتو " النجار بمسرح ايدن بميلانو , الذى رآه جالسا على باب المسرح جائعا مثلوجا فاكرمه و اواه فى بيته و ادخله المسرح من الباب الخلفى ... الى ان قدمه الى سيد المسرح الايطالى , الفنان العظيم كيانتونى ... و كان هذا هو الفجر الصحيح فى حياة يوسف فى ايطاليا , عمل يوسف كحمّال منظر فى المسرح و كخادم و جرسون و نكرة ( كومبارس ) على الستارة الصامتة و كان يكسب قوته احيانا باحتراف الرماية فى الملاهى.. اعمال صغيرة و لكنه يعتز منها بدور الخادم الخاص لكيانتونى ... ذلك الدور الذى قربه الى سيد المسرح فعطف عليه , و الحقه بالكونسرفتوار " فيلو دراماتيكا ايتاليانا " و هناك برز الفتى المصرى على اقرانه و كان الاول عليهم جميعا و ابتسم له الحظ ففاز بادوار كبيرة مع استاذه كيانتونى و يمثلها على الستارة .



شوقى .... و نحس عزيز عي:


داما قصة حبه الاول فقد وئدت فى المهد و لكنها لم تمت قبل ان تورث ليوسف اول موهبة فى التاليف ... لقد علمته كيف تكون " العقدة " فى القصة , و تكاثرت عليه قصص الهوى هناك و نكتفى بالاشارة الى قصة منها لانها هى التى ردته الى مصر , ذلك انه احب الممثلة ´فيرا فرجاى ´و كان حبها لونا من الرذيلة ... و اخطر ما فيه انها جعلته عبدا لاستنشاق " الاثير " و هو ضرب من الكيف يورث الضعف و الانهيار و هكذا احس القوى بضعفه و كان اول مظاهره الضعف نحو الوطن ... الحنين الى مصر . .http://oldpress.egypt.com/index.php/%E3%DE%C7%E1%C7%CA-%DD%E4%ED%C9/images/stories/youssef1.jpg


و اوقد جذوة هذا الحنين موت ابيه فشد الرحال عائدا الى ارض الوطن فى اوائل سنة 1923 حيث التقى بالفنان الكبير عزيز عيد مرة اخرى و يصف يوسف هذا اللقاء و قلبه يتقطع ... كان عزيز سائرا فى الطريق حينا لمح عقب سيجارة فانحنى عليه ليلتقطه ليدخنه ! و ربن يوسف على كتفه و قال له ان ابواب السماء قد تفتحت و انه سيذهب به الى ايطاليا حيث توثقت صلاته باحدى شركات السينما فيها و ستضحك لهما الاقدار هناك و سافرا و لكن النحس الذى لازم عزيز عيد طوال حياته ابى الا ان يسافر معه .. وصلا الى ايطاليا فوجدا ان الشركة السينمائية قد افلست واغلقت ابوابها بالضبة والمفتاح . .


و شدا الرحال الى فرنسا لعلهما يجدان مخرجا ... و هناك قابلهما امير الشعراء شوقى و نصح لهما بان يعودا الى مصر لانها احوج الى جهودهما و اكد لهما ان الوعى الفنى الجديد فى مصر قمين بان يضمن لهما المستقبل و عادا ... و اقدم يوسف على مغامرته الكبرى و انشأ مسرح رمسيس و القصة بعد ذلك معروفة ... .



خصائص مدرسة رمسيس:
تلك هى حياته ... رويتها لك فى عجالة و السؤال الطبيعى بعد ذلك :


- ما هى خصائص مدرسة رمسيس؟


و ادع يوسف بنفسه يجيب على هذا السؤال :


1 – الواقعية :


فلا تنغيم فى الالقاء و لا مغالاة فى الاشارة نقلا عن سائر المدرسة الايطالية كل الاختلاف حتى لقد كانوا يسمونه " الممثل الذى لا ليس له ذراعان " لانه كان لا يؤمن بالحركة الا عند الحاجة القصوى اليها.


2 – الجو الصادق :


فى رمسيس , بدا الاهتمام بتفاصيل المسرح و كنت احرص اشد الحرص على اعطاء الجو الصحيح , فى الجو الصحيح فى المناظر و الملابس و الاضاءة و المكياج و فى دراسة العصور اعتمادا على اصدق مراجعها .


3 – مكانة الممثل :


بدا الممثل فى رمسيس يشعر بمكانته و كرامته و احترامه فى المجتمع و ارتفع مستوى معيشته و احس بالاستقرار و عدم الخوف من البطالة لاول مرة لانه يعمل بصفة مستمرة فى مسرح ثابت راسخ .


4 – القومية :


من ناحية التاليف بدانا بترجمة روائع الغرب مما تستسيغه الحياة المحلية و تهضمه كروائع شكسبير ثم جهدنا لخلق المؤلف المصرى فظهر ابراهيم المصرى و وداد عرفى و انطون يزبك و اسعد لطفى و غيرهم .


5 – الوعى الاجتماعى :


و ذلك بالاتجاه الى المسرحية التى تعمل على هدم الاوضاع الفاسدة و الغاء نظام الطبقات , و الثورة على الظلم فى الداخل و الخارج و هدم اتلمجتمع الارستقراطى ... الم تكن رسالة رمسيس تمهيدا للثورة و دفاعا عن حقوق الفقراء و الكادحين فى الحياة .



انفضاض ..... لا انهيار :


و يابى عليك يوسف بعد ذلك ان تقول له :


- لماذا انهار رمسيس ؟


و يصحح لك السؤال بقوله :


- لماذا انفضت اسرة رمسيس ؟


يقول يوسف :


نضوب المورد ... لقد كان رمسيس ينفق عن سعة على المسرحيات , كان يقدم كل اسبوع رواية جديدة بمناظر و ملابس جديدة و باثاث جديد و كان يبدا تجاربه ( بروفاته ) قبل الموسم بثلاثة اشهر و كان راتب الممثل ضعف راتبه اليوم و كانت الخسائر تتكدس عاما بعد عام على امل فى مزيد من اعانة الدولة ... الدولةالتى لم تلق بالا الى الفن فى العهد المنصرم حتى لقد اربت الخسائر على ربع مليون من الجنيهات و اكلت ايراد المسرح و ما ورثته عن امىو ابى و ما شقيت فى افتنائه فى زهرة العمر ... و حينما حلت سنة 1935 كنت لا املك الا الثوب الذى البسه بغير بديل !



فلسفته فى الحياة:
و يوسف وهبى , صورة يخطئها كثير من العيون فقد يخيل اليك اذ تراه على المسرح او فى الطريق انه انسان متكبر او متجبر او انه يعيش لنفسه او انه لم يصطنع اسلوبه فى الحياة او الحديث اصطناعا يبعده عن الطبيعة . و لكنك اذا اقتربت منه , كما اقتربت انا , لوجدت انه انسان فلسفته فى الحياة هى الاحساس بالالم قبل الفرحة و مشاركة غيره فى هذا الالم مشاركة عملية , تتمثل فى مسرحياته فى اختياره للمسرحية المترجمة او المقتبسة او المؤلفة ليشارك بها مواطنيه فى الالم و الشقاء .


و هو يؤمن بان المسرح هو المنبر الاسمى ... نفس الفكرة التى آمن بها شكسبير و موليير و ديماس و هوجو و لكن يوسف فى هذه المنبرية يساير الزمن فبعد ان كانت النصيحة فى مسرحياته الاولى سافرة تطور بها حتى جعلها تحمل لاعظة خلال الحوادث لا فى الحوار و اكتفى بالتنويه و التلميح .



المرأة فى حياته:
فى حياة يوسف عشرات من النساء .... و لكن اللواتى لعبن الادوار الرئيسية فى حياته لا يزدن عن اربع , اولاهن اغريقية هى حبه الاول الذى اسلفنا الحديث عنه و قلنا انه كان " تحويلة " حياته فقد هجر بيته و اهله من اجلها ثم تخلى عنها يوم كتبت له انها فقدت روحها و اصبحت تعيش بالجسد وحده.
و تاتى الثانية بعد ذلك " مس لوند " زميلته فى كونسرفتوار ميلانو و هى مزاج جميل من اب المانى و ام اسكندنافية و جنسية امريكية ... كانت موسيقية موهوبة و ناقدة متعمقة و تحابا ... و كان الزواج الاول . و جاءت معه الى مصر و كانت سنده فى مطلع رمسيس و لكنها لم تكن من اللون الذى يستطيع ان ينسى فنه فى سبيل بيته... كانت تعمل على مسارح الاوبرا و لها عقود تجبرها على كثرة التنقل بين مسارح العالم و لم يشا يوسف ان يقف عقبة فى طريق فنها الذى احبته فسرحها باحسان .


و جاءت الثالثة ... التى لا يزال يوسف يذكر لها فضل التضحية بالكثير من مالها فى سبيل تحقيق اهدافه المسرحية و يقول انها السيدة الاولى التى احتملت خسائر المسرح المصرى ثم كانت الفرقة بينهما .
و اخيرا لاحت فى افق حياته السيدة التى علمت يوسف لذة الاستقرارا اول مرة .. الشريكة التى تفهم حياته و تقدر رسالته و تقف الى جانبه ... الى الابد .



دور احبه .... و دور اكرهه!


و اذا سالت يوسف : http://oldpress.egypt.com/index.php/%E3%DE%C7%E1%C7%CA-%DD%E4%ED%C9/images/stories/youssef3.jpg


- ما احب ادوراك اليك ؟


اجاب فى غير تردد : راسبوتين !


و قد يلمح يوسف على شفتيك و انت تسمع هذا الجواب شبهة ابتسامة ... ابتسامة مبعثها انك قد يقفز الى ذهنك وجه من المشابهة بين الرجل و بين الدور الذى يحبه و لكنه يلاحقك بقوله انه راى الكثيرين من عظماء المسرح يلعبون هذا الدور دون ان يتعمقوا فى دراسة شخصيته .... اداه " كونراد فايدت " الالمانى الذى اظهره بمظهر الشرير فحسب و داه ليونيل داريمور فاظهر منه المتآمر الانانى ... ثم اضطلع به هارى بور فصوره وحشا و زئر نساء ... اما يوسف فقد لمس فيه الطابع الشرقى الذى يغلب عليه و التقى بابنة راسبوتين فى باريس و هى فلاحة جاهلة كانت تؤمن بان اباها لم يكن الا قديسا مطهرا ثم التقى بالامير الروسى الابيض يوسوبوف الذى اكمل الصورة ليوسف حين حدثه كيف كان راسبوتين زنديقا , زئر نساء يبيع وطنه بالذهب و يدمر المثل العليا و ينشر مبدأ " االخوات المؤمنات " ليدعو النساء الى الزلل معه كجسر للتطهير !


و هكذا استطاع يوسف ان ينتظم خلال راسبوتين ... راسبوتين .. راسبوتين ابن النكتة ذى الارادة الخارقة و الشخصية المسيطرة ... الشرير الجذاب .


اما ابغض الادوار اليه فهو " أرمان دوفال " عاشق غادة الكاميليا لان يوسف لطبيعة فيه لا يحب ادوار العشاق الضعفاء المتخاذلين .



متى يعتزل الفنان ؟
و يوسف اليوم يقترب من الستين و لهذا كان عويصا على ان اواجهه بهذا السؤال :


- متى يجب ان يعتزل الفنان فنه ؟


و لكنى واجهته به ... و اضفت اننى لا اقصده هو بالذات و انما اطالبه بنصيحة يقدمها لكل فنان و لكل فنانة من اهل المسرح و الغناء و سائر الفنون .. و كان جوابه :


- اذا ما شعر بانه لم يعد قادرا على اداء الرسالة كاملة فالسن اذن لا دخل لها فى الاعتزال بل المقدرة و معظم الفنانين الخالدين برزوا فى اعمار متقدمة اما اذا شعر الفنان بالعجز و اصاب صوته وفنه الهزال و تعبيره الوهن و احس ان الجماهير قد بدات تنفض من حوله فهنا يجب ان يفسح الطريق لغيره و يعتزل و هو فى قمة المجد .



الكتب التى اثرت فيه :
هناك قولة جميلة تقول : قل لى ماذا تقرا ... اقل لك من انت , قلتها ليوسف فقال ان اعظم التى وجهت حياته هى الياذة الشاعر الايطالى دانتى اليجيرى صاحب " الكوميديا المقدسة " و مسرحيات نيكوديمى الايطالى و مؤلفات شكسبير عامة ... هذه فى بدء تكوينه اما الان فانه يقرا كل ما يستطيع و اكثر ما يقرا عن المسرح و المسرحيات التى تضم بين جلداتها العلم و الفلسفة و الدراسات الخلقية ... و العالم باسره فى صورة مركزة .



السعادة و الشقاء - هل عرفت معنى السعادة ؟


ان سعادة الممثل هى فى نزول الستاة على الفصل الاخير من روايته , و لقد شربت اجمل كؤوسها يوم نزول الستارة على مسرحية " المجنون " فى اول ليلة من ليالى رمسيس حبن ضحت الصالة بالهتاف و التصفيق لقد آمنت يومئذ بنفسى و بالجماهير .


- و هل عرفت معنى الشقاء ؟
http://oldpress.egypt.com/index.php/%E3%DE%C7%E1%C7%CA-%DD%E4%ED%C9/images/stories/youssef2.jpg




عرفته كما لم يعرفه احد لقد كانت حياتى ترمومترا من السعادة و الشقاء و النجاح و الفشل و الثراء و الافلاس و اشقى ايام حياتى يوم اضطررت الى اغلاق ابواب رمسيس سنة 1933 بعد ان فقدت كل شىء و عندما ذهبت الى مدينة رمسيس فوجدت على ابوابها حراسا يمنعوننى من الدخول و كان وراء الاسوار كل ما جمعته فى حياتى من معدات مسرحية و سينمائية و حتى ملابسى الخاصة و عدت و انا من الدنيا صفر اليدين لا املك بيتا و لا سترة غير التى البسها و فى جيبى جنيه واحد .


و اطرق يوسف اطراقة غالب فيها دموع الذكرى ثم استطرد يقزل : " لم يحزننى يومئذ فقد ثروتى بل حرمانى من فنى و لاسيما بعد ان كونت الحكومة الفرقة القومية و لم تستدعنى و هذا هو الدرس الذى اقدمه للشباب : لقد عكفت على كتابة مسرحية و لمحت حولى بعض الهواة لان الدولة اخذت جميع ممثلى رمسيس فى فرقتها و وضعت نفسى تحت امرة متعهد حفلات يديرنا على مسارح الارياف ... و كان اجرى منه 160 قرشا كل ليلة !


و بعد ايها القارىء فهذا هو يوسف وهبى و اذا كنت قد اطلت عليك حديثه فما رويت من حياته الا اقل القلل الذى يلقى الضوء على هذه القصة الجميلة فى تاريخ الفن المصرى .
.
.

حسن العلي
19-06-2008, 04:05 AM
روافد: مع الفنان يوسف العاني (كاتب ومسرحي عراقي)
http://www.alarabiya.net/track_content_views.php?cont_id=8504
http://www.alarabiya.net/files/image/large_43920_8504.jpg

اسم البرنامج: روافد، مقدم البرنامج: أحمد علي الزين، تاريخ الحلقة: الجمعة 3/12/2004

ضيف الحلقةالفنان يوسف العاني (كاتب ومسرحي عراقي)
الأستاذ يوسف العاني: كنت طفلاً أحبو مات أبي وأنا طفل أحبو الصورة تملأ ذاكرتي حين مات أبي فارقت أمي كانت شهادة نجاحي بيدي الثاني في الصف الثانيكنت في الثامنة بدأت أحسب عمري وحديفالعالم متسّع حولي متسّع حوليوأخي صار أبي وزوجته صارت أميتحمل همي تمنح كل شطاراتي الحق لكي تكبر حتى نزواتي كل صباباتي صارت تكبروذات يوم وثبت على كرسي عالٍأصرخ بالصوت العالي يا مطحنتي يا مطحنتيهاكم اسمي اسمي اسمي يوسف اسمي الطحان يوسف يا مطحنتيقالوا أهلي اعقل سكتت أميقالوا اثقل ادرس وتعلّم ابتسمت أمي قالوا زد علماً زد درساً واعقلقالت أمي وهي تضحك مثّل والعبلكن لا تتعب أنت الشاطر انجح وتفوّقاعلم أن الماء بلا لون ولون البحر أزرقاعشق لعبك واعشق حبك مثّل ورحت أمثّل

لماذا سمّي العراق عراقاً؟
منذ صغري وبالضبط عام عمري كان 14 عاماً، أنا خرجت في أول مظاهرة وطنية من أجل الشعب العراقي، ومنذ ذلك الوقت أنا ارتبطت بالوطن وارتبطت بالشعب ارتباطاً عميقاً ،،

أحمد علي الزين: الطحان يوسف هو يوسف العاني ابن أرض السواد, جاء من مصدر تواشج أعراق النخيل والشجر, وهذا فعلٌ سمّاه المؤرخون العراق, مثلما سمى يوسف نفسه في حكايته الأولى الطحان يوسف، والتي توالدت حكايات وحكايات ودار رحى الطحان الصغير لأكثر من 70 سنة, كم أنت جميلٌ أيها الطحان الذي على ما يبدو ما استطاع رحى الدهر والحروب والأيام أن يغلب قامة المبدع الذي فيك, بل نما.. نما كبذرةٍ زُرعت في أرض البيت العتيق, ونمت نخلةً باسقة تظللت لاحقاً بسعفها, هناك.. هناك يروى أنك ولدت ذات صيف على سطح تلك الدار بعد أن حملت فيك الوالدة 11 شهراً, هناك وسط مدينة الفلوجة التي يجرشها رحى الحروب، وفي بيتٍ متواضعٍ بسيطٍ ولدت ذات صيفٍ من عام 1927 مهيّأً لولادات أخرى ربما لانتباهك إلى اختلافٍ أصابك أو رغبة غامضة ألا وهي الموهبة التي سيّجتها وحميتها وسقيتها سنةً سنة وحصنتها بالمعرفة لتسعفك على الاحتجاج وربما على الخلاص من التيه, فخشبة المسرح فضاءٌ آخر للحرية، وربما أدركت ذلك مبكراً فذهبت إلى الناس في أحيائهم البائسة لتسعفهم على الفرح قليلاً وتخفّف من شقائهم وبؤسهم قليلاً.أحمد علي الزين: سنة 1927حسب ما يُروى في العراق أنك ولدت في تلك السنة، وسموك يوسف لأنك كنت شديد الحسن هل هذا صحيح؟ الأستاذ يوسف العاني: هكذا يقولون, والحقيقة أن ولادتي كانت غريبة, يُقال أنني مكثتُ في بطن أمي 11 شهر, وطبعاً هي قضية مش دقيقة ما مهم, بس قيل أنني حينما ولدت صرخت بصوتٍ عالٍ وكأنني أحتجّ, ولكن بعد أن خافوا مني وهذه كان الحديث مالي في سياق قصيدة أنا كاتبها، فحينما خافوا مني بدأت أضحك أضحك وتلاءمت مع الدنيا، ولكي يهدئوا خاطري وهذا طبعاً بتقديري سموني يوسف نسبةً إلى يوسف الحسن..أحمد علي الزين: نعم. الأستاذ يوسف العاني: وطبعاً لا يستطيع أو لا أستطيع أن أكون أنا بحسن يوسف، ولكن حسن ظن الناس أعتقد الجمال هو ليس شكلاً وإنما مضموناً والحمد لله. مقطع من فيلم:يوسف العاني: آني وحيد أمي. ممثلة: وإذا صاحب الاسم ما حلو؟ يوسف العاني: الاسم الحلو ما يوقف إلا على صاحبه وإلا يوقع. ممثلة: ويضيع؟ يوسف العاني: لا ما يضيع. بس يدوّر على صاحبه الحلو ويرهم له. ممثلة: أقول؟ يوسف العاني: قولي. ممثلة: أنت سألتني لويش اسمي منيرة؟ يوسف العاني: إيه. ممثلة: ولويش منيرة؟ يوسف العاني: لأنه اسم منيرة أعزّ اسم بحياتي كلها..تذهب الممثلة وهي حزينة..يوسف العاني: منيرة.. سميرة.. سميرة.. سميرة.. سميرة.أحمد علي الزين: بدون شك أستاذ يوسف تجربتك متقاطعة أو سيرتك متقاطعة بسيرة وطن.. اللي هو العراق بحكم تلازم همّك الإبداعي وهمك السياسي من سنواتك الأولى. يعني السؤال أنت كيف جئت إلى المحاكاة يعني أو كيف تكوّن هذا الهمّ يعني.

همّ الوطن وقضايا الناس
الأستاذ يوسف العاني: الحقيقة أنا منذ صغري وبالضبط منذ عام عمري كان 14 عاماً، أنا خرجت في أول مظاهرة وطنية من أجل الشعب العراقي، ومنذ ذلك الوقت أنا ارتبطت بالوطن وارتبطت بالشعب ارتباطاً عميقاً وحميماً وكان وجهاً من أوجه سعادتي..أحمد علي الزين: أن تحمل همّ وقضايا الناس.الأستاذ يوسف العاني: نعم. هذا الهمّ..أحمد علي الزين: طيب كيف تكوّن هذا الهم يعني؟ الأستاذ يوسف العاني: هذا الهمّ شعور بالمسؤولية لأنه من خلال الناس الذين عاشرتهم والتقيت بهم، أنا من منطقة شعبية، هذه المنطقة الشعبية فيها نماذج عديدة من جملتهم وهم أصدقائي طبعاً في البداية نحن نعيش على ضفة نهر دجلة في منطقة أسمها "خضر الياس" في "خضر الياس" ألتقي مع أصحاب الزوارق إحنا نسميهم بلاّمة..أحمد علي الزين: بلاّمة. الأستاذ يوسف العاني: بلاّمة..أحمد علي الزين: شو..الأستاذ يوسف العاني: "بلم" يعني زورق.أحمد علي الزين: أه. الأستاذ يوسف العاني: وفي الخان محل عمل عمي العتالين اللي إحنا نسميهم حمالين، فكنت أتعرف عن حيواتهم وليست حياتهم اليومية بشكل متكامل وهذا التعرف الحقيقة جعلني أشعر بأهمية أن يكون الإنسان قريباً من الناس الحقيقيين وليس من الناس المفبركين.. أحمد علي الزين: على ماذا كنت تراهن يعني أنت بهالسنوات الأولى..الأستاذ يوسف العاني: نعم. أحمد علي الزين: من عمرك ومن وعيك اللي تشكل نتيجة هيك مراقبتك لحياة الناس أو لحيواتهم كما ذكرت يعني على ماذا كنت تراهن يعني؟ الأستاذ يوسف العاني: أراهن على أن الإنسان قيمة كبيرة..

أحمد علي الزين: نعم.

الإنسان كبير كائن من كان
في ظل نظام صدام حسين حافظتُ على كرامتي ، وقدمت أنبل الأشياء التي تفرض نفسها لم أُطأطئ رأسي لأحد، وحتى المسؤولين والذين هم في السلطة شعروا بذلك فاحترموا هذا الموقف ،،

الأستاذ يوسف العاني: وكنت أتعاطف مع هؤلاء الناس ولاسيّما الطبقات المسحوقة, كنت أحبهم بشكل عجيب يعني، وكنت أرى بعضهم يعني واحد من العتالين اللي نقول نحنا حمّالين، ذات يوم دخلت للخان شفته مستلقياً مريضاً وهو كان يدربني رياضة، هو مصارع قوي ويعني أخوي قال لي: ودّيه للمستشفى فأخذناه للمستشفى في اليوم الثاني توفي هذا الذي كنت أعتبره بطلاً. فسألت الطبيب: لماذا انتهى بهذه العجالة؟ قال لي بالحرف إحنا عدنا (عندنا) كلمة منخوب من الداخل يعني من الداخل متآكل، ولكن شكله يوحي بأنه متماسك وقوي, فهؤلاء الناس كانوا يتساقطون يعني ويموتون دون حق بتقديري ولو يعني الإنسان يموت بأقداره، فهذا الحب الحقيقة هو اللي خلاني أبحثُ سواءً في الطريق السياسي أو في الطريق الفني أو الثقافي عن الوسائل التي تُسعد هؤلاء الناس.أحمد علي الزين: قبل ما هيك ننتقل للمحطات بالتجربة والسيرة, بدّي أسأل سؤالاً عن الراهن في العراق..الأستاذ يوسف العاني: عن؟ أحمد علي الزين: عن الراهن في العراق الآن, يعني من موقعك كمثقف شاهد على سنوات طويلة من التجربة العراقية، يعني كيف بتشوف هذه الصورة؟ هذا المشهد الدموي اليومي في العراق؟الأستاذ يوسف العاني: هذا مشهد - مع الأسف يعني - ما كان يخطر ببالنا إطلاقاً لأننا عراقيون، ونحن نعرف العراقيين حق المعرفة, العراقي لا يمكن أن يرتكب هذه الجرائم، وإذا دُفع بضغطٍ أو بوسائل أخرى فإنه شاذ, القاعدة ليست هؤلاء الناس الذين يفعلون هذه الأفعال إطلاقاً, لذلك المعاناة الحقيقة إلنا الآن معاناة عميقة ومرّة، ولكن هناك أمل يعني, يعني الأمل لا يغادرنا إطلاقا..أحمد علي الزين: نعم.الأستاذ يوسف العاني: أن الحال لا يدوم على هذا الحال.
أحمد علي الزين: لقد ذهبتْ الحرب بأشياء كثيرة بالبشر والحجر ولم تُبقِ على شيء حتى على الذاكرة أحياناً, وعندما سألت يوسف العاني عن صرخة احتجاجه اليوم ضد هذا الموت، روى لي أنه خلال الحرب فقد من جملة الأشياء الحميمة دفتر يومياته والذي بدأ بتدوينه منذ عام 1948 سنة نكبة فلسطين, لقد احترقت، هكذا قيل له في دائرة السينما والمسرح حيث كان مديراً لها, احترقت الدائرة كما الكثير من المؤسسات الرسمية وسواها وضاع دفتر اليوميات, وذات يوم بعد سقوط بغداد جاءه مخرج شاب، وطلب منه المشاركة في فيلمٍ وثائقي عن الحرب ليلعب فيه دور الراوي أبو شاكر, وخلال تصوير الدمار كانت تجول الكاميرا هنا وهناك لتلتقط مشاهد الخراب، فبان في زاويةٍ من زاويا مكتب يوسف العاني وفي بقايا الخراب دفترٌ أسود كتب عليه: أيامي يوسف العاني 1948, كان ذلك بالنسبة ليوسف أثمن من كنز، أو هو الكنز المفقود الذي عَثر عليه, أما صرخة احتجاجه كما قال كانت في الفيلم الذي وثّق للهمجية والخراب والقتل. الأستاذ يوسف العاني: أحسست بعد أن بدأنا بهذا الفيلم وفي عندي بعض الصور من هذا الفيلم أنه بدأت أعمل شيئاً، وفعلاً أنهينا هذا العمل في خط درامي يتماشى مع الظروف التي عشناها, وأبو شاكر كان واحداً من الأصوات التي تحكي عمّا كان، وعمّا هو كائن، وأملاً فيما سيكون. وهذه واحدة من يعني جانب من جانب الصرخة التي أتمنى أن تكون بليغة وأن تصل إلى الآخرين..أحمد علي الزين: نعم. الأستاذ يوسف العاني: وما زلتُ وعندي يعني ممكن أن تكون هناك صرخات أخرى.

أحمد علي الزين: يقول (حميد المطبعي) في موسوعة المفكرين والأدباء العراقيين وفي جزءٍ خصصه عن يوسف العاني يقول: حينما وقف يوسف العاني في مهرجان قرطاج المسرحي سنة 1985 ليتوّج رائداً من رواد المسرح العربي والأفريقي بكى من فرح ماضيه, إذ تداعت أمامه وفي لحظةٍ عابرة صور الماضي كلها, كيف نسج من ماضي الشعب قصة كفاحه الطويل, قصةً بدأها منذ منتصف الأربعينات من مسرح الأزقة إلى مسرح القاعة فإلى مسرح الإذاعة والتلفزيون حتى غدا يوسف نفسه دراما شعبية تُذكرنا بتاريخنا كله في الأربعينيات والخمسينات، وهو في نظر المنصف من النقاد فنانٌ يحترم ماضيه وحاضره، وفي نظر جمهوره إنسانٌ وطنيٌّ, فنانٌ وإنسانٌ يحترم سيرته وتراثه وكل عطائه, عرفوه فمنحوه لقب الرائد، كان هو وقليلون يبنون مسرحاً نظيفاً في شوارع مكتظة بالبؤساء، وفي مدارس وكليات تزدحم بشعارات الوطن والتحرير والمقاومة, يحرّضون وينتقدون ويعرضون صور الحال، وكان مسرحهم ينبض بالفعل والحركة، وبينهم يوسف يمدّ عنقه إلى أمام دون وجل، لأنه كان مؤمناً بقضيةٍ كان عليه أن يؤدي دوراً مزدوجاً ورائعاً, دور الممثل الفنان ودور السياسي الفنان، وفي مهمةٍ واحدة أن يكون دمه ثمن الحرية. أحمد علي الزين: أستاذ يوسف أنت عايشت عهود مختلفة: الملك فيصل.. الملك غازي الملك فيصل وزمن الانقلابات.. وعبد الكريم القاسم وصولاً إلى الآن مروراً بحكم حزب البعث..الأستاذ يوسف العاني: نعم. أحمد علي الزين: يعني بدون شك بقاءك يعني أنت المتمرد على كل أشكال الأنظمة، بقاءك كان يستدعي أن تدفع الثمن أحياناً، أو أن تتنازل أحياناً أخرى..الأستاذ يوسف العاني: لأ. أحمد علي الزين: أن تدفع الثمن غالباً دفعت الثمن؟الأستاذ يوسف العاني: صح.. الثمن دفعته.. أحمد علي الزين: يعني..الأستاذ يوسف العاني: بكبرياء أما التنازل.. أحمد علي الزين: ماذا فعلت حتى حافظت على وجودك؟الأستاذ يوسف العاني: نعم. أحمد علي الزين: في ظل نظام أنت لا تتفق معه؟ الأستاذ يوسف العاني: نعم، حافظتُ على كرامتي أولاً، وقدمت أنبل الأشياء التي تفرض نفسها اثنين، ثالثاً لم أُطأطئ رأسي لأحد، وحتى المسؤولين والذين هم في السلطة شعروا بذلك فاحترموا هذا الموقف، وربما أخافهم أن يصيبني شيء منهم، وهذا يؤثر لأنه أنا إنسان لست ابن بلد واحد، وإنما ابن أكثر من بلد..أحمد علي الزين: أممي. الأستاذ يوسف العاني: عربي وأفريقي وأعتقد هذه قيمة..أحمد علي الزين: بس يعني إلى هذا الحدّ هنّ كانوا يخافون أو هيبة المثقف أو سلطة أو حصانة الكائن إذا كان مثقفاً, عنده حصانة, حصانة المعرفة حصانة مهمة، هنّن كانوا يحترموا هذه الحصانة عندك؟ يحترموا المعرفة؟الأستاذ يوسف العاني: أنا أعتقد.. أنا أعتقد كانوا مجبرين وليسوا مخيّرين, مجبرين لأنه أنا أمثل يعني أنا جزء من تراث العراق والعراق وطن .

لقاء مع صدام حسين
أحمد علي الزين: طيب ذات.. طيب ذات يوم استدعاك أو طلب منك الرئيس صدام حسين أنه يشوفك وأتيت يعني.. هو رئيس البلاد يعني..الأستاذ يوسف العاني: نعم. أحمد علي الزين: ما فيك تقول له لأ يعني..الأستاذ يوسف العاني: لأ رحت. أحمد علي الزين: يعني شو كانت الغاية من هذا الاستدعاء؟ شو كان بدو منّك؟ الأستاذ يوسف العاني: في تلك الفترة هو الحقيقة كان يقابل كل الناس. أحمد علي الزين: في أي سنة؟الأستاذ يوسف العاني: نعم؟ أحمد علي الزين: في أي سنة تقريباً؟ الأستاذ يوسف العاني: يعني بالسبعينات يعني هو كان رئيس.. لأ كان نائب قبل رئيس الجمهورية..أحمد علي الزين: يعني على زمن الجبهة الوطنية يعني قبل 1979. الأستاذ يوسف العاني: نعم كانت موجودة الجبهة الوطنية..أحمد علي الزين: نعم.. نعم. الأستاذ يوسف العاني: كان يقابل ويسمع ويسعّب وبعدين وصل الحال إنه مع الأسف إنه بعض الفنانين وبعض المثقفين وأقول مع الأسف لأن الإنسان والناس ليسوا سواسية كأسنان المشط كما كنا نعتقد، كانوا يكذبون فحينما استدعاني كنت أريد أن أُثبت على أن الفنان العراقي ليس كبعض الفنانين العراقيين الذين استجدوا منه واحد, ثانياً وأن أطلعه على قضايا لا تصله في تلك الفترة، وفعلاً رحت وحينما سألني عن المسرح الزاهي كما يدّعون وكذا وكذا، أعطيته صورة ما يعرفها، ودور الرقابة وبصراحة مسرحيتنا كنا دا نقدّمها عن الشاعر العراقي الملاّ عبّود الكرخي وكانت ممنوعة, فشرحت له أسباب المنع ما اقتنع فيها، وبالفعل بعد هذه المقابلة أُجيزت المسرحية. أحمد علي الزين: وعرض عليك سيارة أيضاً؟ الأستاذ يوسف العاني: سيارة.. وبعدين لأ مو بس سيارة بيت أول مرة البيت, بيت وكذا ويعني, وأيضاً تذكّرت الآخرين الذين كانت عندهم بيوت كذبوا وأعطاهم بيوتاً.. هدول قلة طبعاً، فأنا ما عندي بيت بس كنت مقدم طلب على أساس فيه شقق جديدة، والمهم أيضاً انتهت القضية, فخرجتُ..أحمد علي الزين: كما دخلت.الأستاذ يوسف العاني: منه كما دخلت وربما أكثر نظافةً بالداخل يعني. مقطع من المسرحية:[يوسف العاني: نفنوف أحمر. ممثلة: أحمر ملاّ؟ يوسف العاني: أي أحمر مخطّط. ممثلة: شكراً ملاّ.يوسف العاني: نفنوف أحمر.. لو لبس يحلى ليه, يحشي معيداوي ويقول لي: لا لي، لا لا لا لي(غناء).. ممثل2: هذا مو آني. يوسف العاني: نفنوف أحمر، نفنوف أحمر لو لبس يحلى ليه، يحشي معيداوي ويقول لي: لا لي، بيدك تحط له للسمك ثقّالة.. وبرموشك اتثقّل ذنوبي يا اسمر. ممثلتان: الله الله زيدنا غزلاً.. ملاّ زيدنا غزلاً. يوسف العاني: طيب رح أزيدكم غزلاً.. رح أزيدكم غزلاً.. ممثلة: زين ملاّ نقدر نعرف الحبيب المجهول هذا..؟ يوسف العاني: نعم. ممثلة: وين كان يسكن؟ ممثل2: أنا أعرف، أنا أعرف، تسمح لي ملاّ؟ ممثلة: قول قول يوسف العاني: تفضل ياباه.. تفضل. ممثل2: مع السلامة وبرفق هالنية.. أيه.. يقولون حبي سكن بالهندية. ممثل3: ملاّ بس سؤال؟ يوسف العاني: نعم. ممثل3: يعني يقصد السدة ولاّ طويريج؟يوسف العاني: لأ سدة الهندية بابا. ممثلة: يلا كمّل قولتك كمّل بعد. ممثل3: ملاّ كمّل ما يخالف؟ يوسف العاني: بابا ما تكمّل شو بقّيتلي كمّل. ممثل3: أشوف همي قدّ ما ينقص يزيد, وعادةً ينقص لأنه حبي بعيد, ولك تهيج نار.. تهيجنا نار الشوق الجديديوسف العاني: كافي.. كافي عاد هالموضوع هذا كافي ترى ضغطي راح..] أحمد علي الزين: أنت اعتقلت لأكثر من مرة.. الأستاذ يوسف العاني: لحسن الحظ.

مسرحيتان داخل المعتقل
أحمد علي الزين: لحسن الحظ, طبعاً خلال فترة من الفترات المعتقل قمت بعمل مسرحي في داخل المعتقل، وربما هذا العمل اللي قمت فيه داخل المعتقل كان سبب في أن يُفرج عنك. الأستاذ يوسف العاني: صح. أحمد علي الزين: يا ريت تحدثنا عن هذه التجربة. الأستاذ يوسف العاني: في هذا المعتقل وفي الضبط عام 1952 وإحنا في داخل المعتقل أنا أحفظ المسرحيات, المجموعة ما فيه ممثلين يعني ما موجود ناس يعني بس كلهم يحبون التمثيل ويحبون المسرح فاستغليت هذا الحب, وبدأنا نحفظهم ونتمرّن، وبدأنا نأخذ كل الأغطية مال الأفرشة اللي عندنا وعملناها ستارة والملابس كيّفناها وأطلقنا شواربنا ولحانا, فقدمنا مسرحيتين: مسمار حجا، ومسرحية: ماكو شغل يعني شغل مو موجود، هذه من تأليفي آني مع المرحوم شهاب القصب وهذين المسرحيتين حافظها آني, فبدينا نستعيد كتابتها وبعض المعتقَلين من بينهم شخصية فظيعة مناضل كبير "غضبان السعد" - الله يرحمه - ومثقف كبير أيضاً، كان يعاوني فوزّعنا الأدوار، ومثّلنا في هذا الممرّ الطويل في المعتقل, مثلنا مسمار حجا، وبعدين استراحة: بعدين ماكو شغل. والتصفيق والضحك صار حدث فظيع في المعتقل، فجاءنا المسؤول عن المعتقل قال شنو البارحة عندكم؟ قلنا له: مسرح، نحن في هذا الإطار مستعدين قدمنا مسرحاً ما أسأنا للأدب العفو ولا أسأنا القوانين ولا أسأنا إلى القوانين وإنما مثلنا فوصل تقرير إلى الله يرحمه أيضاً نور الدين محمود كان الحاكم العسكري هو، فقالهم: زين هذا يوسف العاني دا يمثل في السجن وفي المعتقل؟ قالوا له: نعم. قال لهم: أحيلوه محكمة وخلّيه يُحاكم حتى إذا يطلع يطلع لأنه خارج السجن ما يستطيع يمثّل، لأنه لازم إجازة وموافقة الجهات المعنية.. الأمن وإلى آخره وما كان يسمونه الأمن.. تحقيقات الجنائية يسموها، وأطلقوا سراحي, فالمسرح لأول مرة كان سبباً في إطلاق سراحي. أحمد علي الزين: طيب أنت كممثل الآن لو أردت أنت تُحاكم الشخصية.. ممثل وأنت حقوقي.. الأستاذ يوسف العاني: طبعاً أنا قانوني محامي اشتغلت. أحمد علي الزين: طبعاً، يعني إذا أردت أن تُحاكِم شخصية على هذا الخراب اللي حدث فينا جميعاً.. تحاكم من؟ الأستاذ يوسف العاني: أحاكم الضمائر التي.. الضمائر التي فرغت من الوجدان, أحاكم ابتداءً هو نظامنا أصلاً النظام الذي كان, كان عليه لو كان فعلاً يدري أو يحرص على هذا البلد أن لا يكون سلوكه كما كان, ويؤدي إلى هذه النتيجة واحد, الثاني أنه حينما قيل أنهم جاؤوا محررين وهي نفس النغمة التي قالها "مود" حينما دخل سنة 1917 للعراق قال جئنا محرّرين..أحمد علي الزين: الإنجليزي.. الأستاذ يوسف العاني: الإنجليزي نعم, ولسنا محتلين أو مستعمرين، كان يجب أن يكون السلوك غير هذا السلوك, فآني أدين كل من وضع يده بهذين الجانبين، وأدّت الحالة إلى هذه المأساة التي نتمنى.. نتمنى أن تتوقف لأنها يا أخ أحمد مجزرة..أحمد علي الزين: يومية. الأستاذ يوسف العاني: لا يتخيّلها إنسان, وبعدين إحنا العراقيين معروفين العراقي لا يمكن أن يقتل عراقياً, فكيف حصل هذا؟ هذه مسألة سيكشفها التاريخ.
.
.

حسن العلي
19-06-2008, 04:20 AM
أضواء - عين الكلام - يوسف العاني .. ستون عاماً من الإبداع (2-2) - عواد علي
دخل يوسف العاني إلي عالم التأليف المسرحي في أوائل الخمسينيات حين كتب مسرحية (راس الشليلة) عام 1951، علي الرغم من محاولاته السابقة التي لم تحظ باهتمام الدارسين. ويماثل ظهوره في العراق، كما يري علي الراعي وغيره من الباحثين، ظهور توفيق الحكيم في مصر، وسعد الله ونوس في سوريا، كونه كاتباً لم تتوافر له الموهبة وحسب، بل توافر أيضاً شيء يليها في الأهمية وهواستمرار الإبداع.، وزاد عليهما شيئاً آخر مهماً وهو معاناة التجربة المسرحية من زوايا أخري غير التأليف، وأهمها التمثيل، فهو أقرب من غيره إلي مفهوم رجل المسرح، إذ يجمع بين ركنين من أهم أركان العملية المسرحية: التأليف والتمثيل. ويعترف العاني بأنه بدأ التمثيل مقلداً ومعجباً بممثلين معروفين في مرحلة مبكرة من سيرته، فاستهواه يوسف وهبي أول الأمر، ثم ثار عليه وعلي طريقته الأدائية، وتعلق بأسلوب الريحاني، وحين نضجت تجربته وتهيأ له أن يزور ثلاثة أرباع مسارح العالم تعلم كثيراً، واكتشف كثيراً، وأسس مسرحه الخاص به.
كتب العاني خلال نصف قرن 38 نصاً مسرحياً أشهرها: راس الشليلة، ست دراهم، آني أمك يا شاكر، فلوس الدوة، لو بسراجين لو بالظلمة، الغذاء لا الدواء، صورة جديدة، المفتاح، الخرابة، الشريعة، الجومة، والخان. والمعروف أن نشاطه التأليفي قد قل خلال العقدين الماضيين، فلم يقدم له، حسب علمي، سوي نص جديد واحد هو (حرم صاحب المعالي) المعد عن نص يوغسلافي بعنوان (حرم معالي الوزير)، ولعل من أسباب ذلك حرمانه من حرية التعبير خلال العهد السابق، وعدم مجاراته لرؤية الثقافة الرسمية المفروضة علي الأعمال الإبداعية. وقد سمعت منه ومن غيره أكثر من مرة أن الرقابة رفضت إجازة نص له بعنوان (نجمة) بسبب جرأته وتناوله بعض القضايا الساسية التي كانت تعد من المحرمات.

يكشف العاني في النص الأول عن الفساد الإداري في الدوائر الحكومية في العراق أيام الحكم الملكي بأسلوب يشبه أسلوب التمثيلية الإذاعية، ويجمع فيه بين العرض الواقعي والمنحي الكوميدي، هادفاً إلي نصرة المظلومين البسطاء من أبناء الشعب علي خصومهم ومستغليهم. ويعمق في نص (ست دراهم) من نقده الاجتماعي لبعض الفئات التي لا يستغني الناس عن خدماتهم، فيقدم أنموذجاً سيئاً لشريحة الأطباء مديناً غطرسته ولا إنسانيته المتمثلة بإصراره علي الحصول علي ستة دراهم من أحد المرضي المراجعين لم يكن يملكها، فيضطر المريض إلي الذهاب بحثاً عنها، ولكنه قبل أن يغادر العيادة يلتقط من مكتب الطبيب بطاقة دعوة لحفلة ساهرة كان الأخير قد تعب في الحصول عليها، ثم يعود حاملاً الدراهم الستة ليعطيها للطبيب، ويرمي عليه البطاقة وقد مزقها انتقاماً منه. وينتقل العاني في نص (آني أمك يا شاكر) إلي المسرح السياسي متأثراً برواية مكسيم غوركي الشهيرة (الأم)، حينما يجد أن أحداثها قد امتزجت مع حدث وقع في العراق وهو غياب ابني إحدي النساء، الأول (شاكر) مقتولاً علي يد المحتلين، والثاني مقتولاً في السجن بسبب موقفهما الوطني. ويصور النص بطولة المرأة (الأم وابنتها وجارتها) ووعيها السياسي المتقدم، وإرادتها القوية في مواجهة السلطة الغاشمة والانتهازيين الذين يقدمون مصالحهم علي قضايا الوطن المصيرية. ويصف علي الراعي هذه المسرحية بأنها قدت من فولاذ، ولكنه يعيب عليها طابعها الميلودرامي لأنها تعرض صورة مثالية لشخصياتها في وضوحها وشفافيتها: الأخيار أخيار تماماً، والأشرار أنذال حتي النهاية. وفي نص (المفتاح) يخطو العاني خطوات متقدمة في كتابة مسرحية ذات بناء درامي حديث مستثمراً التراث الشعبي من خلال أغنية فولكلورية شائعة لها نظائر في بلدان عربية كثيرة. بطلا المسرحية هما الزوجان: حيران وحيري اللذان يخرجان، ومعهما نوار الذي يسايرهما من دون قناعة، في رحلة بحث عن ولد يتمتع بضمانات كافية، فيكتشفان أنهما يسعيان وراء وهم ليس إلاّ، فالجدود عند أطراف عكا لا يملكون غير وعد بكعكة لا تنتهي أبداً، وثوب لا يخلق. ويأخذ الزوجان الكعكة والثوب ويضعانهما في صندوقهما، ثم يكتشفان أن الصندوق يحتاج إلي مفتاح، والمفتاح عند الحداد، وهذا يريد نقوداً لكي يعطيه لهما، والنقود عند العروس، وهذه في الحمام ، والحمام يريد القنديل، والقنديل في البئر، والبئر يحتاج إلي حبل، والحبل معلق في قرن الثور، والثور يريد الحشيش، والحشيش في البستان، والبستان يحتاج إلي المطر، والمطر من عند الله، وكلما حاول الزوجان الحائران أن يجتزا واحدة من تلك المراحل يصابان بخيبة أمل، فالعروس ترفض أن تعطيهما النقود، والبئر يطالبهما بأن يتعبا من أجل الحصول علي الحبل.. وتنتهي رحلتهما بالحصول علي المفتاح، ولكنهما يجدانه فارغاً! والعبرة من ذلك، كما يقول نوار، أن الإنسان لا يحصل علي هدفه بالتعب فقط، بل بالطريق الذي يسلكه لتحقيقه، ووسط هذه الخيبة تفاجئنا حيري بأن الطفل الذي يبحثان عنه موجود في أحشائها، لقد حملت به منذ مدة، ولكنها أخفت حملها حتي يفتحان الصندوق. وما دام الطفل/ الهدف موجود فإن عليهم، حيران وحيري ونوار، أن يركضوا لمواجهة الموقف الجديد. وتنتهي المسرحية وكل الشخصيات تركض دلالة إلي انحياز المؤلف إلي المستقبل. ويختلف نص (الخرابة) تماماً عن نص (المفتاح)، فها هنا يكشف العاني عن تمثله للاتجهات المسرحية المعروفة في المسرح العالمي: الملحمي، والوثائقي، والشعبي، ومسرح العرائس في نسيج درامي يكشف من خلال الإيحاء عن الخراب الذي يلف حياتنا، فثمة شخصيات عديدة محلية وعالمية قديمة وحديثة اختارت طريق الخير والصدق والنضال لمواجهة قوي الظلام والبشاعة عبر تداخل مواقف درامية متباينة في الزمان والمكان، وبأسلوب أقرب إلي الفانتازيا التي تساوي بين الواقعي والتاريخي من جهة والسحري والأسطوري من جهة أخري. وتعد هذه المسرحية من أكثر مسرحيات العاني ولعاً باللعب الدرامي، وميلاً إلي تناول قضايا إنسانية كبيرة وشائكة، خاصة أنه كتبها في مرحلة شائكة من مراحل الصراع بين القوي العالمية المتنافرة. ويعود العاني بعدهذه التجربة المثيرة إلي عالمه الشعبي الذي يتقن اسراره وخباياه، إنه عالم (الخان) في مرحلة الإربعينات من تاريخ العراق بأجوائه وشخصياته الحافلة بالحيوية والنبض الإنساني والوطني، وفي مقدمتها الحمال ذي النفس الصافية والقلب الكبير جاسم الملقب بجاسم (أبو الحيايه) أي الأفاعي، وفي محيطه شخصية نجمة، بائعة البقول، المهمومة، طيبة القلب، الشامخة، الشهمة، التي لا تنسي من وقف إلي جانب زوجها المتوفي أيام محنته، وخاصة عباوي، فتطعمه وترعاه وتحافظ علي كرامته، والأستاذ منير، الطالب في كلية الحقوق، الذي يسكن احدي غرف الخان، ويمثل الفكر السياسي التقدمي.وإلي جانب هذه الشخصيات الخيرة ثمة شخصيات سلبية مثل: حميد، الجابي، الذي يدلس في الحساب، وملا سلمان الكاتب وشاعر المناسبات الانتهازي، وصاحب الخان، العم صلاح، الذي يتنصل عن دوره الوطني علي الرغم من كونه تاجراً شريفاً يرفض الاتجار بقوت الشعب، ومأمور الاستهلاك الذي يحاول ان يحمل صاحب الخان علي التدليس في توزيع التموين من أجل الثراء، شريطة أن يكسب هو في هذا الكسب الحرام . ويشكل الخان في هذه المسرحية رمزاً للمجتمع العراقي في الأربعينات بما يمور به من صراعات وتناقضات اجتماعية وسياسية. لقد وقف يوسف العاني في هذه النصوص المسرحية علي مفاصل حيوية في بنية المجتمع العراقي خلال العهد الملكي برؤية تقدمية، وأشكال درامية عديدة، وآمل أن تتاح له الفرصة الآن ليكتب عن اقسي مرحلة عاشها العراقيون في العقود الثلاثة الأخيرة .
.
.

حسن العلي
19-06-2008, 04:30 AM
.
.

سيرة المبدع العراقي وفنان الشعب / يوسف العاني

بالرغم من ان يوسف العاني ولد في بغداد بتاريخ 1927/7/1 لكنه يعد عيد ميلاده في 24 شباط عام 1944 وهو اليوم الذي وقف فيه على المسرح ليؤدي دوره في مسرحية من فصل واحد كتبها بنفسه بعنوان (القمرجية) وهو لايزال بعمر 17 عاما. ومن يومها يحتفل يوسف اسماعيل العاني بعيد ميلاده في 2/24/ 1944. حتى الصحافة العراقية باتت تحتفل معه بهذا اليوم.تخرج في كلية الحقوق بغداد عام 1950، كما درس في معهد الفنون الجميلة لاربع سنوات وكان الاول في جميع الدورات لكنه فصل من الدراسة في السنة الاخيرة عام 1953 لنشاطه السياسي ومواقفه الوطنية. تشير سيرة يوسف العاني إلى أنه ولد في جانب الكرخ من بغداد عام 1927،

وقد صحا ووجد نفسه (يتيماً) بلا عطف أو حنان، غريباً متنقلاً بين بيوت أقربائه، فكان إليتم والغربة يحفزانه على أن يكون شيئاً فإذا به، وهو في الرابع الابتدائي، يصعد إلى مسرح المدرسة ويؤدي دوراً تمثيلياً، ويعجب به معلمه ويقول له: “ستصل إلى مسرح المدينة يوماً ..”، وصفق له التلاميذ وانتشى، وترسبت الشهرة في أعماقه. وفي طفولته أيضاً رأى الكرخ مسرحاً مفتوحاً، فقراء، أغنياء، من طبقات شتى، ثم رآه يعج بالمفارقات وبعجائب الاختلاف، وقام وهو فتى يصنع مسرحاً شعبياً على دكة كبيرة في زقاقهم، وجعل أبناء محلته يمثلون، وعرف في ما بينهم بيوسف البهلوان، أو الممثل على الطبيعة. وكانت في زاوية على دجلة علوة كبيرة لأعمامه ارتكن فيها ركناً، وهيأ مسرحاً مرحلياً مثّل عليه شباب المسرح عهدئذٍ.

التمثيل لاول مرة
حين مثّل، أول مرة، مسرحيةً في فصل واحد من تأليفه وإخراجه، لا يتجاوز السابعة عشرة، فيا لها من موهبة تفتحت في سن مبكرة، ونمت بمرور الأيام والأشهر والسنوات حتى أصبحت واحدةً من أهم المواهب في تاريخ المسرح العراقي والعربي، وصار صاحبها رمزاً كبيراً من رموز الثقافة العراقية، وشاهداً حياً على مخاضها وتحولاتها، وعلماً بارزاً بين مبدعي جيله الخمسيني كالسياب والبياتي والملائكة وجواد سليم وفائق حسن وإبراهيم جلال وغائب طعمة فرمان، وغيرهم. وقد صدق الروائي الراحل عبد الرحمن منيف حين أشار في تقديمه لكتاب العاني (شخصيات وذكريات) إلى دوره في أن يكون صلة وصل فيما انقطع ثقافياً وفنياً ووجدانياً بين المثقفين والفنانين العرب.
وكما يذكر يوسف العاني في احدى لقاءاته الصحفية انه عندما كان في الصف الرابع الابتدائي اي حوالي سنة ( 1938 ) شهدت بداياته الاولى في التمثيل، مثل في المدرسة دور ( يوسف الطحان ) الموجود في كتاب ( القراءة الخلدونية ) وسأله معلمه ( علي القزويني ) من علمك التمثيل؟ اجابه من الناس . فقد اعتاد يوسف ان يقلد منذ صغره الناس الذين يعرفهم ويخالطهم، او الذين يراهم و يلتقيهم ، يقلدهم بدقة ويحاكي حركاتهم وطريقة حديثهم بشكل كاريكاتيري ، حتى لقب في محلته بالممثل ، وكان كما يذكر ان زوجة اخيه او امه البديلة تشجعه وتدعمه بقوة ليستمر في التمثيل.

ولوجه مجال التاليف
دخل العاني عالم التأليف المسرحي في أوائل الخمسينات حين كتب مسرحية (راس الشليلة) عام 1951، على الرغم من محاولاته السابقة التي لم تحظ باهتمام الدارسين. ويماثل ظهوره في العراق، كما يرى علي الراعي وغيره من الباحثين، ظهور توفيق الحكيم في مصر، وسعد الله ونوس في سوريا، كونه كاتباً لم تتوافر له الموهبة وحسب، بل توافر أيضاً شيء يليها في الأهمية وهو استمرار الإبداع، وزاد عليهما شيئاً آخر مهماً وهو معاناة التجربة المسرحية من زوايا أخرى غير التأليف، وأهمها التمثيل، فهو أقرب من غيره إلى مفهوم رجل المسرح، إذ يجمع بين ركنين من أهم أركان العملية المسرحية: التإليف والتمثيل. ويعترف العاني بأنه بدأ التمثيل مقلداً ومعجباً بممثلين معروفين في مرحلة مبكرة من سيرته، فاستهواه يوسف وهبي، أول الأمر، ثم ثار عليه وعلى طريقته الأدائية، وتعلق بأسلوب الريحاني، وحين نضجت تجربته وتهيأ له أن يزور ثلاثة أرباع مسارح العالم تعلم كثيراً، واكتشف كثيراً، وأسس مسرحه الخاص.

العاني ومشاكل المجتمع
المتتبع لحركة الفن والمسرح العراقي لايمكن له ان يتجاوز او يتجاهل أثر يوسف العاني الريادي والمؤثر في هذه الفترة ، ودوره الكبير في بناء اسس المسرح النقدي الجاد الذي بدأعمليا بعد تأسيس معهد الفنون الجميلة ، المسرح المنحاز للناس تأليفا وتمثيلا ومنهجا ، الذي دفع بالحركة المسرحية العراقية بشكل ملموس و بقوة الى الأمام ، وخلق العلاقه الحميمة والمتبادلة بين المسرح والجمهور ، التي كانت تفتقر اليها الحركة من قبله ، وازال نظرتهم القديمة الى المسرح بتبني مشاكلهم الاجتماعية والاشارة الى حلولها على المسرح ، وبرهن لهم على ان المسرح الشعبي الحقيقي ليس فنا سفيها .، كما كانت هي النظرة الشائعة, حاول العاني بخلفية نكسة انقلاب شباط 1963 الدامي عكس الجو السياسي العام آنذاك في ( المفتاح ) وما تلاه من الدوران في حلقة مفرغة حول الازمة السياسية دون التمكن من العثور على المخرج والحل ، ويدعو في المسرحيةحيره وحيران بطلي المسرحية الخروج من هذه الدائرة التي لانهاية لها بترك الوهم والحيرة بالتصميم والواقعية للوصول الى المفتاح ، وكانت ميول العاني الفكرية في هذه المسرحية متناغمة بوضوح مع السياسة المتياسرة للقيادة المركزية ، والتي نجحت في تضليل الكثير من القطاعات الثقافية قبل ان تنهار. درس العاني المسرح- فرع التمثيل في معهد الفنون الجميلة ببغداد بعد تخرجه في كلية الحقوق عام 1949، وأسهم عام 1952 في تأسيس فرقة المسرح الفني الحديث مع المخرج الراحل إبراهيم جلال، وسامي عبد الحميد، وخليل شوقي، وعدد آخر من المسرحيين والمثقفين، ومارس النقد السينمائي والمسرحي، إلى جانب التمثيل والتإليف منذ ذلك العام، وأصبح رئيساً للفرقة والمركز العراقي للمسرح التابع للمركز العالمي للمسرح في منظمة اليونسكو، وشغل عضوية اللجنة التنفيذية للمركز بين عامي 1983-1985، اما اعظم اعمال العاني واكثرها شهرة فهي مسرحية (اني امك ياشاكر) في عام 1958 وقدمت من على شاشة التلفزيون وهي من الاعمال الفنية الناضجة جدا... كذلك كتب العاني مسرحيات المصيدة، والشريعة والخرابة واهلا بالحياة وصورة جديدة ونجمة وزعفران كما اعد المسرحيات شلون ولويش والمن 1972، وحرم صاحب المعالي السعادة لبرين سلاف نوشيتس وهي من الاعمال التي لاتبارح الذاكرة.. كذلك مثل العاني في مسرحيات اخرى لم يكتبها مثل مسمار جحا 1952 وتموز يقرع الناقوس 1968 والنخلة والجيران 1969 وولاية وبعير 1971 والبيك والسائق 1974 وعرضت في مصر وحققت نجاحا كبير وبغداد الازل بين الجد والهزل 1975 والقربان 1975 ومجالس التراث 1980 والليلة البغدادية مع الملا عبود الكرخي 1983 والانسان الطيب 1985 اخراج د. عوني كروني والباب القديم وعمارة ابو سعيد.

العاني والسينما
اما في السينما فاسهامات يوسف العاني بدات كما قلنا مع فيلم سعيد افندي عام 1975ـ1958 ثم كتب القصة والسيناريو والحوار لفيلم ابو هيلة 1962 اخراج محمد شكري جميل ويوسف جرجيس الفيلم مأخوذ عن مسرحية للعاني باسم (تؤمربيك) كما كتب فيلم وداعا يا لبنان المنتج في 1966- 1967 والمعروض في سينما النصر في9/9/ 1968 اخراج حكمت لبيب وبطولة العاني مع منير معامري ومارلين شميدت، ومثل في فيلم المنعطف الماخوذ من رواية خمسة اصوات لغائب طعمة فرمان ومثل فيه شخصية الاديب حسين مردان وعرض الفيلم في سينما بابل في 4/7/ 1975 اخراج جعفر علي... كما شارك في فيلم المسألة الكبرى اخراج محمد شكري جميل وعرض في1/31 /1983 بسينما بابل واسهمت فيه ملاكات فنية اجنبية في التمثيل والموسيقى والمونتاج منهم العراقيون غازي التكريتي وسامي قفطان وفاطمة الربيعي وقاسم الملاك وسامي عبدالحميد الى جانب الفنان العاني وهو من ابرز الافلام العراقية الوطنية التي تناولت ثورة العشرين في العراق وعرض في العديد من المهرجانات العربية والعالمية كذلك اسهم العاني في فيلم اليوم السادس للمخرج العربي القدير يوسف شاهين والمطربة المتميزة داليدا في عام 1986 وشارك في فيلم بابل حبيبتي مع الفنان فيصل الياسري 1987 وفيلم ليلة سفر اخراج بسام الوردي وهو الفيلم الذي لم ير النور ولم يعرض جماهيريا بسبب التحاق الفنانة غزوة الخالدي بالمعارضة العراقية خارج القطر لكنه عرض للصحفيين في عرض خاص.
ان شخصية يوسف العاني الشعبية الجذابة، و ثقافته العالية والمتنوعة التي اكتسبها من الحياة بالتجربة الطويلة غير المنقطعة ( في الصحافة والنقد الفني والتأليف و الاذاعة والتلفزيون والسينما والمسرح)، والقراءة المتواصلة لكل جديد ، والاطلاع الواسع والمتنوع، فهو متابع و متفرج جيد للمسرح عربيا وعالميا قل نظيره في العراق، وله علاقات واسعة بالمسرحيين والفنانين والمثقفين الكبار من جميع الاقطار العربية ، ويتمتع بذهنية نقدية ذكية منفتحة ومتجددة ، اعطته كما يقولون ( كرازما ) قويهة مؤثرة على من حوله.

العاني في الثمانين
رغم بلوغ العاني سن الثمانين هذا العام، والمحنة شديدة القسوة التي يعيشها وطنه العراق، فإنه لا يزال مسكوناً بالحلم والأمل والحيوية وروح الشباب والدعابة والمرح، كما يقول زميل صحفي أجرى معه، مؤخراً، حواراً في دمشق. ولكن روح الدعابة والمرح هذه يقابلها في داخله إحساس عميق بالحزن يشير إليه اعترافه بأن “عالمنا أصبح معتماً وقاتماً تسوده الفوضى وسوء العدالة وعدم وضع الإنسان في مكانه الطبيعي..”، إلاّ أن هذا الشعور، الذي يعود، في جزء كبير منه الى الظروف التي يمر بها بلده, واختراق العالم بقضايا لا إنسانية وغير طبيعية وغير منطقية، لا يقطع الأمل عنه، وعن ملايين الوطنيين المخلصين من أبناء شعبه، بل تظل جذوته في دواخلهم، وهو الذي يبقيهم ويحفزهم لأن يكونوا أفضل وأفضل من القتلة والأذناب وأعداء الحياة ... العمر المديد لفناننا الكبير يوسف العاني ومزيدا من التالق والعطاء .

وغداً يومٌ آخر ،، ،
استودعكم الله ،،
.
.

حسن العلي
24-06-2008, 01:27 AM
الفنان المسرحي ومؤسس فنون الاحساء
عمر بن سالم العبيدي


(( حوار نشر بجريدة المدينة المنورة ))



http://www.alyaum.com/images/11/11892/346262_1.jpg
عمر سالم العبيدي يعتبر من ابرز فناني المسرح السعودي بمحافظة الاحساء والخليج وهو من ابرز كوادر العمل الثقافي بمحافظة الاحساء منذ 33 سنه عمل بالجمعيه كمديرا لها والتي يعتبر أحد مؤسسيها وعمل بالدراما، التلفزيونية قبل 33 سنة..
بطاقته الشخصيه؟
- اسمي عمر سالم بخيت العبيدي من مواليد الأحساء متزوج ولدي خمسة أولاد وبنت وعضو مجلس إدارة الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بالرياض ومستشار بجمعية الأحساء ومدير سابق للجمعية لمدة (25) سنة وذلك منذ عام 1393 حتى 1399 هـ وأيضاً منذ عام 1402 حتى عام 1421هـ.

كيف بدأت فكرة التأسيس؟ومن كان معك انذاك ؟
يجيب ابوفيصل قائلا: قبل أن تأتي فكرة التأسيس كنا نقوم بتمثيل مسلسلات واعمال فنيه لصالح تلفزيون الدمام حيث كان البث انذاك الأبيض والأسود عام 1388 حتى 1391 وكنت مع الفنان حسن العبدي والخطاط والفنان صالح التنم وعلي الخميس والعنصر النسائي انذاك لطيفه المجرن من البحرين وأحلام محمد وفنانين اخرين نجتمع في نادي هجر حيث قمنا بعمل مسرح وبدأنا نعمل وشعرنا اننا سنضيق الخناق على النادي وبدأت فكرة استئجار مقراً واجتمعت مع الزملاءحسن العبدي وابو احمدالفنان والكاتب والمخرج عبد الرحمن الحمد وخالد الحميدي وأحمد النوه وعبد العزيز المرزوق وبدأنا نبحث عن مقر فقمنا باستئجار منزل صغير في حي الصالحية بمبلغ 500 ريال في السنة وكان ذلك عام 1391 واطلقنا عليه اسم جمعية الفنون الشعبية وذلك بوضع لوحة على المبنى وبدأنا نزاول جميع الفنون:من مسرح، وفنون تشكيلية،موسيقي، ونجمع الفنانين من جميع الاتجاهات وأصبحت الجمعية خلية نحل وترأس إدارة الجمعية في ذلك الوقت الاستاذ عبد الرحمن الحمد وبدانا ننمي ونطور انفسنا خطوة خطوة
ويضيف قرأت في إحدى الصحف المحليه أن صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن فهد ( يرحمه الله) الرئيس العام لرعاية الشباب قد وافق على افتتاح جمعية للثقافه في الرياض برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير بدر بن عبد المحسن وبالفعل ذهبت ومعي خالد الحميدي ومحمد الغوينم إلى الرياض وقد كتبت خطاباً وصوراً لأخبار كانت تنشرها احدى الصحف المحليه عن نشاط الجمعية وذهبنا إلي الأمير فيصل بن فهد (يرحمه الله) وقابلنا سموه (يرحمه الله) بصدر رحب وقبل إعطائه الخطاب تحدثت معه عن وضع الجمعية وأخذ سموه الخطاب وقام بتحويلة إلى الأمير بدر وكان في ذلك الوقت محمد عبد الرحمن الشعلان (يرحمه الله) سكرتير الجمعية وهو رئيس المذيعين في المملكة انذاك وقابلت محمد الشعلان الذي أخبرني أن اجتماعاُ سيعقد في منزل الأمير بدر وكان ذلك في بداية عام 1393 وذهبنابالفعل إلي الأمير بدر وكان الفنان طارق عبد الحكيم موجوداً حيث يشغل نائب رئيس الجمعية وهناك أيضاً ناصر بن جريد وعبد العزيز الحماد الممثل المعروف ومحمد الشعلان وأحمد السعد. وبدأت بالتحدث مع الأمير بدر عن الأنشطة التي قدمناها من مسرح وتشكيل موثوقة بالصور من الصحف خاصة صحيفة اليوم.. فقال طارق عبد الحكيم كلمة أتذكرها حتى الآن (نشأ الفرع قبل الأصل) وبعد ذلك قال الأمير : أنتم فرعنا في الشرقية ورجعت إلى الأحساء وأنا في غاية السرور وتم تغيير الاسم إلى الجمعية العربية السعودية للفنون والثقافة وقمت بطباعة الأوراق اللازمة حيث كنت أنا مدير الجمعية وأخبرونا أنه بعد فترة سوف يأتيكم الاعتراف وبالفعل جاء الاعتراف المبدئي وكان ذلك عام 93هـ .
بعد انتهاء التجربة تشكل مجلس الإدارة ورشح محمد الشدي رئيساً لمجلس الإدارة وطارق عبد الحكيم وناصر بن جريد وسراج عمر وعبد الله الجار الله وأحمد السعد وفي تلك الفترة نشأت فروع للجمعية فكان سراج عمر مدير المنطقة الغربية وأنا في المنطقة الشرقية. بعد ذلك تم تغيير المسمى بقرار رسمي وأصبحت الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون .
كنا الممثلين والكتاب والاداريين

.كم عدد الأفراد المنتمين للجمعية في ذلك الوقت ؟
,ما هي الأعمال التي كانت تقدم في بدايات الجمعية؟
في بداية التأسيس كان العدد لايتجاوزتقريبا 80 شخصاً.
اما المسرحيات، وأتذكر أنه لا يمر شهر إلا ونقدم مسرحية ارتجالية وبإمكانيات بسيطة وكان المسرح متواضعاً ونحن الذين نقوم بعمل جميع ما يخص المسرح وفي نفس الوقت نحن إداريون وممثلون.

ماذا قدمت لك الجمعية وماذا أخذت منك على مدى رحلتك الطويلة معها؟
- الجمعية قدمت لي الكثير حيث عرفت عند الناس وأعتقد أن هذا شيء كبير جداً. وأنا أعطيتها ولكن هي أعطتني الكثير والكثير صحيح نحن في البداية تعبنا في التأسيس ولكن الحمد لله على النتيجة .

مواردكم الماليه من اين لتقومون باعمالكم وتسيير امور الجمعيه؟
في السابق كانت حتى الانديه تمول من اللاعبين اشتراكات حتى اللاعب كان هوالذي يؤمن ملابسه الرياضيه ومواصلاته كنا نحب النادي والجمعيه وبالمناسبه كنت حارس مرمى نادي هجر نمولها من جيوبنا الخاصة وذلك قبل تأسيس الجمعية حيث كنا ندفع نهاية كل شهر مبلغاً معيناً وكنا مجموعة مدرسين وموظفين وحتى بعد الاعتراف إلى أن تقررت ميزانية مقطوعة للجمعية وكنا نتسلمها على مراحل و نصرف على أنشطة الجمعية من دخل التذاكر ونستأجر كراسي المسرح بريالين وقيمة التذكرة خمسة ريالات ونستأجر الكراسي من إحدى المقاهي.

هل يمكن ان نعرف بعض الاعمال القديمه؟
- نعم من الأعمال (من تدلل يوم تعذب دوم) عام 1388(وجوه ولآلئ) عام1391 (الدنيا بخير) و(غلطة أب) و(من طق طبله قال أنا قبله) وهناك أعمال أخرى .

هل هناك إرتباط وثيق بين الجمعيه ومكتب رعاية الشباب وماذا عن تعاونكم مع مكتب رعاية الشباب بالأحساء؟
- حقيقة مكتب رعاية الشباب بالأحساء يوجد به رجل يعمل من أجل الآخرين وهو يوسف صالح الخميس هذا الرجل الذي يعتبر شمعة تضئ للآخرين وهو متعاون مع الجمعية بشكل كبير.ولايوجد نشاط بالجمعيه الا وتكون هناك يد للاخ النشط يوسف الخميس وهناك اشخاص لهم نشاطات بارزه بالجمعيه منهم ابراهيم الخميس عبدالله التركي المخرج علي الغوينم واخرون

ماذا عن النقد ؟-
إذا كان هناك نقد بناء فهذا شيء ممتاز ويثلج الصدر لأنه إذا انتقدت معناه أن هناك من يتابعك ولكن حبذا لو الشخص الذي ينتقد يطرح آراء ويزور الجمعية أنا أعتقد أن من انتقد الجمعية لم يقم بزيارتها ويرى ماذا تقدم الجمعية لدينا منتديات ثقافية لا منهجية وأعمال منهجية ونقوم بتنفيذها وأكثر نشاط ينفذه فرع الأحساء وإذا أتيت الجمعية تجدها (خلية نحل) مع احترامي لبعض الفروع لماذا لأنه نحن لدينا تجانس كما أنك تجد جميع الأجيال المسرحية من المؤسسين حتى المتدربين بالدورات (الجدد) ويعملون جنباً إلى جنب وبالتالي لا تجد ذلك بأي فرف من فروع المملكة كما أن هناك خامات جيدة ومن ينتقد يجب أن يأتي إلى الجمعية ويشاهد بأم عينه .

.لماذا لا يتم تجديد أعضاء الجمعية كل خمس سنوات؟
- الجمعية لا يستطيع أي شخص أن يصبر عليها أي إداري ونحن جربنا ذلك على مدى ثلاثين سنة ونحن قدمنا إلي الجمعية في البداية كهواة ممثلين ونلبي رغبتنا ونمارس هوايتنا لكن الظروف أجبرتنا أن نكون إداريين ونحن ضحينا بهواياتنا في سبيل العمل الإداري ولا يمكن أن أحضر شخصاً من خارج الجمعية وهو لا يعرف شيئاً عن الجمعية يجب أن يأتي ويحتك بالجمعية حتى يعرف الأمور كما ينبغي.

مالجديد لديك الان؟
قمت بتصوير مسلسل محسن الهزاني وهو مسلسل عن الشاعر الكبير الهزاني والثاني ضيف شرف في مسلسل كويتي هو الدروازه
بالمناسبه من اعمالي مسلسل من تدلل يوم تعذب دوم وتمثيلية وجوه ولاليءعام 1391
واخر عمل مسرحي جمعني باقطاب المسرح من المخضرمين الفنان عبدالرحمن الحمد وحسن العبدي بمسرحية اجتماعيه كوميديه بعنوان (الكل يبيها ساخنه) ولاقت اقبالا جماهيريا كبيرا
ومسرح الجمعيه نشط جدا فاخر الاعمال المسرحيه عمل للاطفال واخر للكبار طرفه على الجسر ورسائل الشرقي التي عرضت مؤخرا بالبحرين
ومن ابرز الاسماء في التاليف والاعداد والاخراج والتمثيل اسماء كثيره اذكرمنها على سبيل المثال لاالحصر المرحوم الاخ عبدالرحمن المريخي ومدير الجمعيه الحالي الشاعر والكاتب المسرحي والمعد سامي الجمعان وعلى الغوينم وسلطان النوه وعبدالله التركي ونوح الجمعان وميثم الرزق وأخرون لا يسع المجال لذكرهم ..
http://www.asharqalawsat.com/2007/02/25/images/daily.408028.jpg
واود ان اذكر هنا تجربة المسرح بالانديه في الاحساء فقد كانت هي الاصل وهي التي قدمت الممثلين وغيرهم للمسرح بالجمعيه فقد كان مسرح هجر والجيل والفتح شعلة من النشاط وهناك نادي الصواب بالعمران وغيرها من اندية الاحساء ويتحدث عن تلميذه النجيب كما يقول عنه المرحوم عبدالرحمن المرخي فيقول افتخربه فقد التحق بالجمعيه عضوا ثم فنان تشكيلي فكاتب فشاعر ثم مدير للفرع حتى توفي يرحمه الله0
وعن حسن العبدي يقول:هو اول من رافقته في الاعمال المسرحيه بالمراكز الصيفيه وتلفزيون الدمام والجمعيه
اما الكاتب والملحن عبدالرحمن الحمد فهو الزميل القريب لي فقد تحملنا كافة المشاكل مع بعضنا البعض حتى نهضنا بالجمعيه واوجدناها من عدم الى وجود وواقع-

يؤخذ على الجمعيه انها ذات وجوه لاتتغير ؟
الجمعيه ليست لعمر العبيدي او لسامي الجمعان بل هي لكل من يجد في نفسه حبا وعطاءا فنيا في كافة اوجه الفن والثقافه0

كيف ترى الفنان امس واليوم؟
لقد عاصرت الجيلين وكنا نمثل بالشهرين والثلاثة في المراكز الصيفية إلى درجة أننا نأتي بالملابس والإكسسوارات من منازلنا بدون أي مقابل وحينما جاء التلفزيون واحتضننا كنا نأخذ مقابل ذلك مبلغا بسيطا جداً ويكون التصوير في الدمام حتى الديكور والإكسسوارات نأخذها من الأحساء ونلاقي مشاق في السفر وكنا ننام في المقاهي وكل ذلك في حب التلفزيون و المسرح. اليوم لا يوجد شك بأن متطلبات الحياة كثيرة وحينما يريد الممثل عائدا ماديا فذلك من حقه.والفنان امس اكثر صبرا وتحملا ومطيعا للمخرج وكان يعشق الفن اليوم هناك فنانين لديهم عشق وحب للعمل الفني لكن ربما اقل صبرا واكثر تعجلا احيانا0

يقال بأن عمر العبيدي كان ينفرد بقراراته حينما كان مديراً للجمعية خاصة فيما يخص الأنشطة؟
- أولاً الأنشطة تأتي مبرمجة من المركز الرئيسي سواء ثقافية أو فنية أو الأنشطة المتنوعة وكل نشاط يوجد أمامه المبلغ المخصص له وأقوم بتوزيعه على جميع رؤساء الأقسام وكل رئيس قسم لديه صورة من النشاط والمبلغ وأهم من ذلك أنه لدينا أمانة صندوق محترمة وأود أن أشيد بالأخ عبد الرحمن الحافظ وهو الذي يعرف كل شيء ولم انفرد باتخاذ القرارات أبداً وحينما نصدر قرارا نجمع الأعضاء ونتشاور فيه.

ماذا تقول لجيل اليوم من الفنانين والمثقفين؟
اقول لهم اتقوا الله اولا ثم اخلصوا لوطنكم ولعملكم ولفنكم وتزودوا بالثقافه والقراءة وابتعدوا عن الغرور وعليكم بالتواضع فمن تواضع لله رفعه0

http://www.alyaum.com/images/10/10632/10632.26.7.2
حدثنا المزيد عن إلتحاقك بنادي هجر في السابق ؟
كماتعرف ان البداية لمعظم اللاعبين كانت في المدرسة ثم الحواري وبالنسبة لي كذلك وكان هناك نادي الوحدة في حي الصالحية وبعد الاعتراف به تم تغيير اسمه من نادي الوحدة إلى نادي الصالحية وذلك حينما كان الأمير خالد الفيصل هو الرئيس العام لرعاية الشباب وأتذكر أن سمو الأمير خالد زارنا في نادي الصالحية ولم يستمر النادي وتم إغلاقه لظروف خاصة عام 1388 ونحن اللاعبون البارزون وكنا عشرين لاعباً وجاءت الأندية تقدم عروضها وفي ذلك الوقت كنت حديث التخرج من الكفاءة والتحقت بمعهد المعلمين في الأحساء حيث كنا أول دفعة اشترطت على نادي هجر تسجيلي في المعهد وكان رئيس النادي عبد الرحمن اليمني وكان ذلك بداية 1389وقد اتجهت قبل ذلك إلي الرياض للتسجيل بمعهد التربية الرياضية وكان في ذلك الوقت يقبل المعهد طالبين اثنين فقط من كل منطقة وكان هناك مرشد العتيبي لاعب الهلال والمنتخب وهو صديق عزيز فقال لي نحن نريدك في الهلال وعرف نادي النصر بذلك وتم إرسال شخص لي وكان في ذلك الوقت رئيس النادي سلطان بن سعود ( يرحمه الله) وكان نائبه الأمير منصور بن سعود والأمير عبد الرحمن بن سعود كان السكرتير وأخبرتهم بأن شرطي الوحيد تسجيلي في المعهد ولكن بعد خروج اسمي من المقبولين بمعهد المعلين في الأحساء فضلت البقاء في الأحساء ولعبت لنادي هجر منذ وكنت لاعباً أساسياًمن عام 89 الى 1395


مثل المملكة في العديد من المهرجانات الخليجية والعربية والدولية وقد حاز على مجموعة من الجوائز والدرواع كما تم تكريمة من جهات ومهرجانات عديدة كان أخرها


تكريمه بمهرجان الفرق الأهلية لدول مجلس التعاون الخليجي بمملكة البحرين كأحد أبرز رواد المسرح السعودي وممثلاً للمملكة العربية السعودية ..


يقول عن التكريم : إنها لفتة جميلة من المسئولين الذين قدروا إمكانياتي وعطاءاتي بعد كل هذه السنوات ، فالشكر لهم ولكل زملائي ورفاق دربي الذين ساندوني طيلة مسيرتي الفنية ، والشكر موصول إلى إدارة المهرجان الذي لا يمثل لي التكريم فقط إنما هو الحب والوفاء والألفة والتعاون والمحبة التي تجمع بين الخليجيين في مضمار المسرح الجميل.

حسن العلي
24-06-2008, 01:40 AM
الفنان الدرامي والمسرحي ـ رائد مسرح جمعية الثقافة والفنون بالرياض
محمد العلي ( رحمه الله )





من مواليد 1367هـ
متزوج وأب لستة.. ثلاثة أولاد وثلاث بنات



حياته :
عاش الفقيد يتيماً حينما توفيت والدته بعد أن ذاق حليبها لمدة ثلاثون يوماً فقط , بعدها ظل هذا الطفل على موعد مع الحرمان من بداية حياته فتم البحث له عن من يرضعه ويعتني به حتى وصل به الحال إلى زوجة خاله والذي وجدت فيه إبناً لها وعاش هو بالتالي في كنف والديه والذين هم في الحقيقة خاله وزوجته حتى بلغ عمره السبع سنوات .. حينها حضر والده الحقيقي لأخذه مما شكل له أول صدمة بحياته ,( فهذا ليس أبوك وهذه ليست أمك ) !!
وبعد أربع سنوات عاشها مع أبيه الحقيقي قرر أبوه أن يبعثه إلى دمشق في عام 1955م للتعلم وهو في سن ( العشر ) سنوات .. وهناك حدثت الصدمة الجميلة والمبهرة له حينها وصل إلى بيئة ومجتمع يختلف اختلافا جذرياً عن مجتمعه وبيئته التي كان يعيش فيها , وكان جمال تلك الصدمة حبه وولعه الشديد لـ ( السينما ) فقد كان يجمع الليرة على الليرة حتى نهاية عطلة الأسبوع وذلك لحضور أحد أفلامها فقد أخذته تلك الشاشة العريضة وما يحويها إلى عالم أخر .. عالم أشبه له بالخيال .
وبعد انتهاء فترة دراسته بالشام بعث به أبوه إلى القاهرة ليكمل تعليمه المتوسط , وقد كان شاباً يافعاً ومراهقاً يملك شخصية جذابة تفرض على غيره محبته , ويتذكر أحد أصدقاء المرحوم عبدالرحمن الخريف وحين كان المرحوم في سن 15 عاماً قد أبكى الحضور على مسرح المدرسة بالقاهرة حين صفق له الآباء والأمهات بعدما ألقى كلمة معبرة في يوم الأم ولم يدركوا بأنه أنحرم وجودها وحنانها كل تلك السنين .
وبعد القاهرة واكتسابه لمجموعة من المعارف والفنون مكنته من بناء شخصية محبوبة وفعاله عاد بعدها إلى الرياض وألتحق بمعهد العاصمة عام 1962م , وقد وجد ضالته عندما ألتحق بفرقة المسرح الطلابي و عندما رشح لدور بمسرحية طلابية ستعرض بمناسبة زيارة الملك فهد بن عبد العزيز للمدرسة عندما كان وزيراً للمعارف , ففجر العلي موهبته بالتمثيل أمام الضيف الزائر والذي أثنى عليه وعلى طاقته التمثيلية بعد ذلك توجه إلى بريطانيا، «لندن» التي مكث بها 4 سنوات يدرس الهندسة الإلكترونية، كانت محطته الأكثر ثراء، لأنها قربته من المسرح الأوربي والشكسبيري خاصة، فاطلع على الأدب المسرحي وفنون الدراما بلغتها الأم.
وعاد من لندن ، وهو في سن 24 وهنا كان حظه أن الدراما السعودية في بداية مشوارها بشكل فاعل في الصحراء.. فأخذ دور بسيط و متواضع كطبيب؛ كان يفترض به تأديته في 3 دقائق فقط فتحول إلى ارتجال اجتهادي على المسرح مدته 25 دقيقة، أضحك خلالها الجمهور وحتى الممثلين على المنصة، في أول مسرحية سعودية بالرياض تمثيلا وإخراجا وتأليفا عام 1973، رغم أن مؤلفها إبراهيم الحمدان كان قد اقتبسها من مسرحية فرنسية لموليير «طبيب رغما عنه» وعمل على سعودتها.
يقول الممثل محمد الضويان «لم أعرف محمد قبل هذه المسرحية، وعندما أضحكنا طوال 25 دقيقة، حتى نسيتُ دوري، وخرجت تلك الليلة معه لنصبح أصدقاء» هكذا لفت محمد الانتباه إلى قدرته الدرامية، وبدأ مشواره الفني الجاد، رغم اشتغاله في عمله الوظيفي الذي لم يتقيد فيه بوظيفة حكومية، وإنما تنقل في عدة وظائف بشركات كبرى حتى قرر الاستقلال، وأسس مؤسسة السالم للإنتاج الفني، وكان في بداية مشواره العلمي قد اشتغل في الإعلام، فكان أول مذيع سعودي في القناة الثانية باللغة الإنجليزية.


التلفزيون :

التحق رحمه الله بالتلفزيون عام 1965م حينما كان يمثل على خشبة معهد العاصمة وهو طالب في المرحلة الثانوية وقد جاء للمدرسة آنذاك محمد الغراب وبشير مارديني من التلفزيون حيث كانوا يبحثون عن المواهب في المدارس فاختاروه رحمه الله لسهرة اسمها "الأستاذ حميد" مع أحمد ومحمد وحمد الهذيل وكتب هذه السهرة أحمد الخليفة الذي كان متعاوناً مع التلفزيون وبعد هذا العمل وعند رجوعه من بريطانيا وقد كان معه زميل دراسة اسمه علي ابراهيم السالم يرحمه الله وعرّفه على الأستاذ سعد الفريح فأصبحوا يشاركون في مشاهد خفيفة ثم عمل مع شلهوب الشلهوب في "صور مقلوبة" وبعدها توالت أعماله التلفزيونية

الإذاعة :

أيضاً وبعد عودته من بريطانيا عمل بالخطوط السعودية وذلك في عام 1971وفي أحد الأيام جاء احد الانجليز العاملين في الإذاعة واسمه "ديفيد ارتش" ليقطع تذاكر فتحدث معه الراحل بالانجليزية فعرض على الفنان محمد العلي التعاون مع الإذاعة وفعلاً ذهب وتعرف على محمد بن خميس وأصبح يذيع الفترة بخمسة عشر ريالاً وأحياناً بعشرين ريالاً.وعن توجهه للإذاعة بالبث العربي , يذكر الراحل محمد العلي أن الفنان عبدالعزيز الحماد كان يعمل لقاءات بفروع الإذاعة فعمل معه لقاء فقال له لماذا لا تعمل بالإذاعة وكان أيامها البرنامج الساخن الذي لن يتكرر "زين وشين" وتعرف الراحل على الأستاذ عبدالرحمن السماري الذي قال له "كنت ابحث عن ضالتي فوجدتها" وذلك بعد سماعه لأدائه وكان أيامها المخرج حمد الصبي ومهدي الريمي فبدأ يأخذ أدواره بالإذاعة واستمر في ذلك.وفي عام 1972كان التلفزيون القناة الأولى يبث نشرة بالأخبار الانجليزية حيث كانت لا توجد في ذلك الوقت قناة انجليزية فكان يرحمه الله أول سعودي يبث الأخبار باللغة الانجليزية , ومن أهم الأعمال الإذاعية التي قدمها :)
1) المرآة (13) حلقة بالقناة الثانية من إعداده وتقديمه باللغة الانجليزية،
2) ما يطلبه المستمعون ـ أسبوعي لمدة خمس سنوات من إعداده وتقديمه باللغة الانجليزية،
3) أهلاً بكم في الرياض ـ أسبوعي لمدة ثلاث سنوات من إعداده وتقديمه باللغة الانجليزية،
4) أحلى الاختيار ـ أسبوعي لمدة ثلاث سنوات من إعداده وتقديمه باللغة الانجليزية،
5) زين وشين (400) حلقة من إعداد عبدالرحمن السماري،
6) سواليف الناس (400) حلقة.




أهم الأعمال التلفزيونية والمسرحية :

لقد كان أول عمل مسرحي له في منتصف السبعينات حين قدم مسرحية «طبيب بالمشعاب» على مسرح قاعة المحاضرات الكبرى التابعة لوزارة المعارف في الرياض، وآخر عمل مسرحي له كان «تحت الكراسي» عام .1985 م , وعلى مدى الثلاثة عقود قدم خلالها مسرحيات وأعمال تلفزيونية متعددة نال معظمها الإعجاب لتناوله ظواهر ومشكلات اجتماعية قدمها بأسلوب ساخر وعمل على طرح الحلول لها، وفي مقدمة هذه الأعمال مسلسله الرمضاني الاجتماعي «خلك معي» أيضاً :

. الأستاذ حميد ـ المزيفون ـ غداً تشرق الشمس ـ حكاية مثل ـ قصة مثل ـ الأمثال الشعبية ـ بنيتي ـ سكرتير في البيت ـ أيام لا تنسى ـ الدنيا دروب ـ الدمعة الحمراء ـ طبيب بالمشعاب ـ آخر المشوار ـ صور مقلوبة ـ نورة، ثلاثي النكد ـ تحت الكراسي ـ الأمل المفقود ـ عويس التاسع عشر في مهرجان دمشق العاشر ومهرجان القاهرة التجريبي الأول ـ المستعصم في مهرجان دول مجلس التعاون الأول ـ عودة عصويد ـ اصايل ـ عقاب وشيهانة ـ افهموني ـ حنان ـ صعيمر وهباد ـ وللقصة بقية ـ أطفالنا اكبادنا ـ بداية النهاية ـ أخلاقنا ـ آخر العنقود ـ الميكانيكي ـ الفارس ـ أوراق متساقطة ـ حكايات حكيم الزمان ـ خلك معي الجزء الأول والثاني والثالث والرابع والخامس والسادس ـ ابن السوداء ـ ديك البحر ـ على هونك ـ صور مسموعة ـ حكايات قصيرة ـ الوهم ـ الزمن والناس ـ شؤون عائلية ـ السراب ـ العاصفة والنار .

. وكان آخر عمل قبل وفاته يرحمه الله مشاركته في بروفات مسرحية (الضربة القاضية) التي عرضت خلال أيام العيد واعتذر الراحل عن المشاركة في المسرحية نظراً لظروف سفره إلى مدينة تبوك.



يقول محمد العلي




http://www.asharqalawsat.com/2006/02/10/images/tvsupplement.347521.jpg


المسرح هو هاجس الجميع والكل متعاطف معه ويتمنون أن يروه في أحسن صورة كما أن المسرح هو الدراما الحقيقية التي تعطي العمل وهجا وتأثيرا موضحا و الممثل المسرحي يحتاج الى إمكانات (تمثيلية) غير عادية باعتباره يقف أمام الجمهور وجها لوجه , وهذا الموقف المسرحي يحتم عليه أن يظهر من أعماقه كل مواهبه التمثيلية التي يفترض أن تكون على قدر عال من الجودة حتى يكون أكثر إقناعا , أما الدراما التلفزيونية فان ثمة (رتوشا) عديدة تخدم الممثل مثل الماكياج والموسيقى التصويرية موضحا انه يمكن أن يسجل ويعيد أكثر من مرة ليتلافى أخطاءه.
كما أن الدراما التلفزيونية تقول ما يقول الرقيب أما المسرح فالممثل هو الرقيب ,, ولا يستطيع احد أن يقص ما يقوله وقت العرض و مسرح الطفل للأسف قد تحول في بعض عروضه إلى (مدينة من مدن الملاهي) هدفه اللعب والضحك والفرفشة وهذا ما سوف يضعفه ويغير من وجهته التي تهدف إلى بناء فكر الطفل وتنمي مداركه.


قالوا عن الفقيد :


الأمير سلطان بن فهد بن عبدا لعزيز آل سعود ( الرئيس العام لرعاية الشباب )

يظل الإبداع سمة المبدع الذي يعطي من اجل بلاده والذي يبحث عن التفرد بما وهبه الله من قدرة فنية يستطيع توظيفها بما يخدم مجتمعه. والفنان السعودي بكل فخر واعتزاز تجاوز إطار الزمان والمكان وأصبح يحتل موقعاً متقدماً بين الفنانين العرب.. وقد أحرز منهم الكثير بعض الجوائز الفنية في عديد من المحافل العربية والدولية لأنه يمتلك مقومات من تراث حضاري أصيل يجسده ويقتحم به إلى دهاليز المؤتمرات والمهرجانات التي تعقد هنا وهناك وينافس ويمتلك في أحيان كثيرة ناصية الفن والانتشار..
والفنان الممثل لدينا بالمملكة العربية السعودية استطاع أن يفرض نفسه على الساحة الفنية العربية والمشاركة مع كبار الفنانين في تقديم أعمال متميزة.. إضافة إلى ذلك فانه يجد التشجيع والمؤازرة من قبل كافة مؤسساتنا الثقافية والإعلامية مما مهد له الطريق ليبدع في هذا المجال..
والفنان محمد العلي الذي عرفناه في مقدمه إخوانه الفنانين كفنان مبدع قدم عطاء فنياً متميزاً أهله لأن يحتل مكاناً في قلوب جمهوره ومحبيه..
وترشيح وزارة الإعلام له ليكرم من جهاز تلفزيون الخليج في مهرجان الخليج السادس للإنتاج التلفزيوني بدولة البحرين هو تقدير لفنه الذي ساهم به في بدايات الحركة الفنية لبلادنا نهنئه بهذا التقدير الذي يؤكد ريادة المملكة في الكثير من المجالات..
ونسأل الله أن يوفق الجميع لما فيه الخير

أبنه فهد :

«هناك وجه من والدي لم يعرفه عنه سوى المقربين، لقد كان رياضيا بارعا، فقد لعب التنس باحتراف في مصر، ولعب الملاكمة مدة 3 سنوات، وهو عضو في فريق الرياض لكرة القدم، حتى عندما كبر أصبح عضو شرف بالنادي». ويبدو أن والدي كانت لديه طاقة أراد أن يخرجها فيما هو متاح أمامه، في ظل تهميش المجتمع للفن الدرامي وأصحابه، وتجاهل السينما التي امتطت صهوة التألق في المدن العربية، بينما تظل في المجتمع تمارس بخجل عبر أفلام الفيديو التي تباع هنا وهناك، فقد كان رحمه الله « شغوفا بالسينما، وتمنى أن يكون بطلا بها». هذا الحلم ظلّ مؤجلا على أمل أن ينفذه أبي من خلال مؤسسته للإنتاج الفني مستقبلا «فقد جاء سابقا للزمن الذي يعيشه مجتمعه» كما يُقال، لكنه حاول قدر ما يستطيع أن يمارس حبه الدرامي عبر المسرح الذي تم تعطيله وغابت عنه المرأة رغم أنه «كان مؤمنا أن يوما من الأيام ستعتلي المسرح السعودي» وكان قد خلف 9 مسرحيات و44 مسلسلا، و15 سهرة، دون أن يكون له فيلم سينمائي واحد يطفئ ذلك الشوق النابت منذ طفولته،

الدكتور/ علي بن محمد النجعي ( الوكيل المساعد لشئون التلفزيون )

الفنان محمد العلي عنصر وطني متحمس وفاعل في مجال أعمالة الفنية وقد ساهمت أعمالة التمثيلية والمسرحية في تكوين وبناء النمطية الفنية التي نشيدها حاليا في المملكة العربية السعودية.
لقد عرفت الأخ الفنان محمد العلي من خلال أعمالة الإذاعية والتلفزيونية كما عر فتة من خلال تعامله الشخصي معي ومع كافة الزملاء في الإذاعة والتلفزيون . ولقد وجدت فيه شخصية الفنان الصادق وروح المواطن المخلص مما جعله على قائمة الفنانين المحبوبين لدى كافة زملائه سواء من الإعلاميين أو غيرهم من أفراد المجتمع.

محمد بن احمد الشدي (رئيس مجلس إدارة الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون سابقا )ً

لقد تحقق بفضل الله وتوفيقه الكثير من المنجزات الفنية في ظل الرعاية التي تجدها المؤسسات الوطنية التي ترعى هذا الجانب من لدن حكومة خادم الحرمين الشرفيين _ حفظة الله_
حتى أصبح الفنان من خلال ما يقدمه من عطاءات فكرية وإبداعية يساهم في بناء حضارة بلادة والفنون بمختلف توجهاتها تعكس القيم التراثية والجمالية ووسيلة هامة تنقل للعامل ملامح الأمة وفن التمثيل واحد من الفنون المؤثرة التي يتفاعل معها المجتمع بشكل مباشر.
المملكة العربية السعودية تزدهر ولله الحمد بالعديد من المواهب في هذا المجال ومن خلال الاهتمام والرعاية التي يجدها من المؤسسات الثقافية
وعلى رأسها الرئاسة العامة لرعاية الشباب والجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون فأصبح أيضا الممثل السعودي يمثل دعامة قوية الأعمال الفنية التي تنتج في الخارج.
عندما يأتي التكريم من جهاز تلفزيون الخليج لواحد من أعمدة التمثيل في بلادنا الفنان محمد العلي .. فإنما يجبر ذلك التكريم الفن السعودي الذي يحظى بالتقدير من الآخرين .. محمد العلي الفنان يعتبر واحداً من الرواد في هذا المجال وقدم خلال مشواره الطويل الكثير من الجهد والعطاء بموهبة فنية لها طابعها الخاص متفرداُ بأسلوبه التلقائي وقدرته الفاقة على الجذب المتابع لأعمالة _ فهو في المسرح الكوميديان الأول والذي لا يجاريه علية احد في التلفزيون , جسد الكثير والعديد من الشخصيات وتنوع في تناولها حتى اكتسب بها رضى المتابعين لأعماله..

علي الغوينم (رئيس قسم المسرح بالأحساء)

بحكم معرفتي الشخصية بالفقيد فقد كان رحمه الله يملك قلباً كبيراً ومحباً للجميع , وبطيبته وحنانه يشعرك بأنك تعرفه منذ زمن أثناء مقابلتك له أول مرة .. فنان حاضر النكتة وحاضر الموقف يعامل جميع من يعمل معه معاملة الأخ لأخيه , بحق لقد افتقدنا رمزاً من رموز الفن والإبداع فقد كان رحمه الله عميداً لدرما والمسرح بالمملكة .

خالد الطخيم ( مخرج تلفزيوني )

لم تكن أعمالا كثيرة مع الأستاذ محمد فقد عملت معه منذ فترة طويلة ثم في احد أجزاء مسلسله المعروف (خلك معي) منذ ما يقارب سبع سنوات وعملت عنه فيلما بعد رحيله أما مسألة التأثير فالأستاذ محمد رحمه اثر على الكل حتى لو لم اعمل معه فهذه شخصية توجب على الكل الاحترام والتقدير .


أحمد النوة (من رواد المسرح بالأحساء)

محمد العلي يشكل مثال لهؤلاء الذين حفروا في الصخر ونذروا أنفسهم في سبيل إيصال رسالة الفن وتقديمها كشاهد على قدرة الفنان السعودي وموهبته .. محمد العلي سيبقى في ذاكرة الدراما والمسرح بالمملكة كمثال حي على الأجيال القادمة الاحتذاء به .. لا زلت أتذكر تعاوني معه بمسلسل ( الدنيا دروب ) رحمك الله وأسكنك فسيح جناته ...


عبد العزيز الفريحي ( ممثل تلفزيوني ومسرحي )

من أكثر الأعمال التي أعتز بها مسلسل "الوهم" مع محمد العلي رحمه الله ,, لأنه باكورة العمل الفني بالنسبة لي ولأنه مع فنان بحجم العلي الذي أعتبره أبي وشقيقي الأكبر فهو قدم لي أبجديات الفن وضمني إلى مدرسة التمثيل وعلمني كيف أحترم فني والناس, رباني فنياً واجتماعياً وأفتقده كثيراً لأنه الاسم الفني الذي أثر عليّ في حياتي .

علي دعبوش ( مخرج ومؤلف مسرحي )

«العلي من الشخصيات النادرة جدا، لنبله وكرمه، وهو بارع دراميا، فمنذ وفاته إلى الآن لم يملأ أحد مكانه الفارغ في الدراما السعودية».


التكريم :

1ـ تكريمه من جهاز تلفزيون الخليج في مهرجان الخليج السادس للانتاج التلفزيوني بمملكة البحرين .
2 ـ تكريمه بمهرجان الرواد العرب بالقاهرة .
3 ـ تكريمه بمهرجان الجنادرية المسرحي كواحد من رواد المسرح بالمملكة .
4- تكريمه في المهرجان السعودي الرابع كأحد المسرحيين المؤسسيين الأوائل .



وفاته

توفي عن عمر يناهز الرابعة والخمسين مخلفاً لنا أكثر من 70 عملاً فنياً
وقد شيع جثمانه ظهر يوم الجمعة عقب أداء صلاة الجمعة عليه في جامع الراجحي شرق الرياض ومواراته الثرى في مقابر النسيم , وقد أفاد نجله فهد انه تفاجأ بوجود والده ملقى بجوار مكتبه في المنـزل , حيث نقلوه على الفور لأقرب مستشفى، وبعد معاينته تأكد للأطباء وفاته قبل وصوله اثر نوبة قلبية حادة، وسبق أن أصيب الراحل بجلطة قلبية منذ فترة.
ويقول فهد «والدي مرح بطبعه، وإن كان جيبه خالياً من أي ريال، كان يمرح إلى آخر ليلة قبل وفاته، فما أزال أذكر مداعبته، وهو قادم تلك الليلة من عند الطبيب». فوالدي رغم تعب قلبه الكبير الذي أحب الناس والدراما لأجلهم، لم يرغب بأن يشعر من حوله بأن الموت قريب منه حتى الصباح، وأن الألم ينتزع نبضات قلبه فأخذ يمازحهم بقوله «وجدت شايب في الـ70، يعاني من قلبه، وسألته كم لك تدخن، وأجابني: 50 سنة، فأخبرته أن الدخان الذي لم يذبحك طول هذه الفترة، لن يذبحني إن شاء الله» كانت كلماته هذه هروبا من تهديد السجائر لقلبه، إلا أنه مات بعد كلماته هذه بساعات.
ويقول فهد «وجدته ملقى على الأرض، وكان قبلها يقرأ في الصحف كعادته في حجرة المكتب ولم يكن موته يحمل أي مقدمات، سوى إحساس أختي بالخوف قبل وفاته بساعات» فحينما كانت تجلس معه وتشاهد مسلسل «طعم الأيام» الذي كان يعرض حينها في تلك الليلة حلقة يتعرض فيها لجلطة هالكة، ويسقط أمامها من خلال الشاشة الصغيرة، لتصرخ منادية له، وتأتي يده الحانية عليها مطمئنة لها، قائلا «أنا بجوارك يا بابا». لكنه ما أن بدأ الصباح بساعات كان العلي قد رحل في يوم ولادة حفيدته «نجد» دون أن يراها، تاركا خلفه كلماته في أذني ابنته، ومسلسله «طعم الأيام» الذي ظل جمهوره يشاهده حينها، وهو غير مصدق، أن أبي مات، ومجموعة ذكريات درامية عالقة في ذاكرة الأصدقاء، وحتى الأعمال الإنسانية الخيرية التي كان يرعاها ظلت تتمتع بالحياة، «بعد وفاته، اكتشفنا أن هناك بيوتا للفقراء كان يرعاها، وكثيرة هي الاتصالات التي أخبرتنا بذلك، ولم يكن يخبرنا أثناء حياته بذلك»
وهكذا كان طعم الأيام مع محمد العلي التي طوت آخر صفحات كتابها معه في 4 يناير عام 2002، ليدفن يوم الجمعة وتشهد جنازته عددا غفيرا من المشيعين، ويبقى في الذاكرة «إنسانا بحق»



مراجع : مصادر من جريدة الشرق الأوسط والجزيرة والرياض ومؤسسة السالم للأنتاج الفني بالإضافة لمصادر شخصية

.
.

حسن العلي
24-06-2008, 01:57 AM
الأستاذ المسرحي والتشكيلي والرياضي والشاعر / عبدالرحمن بن علي المريخي ( أبومنذر ) رحمه الله تعالى , وهي نبذة مختصرة جداً قياساً على حياة امتدت لأكثر من ثلاثين عاماً

• ولد بالأحساء، المملكة العربية السعودية عام 1372هـ وتوفي فيها عام 1426هـ.
• دبلوم لغة عربية 1406هـ (( كلية المعلين بالأحساء))
• مارس كتابة الشعر ولد ديوان مطبوع (( العشق يتوهج ثلاثياً))
• مارس الكتابة الصحفية في جريدة اليوم نشرت له العديد من الكتابات النقدية ونص
مسرحي (( الطائر الذهبي)) عام 1406هـ
• مارس الكتابة المسرحية والإخراج المسرحي للأطفال والكبار.
• هو رائد مسرح الطفل بالخليج العربي ومسرحيته الأولى للأطفال تأليفه وإخراجه
( ليلة النافله) عام 1396هـ.
• له عدد من المسرحيات المطبوعة منها ( ابن آدم قادم) و ( حكاية ما جرى).
• حصل على الجائزة الأولى بمهرجان الرياض المسرحي الثاني عام 1397هـ
• حصل على الجائزة الأولى للتأليف المسرحي عام1399هـ مهرجان الرياض الثالث عن مسرحية ( نصر البواكير)
• حصل على المركز الأول ضمن مسابقة رعاية الشباب على مستوى المملكة عام
1403هـ بمسرحية( ابن ادم قادم)
• حصل على الجائزة الأولى ضمن مسابقة رعاية الشباب للنصوص المسرحيةعام
1412هـ عن مسرحية (حكاية ما جرى).
• حصل على الجائزة الأولى لأفضل نص مسرحي بمهرجان الجنادرية 1424هـ عن
مسرحية ( الهطق).
• تم تكريمه في المهرجان المسرحي الرابع لدول الخليج العربي بالبحرين عام 1415هـ.
• أغلب أعماله تهتم بالموروث الشعبي لإيجاد هوية لمسرح محلي مميز ووضف المسرح الملحمي في مسرح الطفل من خلال مسرحية ( الحل المفقود)
• له مساهمات فعالة في تنشيط المسرح المدرسي واجاز ثلاث دورات مسرحية.
• مشارك في العديد من المؤتمرات والمهرجانات العربية.
• عضو جمعية الثقافة والفنون بالأحساء وتسلم إدارتها عام 1420هـ وحتى وافته المنية رحمه الله بتاريخ 6/11/1426هـ .

وغداً يومٌ آخر ،، ،
استودعكم الله
.
.

حسن العلي
12-07-2008, 01:07 AM
.
.

من هو رائد مسرح الطفل في منطقة الخليج العربية ؟
أنا أقول ليكم ؛ لكن قبل مانبدأ بإسمه خلونا نمر على المحطات التي أثرت في صقل شخصية هـذا
الأديب .

المحطات :

تقترن جزيرة تاروت مكان ولادته عام 1373 هـ ، في ذاكرته بالطفولة في معناها الواسع والعميق لأنها تحيله إلى معينٍ لا ينضب من السنوات المشرقات .

وأضنه قد حظي بطفولةٍ سعيدةٍ ، حلوةٍ هنيئة في حمى أبٍ رءوف وأمٍ رؤم وصحبةِ عائلةِ طيبةِ التي كان يعيش معها في بيتٍ واحد .

وفي رحاب تاروت العريقة بأزقتها وقلعتها الأثرية ونخيلها ومزارعها وبحرها ، تلك الأماكن كانت فضاءآت مألوفة لديه ولدى أطفالِ ديرتهْ لأنه كان يرتادها معهم ليلعب في أزقتها و
يرتاح بين أضلال أشجارها ويبلل وجهه وأرجله بمياه عـين العودة وعيون مزارعها ويسبحُ ببحرها ويستمتعُ بسواحلها .

لم تكن جزيرة تاروت محطةً فقط للشيطنة والطفولة المرحة و إنما كانت فضاءاً إكتشف فيه العادات والتقاليد والثقافة سواء في لعبه مع الأطفال أو في المعلم أو في مجلس والده ( الديوانيه ) ومايدور فيه من نقاشات ودراسات فقهيه وتاريخيه وتراثيه ، فهو يعتبر المجلس أو الديوانية عباره عن منتدى إنساني وإجتماعي و إعلامي ، كان مجلساً شبه متخصص يهتم بالفقه والأدب ومنها ماكان الحديث لدى الرجال بالمجلس يدور حول حكايات ورحلاتٍ
ونوادر و أمثال و مشاكل الغوص والأعمال وغيرها ... فالمجلس من وجهت نظرهِ عالمٌ زاخرٌ بشتى المشاعر الإنسانية من كفاحٍ و صمودٍ ومغامره وإيثار وتضحيه ومخاوف ومسراتٍ وثقافةٍ .

هذه المحطة كانت الدافع الأول لحب الأطفال وتاريخ المنطقة و تراثها .

و المحطة الثانية ما إكتشفه في الكتاتيب في هذه الجزيرة فقد كان للمعلم صالح السني " رحمه الله .. " والمعلم عبدالكريم الطويل " رحمه الله .. " الأثر الأكبر في تعليمه القرآن والأخلاق والكتابة .

وكانت مدرسة الغالي ( المهلب حالياً ) محطةٌ أخرى للتعرف على القراءة والأدب و اللغة والقيم . فالمدرسة تربي في الأطفل حب الأهل و الأرض وتدفعهُ للقراءة و الإطلاع والإقتناع بقيمة العلم .

إلا أن المحطة الرابعة هي مكتبة والده فقد عمقت الإحساس لديه بقيمة العلم . تختلف قراءات أديبنا وتتنوع بتقدم الحياة قليلاً بدأت ببعض الدواوين كالمتنبي والمعري وأبو تمام وإبن الرومي ، وقرأ لشوق وحافظ إبراهيم والزهاوي والمنفلوطي والرصافي و الجواهري ، ثم بدأ في الإختيار والتدقيق خاصةً بعد أن قرأ أو عرف مايمكن معرفته وما أتاحت له قراءته من كنوز الإنجازات وعلى الأخص في ميادين التاريخ والأدب والفلسفة ، وقد كان
نهماً في قراءة الكتب التاريخية وبالذات تاريخ المنطقة والجزيرة العربية ، تتبعه عادات سكان المنطقة وأفراحهم وأحزانهم ، شعرهم وأمثالهم فتكونت لديه معلومات وافيه نوعاً ما عن المنطقة و تراثها مما دفعه للكتابة عن هذا التراث لحفظه و إطلاع جيل اليوم عليه .

إن محطة مدرسة القطيف الثانوية تعتبر نقلة جذرية لما عاشه على المستوى القراءة و إتساع الأفق عبر المناخ التنافس المشجع الذي عاشه مع أبناء القطيف ومع أساتذةٍ كانوا
يحظونهم على قراءة المزيد من كتب الأدب والشعر و المسرح والتاريخ ، وقد كانت الكتب والتحليلات لبعض الكتاب والأدباء تشع بالإغراءات فشعر بأن نوافذ العلم مشرعة وأحس بالمقدرة على الصعود إلى سلم الكتابة الأدبية بما فيها مسرحياتٍ للأطفال . وكما يقول عن نفسه :
( ومصدر ذلك الإملاء يعود إلى تساوق وتناغم بين ذات العميقة المتطلعة إلى الأدب وبين الوجدان العام الآخذ بالتبلور نحو الثقافة والعلم .. حقاً كانت هذه المرحلة لها أثرها في ذاتي ،فقد قوت في نفسي نزوعاتها إلى الكتابةِ والحلم و المغامرة فألفتُ بعض مسرحيات للأطفال وأنا في المرحلة الثانوية وإن كانت البدايات لم تحقق الطموح لكنها كانت تجارب ) .

والمحطة السادسة هي جامعة الملك سعود بالرياض وقد أغنتْ الرياض بجامعتها و مكتبتها و دكاترتها ذاكرته خلال إقامته فيها لمدة أربع سنوات ( 1392 هـ ـ 1395 هـ ) في هذه الفترة صار يقرأ من كنوز الأدب و الفلسفة والتاريخ و التربية وعلم النفس و الإجتماع وما تستهويه نفسه من العلوم بنهمٍ شديد و إطلع على مسرحياتٍ كثيرة و قرأ لبعض عمالقة المسرح و خاصةً مسرح الطفل فتوسعت مذاكره وتشجع لكتابة بعض المسرحيات سواء كانت للأطفال أو للكبار و المنلوجات و الإسكتشات و المشاهد الضاحكة والصامتة وبدأ يضع رجله على أول سلمٍ للإبداع .

تمض السنين وتزداد لهفته للقراءة والإطلاع .. إنتهت فترة من حياته حلوةٌ كانت رغم كل شيء وأخذ يرسم لنفسه خطاً في التأليف في المسرح والتراث لإيمانه بقيمت المسرح حيث يقول : ( وكنت مؤمناً بأن المسرح ظاهرةٌ حضارية مجتمعية وأداةٌ تقافية تنويرية ) ، فبذل جهداً في سبيل بناء مسرحٍ للطفل وتثثبيته وأراد له نمواً أكثر ووجوداً على الساحة الإقليمية والخليجية ، وكان لمسرح جامعة البترول والمعادن بالظهران بجانب مسارح أندية المنطقة الشرقية ومسرح جامعة الملك سعود ومسرح إدارة التعليم بالباحة و الطائف ومسارح الثانويات المهنية و التجارية بالمنطقة الشرقية مراكز مشعة وبارزة بحق في تفعيل دور مسرح الطفل وقد كان لأديبنا الدور البارز حيث مثلت أغلب مسرحياته عليها وقد حصلت أغلبها على المركز الأول على مستوى المملكة في مسابقات الرئاسة العامة لرعاية الشباب .

والمحطة الأخيرة تتمثل في حصوله على بعثةٍ لأمريكا لإكمال دراسته العليا فقد كانت أمريكا بجامعتها في ولاية كاليفورنيا و مدية ساندياقو ، هي المرفأ الأساسي الذي أغنى ذاكرته بما شاهدة وإستمتع إلية وعايشة فخلال دراسته بجامعة ساندياقو الحكومية ، كانت أشبه بفضاء علمته أربعة أشياء :

أولها : الحرية في حدود الدين والقيم .
ثانيها : هو نسبية الحقائق والمقاييس مشخصةٌ في العلائق والتحليلات .
ثالثها : إن الإنسان مهما درس وتبحر فلم يؤت من العلم إلى قليلا .
رابعها: لاشيء أحب من الأهل و الوطن ولا أجمل .

هذه المحطات جميعها أعطته الكثير .. الكثير وقادته إلى تغيير بعض ممارساته الحياتية على صعيدين أساسيين :

الصعيد الأول : الكتابة مع التمييز بين التصور النظري و الممارسة ، ثم الإصرار على الكتابة الناضجة متنبهاً لما تحبل به الساحة العالمية من إرهاصات و أفكار ومذاهب لذا إهتم بالطفل وإهتم بالتراث دفاعاً عن القيم وعن مستقبل الأبناء خوفاً من أن التحولات المتفتحة على الواقع العالمي وتعقيداته قد تسلب مجتمعاتنا الهوية والقيم فكتب عن الأمثال والطب الشعبي والمأثورات الشفاهية وعن المناسبات المفرحة و المحزنة و غيرها .. إضافة إلى كتابة الشعر والقصة والمسرحية والفلسفة .

وحين إستلامه لرئاسة نادي الهدى بجزيرة تاروت أسس فرقة المسرح الشامل وكان المدير لهذة الفرقة وقد مثلت هذه الفرقة العديد من مسرحياته طيلت العشر سنوات التي ترأس فيها هذا النادي وأستطاع في هذه الفترة أن يحاور الذاكرة وأن يعيد صياغة ما عاشة في التأليف ممتزجاً بالفكر في زمن ليست هناك حدود تعين للكتابة موادة الخام وموضوعاتها وأشكالها وهذا هو مجال لممارسة الحرية والمسؤولية المقيدة فقط بالقيم وقد وجد في المسرح وفي القصة و الرواية والشعر والتاريخ والأدب أشكال مرنة أسعفته على الإنطلاق في رحلة البحث عن الذات والإقتراب من المجتع. وكانت نقطة البداية في المسرح مع الأطفال ثم القصة ثم التراث ثم التربية وأخيراً دخل المزاد العلني للشعر حيث كان لأستاذه حسن أحمد الطويل الأثر الأكبر في توضيح أبعاد الشعر وتحبيبة له وضل كاتبنا إلى اليوم يسعى إلى المعرفة وإلى الحب والكتابة بأوسع معانيه فكانت ثمرة ذلك مجموعةً من المسرحيات والبحوث والمؤلفات.

( أعتقد أنكم عرفتوا رائد مسرح الطفل الآن واللي ماعرف يكمل معانا المشوار )

قبل أن أذكر إسمه نعرج أولاً على مؤلفاته ومسرحياته للأطفال وهي كالآتي :

أ – مسرحياته للأطفال :

1- حرام حرام .
2- الفأر في الشنوكه .
3- الفيل والنمل .
4- مال البخيل يأكله العيار .
5- سبع صنايع والبخت ضايع .
6- الغواص .
7- من تدخل فيما لايعنيه لقي مالا يرضيه .
8- مغامرات عبود .
9- الكريكشون .
10- الشراك .
11- البحث عن الكنز .
12- غيري جنى .
13- الكراز .
14- الكنـز .
15- المغامر .
16- أرنوب في خطر .
17- الوحش .

وقد حصل على مجموعة من الجوائز والشهادات لحصول أغلبها على المركز الأول
ومؤلفاته :
1- الألعاب الشعبية بالقطيف .
2- من تراث جزيرة تاروت .
3- عيسى محسن .
4- الأمثال الشعبية في الساحل الشرقي .
5- أسباب ضياع الشباب .
6- شعراء القطيف والمعاصرون .
7- الطب الشعبي في الساحل الشرقي .
8- الألعاب الشعبية في دول الخليج العربية .
9- المأثورات الشفاهية في دول الخليج العربية .
10- الأمثال الشعبية في دول الخليج العربية .

ومن البحوث المطبوعة أيضاً باللغة الإنجليزية :
1- الطلاق وأثره على المراة المطلقة .
2- التعليم العالي بالمملكة العربية السعودية .
3- العلاقة بين البيت والمدرسة وأثرها على التحصيل العلمي للطالب .

ومن البحوث العربية مايلي :
1- الضغوط النفسية على المعلمة وأثرها على الصحة .
2- تقويم الأداء الوظيفي لمدراء المدارس .
3- أفلام الكرتون وأثرها السلبي على الطفل .

وله مجموعة من الكتب المخطوطة ومنها :
1- أساسيات أدب الأطفال .
2- تكوين الأسرة المسلمة .
3- المرأة بين مؤيد ومعارض .
4- اللهجة الشعبية في منطقة القطيف .
5- ترانيم الطفولة ( شعر ) .
6- العمل التطوعي وأثره على المجتمع الإسلامي .
7- مشاكل الطفولة .
8- الأمراض النفسية .
9- القرآن وتربية الإنسان .
10- إبداعات المرأة الأدبية في دول الخليج العربية .
11- من الأدب النسوي الخليجي .
12- دماء ودموع ( قصص ) .
13- أحلام العاشقين ( شعر ) .
14- فلسفة المعرفة عند المسلمين .
15- فلسفة الأخلاق عند المسلمين .


تعالوا نشوف ويش قالت الصحف و المجلات عن رائد مسرح الطفل ..

كتبت جريدة اليوم في عددها 6833 يوم السبت 26 شعبان عام 1412 هـ .
قالت : ( بلغ التقدير لرائد مسرح الطفل السعودي عبدالله حسن آل عبد المحسن حدّا صنف كأحد رواد مسرح الطفل في عالمنا العربي ، فهو أديب له إثنا عشر مؤلفاً طبع نصفها وله أكثر من عشر مسرحيات عالج فيها توجهات الصغار ونفسياتهم ومشاكلهم ) ...

وكتب الصحفي ميرزا الخويلدي في جريدة الشرق الأوسط أن رائد مسرح الطفل بالمملكة الأستاذ / عبدالله آل عبد المحسن . . . يملك خيالاً إبداعياً حياً وقدرةً باهرةً على خلق الحبك الدرامية .

وجاء في جريدة الشرق عام 1417 هـ : ( هناك مجوعة من الرواد تستمد قيمتها ليس من كونها السباقة في عمل ما ، بل لأنها أيضا قدمت نماذج إحتلت مكانة إبداعية متميزة ، ولعل أكثر ماينطبق عليه هذا الكلام هو رائد مسرح الطفل بالمملكة الأديب الشاعر / عبدالله حسن آل عبد المحسن .. الذي ألف مايربو على ستت عشر مسرحية للأطفال مليئة بالأهداف والإثارة بلغة بسيطةٍ وعميقة .

وقال الدكتور أحمد عبدالله عندما شاهد بعض مسرحياته وسُئِلَ عن رأيهِ فيها قال :
( إن مسرحيات الأستاذ / عبدالله آل عبد المحسن تتضمن مشاهد مؤثرة عميقة في إنسانيتها وتصويرها لنفسية الطفل ورغباته ، فالأستاذ عبدالله كما أعرفة قصاص بطبيعته وكاتب مسرحيات هادفة يملك موهبةً غير عادية وطاقة عظيمة ).

أما الأديب علي الخواهر فقد كتب في جريدة اليوم صفحة 11 يوم الثلاثاء واحد محرم عام 1416 هـ قال : إن فريقاً معيناً من أدبائنا قد أصاب قسطـاً من الإهتمام إن لم نقل من وجاهة الشأن ، ونحن نتوقف مع أحدهم وهو الأستاذ / عبدالله حسن آل عبد المحسن .. من رواد مسرح الطفل في عالمنا العربي والمسؤول عن المسرح الشامل بالمنطقة ورئيس نادي الهدى بتاروت الذي قدم العديد من المسرحيات للأطفال بلغت أربعُ عشرةَ مسرحية مثلت أغلبها على مسارح الأندية و المعاهد و الجامعات وقد حصل أغلبها على المراكز الأولى على مستوى المملكة .

وجاء في جريدة الأنباء الكويتية في 5 يناير عام 1994 م في عددها 6344 صفحة 28 ، على يد الأديب المصري الشاعر / محمد عبدالقادر فقي : ( إن أشهر كاتب مسرحيات للأطفال في المملكة وصاحب أول مسرحية أطفال على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي هو الأديب المسرحي / عبدالله حسن آل عبد المحسن ) .

وكتب عنه أيضاً الأديب / عبدالله الشمري في كتابة أعلام الخليج وكذا معجم البابطين لشعراء العرب المعاصرين تحدث كل منهما عن نبذة مختصرة عن حياته ومؤلفاته ومسرحياته وبعض مقاطعة من شعره .

إذاً الأدباء والنقاد والصحفيين ومتابعي مسرح الطفل في المملكة لايختلفون بأن الأستاذ /عبدالله حسن آل عبد المحسن هو رائداً لمسرح الطفل في المنطقة لكونه ألف أول مسرحية للأطفال في منطقة الخليج العربية وأنا أسير معهم في هذا الرأي .

* أرجوا أن ينال هذا الموضوع عن المبدع ورائد مسرح الطفل بمنطقة الخليج العربية رضاكم ..!


وغداً يومٌ آخر ،، ،
.
.

حسن العلي
12-07-2008, 01:23 AM
صــــــــلاح عبـــد الصبــــــــــور ( 1930 ـ 1981 )


شاعر وناقد ويعد من رواد الشعر الحديث والدراما الشعرية في مصر. ولد بالزقازيق عام 1930م أكمل دراسته حتى وصل إلى الجامعة حيث تخرج في جامعة القاهرة في كلية الآداب قسم اللغة العربية ، أخذ يكتب الشعر في سن مبكرة وكان ذلك في مرحلة دراسته الثانوية ، ثم أخذ ينشر قصائده في مجلة الثقافة القاهرية والآداب البيروتية.

شغل صلاح عبد الصبور عدة أعمال ، حيث عيّن بعد تخرجه مدرسا بوزارة التربية والتعليم إلا أنه استقال منها ليعمل بالصحافة ، وفي عام 1961م عيّن بمجلس إدارة الدار المصرية للتأليف والترجمة والنشر، وشغل عدة مناصب بها.

اطلع عبد الصبور على الشعر الأجنبي وأعجب بشعر الإنجليزي ت . س إليوت وتأثر به ، وفى منتصف الستينات خاض أول تجربة له في الدراما الشعرية فكتب مسرحيته: " مأساة الحلاج " عام 1965، وقد كان تأثره في هذه المسرحية بالشاعر الإنجليزي إليوت واضحا جدا ، وهذه المسرحية جاءت شبيهة بمسرحية إليوت: " جريمة قتل في الكاتدرائية ".

تنوعت أعمال صلاح عبد الصبور بين المسرحيات التي كتبها ، وبين دواوينه الشعرية وبين دراساته ومقالاته الأدبية

كتب عبد الصبور خمس مسرحيات هي :

1ـ " مأسـاة الحلاج " وهي تعالج قصة استشـهاد الحسـين بن المنصور ـ المشهور بالحلاج ـ في بغداد عام 309 هـ ، بعد محاكمة أمام ثلاثة قضاة، وتتخذ من شخصية الحلاج ـ الذي كان شاعرا منصوفا ومصلحا اجتماعيا في آن واحد – مناسبة لطرح قضية الالتزام : وإلى أي حد يجوز للمفكر أن يلتحم بمشكلات عصره ؟ وهل يقتصر على تسجيل رأيه أم ينزل إلى حومة الفعل المباشر ؟ وهل له الحق أن يحاول تغيير الضمائر أم يعمد إلى العنف الثوري ؟! .

2ـ مسرحية: " مسافر ليل ". وهى مسرحية طليعية قصيرة تأثر فيها عبد الصبور بمسرح العبث ، موضوعها القهر والانهزام أمام السلطة .

3ـ مسرحية: " الأميرة تنتظر". ولجأ فيها الكاتب إلى عالم الأساطير وأجواء ألف ليلة وليلة ، وتتحدث عن قصة الأميرة ووصيفاتها الثلاث ، وهي تصور ما يتعرض له الإنسان من قهر وظلم.

4ـ مسرحية: " بعد أن يموت الملك ". وتتناول فكرتها الرئيسية الصراع بين الخير والشر ، وتنتهي بانتصار الخير على الشر بعد صراع عنيف بينهما.

5 - مسرحية: " ليلى والمجنون ". تتصف هذه المسرحية الشعرية بالطابع الاجتماعي ، حيث إنها تتناول قضية تمس المثقفين في مصر قبل ثورة 1952 الذين فقدوا القدرة على الحب ، تدور معظم أحداث المسرحية قبل ثورة 1952. وهي تحكي قصة مجموعة من الصحفيين الشباب فقدوا القدرة على الحب بسبب المناخ العام ، ويطرح رئيس التحرير حلاً لأزمتهم وهو أن يقوموا بتمثيل مسرحية رومانسية عن الحب ، ويختار لهم مسرحية: " مجنون ليلى " لأحمد شوقي، ويظهر التباين الشديد بين العاشقين ليلى والمجنون ونظيريهما المعاصرين ليلى وسعيد. كان قيس عند ـ أحمد شـوقي ـ عاشقا صاحـب قضيـة فرديـة، أما سعيد ـ عند صلاح عبد الصبور ـ فكان على النقيض عاجزا عن الحب مهزوما تثقله ذكريات الطفولة الأليمة ، فتتحول ليلى إلى حسام الذي يكشف عن وجهه القبيح بكتابة التقارير عن زملائه في الجريدة ، يسجن سعيد لاعتدائه على حسام ، ويتفرق أفراد الجماعة محبطين ويمضي كل منهم في سبيله ، بعد أن استسلموا للعجز واليأس.

المراجع

([1]) د . فاطمة موسى . قاموس المسـرح ، الهيئة المصرية العامة للكتاب . ص 1002 .

(2) ماهر شفيق . " مسرح صلاح عبد الصبور، ملاحظات حول المعنى والمبنى " . مجلة فصول . المجلد الثاني .العدد الأول أكتوبر 1981 . ص 118.
.
.

حسن العلي
12-07-2008, 01:25 AM
نعمان عاشور (1918 ـ 1987)


ولد نعمان عاشور بمدينة ( ميت غمر ) بمحافظة الدقهلية عام 1918. اكتسب حبه وعشقه للمسرح وهو صغير من والده الذي كان دائم التردد على مسارح شارع عماد الدين بالقاهرة، وخاصةً مسرح الريحاني، مما جعل نعمان عاشور يتأثر تأثراً بالغاً بكوميديا الريحاني الانتقادية الاجتماعية الساخرة.

كان نعمان منذ طفولته مغرماً بالاطلاع والقراءة، ولعل الحظ أتاح له ذلك حيث أن جده كان يمتلك مكتبة ضخمة تضم العديد من المؤلفات في مختلف العلوم والميادين من كتب التاريخ والأدب والدين وغيرها، فأخذ نعمان الصغير، ينهل من هذا المعين الذي لا ينضب، مما أثرىـ ولا شك ـ من معارفه وصقل ثقافته وهو صغير.

أكمل نعمان دراسته حتى وصل إلى الجامعة فتخصص في اللغة الإنجليزية من ضمن تخصصات كلية الآداب، وحصل على الليسانس فيها عام 1942، وكانت هذه الجامعة جامعة فؤاد بالقاهرة.

طوّر نعمان معلوماته عن المسرح، وأتاحت له الفرصة أن يمثل، فكان يمثل سنويا في مسرحية من مسرحيات شكسبير مع زملائه، وكانت هذه العروض السنوية يقدمها قسم اللغة الإنجليزية بالجامعة. وأخذ نعمان يتعرف على المسرح أكثر فأكثر وقرأ عن المؤلفين المسرحيين الأجانب المشهورين مثل برنارد شو، وإبسن، وتشيكوف، وقرأ أعمالهم، وتأثر بالواقعية الاجتماعية عندهم.

اتصل نعمان بالحركة الأدبيـة التي برزت في مصر في أعقاب الحـرب العالمية الثانية، والتي اهتمت بمشكلات المجتمع وهمومه، وشارك نعمان في الحركة السياسية ضد الاحتلال وضد الاستغلال والظلم الاجتماعي قبيل الثورة، فألقي القبض عليه مرتين، وبرز اسمه بين كتيبةٍ من الأدباء والمثقفين الشباب من طليعة النهضة الأدبية والفنية في الخمسينات والستينات.

عين عام 1943 ببنك التسليف الزراعي بالقاهرة، وفى عام 1952 نقل إلى وزارة الشئون الاجتماعية، ثم إلى وزارة الإرشاد القومي ومصلحة الفنون والرقابة على المصنفات الفنية، وفى عام 1958 فصل من الرقابة وعينّ محرراً بجريدة الجمهورية حتى عام 1964 حيث استبعد مع بعض المحررين للعمل بالهيئات والمؤسسات العامة ثم انضم لتحرير أخباراليوم وظل بها حتى وفاته فيما عدا ثلاث سنوات في أواخر السبعينات أمضاها في الكويت وكانت وفاته عام 1987.

أصدر نعمان عاشور مسرحياته في مجلدين عن الهيئة المصرية العامة للكتـاب، المجلد الأول سنـة 1974 ويحتوي علـى مسرحيات: " المغناطيـس "،و " الناس اللـي تحت "، و " الناس اللي فوق "، و " وسيما أونطة "، و " جنس الحريم ".

والمـجلد الثاني سنة 1976 ويحتوى مسرحيات : " وابور الطحين "، و" عائلة الدوغري "، و" ثلاث ليال "، و" بلاد بره "، و"سرالكون ". إضافة إلى مسرحيات أخرى.

وأهم ما يميز، مسرح نعمان عاشور أنه يضع يـده مباشرةً على واقعٍ ندركه أو نحسه، ولكننا لا نملك تفسيره، أو هو يترجم الإدراك والإحساس إلى حركةٍ موضوعية بين طبقات المجتمع.

واهتم نعمان عاشور بالمجتمع المصري اهتماما كبيراً، وتناول هذا المجتمع في مسرحياته على محورين أساسيين هما:

1 ـ محور السياسة. وصوّر فيه هموم الشعب المصري بسبب فساد السياسة والسلطة الحاكمـة. وتجلّى ذلك بوضوح في عـدة مسرحيـات من أهمها مسرحـية: " عفاريت الجبانة "، و " وابور الطحين "، و"حملة تفوت ولا حد يموت " وغيرها.

2 ـ محور المجتمع المصري ومشاكله. وصوّر فيها المشاكل التي يعاني منها الشعب المصري في ذلك الوقت وذلك واضح في مسرحياته العديدة، ومنها مسرحية: " الناس اللـي تحت "، و " الناس اللـي فوق "، و " عيلة الدوغري "، و" صنف الحريم "، و " المغناطيس " وغيرها.

وسنأخذ مثالاً لمسرحيات نعمان عاشور الاجتماعية، مسرحية: " الناس اللي تحت ".

مسرحية " الناس اللي تحت " تصور تلك العلاقات الاجتماعية الجديدة التي كانت انعكاساً لثورة 1952 وقوانينها التي حاولت وضع إطارٍ من العدالة الاجتماعية يعمل على تحقيق نوع من الأمان من جهة ، وإزالة الفوارق الطبقية من جهة أخرى بين الطبقة الدنيا والوسطى.

تصور هذه المسرحية البنية الاجتماعية للمجتمع المصري، ورد فعلها على المتغيرات الاجتماعية التي أحدثتها الثورة في سنواتها الأولى. ويدور الحدث في هذه المسرحية ما بين حي المنيرة وهو أحد الأحياء التي كانت تقطنها البرجوازية الوسطى بالقاهرة ويقع ما بين: (جاردن سيتي) حي البرجوازية العليا والإقطاع؛ والسيدة زينب الحي الشعبي المعروف، وهنا استخدام ذكي لنعمان عاشور لدلالة المكان درامياً، وأيضاً إشارة إلى رحيل فكري ومنيرة إلى كوبري القبة، وهو الذي يقع جغرافياً ما بين القاهرة القديمة ومصر الجديدة، وهنا أيضاً دلالة مكانية للمكان الذي يعتبر معبراً بين مصر الجديدة ومصر القديمة.

أما مصر الجديدة فقد استخدم نعمان عاشور الاسم للدلالة الأكثر شمولية على الحياة الجديدة لمصر كلها، وليعبر بها عن حلم الثوريين ببناء مصر الجديدة.

تحتوى المسرحية العديد من الشخصيات التي تنتمي إلى إحدى الطبقتين والتي تسكـن في بدروم بيت السيدة بهيجة، وتظهـر المسرحية شخصـيتي فكري ومنيرة ـ وهما من الطبقة الدنـيا ـ وقد قررا أن يتركـا الخدمة في عمارة السيـدة ـ الثرية ـ بهيجة هانم، ليبحثا عن عمل في مصر الجديدة، خاصة أن الأوضاع قد تغيّرت بعد الثورة المصرية عام 1952. وأما الأستاذ رجائي الأرستقراطي فرضي أن يعيش عالةً على زوجته بعد أن كان صاحب غنى، بينما يهرب كل من: عزت الرسام، ولطيفة ـ من الطبقة الدنيا ـ من البدروم بإرادتهما، فيهربان نحو مستقبل أفضل، بعد أن تكشف لطيفة الفساد الذي يسود الأعمال الحرة، وتقتنع بضرورة صنع مصر الجديدة.
وتنته كوميديا " الناس اللي تحت " بهروب أبناء الطبقتين ـ الوسطى والدنيا ـ من البدروم من مصر القديمة إلى مصر الجديدة ليحاولوا بناءها، وكل يرجع إلى طبقته الاجتماعية، فبهيجة تشعر أن الثورة قامت للقضاء عليها، وتعكس هذا الإحساس في إساءة معاملة سكان البدروم، بينما يعكس الأستاذ رجائي رد فعل أبناء طبقته، تجاه الثورة التي لم تبقي لهم إلا على ذكريات الماضي يعيشون عليها، بعد أن سلبت منهم ما سلبوه وردته إلى أصحابه، ولم يجد أمامه إلا أن يترك قصره ويسكن البدروم، رمزا على زوال مجدٍ سابق، وليكون طبقةً جديدة في البنية الاجتماعية التي أصابها التغيير، خاصة في أدوار أفرادها. ويمثل رجائي تلك الفئة التي تظهر تعاطفاً مع الثورة، ولعجزه عن المشاركة في الفعل، يقرر الانسحاب من هذا المجتمع .. ليقف موقف المتفرج. ويحاول أن يرتبط بالإقطاع العقاري الزائل، والذي أصبح القانون يحد من سلطانه واستغلاله وينصف أصحاب الحق من أبناء البدروم.

وللاستدلال على الدلالة الرمزية للمكان، والتلميح على البنية الاجتماعية الجديدة بعد الثورة نلاحظ ذلك من خلال الحوار بين فاطمة، وعبد الرحيم ، ورجائي:

" فاطمة: لطيفة خرجت يا سي عبد الرحيم
عبد الرحيم: راحت فين، خرجت إزاي
فاطمة: سافرت مع عزت .. سافروا مع بعض خلاص
رجائي: ( وينطق ضاحكاً ) ها .. ها هو ده الكلام الجد راحو مصر الجديدة .. وسابونا في المنيرة ..
رجائي: يا فاطمة مصر الجديـدة مـش هي دي بـلد .. دي وطن ما تعرفيهاش انتـي …يصح تكون في إسكندرية .. أو في بنها أو في أسيوط في كل حتـة موجودة ".

والحقيقة أن نعمان عاشور في مسرحيته هذه تكشف شخصيات المسرحية دخيلة نفسه وما يجول فيها فهو يشجع الثورة ويشجع التغيير ويرى أن مصر القديمة بكل سلبياتها وإيجابياتها يجب أن تتحول إلى مصر الجديدة، مصر المستقبل، مصر التي تأخذ بكل ما هو جديد نافع في كافة المجالات بسبب التقدم الرهيب في التكنولوجيا والصناعات. ولعل أبرز مثال على ذلك شخصية عزت في حوارات عديدة منها:

" لطيفة: الغرابة يا عزت لك أفكار
عزت: مش حقيقة؟!
لطيفة: حقيقة .. بس بعيدة عن أفكار الناس
عزت: إزاي!! هي الناس مش عارفين أسباب المصايب اللي كانوا عايشين فيها!! أمال قاوموا الإنجليز ليه، وحاربوا الإقطاع ليه؟ الناس دايماً ضد اللي يظلمهم ومع اللي ينصفهم.
لطيفة: دى صحيح يا عزت.
عزت: والحلم اللي باحلمه صحيح يا لطيفة .. إحنا داخلين على حياة جديدة ولازم نعيش في مصر تانية .. مصر جديدة ".
إذاً اختار نعمان عاشور شخصية عزت ليعبر من خلالها عن مضمون رؤيته ووجهة نظره الشخصية، وهي نظرة مستقبلية في ذاتها فنراه يقول:
" عزت: أنا وظيفتي الرسم. التعبير بالرسم عن الحياة الشؤم اللي إحنا عشناها في مصر القديمة .. والحياة الصحيحة النظيفة اللي يجب كلنا نعيشها النهارده وبعد النهارده في مصر لما تبقى جديدة ".

إن الدكتور محمد مندور يرى أن المؤلف نعمان عاشور جعل من شخصية الأستاذ رجائي هي الرسالة التي أراد المؤلف أن يؤديها وهي التغير الأساسي الذي طرأ على مصر بفضل الثورة وجعل منها مصر قديمة ومصر جديدة. فالأستاذ رجائي بمثابة حامل الرسالة التي أرادها المؤلف نعمان عاشور. وأنا لا أوافق على هذا الرأي، حيث رأينا من خلال المونولوجات الحوارية السابقة أن الذي ينادي بهذا التغيير هي شخصية أخرى غير شخصية الأستاذ رجائي ألا وهي شخصية عزت، وخير مثال على ذلك قوله:
" عزت: والحلم اللي باحلمه صحيح يا لطيفة .. إحنا داخلين على حياة جديدة ولازم نعيش في مصر تانية .. مصر جديدة ".

إذن فشخصية عزت هي التي أراد المؤلف أن يضمّنها نظريته ورأيه الشخصي، وقد نجحت في أداء الرسالة التي أرادها المؤلف أن تظهر بها بدون أي مبالغة أو افتعال فجاءت آراء عزت هي نفس آراء المؤلف، لكنها جاءت بصورة تلقائية وطبيعية نابعة من طبيعة الأحداث في المسرحية.

المراجع

1. د . فاطمة موسى ، قاموس المسرح.

2. د . حلمي بدير . رؤية الواقع في المسرح المصري الحديث ( 1850 –1970 )

3. د . كمال الدين حسين . المسرح و التغير الاجتماعي في مصر

4. فاروق عبد القادر . رؤى الواقع وهموم الثورة المحاصرة

5. د . محمد مندور . في المسرح المصري المعاصر

.
.

حسن العلي
12-07-2008, 01:26 AM
يعقــــــــــوب صنــــــــــوع ( 1839 ـ 1912)



ولد يعقوب صنوع عام 1839 من أبوين يهوديين، وكان أبوه فى خدمة الأمير يكن حفيد محمد علي. وقد أتيح ليعقوب أن يطّلع على مختلف الثقافات ، حيث درس التوراة والانجيل والقـرآن ، وأجاد ثلاثة عشرة لغـة . وأتقن الموسيقى والرسم والرقص.

ذهب صنوع إلى إيطاليا لدراسة الفنون والأدب عام 1853 وعاد عام 1855 كي يعمل فى خدمة الأستقراطية والقصر . وقد أتيح له أن يتنقل بين فئات المجتمع المصري من الأوساط الشعبية من حرفيين وعمال وفلاحين إلى الطبقة المتوسطة التى ينتمي إليها هو نفسه إلى الطبقة الأرستقراطية وحياة القصور . كما كانت لصنوع صلاته الوثيقة بالجاليات الأوروربية . وقد كان لهذه المعايشتة لهذه الأوساط الاجتماعية المختلفة فى الواقع المصرى دورها وأثرها الفعال في التعرف على كل أفراد الشعب المصري . وعرف تفاصيل حياة أفراد هذه الطبقات والصراع الدائر بين هذه الطبقات أو بين أفراد كل طبقة بنفسها بين قويها وضعيفها ، ذكرها وأنثاها . مما صقل ذهنه واستفاد منه فى رسم شخصياته الاجتماعية فى المسرحيات الكوميدية الاجتماعية.

كتب صنوع العديد من المسرحيات ، ولكن أغلبها فقد ، وأنشأ العديد من الصحف مثل: ( أبو نظارة زرقاء) ، و ( أبو زمارة ) ، و ( الوطني المصـري ) ، و ( العالم الإسلامي ) ، و ( الثرثارة المصرية ). وهي فى أغلبها تنتقد السياسة المصرية فى ذلك الوقت.

أنشأ صنوع فرقته المسرحية الخاصة لتقديم مسرحياته . وتولى تدريبها بنفسه . وقد ساعده على ذلك الدراسة الأكاديمية للفنون واللغات؛ واطلاعه على أعمال الكتاب المسرحيين فى لغاتهم الأصلية وخاصةً موليـير وجولدوني وشريدان؛ والاشتـراك فى العروض المسرحيـة للفـرق الخاصـة بالجاليات الأوروبية . وكما قلنا فإن صنوع استطاع أن يكوّن المناخ الملائم لفرقته المسرحية واستطاع بمساعدة أصدقائه أن يعرض عروضه على مسرح ( قاعة الأزبكية ) فحقق نجاحاً جماهيرياً كبيراً لدرجة أن الخديوي إسماعيل نفسه طلب منه أن يعرض مسرحياته فى القصر، وأطلق عليه: (موليير مصر ). وفي فرقة صنوع ظهرت النساء لأول مرة على خشبة المسرح . وعرض صنوع مسرحياته لمدة سنتين فى القصر إلى أن قدم مسرحية: ( الوطن والحرية ) والتى سخر فيها من فساد القصر ، فغضب عليه الخديوي وأغلق مسرحه ثم نفاه الى فرنسا بعد ذلك ، نتيجة لتحريض أعداءه عند الخديوي ضده.

وكتب صنوع عدداً كبـيراً من المسرحـات منـها ما قـدم من خـلال فرقـه المسـرحية في الفترة: (1870 ـ 1872) أو التي نشرها فى صحافته . وعموماً فإن مسرحيات صنوع تنقسم الى قسمين رئيسيين هما:



1)الكوميديا ذات النزعه الاجتماعية.

2)المسرحية السياسية.

و في مجال السياسة فقد كان صنوع شغوفاً بالسياسة لدرجةٍ كبيرة ، وقد رأى فساد القصر وأهله وأنظمته المنهارة ، فتصدى فى جرأة لانتقاد سياسة الخديوي إسماعيل الفاشلة فى مسرحياتٍ كثيرة منها: مسرحية: " الوطن والحرية "، ومسرحية " الجهادي" وهى مسرحية مجهولة ليعقوب صنوع . ومسرحية: " شيخ الحارة " أيضاً.

كما استخدم صنوع أسلوب جديد فى كتابته للمسرحيات السياسية وهو أسلوب: ( اللعبات الثياترية ). وقد كتب العديد منها. ومنها: " القرداتي " ، و "حكم قراقوش" ، و " الدخاخيني " ، و " سلطان الكـنوز "، و" الواد " ، و " زمـزم المسكينة ".

وبالنسبة للمسرحيات الاجتماعية ، فقد كتب صنوع الكثير من هذه المسرحيات منتقداً فيها بعض الظواهر الشاذة والعادات السيئة في المجتمع المصري.

تطـرق صنوع الى قضية تحرير المرأة ، واهتم بهذه المسألـة التي كانت تؤرق الكثيـرين من أفراد المجتمـع المصري، ولهذا قـام بكتابة مسرحيـة:"راستور وشيخ البلد والقواص " وهي عبارة عن أوبريت هزلي يعتمد أساسا على الأغنية والموسيقى . ونظرا لكون هذه المسرحية مفقودة . فإنا لا نستطيع أن نعرف قصة المسرحية وبالتالي رأي صنوع الشخصي في هذه القضية وأسلوب تناوله لها.

وكتب صنوع العديد من المسرحيات ذات النقد الاجتماعي فى قالبٍ فكاهيٍ كوميدي ، ينتقد فيه ما لا يراه مناسباً فى المجتمع المصري، ومن المسرحيات التى كتبها صنوع فى هذا الشأن مسرحية: " أبو ريدة وكعب الخير" وفيها يقدم نموذجا للحب الرومانسي فى صورةٍ ساخرة . كما أنه تطرق الى قضايا الحب والزواج فى مسرحيات أخـرى منـها مسرحية: " العليل " ومسرحية: " بورصة مصر " ومسرحية: " الأميرة الاسكندرانية " ومسرحية " الصداقة " ... وغيرها.



المراجع

- د . مصطفى منصور . " الدراما ونقد الحياة في مسرح يعقوب صنوع " . مجلة المسرح . العدد 64 مارس 1994. ص 32 .

- د . نادية رءوف فرج . المرجع السابق . ص 46 .

- د . عبد الرحمن ياغي . المرجع السابق . ص 132، و136.

.
.

حسن العلي
12-07-2008, 01:57 AM
.
.


الكاتب المسرحي قاسم مطرود أجدني مهموما بالقضايا الإنسانية ونصوصي مفتوحة تستفز المخرج والمتلقي:حوارـ حنان جناب


قاسم مطرود ناقد وكاتب مسرحي وشاعر عراقي ، يقيم في هولندا وله اهتمامات متعددة ، يرأس تحرير جريدة "مسرحيون" أول مجلة باللغة العربية على شبكة الإنترنت
تعنى بالفنون المسرحية والأخبار ونشر النصوص المسرحية ، حضر إلى مسقط ، وقد قامت فرقة "مزون" المسرحية بتجسيد أحد نصوصه المسرحية
كيف تقيم تجربة "مسرحيون" عبر الإنترنت ؟
مجلة مسرحيون جاءت لتلبي حاجة الكثير من المهتمين بالمسرح ونصوصه ، وفعالياته ، تأسست عام 2003 ، وهي باللغة العربية ، يدخلها من 50 - 60 ألف زائر في اليوم، ولكن الحق يقال إن هناك مواقع سبقتنا في مجال المواقع المسرحية ، إلا أنها لم تكن تعنى بالدراسات والنصوص المسرحية ، فمجلتنا تحتوي في موقعها على أكثر من 1000 نصا منشورا وباب آخر هو "مكتبة مسرحيون" وعشرات الكتب المنشورة على الشبكة ، ومنها الكتب التي لم تنل حظها من النشر ، ولأسباب عديدة منها الممانعة والرقيب أو صاحب الكتاب لا يملك المبالغ اللازمة لنشره ، إضافة إلى أطروحات عربية وجميعها متخصصة بالمسرح
- هل تشغل منصبا أكاديميا
* اجل أنا أيضا رئيس قسم الفنون في الجامعة "الحرة" في هولندا
وماذا عن كتاباتك المسرحية ؟
دراستي وتكويني كان في العراق وهولندا ، فقد درست فنون المسرح في معهد الفنون الجميلة ثم أكاديمية الفنون الجميلة ونلت شهادة البكالوريوس ، في نفس التخصص ، ومارست النقد المسرحي ، أما بخصوص كتابتي للمسرحيات فقد كتبت بعضها في العراق ولكني لم انشرها ، لأنه كان في داخلي رقيب يمنعني من نشر النصوص المسرحية, وهو رقيب حاد على ما أكتب ولذلك لم انشر أي نص منها ، حتى عام 1997 م .

* ما أبرز النصوص التي كتبتها في تلك الفترة .. وماذا تناولت فيها من مواضيع ؟

** كتبت أكثر من 20 نصا مسرحيا ، وقد تناولوا تجربتي طلبة الدراسات العليا لنيل الدكتوراه والماجستير، ومن أهم الدراسات التي تناولت تجربتي أيضا "الواقعية في المسرح العراقي قاسم مطرود نموذجا"و" المرأة في مسرح قاسم مطرود" وتم ترجمة نصوصي المسرحية إلى عدة لغات وأغلب نصوصي قدمت على المسارح منها مسارح عراقية وعربية وعالمية منها في بغداد وتونس ومسقط، على سبيل المثال نص مسرحية "الجرافات لا تعرف الحزن" قدم في أكثر دول العالم في العالم وقد نالت في كرواتيا جائزة أفضل عرض ونص.
أغلب موضوعات مسرحياتي تتناول الهم الإنساني ، فأنا أجد نفسي مهموما بالقضية الإنسانية ، وليس مهما عندي كيف تقدم سواء بإطار كوميدي أو تراجيدي ،
أكتب نصا مسرحيا قد تضحكين على مأساته أو تندهشين أو تصعقين, لكن كلها نابعة من واقعنا المتردي وخاصة العراقي لأني ابن العراق .
بعد احتلال العراق كتبت العديد من المسرحيات وقد عممت التجربة ، على سبيل المثال مسرحية "رثاء الفجر" التي قدمت خلال مهرجان المسرح العماني الثاني هي عن مأساة الأم العراقية التي تفقد أبناءها في الحرب وقدمت أيضا في مهرجان القاهرة الدولي التجريبي ، ولم أقف عند هذه النقطة فقط ، بل الذي يقرأ النص ويرى العرض ، يجد أنها يمكن أن تكون في أي بقعة من العالم , أكتب نصوصا مفتوحة تستفز المخرج والمتلقي في الوقت نفسه .

* كيف وجدت العرض الذي قدم لنص "رثاء الفجر" الذي قدمته فرقة مزون المسرحية ؟

** قبل مجيئي إلى السلطنة لم أتعرف إلى أحد من الأشخاص الذين اختاروا النص ،ولكنهم اتصلوا بي وأعربوا عن رغبتهم في تقديم النص، سألت عن الفرقة وكان الرد إنهم فرقة عندها باع طويل، في تقديم العروض ، وافقت فورا بعد الاتفاق على حقوق المؤلف المادية والمعنوية، وبدأت الرسائل بيني وبينهم، وكانوا يسألون عن بعض المشاهد أو تفسير الغامض منها، لكني اعتذرت عن الإجابة عن أي سؤال، وقلت لهم لا أجيب ولا أتدخل في رؤية المخرج ، ولكم الحق في أن تفسروه بالطريقة التي تتصورونها، وهذا حق من حقوقكم وأنا لا أتمنى التدخل في رؤى المخرج حتى لا أفسدها ، وقد تكون الرؤية رؤية مقحمة ، قلت لهم: نصي لديكم كيف تقرأونه وتفهمونه قدموه، لأنني قبل ذلك شاهدت النص في ألوان عديدة قدمت، ليس كما هو على المسرح العماني وأنا درست إخراج أكثر من 15 عاما ولهذا أقدر أهمية المخرج وقيمته ، وعندما أشاهد النص في أماكن أخرى سيكون مختلفا أيضا، هذا لأن النص يأتي حسب رؤية المخرج ، ونص مسرحية "الجرافات لا تعرف الحزن" قدم في عدة دول ، ولأكثر من 15 عرضا ، و كل مرة يقدم بشكل مختلف ، ومن المفارقات انه قدم عرضين في أحد مهرجانات الكويت ، وكل واحد منهما مختلف عن الثاني، فضلا عن تقديمه بعدة لغات .
* وماذا عن دورك في الجامعة الحرة في هولندا ؟

** الجامعة تفتح أبوابها لنيل الشهادات ، وتحديدا للعرب الموجودين في دول العالم, وهناك أناس تجاوزوا الأربعين ، وهؤلاء لا تسمح لهم أوروبا بنيل الشهادة كونهم كبار السن، فالجامعة تمنح من فاته القطار أن يكمل دراسته فيها، وبتخصصات كثيرة ،منها مسرحية وأشرف على التخصص المسرحي فيها ، وهناك إقبال كبير من الطلبة يمكن الدراسة عن بعد عن طريق الإنترنت لمن يريد دراسة الماجستير، نحن نعرض له الأساتذة الموجودين وهو يختار من يشرف على دراسته.

* هل تعرفت على الحركة المسرحية في الخليج العربي ؟

** عمان هي أول دولة خليجية أتعرف على تجاربها المسرحية ، وكنت قرأت عن المسرح الكويتي واعتقد أنه الريادي في الخليج ، وبشكل عام أجد أن هناك نهضة وسأغادر إلى الإمارات للوقوف على الحركة المسرحية هناك ،
وأول الأشياء أن يكون هناك من يؤمن بشيء اسمه مسرح، وان يصدقوه ،وان يؤمنوا بان هذا المسرح رافد مهم في إثراء الحضارة جماليا وفنيا وفكريا ، وهو لاعب رئيسي في بناء المجتمع الخليجي ، وقد لمست هذا الإيمان عند بعض المتحمسين ومن بعض الجهات المسئولة .
كل دول العالم تخشى المسرح، لان المسرح من طبيعته صادم ومتحد، ويستفز المشاهد
وصريح ، كون المشاهد يرى الممثل بشكل مباشر والكلمة تصل إلى ذهنه مباشرة ، وأنها صادرة من الممثل الفلاني ، وضمن المشهد الفلاني ، عكس ما يحدث في السينما أو التليفزيون وعبر جهاز التحكم عن بعد يمكن غلق الجهاز أو تحويله ، هذا كله غير موجود على خشبة المسرح ، والجالس يرى انفعالات الممثل ، حتى الجمهور الذي جاء إلى المسرح هيأ نفسه لمشاهدته ، عندها يكون الخطاب المسرحي وجدانيا، ويستفز عنده الكثير من العناصر لذلك المسرح في تصوري ليس سهلا.

* نسمع أن هناك أزمة كاتب مسرحي؟

** هذا صحيح وهذا ليس بسبب انه ليس هناك كتاب مسرح وإنما هناك القلة الذين يتقنون الكتابة للمسرح، لدينا مئات وآلاف النصوص وهي نصوص أدبية، وفرق كبير بين النص الأدبي والنص المسرحي، قد لا يرضى عن هذا الرأي الكثير من الكتاب في تصوري ، ويجب أن يكون الكاتب المسرحي من بيئة المسرح ، وأن يعرف معنى الإيقاع المسرحي ، ومن لا يعرف ذلك لا يستطيع أن يكتب نصا مسرحيا ، ومن لا يعرف الزمن في المسرح لا يمكن أن يكتب نصا ناجحا, هناك الكثير من الكتاب يكتبون نصوصهم بالإنشاء اللغوي, ويعتقدون أن اللغة أهم عنصر بالنص، وأنا أقول: إن الكلمة جزء مكمل ، إضافة إلى أجزاء أخرى منها الصورة والتعبير والإيماءة.
.
.

حسن العلي
12-07-2008, 02:01 AM
.
.

أنا مع حرية المسرح وليس هنالك تابوات أو شيء مقدس فيه
24/06/2008
حاوره: عبد الرزاق الربيعي
http://www.iraqoftomorrow.org/images/kasim_matrood.jpg
عندما غادر العراق عام 1998حمل الكاتب والمخرج قاسم مطرود مع ما حمله معه من أوراق وآلام وخيبات مشروعه المسرحي الذي بدأ ه بوقت مبكر وفي هولندا كان أول شيء عمله هو البحث عن مسرح يحتوي أحلامه الكبيرة ومشاريعه الكثيرة وخلال سنوات قليلة دون اسمه واحدا من المسرحين العراقيين الذين واصلوا مشاريعهم في المنفى لتأسيس مسرح عراقي في المنفى ولقاسم مطرود تواجده في الساحة المسرحية العربية حيث شارك في العديد من المهرجانات المسرحية.
وحصل على شهادات تقديرية منها مهرجان المسرح الجامعي الأول المقام في كلية الفنون الجميلة ومهرجان منتدى المسرح الحادي عشر كناقد للكثير من الأعمال المسرحية, وقد شارك أيضا في اغلب المهرجانات التي تقام عن المسرح العراقي بالكثير من المقالات النقدية. كما حصل على شهادة تقديرية لمشاركته في مهرجان المونودرما الثاني وكرم من قبل المركز العراقي للمسرح على جهوده المبذولة .
وإسهاماته في دفع الحركة المسرحية في العراق..وله باع في الكتابة المسرحية حيث ألف العديد من المسرحيات منها: مسرحية “طقوس وحشية”و مسرحية “للروح نوافذ أخرى” و “رثاء الفجر” و “نشرب إذا” و”الجرافات لا تعرف الحزن “ التي صدرت في كتاب مؤخرا وقد ترجمت العديد من أعماله إلى اللغة الهولندية.. كما تمكن وهو في هولندا من أن يصدر صحيفة إلكترونية باسم مسرحيون تعنى بالفنون المسرحية.. ويعتبر من مؤسسي رابطة نقاد المسرح والبرلمان الثقافي العراقي في هولندا.
صقل موهبته بالدراسة الأكاديمية فبعد تخرجه من معهد الفنون الجميلة قسم الفنون المسرحية دخل أكاديمية الفنون الجميلة وتخرج عام 1998 في قسم الإخراج المسرحي ولم يكتف بهذا ففي هولندا درس في أكاديمية هلفرسم وحصل على شهادة الدبلوم في مجال إعداد وتقديم وإخراج البرامج التلفزيونية وعمل في هيئات تحرير في عدد من المجلات التي تصدر في هولندا حدثنا عن مراحل التكوين المؤثرات الأولى , قائلا:البداية عشق وأحلام, منذ الصغر استفزني الخطاب أمام الآخرين, وكنت انظر بإعجاب إلى من يخرجون في ساحة المدرسة الابتدائية ويقدمون التحية للعلم ويلقون النشيد, كنت أشيد بهذه الشجاعة, وهكذا تعمقت نظرتي بعد معرفتي المبكرة بالعديد من طليعة مدينتي التي كنت اسكن " مدينة الثورة " ذات الأطياف المختلفة والمستويات المتفاوتة حيث عرفت وأنا لم أكمل الابتدائية بعد أناسا كان لهم الباع الطويل مع الكلمة والمعنى, والذي شدهم إلى ذلك الطفل هو قدرته على التحاور معهم بانطلاق دون خوف ومعرفة إلا انه يجادل, في وقت كانت التجمعات تبحث عن شخوص تضمها إليها.
وبعد حين ارتبطت بفرقة مسرح الرفض التي كان أعضاؤها هم من طليعة أبناء مدينة الثورة كالقاص حميد المختار والفنان عباس جاور ونصيف جاسم وآخرين, ثم كونا فرقة أخرى أسميناها " مسرح المدينة " التي جمعت الشباب الساعين إلى التحديث ككريم كاظم ومنصور حسن ومزهر جاسم وأسماء أخرى ويقينا سبق وتزامن مع هذه الفرقة والتي قبلها تنشيط المعرفة والاحتكاك بكل ما هو جديد, ومن حسن حظي بدأت انفتح على العالم وأستقرئ ما يدور حولي في فترة كان العراق يزخر بالصراعات الفكرية والدينية والحزبية, أي منتصف السبعينيات, ففي يوم تكون جلساتي مع لفيف يتحدث عن الدين الإسلامي بوصفه الحل الأنجع لهذه الخليقة بصحبة أشرطة المسجل وبصوت الوائلي أو غيره, وكانت هذه الجلسات بمثابة اجتماعات دينية سرية, وفي اليوم الآخر اجلس مع مجموعة من الحزب الشيوعي, وجل ما نناقشه هو مفهوم الماركسية التي لم افهم منها شيئا حينها وماذا يعني الحزب الشيوعي وكيف سينصف الفقراء مع تبادل الكتب التي كانت تصدر آنذاك عن دار التقدم والتي تغريك بالإطلاع عليها لروعة طباعتها وكانوا يعتقدون إن الحزب الشيوعي هو النموذج الأمثل لحل كل معضلات الكون.
وهكذا الأمر مع التيارات والأفكار الأخرى والمجالس الرياضية التي هي الأخرى تتصارع فيما بينها والرابح أنا,لأني كنت شخوفا واعتبر كل هذه الصراعات هي اكتشافات في سني المبكرة, حيث أخذت من جميع هذه الروافد ما كان ينمي شخصيتي ويطورها, وقد استفدت من هذه المتناقضات والصراعات باتخاذ القرار القريب من الصحة بعد أن تسلطت الأضواء على الخطابات والشعارات التي كان يموت من اجلها اعز الأصدقاء إلا أنها تبقى شعارات لا أكثر والخسارة الوحيدة هي تلك الأرواح التي أكلتها الأزمنة دون مبرر.
* الكتابة المسرحية هل هي منعطف في تجربتك أم أنها مكملة لعملك كمخرج ؟
حقا إنني درست الإخراج في معهد وأكاديمية الفنون الجميلة في بغداد, ومارست النقد المسرحي منذ عام 1983 منذ كنت طالبا في فرع الإخراج إلا أني عرفت أن في داخلي مؤلف ولم أعلن عن وجوده إلا في عام 1997 بعد أن كانت لي العديد من التجارب في كتابة النص المسرحي منذ عام 1979, ولكني خشيت على ذلك المؤلف مخافة أن يظهر مهلهلا, لذا أحببت أن أقدمه بصورة حسنة أو الصورة التي يستحق, طالما خلفه ناقد ومخرج, يمكنك القول إن الإخراج ساعدني كثيرا في التأليف وهذا ما أقوله دائما, كاتب النص المسرحي هو غير كاتب النص الأدبي وبين هذا وذاك فرق كبير, وقد لا يرضى على هذا الرأي الكثير من كتاب المسرح ولكنها الحقيقة, وأنا ابن المسرح أحدى ساقي إخراج والساق الأخرى نقد مسرحي, لذا خرج المؤلف دون خوف.
* ألا ترى إن المخرجين بانصرافهم إلى إخراج نصوصهم حرموا الكثير من النصوص التي كتبها أدباء من خارج الساحة المسرحية تركن على الرف مما فاقم من أزمة النص المسرحي ؟
أنا مع حرية المسرح وليس هنالك تابوات أو شيء مقدس فيه, وعلينا إتباعه بل ننتظر من يكسر تلك القوانين ونشد على يديه, وليس مشكلا إلغاء أي عنصر من العناصر الأساسية شريطة أن يكون العرض ناجحا.وإذا أراد المخرج أن يقدم عرضا مسرحيا دون الاعتماد على نص المؤلف, فله كل الحق وبهذا يعلن هو الآخر عن مؤلف ومخرج في الوقت نفسه وبهذا نكون قد كسبنا مؤلفا جديدا يضاف إلى المسرح.وإذا كانت هناك نصوص كما ورد في سؤالك كتبها أدباء من خارج الساحة المسرحية ومصيرها الرفوف, فليس العيب هنا بالمخرج بل بالنص الأدبي الذي اختار الرف مكانه الأخير.النص المسرحي, يجب أن يستفز القارئ المخرج الممثل العاملين في صنع العرض وفي نهاية الأمر ذلك المتلقي الذي يحدق بعينه المركبة وان لم يحتوي النص على تلك الخاصية فليحجز مكانه بين الرفوف كمادة أرشيفية. وليس كل ما يكتب للمسرح نصا مسرحيا, هناك الكثير من الإنشاء غير جدير بالقراء وبالتالي غير جدير بالإنتاج المسرحي والإنشاء هنا ليس في سرد المفردات فحسب بل هو السياحة في عوالم ودهاليز لا يتمتع بها إلا كاتبها.في الفترة التي كتب فيها هنريك إبسن جل أعماله والتي كانت تقدم على خشبات المسارح وهكذا كانت أعمال سترند برغ التي قدمت أكثر من مرة في العام الواحد, كانت هنالك نصوص تسمى نصوص فكرية كمسرحيات جورج برناردشو وتلستوي لأنها احتوت على الكثير من الأفكار والقليل من الفن أو لنقل الحرفة المسرحية متناسين إن المسرح هو فرجة أولا ولعبة ومتعة وشكل وإبهار ومن خلال هذا وذاك قل قولتك.خلاصة القول إن النص الجيد يصرخ معلنا عن وجوده حتى ولو كان في خزانة تحت الأرض.
* هل تقر بوجود هذه ألازمة ؟

اجل هناك أزمة نص مسرحي ولكن إجابتي مرتبطة بالسؤال السابق, نحن لدينا الكثير من النصوص التي كتبت للمسرح ولكنها ليست نصوص مسرحية, يجب أن تكون أدوات كاتب النص المسرحي خالصة وعميقة ولا يملكها غيره ناهيك عن قدرته على الفهم التام لنوع الكتابة وتمكنه من صياغات اللغة التي يكتب بها وهذا كله واحد من مئة مما يجب توفره في الكاتب المسرحي, كنت اعتقد إن مهمة المؤلف الموسيقى اشق وأصعب من الكاتب المسرحي والحقيقة غير ذلك إذ إن مهمة الكاتب المسرحي أعسر بكثير لما لها من شروط وامكانات عليها أن تكون ضمن سياق شخصية المؤلف وليس عناصرا يستخدمها عند الكتابة ويتنازل عنها في حياتيه اليومية.إن ما يجب توفره في الكاتب المسرحي قد لا أستطيع معرفته أو الحديث عنه إلا انه شيء يشبه السحر.
* نصوصك مركبة تحتوي على مشاهد بصرية فكأنك تخرج على الورق, كيف تفسر هذا ؟
سأقسم سؤالك إلى قسمين وأجيبك على القسم الأول حيث وجود المشاهد البصرية واحتواء نصوصي على بنية مركبة, فإن كانت نصوصي بهذا الشكل فان هذا من دواعي سروري واعمل جاهدا على تحويل الكلمة في النص إلى صورة والصورة هنا ليس في معناها المجرد, بل ذلك الهيكل الذي يستفز البصيرة ويدعو المتلقي إلى جدل يفضي إلى شيء أو لا شيء, وان كانت مركبة كما أسلفت, فهذه لعبتي وأنا سعيد بها لان النص مثل المرأة إن لم تكن لها أسرار فإنها تفقد نصف جمالها.
أما الشطر الآخر الذي يتعلق بإخراجي لنصوصي على الورق فهو يحمل أمرين الأول يسعدني كوني ارسم الشخصيات واجعلها تتحرك على الورق مما يدفع المخرج والقارئ إلى مشاهدتها واعتبارها كائنات حية تخاطبه حيث يكون, والأمر الثاني هو تدخل وتحفيز قدرة المخرج على التفكير وتفجير مخيلته, وأتمنى أن لا تكون نصوصي قيدا على مخيلة وإبداع المخرج بل أحاول أن أبث الكثير من المفاتيح التي تمكنه من فك رموزها بعد أن يصل إلى الدهليز الذي يؤدي إلى ذلك الكائن المشترك بيني وبينه وبالتالي نوصله إلى المتلقي عبر الممثل والعناصر الأخرى.
* أنت دكتاتوري عندما تكتب أي تحد من حرية مخرجي نصوصك بكثرة الملاحظات والمشكلة أن النصوص تنهار بنائيا لو تجاهل المخرجون هذه الملاحظات, هل تكتب النصوص برؤية مخرج ؟
أنا لست دكتاتورا وإنما اكتب ما اشعر به ضروري في هذه اللحظة وهذا المكان, إن الملاحظات التي أدرجها هي من لحمة النص وهي تساعد وتدل المخرج وصانعي العرض من سينوغرافيا وانتهاء بالمنفذين وإذا كان حذفها يسقط النص بنائيا فهذا حسن أيضا لان النص ليس حورا فحسب وسؤال وجواب انه حياة, تخيل انه مطلوب منك كتابك مجريات يوم لشخصيتين أو ثلاثة, كم سيتطلب منك الإيضاح لسيرهم وتدوين أقوالهم فكيف للنص المسرحي الذي يكون في الغالب مشحون ومكثف في إيصال ما يجب إيصاله, إن الملاحظات وأنا اسميها " سيناريو العرض " هي روح النص والدفق الذي يعضد عند المخرج أو القاري وبالتالي يجسد على الخشبة مشهدا يصل إلى المتلقي مبنيا بناء فنيا ففي نص " للروح نوافذ أخرى " اخذ المخرج جملة " ديدان تزحف على الأرض " وحولها إلى مشهد أخاذ حيث وصلت الديدان إلى القاعة وبالتالي اقتحمت الجمهور, الملاحظات يستفيد منها من له القدرة على تفعيلها وتحويل الكلمة إلى صورة فنية معبرة لها روح ونفس.ولأنني ابن العرض المسرحي حيث عملت مخرجا وممثلا وناقدا ومؤلفا مسرحيا لذا اعرف شيئا عن دقات ذلك القلب, متى ينبض ومتى يستريح وأنني لم اكتب نصا مسرحيا واحدا ولم يقدم على خشبة المسرح بل هناك بعض النصوص قدمت أكثر من عشر مرات وفي العديد من البلدان العربية وفي هولندا.على النص أن يكون مستفزا ومحركا للساكن والمستقر.
* كيف ترى واقع المسرح العربي ؟
المسرح العربي لا ينفصل عن مجريات الواقع العربي المتخم بالأحداث والانقلابات الفكرية والسياسية المؤدلجة منها وصاحبة الشعارات الفارغة التي تملا الأسماع.
إذا تحدثنا عن مسرحنا العربي سيضطرنا الحديث عن الأمان والإنتاج وفلسفة الدولة وفهمها للفن كرافد أساسي في حياة المجتمع.
يوم يكون لنا واقعا مستقرا ولا اعني بالاستقرار الرفاهية وان كانت مهمة للغاية للتفكير بما هو إبداعي وخلاق, الاستقرار هنا في تركيبة الشخصية العربية وعلى اقل تقدير تكون ملامحها شبه واضحة وتعرف على اقل تقدير مكانها من لعبة العصر الذي تتغير فيه الأمكنة كل ساعة, نتيجة لسرعة الحدث المرتبطة بعجلة التطور أو التنامي أو التغير.إن مسرحنا يصارع خارج الحلبة, وهو مدرك وواعي لدوره التاريخي وقد يلعبه في بلد ما أفضل بكثير من البلد الآخر بل قد لا يكون في بعض البلدان العربية اسما للحلبة أو خارجا عنها, ما زالت هناك بعض البلدان تعتبر المسرح بدعة أو عيب أو حرام, وهناك بلدان لها تقاليد مسرحية وأعراف راسخة في الحياة اليومية والنشاط الثقافي الحضاري كمصر وتونس والعراق وسوريا ولبنان والمغرب وفلسطين التي ترزح تحت العذاب, في هذه البلدان يمكننا الحديث عن وجود مسرح مع التباين الكبير في الطروحات والتوجهات في الفهم الحق لذلك النشاط المسرحي الإنساني.
* ما فهمك للتجريبية في المسرح؟ والمختبر المسرحي ؟
التجريب في المسرح هو ذلك النبض الذي يديم سر بقاءه, وهو الوقود المحرك لعربته والذي يجعلها تواكب التطور بعد اقتحام السينما للمسرح, والآن الهجمة الأوسع عالم الملتيميديا ولا ينقذه شيئا سوى التجريب المستمر.والتجريب لم يغب عن المسرح أبدا منذ النشوء عند ثسبس الاكاري وآريون الكورنثي حتى كتابة نص الضارعات عام 490 ق م على يد المجرب الكبير اسخيلوس ومن ثم تلاه المجرب الأكبر الذي لم يأت العصر بمثله هو سوفوكليس ويوربيدس وتطول القائمة إذا توقفنا عند مرحة النشوء فقط.في كل عصر وزمان يكون التجريب حاضرا ومؤثرا, وإلا لتوقف المسرح ورمي مع الكثير من الفنون التي أصبحت تراثا, فقد جاء شكسبير وجرب هو الآخر في المنطقة التي حدّث فيها وهكذا فعل مولير وصولا إلى المسرح الحديث وهذا ليس مكانا لذكر الأسماء واهم الالتماعات التجريبية في منجزاتهم, لأنه يحتاج مني بحثا مطولا ولكني أقول: إن التجريب هو تحريك الساكن واستفزاز المستقر والتحرش بالمقدس وهذا هو دأب المسرح وما يجب أن يكون عليه كي يحافظ على ديمومته.
أما موضوع المختبر المسرحي فهو نادر ولا يحدث دائما ونسمع عن مختبر هنا أو هناك بغية استحداث أو تطوير أداة الممثل أو تحسين آليته أو البحث والتقصي في معالجة إشكالية فلسفية عبر مجموعة العمل لإنجاز مشروع عرض مسرحي شبه متكامل عبر عملية التنامي والاكتشاف المختبرية.
* ماذا عن المنفى؟ وهل ترى أن المسرحيين العراقيين نجحوا في تأسيس مسرح عراقي في المنفى
إذا كان المسرح العراقي والعربي غير واضح المعالم وهو ينمو في تربته, فكيف هي حال مسرح المنفى الذي يكافح على أكثر من جبهة, في حقيقة الأمر ليس هنالك ما يسمى بمسرح المنفى بل يمكننا الوقوف عند بعض الأسماء وبعض من تجاربها, وتبقى هذه التجارب فردية مرهونة بقدرة ذلك المبدع على العطاء والصبر والتواصل والخلق وتجاوز الصعاب.إن المسرح في المنفى قائم على المهارات الفردية الغير مدعومة من المؤسسات ويمكننا تلمس الكثير من المشاريع الإبداعية التي لا تعتمد على جهود الآخرين واعني الكتابة للمسرح نقدا وتأليفا.
فقد استطاع المنفيّ استغلال الحرية التي لم يألفها من قبل وغياب الرقيب بشكل كامل إلا من الضمير لإنتاج نصا إبداعيا مفتوح الأفق في عالم النقد المسرحي والتأليف الذي نعاني من النقص في هذا الجانب, وهذا غاية في الأهمية, وإذا تم العزم على تقديم ذلك النص الذي بني على أحلام واطر لم تتوفر لنا يوم كنا في أوطاننا نواجه صعوبات أخرى ومن نوع آخر, من حيث الإنتاج والموافقات ونوع اللغة التي سيقدم بها وأين ومتى. بمعنى آخر إن مسرح المنفى ليس كما نتمناه.
* أنت تشرف على أهم موقع مسرحي عربي على شبكة الانترنيتwww.masraheon.com كيف بدأت هذه التجربة؟ وما أفاقها ؟ وماذا أضافت لك؟
كان حلما صغيرا وبدا يكبر, مما اضطرني مضاعفة جهودي لتجسيد ذلك الحلم وتحويله إلى واقع ثقافي مسرحي يعلن عن وجوده.البداية من العراق وبالتحديد قبل أكثر من عشرين عاما, إذ شغلني موضوع النص المسرحي والحديث عن أزمة النص وغيابه في ثقافتنا المسرحية, وكنت اعرف إن في حوزة مبدعينا الكثير من الإبداعات المسرحية إلا أن ثقافة النشر الو رقية كانت تحد من إيصال هذا المنجز لتعسف الرقابة وللمحسوبية والعلاقات التي فرضت نفسها على الواقع الثقافي ولأمور إنتاجية أيضا مما حال من ظهور ما ينجزه المبدع والاكتفاء بإبقائه مركونا في المجرات الخاصة.وبعد وصولي إلى أوربا وبالتحديد إلى هولندا ودخولي عالم الانترنيت الذي أحببت, شرعت بإنشاء موقع " مسرحيون" الذي فتح مساحته الواسعة أمام إبداع جميع المسرحيين لقول قولتهم دون رقابة إلا من جودة النص أو المقال فنيا، وله الحق في الكتابة عن أي شيء وبالطريقة التي يجدها هي الأمثل.وبعد فترة وجيزة تحول الموقع المجلة إلى مؤسسة مسرحية تحتل مكانتها بعد أن عمقت الصلة عبر " أسرة مسرحيون "الذين عملوا من جميع بلدان العالم, وكما جاء في سؤالك " هو أهم موقع مسرحي عربي " وأنا أقول: هو من المواقع المهمة واترك للمعنيين في هذا الشأن الرأي الأخير بمؤسسة مسرحيون ودورها في الحياة المسرحية.
أما أفاق المجلة التي تسعى منذ التأسيس وما زالت إلى إيجاد مؤسسات غير حكومية داعمه لها لكي تصدر سلسلة من الكتب المسرحية وبامكاننا رفد المكتبة المسرحية بالعديد من النصوص المسرحية وبإصدار سلسلة شبيهة بسلسلة المسرح العالمي التي صدرت من مصر والكويت وسيكون ينبوع النصوص العربية جاريا دون توقف, كما لدى " مسرحيون " مكتبة تضم العديد من الكتب والدراسات التي لم تر النور من قبل والتي كانت نائمة في مجرات مبدعيها وكانت إطلالتها الأولى من بوابة مسرحيون.
أما إضافة الموقع لي شخصيا, فانا انفق على هذا المشروع من جيبي الخاص ومن وقتي الذي استقطعه من أسرتي ومن مشروعي المسرحي الذاتي لكي أحافظ على رونقه وفرادته.ولا أنكر انه جعلني بالحدث المسرحي, بعد أن كنت ابحث عن الجديد في هذا المضمار, والآن يأتيني وبشكل يومي عبر بريدي الخاص لاطلع عليه أولا واضعه في الموقع ثانيا تعميما للفائدة, ولهذا فمعرفتي بالمشهد المسرحي العربي وما ينجز في المنفى معرفة مستمرة ومتفاعلة مع تعميق الصلة بالمبدعين والاقتراب منهم أكثر من قبل وهذا مكسب كبير لنا جميعا .
.
.

حسن العلي
12-07-2008, 02:10 AM
.
.

لقاء مع الكاتب والناقد المسرحي / قاسم مطرود ،، حاوره في دمشق سـمير عــدنــان المطـــرود :

خلال أيام مهرجان دمشق الثالث عشر للفنون المسرحية الذي امتدت أيامه من الأول وحتى العاشر من شهر تشرين الثاني عام 2006..كان هذا اللقاء مع الكاتب المسرحي والناقد العراقي الأستاذ قاسم مطرود حيث حاولنا أن نجول معه على أهم المفاصل في حياته الإبداعية

س : ما هي ملامح التجريب في المسرح العراقي الحديث..؟
قاسم مطرود:التجريب في وطننا العربي هو حديث العهد..لكن إذا تحدثنا عن التجريب بالمعنى العام،فهو منذ بداية الخليقة، فالإنسان يوم اكتشف النار كان مجرباً..ويوم حدد بعض الملامح الطبيعية كآلهة الشمس مثلا،كان مجربا ً وباحثا ً عن البقاء.
أما عن التجريب بالمسرح فقد بدأ منذ القدم..ألم يكن ثيسبس أو أسخيلوس مجربين بالمسرح ..؟! لذلك أقول إن الملامح المستحدثة في أي مجال،هي تجريب..وهذا الكلام ينطبق على الكثير من المسارح العربية ومنها المسرح العراقي..فهو من أكثر المسارح تجريباً،وهذا ليس انحيازا،وإنما بسبب البنية الاجتماعية للعراق،ونتيجة للصراعات السياسية والحروب التي دخلها في المرحلة الأخيرة،التي جعلته ينحو باتجاه التجريب..فقد ابتعد المسرح العراقي قليلا ًعن الواقعية باعتبارها طرحا ً شبه مباشر للمسرح، وحاول أن يجرب في مناطق أخرى قد تكون أكثر عتمة.. إلا أنه كان دائما ً يريد أن يقول شيئا ً..! إذن كان التجريب في المسرح العراقي دائم الحضور،في جميع الفترات التي مر بها..وهذا الأمر ليس لعنة،إنه خلق وإبداع..ويوم ينطلق التجريب، فهذا يعني أننا بدأنا..!علينا أن نجرب في كل يوم.. وهذه هي الحياة ..!

س:كيف تنظر إلى إشكالية الخطاب الثقافي في العراق، من خلال المسرح وموقعه بين سلطة الفكر وفكر السلطة..؟
قاسم مطرود:المسرح العراقي بعد سقوط النظام يختلف لأنه لم تكن لدينا ملامح مسرح حقيقي..فالمسرح بالنتيجة هو طقس يبحث عن بيئة ليجسد الفعل..وأولى هذه الطقوس أن يكون العرض ليلاً..ويندمج المتلقي مع المنصة أو لا يندمج مع ما يقدم عليها بعد انطفاء الضوء..فكيف لنا ونحن نقدم العروض المسرحية ظهرا ً بسبب الظروف الأمنية،وعدم التجول، وهذا الأمر يجعلنا نقول إننا فقدنا أهم عناصر العملية المسرحية ألا وهي بيئة الطقس المسرحي..أما إذا تحدثنا عن المسرح قبل السقوط وعن إشكالية الخطاب الثقافي، فإننا كنا نعيش صراعا ً دائما بين فكر السلطة وسلطة الفكر الإبداعي.. وقد قدمت الثقافة العراقية بشكل عام،شهداء، كما قدمت الحروب..!

س:إلى أي حد بعد هذه الظروف، وما يحدث الآن في العراق يمكن أن يكون مسرح ؟
قاسم مطرود:أنا من أكثر المتفائلين”إن كان يحق لي ذلك”بأن المسرح العراقي بعد السقوط ستكون له ملامح واضحة ليس في العراق فحسب، وإنما في المنطقة كلها..وهذا ليس من باب التمني،وإنما إذا وقفنا على رقي المسرح،وظهور جل المدارس المسرحية التي تظهر دائما ً بعد الحروب والكوارث الكبرى،كما حدث بعد الحرب العالمية الثانية،حين ظهر مسرح اللامعقول وبروز الكثير من الرؤى الجمالية التي يتلقاها الإنسان حين يعرف أن النابلم والرصاص هو أكثر وأسرع وحشية من الكلمة..عندها تكون الاستفاقة والتساؤل عن ماهية المقدس..ومن هو المخلص..؟ وتكون الأسئلة هنا عن جدوى هذه التابوهات التي كبل الإنسان نفسه بها..ويوم يتخلص منها تكون الرؤى منفتحة على العالم..ويكون أكثر إنسانية من قبل ..! وأنا لا أعتقد أن المسرح العراقي سيكون له ملمح ثابت،حيث ستتشظى الرؤى وتتعدد المدارس ولان الثبات يعني الموت لهذا ستتعدد أساليبه ..!

س : على أية حوامل يستند المسرح السياسي في العراق،ومتى كانت البداية لهذا النوع من المسرح..؟
قاسم مطرود : يوم ولد المسرح،كان سياسيا ً شاء أم أبى..أوديب ملكا كانت مسرحية سياسية ..! الضفادع لأريستوفان كانت سياسية..هاملت،ماكبث.. وغيرها الكثير،كلها كانت مسرحيات سياسية ..!
كل هذه المسرحيات تقدم من خلال الكثيرين من أهل المسرح على أنها رؤية جمالية فكرية، ومعطى حضاري في إنماء الذائقة الفكرية للأجيال.. وأنا من هذه الشريحة التي تؤمن بأن السياسة للسياسيين ..والقتال والدفاع للعسكر..والخطاب الجمالي يترك للمسرح..! فالمخرج لا يحسن استخدام الكلاشينكوف،كما أن الجندي لا يحسن استخدام الفرشاة ..!

س: ما هي وظيفة المسرح العراقي الآن،والعراق يعيش تحت الاحتلال.؟
قاسم مطرود: يجب أن تكون وظيفته بكل بساطة هي الصراخ في وجه المحتل،وقول الكلمة التي يجب أن تقال للحاضر والتأريخ،من أن شعب العراق عبر تاريخه لم يقبل المحتل،حتى وإن كان هناك من البعض تسوغ لبقائه..هذه هي الوظيفة التي يجب أن تكون للمسرح الآن..!

س : ما هو الدور المفترض لمهرجان المسرح التجريبي،وهل يؤدي دوره فعلا ً ..؟
قاسم مطرود: أنا لا أعرف دولة تقيم مهرجانا ً مسرحيا ً تجريبيا ً عربيا ً سوى مصر، حيث تقيم مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي.. وما شاهدته في هذا المهرجان،كان له فائدة عظيمة للمشاركين من فنانين مخرجين وممثلين وكتــّاب،وحتى المتلقين..!
هناك بعض العروض التي شاركت في هذا المهرجان كانت تجريبية بالفعل،مثل العرض الفرنسي والعرض الهولندي..!فالعرض الفرنسي جرّب على كل مفردات العرض..وكان مبهرا ً، فقد لعب على اللغة،ولعب على السينوغرافيا،وغاير في كل شيء..!أما العرض الهولندي الذي شارك في المهرجان فقد كان”مونودراما ” لممثلة واحدة،لعبت على الفضاء المسرحي بطريقة غير مسبوقة،وكانت مبهرة أيضا ً حين قامت بصنع ثلاث جدران،واستعملت اللاصق القماشي،وصنعت ثيابها بشكل تلتصق فيه على الجدران..مما مكـّـنها من الجلوس في الفراغ.وهي تقوم بكل الأفعال الحياتية..هذا بالإضافة لاستخدامها هذه الجدران”كملتيميديا”
لعرض وجوه من العالم،حمـّـلتها رسالة قالت فيها إن العلاقات بين البشر يجب أن تعمق بالحوار الإنساني الراقي..وأن الإنسان إنسان أينما حل.. وهذه من أهم الرسائل التي تلقيتها..وهذا لا يعني أن هذا المهرجان خلا من العروض غير التجريبية..!

س : ما هي مواصفات النص المسرحي التجريبي ،وكيف يولد هذا النص.؟
قاسم مطرود:كأنك تسأل عن السحر..الكثيرون يقولون إن هناك أزمة نص،لكنك إن اطلعت على المكتبة العربية لوجدت آلاف النصوص المسرحية..وأنا أؤكد أنه رغم هذا العدد الكبير،إلا أننا لا زلنا في أزمة النص..! لأنه إن كان تجريبيا أو مسرحيا ً فعليه أن يحمل السحر،الغموض،كالمرأة التي تحل بجانبك فتدهشك..!النص كذلك،يجب أن يدهشك أولا ً،والإدهاش فكري بصري ..إدهاش في اللغة،إدهاش في الصور..وما بعد الإدهاش تأتي الصدمة..لذلك أقول حين تتحقق معادلة الإدهاش والصدمة نكون في منطق التجريب..!
لا يمكن أن يولد النص المسرحي من مؤلف لا يملك النزعة أو النزوح نحو التجريب..إن لم يكن متحررا ً من التابوهات التي ذكرناها،لن يكون فكره أخاذا وغير متوقف عند حدود يسمح لنفسه أولا ً أن يجرب على الكثير مما يحيط به..وعندها يولد التجريب..!
ونذكر هنا آداموف..جان جينيه.بيكيت.يونيسكو..لأن التجريب في العصر الحديث أخذ بعدا ً فلسفيا ً جديدا ً..وفي التفسير البسيط..ما يستحدثه الإنسان هو تجريب، لأنه تحول إلى فلسفة وفكر..وبات علينا أن نتحدث عن المجربين الذين اشتغلوا بعلمية في هذا الإطار ..!

س:ماذا عن الشعرية في النص المسرحي عند قاسم مطرود ..؟ وهل ترى-كما يعتقد البعض-أنها سمة تضعف النص لأنها تضعف الخط الدرامي،وخط الفعل المتصل أثناء بناء الشخصية.. ماذا تقول في ذلك..؟
قاسم مطرود:بدأت شاعرا، وكان اهتمامي ينصب على الصورة الشعرية..لكن حين كتبت للمسرح،نحيـّت الشعر كقصيدة..إلا أنني لم أتخلص من صياغة الجملة المموسقة في النص المسرحي،لأن خلفيتي شعرية بالأساس..وهذا لا يعني أن النص المسرحي الذي أكتبه هو نص شعري.. لأنني لست من المؤمنين أو المحبذين أن يكون النص شعريا ً ..وأن يكون الحوار ذي جمل رنانة ومهيبة وما شابه ذلك..والمفردة بالمسرح صورة ويجب أن تحيل المتلقي إلى عوالم متعددة..وأتمنى أن تكون غير محددة.. لهذا ، جل مسرحياتي فيها الجملة القصيرة أو في الغالب-حوار المفردة الواحدة-لأنني أكثف النص مستفيدا ً من الاختزال المستعمل في السينما ..ولكرهي للإنشاء في اللغة والصورة. فأنا ضد السرد..في السينما مثلا ً حين تشاهد فيلم ” صوت الموسيقى ” أو “ذهب مع الريح” يمر في عصور وأزمنة خلال ساعة.. تشعر أنك في هذه الساعة قد دخلت ضمن منظومة عقد تآمري على الزمن، تجعلك تقتنع أنك خلال هذه الساعة ستشاهد كل العمليات الإنسانية والطرائق..ببساطة شديدة لأن الفعل هو الذي يجسد عبر الاختزال..!مثلا ً صلاح عبد الصبور كتب الحلاج..ومن ثم كتب مسافر ليل ..وعندها قال”لو أنني اطلعت على استحداثات المسرح الحديث،لما كتبت الحلاج بالطريقة التي كتبت”لأنه كان يهتم أولا ً بالشعر،وبصياغة الجملة،وأراد أن يقارب بين شعرية الحلاج وشعريته هو ..وتناسى قليلا ً “عن غير قصد” أن المسرح لا يعتمد على اللغة فقط ،لأنها ليست العنصر الوحيد..هي عنصر من العناصر.. هامة في بعض العروض..وغير هامة في غيرها..! لكنه عندما كتب”مسافر ليل”وظف الشعر في خدمة المسرح..ولو اطلعنا على نصوص شوقي”مجنون ليلى -كليوباترا “لوجدناه استخدم المسرح غطاءا لكتابة قصائده..عكس ما كتبه ممدوح عدوان مستخدما ً الشعر،أي النص أولا ً ثم الشعر..وهذا ينطبق على الكثيرين من كتاب النص المسرحي الذين هم شعراء أو كانوا شعراء..!

س :قال سعد الله ونوس مرة ً..إذا كان الشاعر هو مرآة مجتمع، فالكاتب المسرحي هو شاعر ×4 ما رأيك بهذا القول..؟
قاسم مطرود :هذا الكلام صحيح.فكما أن للشعر وظيفته،فللمسرح وظيفة أكبر..ومنذ البدء كان الشعر جزءا من المسرح،لأن الشعر لغة ومفردات.والمسرح يقوم بجمع هذه العناصر مع عناصر أخرى..ولهذا يتحتم على المسرحي أن كان مؤلفا ً أم مخرجا ً أو ممثلا ..أن يكون ذا بصيرة ثاقبة لعصره..متفحصا ً كل ما يدور حوله من تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية..فهو جزء لا يتجزأ من المتغيرات..وقد أشرت سابقا ً إلى أن المسرحي إذا لم يكن مدركا ً لعصره لـن يصـل مراتب الإبداع.
بقي أن أعرج على قول ونوس بأن الشاعر أو المبدع هو مرآة،فانا أجده غير ذلك هو أكثر من كونه مرآة،هو الذي يعيد صياغة الواقع بأطر جمالية وفكرية جديدة مقترحة على عصره أو لعصور قادمة..!

س:قيل فيما مضى إن المسرح شكل إرهاصا ًً للثورة الفرنسية،من خلال ما قدمه هوغو “هرناني” أو بومارشيه”زواج الفيجارو”كيف ترى المسرح الآن..؟ وهل قضية التثوير بالمسرح كأحد وظائفه ما زالت إلى الآن..؟أم أصبحت الوظيفة هي التركيز على الجمالية ؟
قاسم مطرود:ما ذكرته في سؤالك ينتمي إلى القرنين السابع عشر والثامن عشر،أما القرنين الأخيرين الذين نعيش في تداعياتهما.فلهما خصوصيتهــما،واختلافهما عما سبق.فالدلالات اختلفــت،ومــفاهيمــنا للـثـورات والأشياء أخذت أطرا ً أخرى..باتت الثورة والتثوير أمرا يحتاج الوقوف عنده كثيرا.
نحن الآن لسنا في أربعينيات أو خمسينيات أو ستينيات القرن العشرين..حيث وصفت تلك القرون كلها بما امتازت به تلك الفترة،من انقلابات وثورات..لقد ولــّى ذلك الزمن..وذهب معه الإيمان بالشعوب باعتبارها المحرك أو المفعـّـل الأساس للثورات..نحن الآن في زمن تقوده القرارات السياسية واللوبيات التي تحكم العالم.فأين المسرح من هذه الضغوطات التي تتحكم بالدول والحكومات والجيوش..! وكيف تستطيع الكلمة والعرض المسرحي أن يصنع ثورة..!
قد يوقظ متفرج،أو يدل على شائبة..لكنه لا يستطيع أن يغير..! نحن مثلا في العرا،بلدنا الآن محتل من الأمريكان..!تسألن،هل يستطيع المسرح أن يخرج هذا المحتل من بلدي…؟ أقول لا..!
قد يستطيع المسرح أن يقول ما يقوله الإعلام،ولكن بطريقة أخرى يحتفظ بها التاريخ،فمثلما نحن حفظنا عصر” بيركليس ” خمسمائة عام قبل الميلاد،عبر المنجز الإبداعي وانتقادات المسرح إليه..!سيقول المسرح كلمته للتاريخ..ومفادها..نحن بلد محتل ونرفض الخنوع والعيش تحت قبضة الجرافات وقد تكون عروضنا دافعا وحافزا لتحريك الثورة..!

س:في زمن كثر به التنظير المسرحي نقدا ً وإخراجا ً وتمثيلاً،وقلـّتْ الإبداعات العملية”ونتحدث هنا عن المسرح العربي تحديدا “والعولمة الآن تؤسس لنظام عالمي جديد يفعل فعله في كل شيء،حتى المسرح..! كيف ترى صورة المسرح العربي الممكنة غدا ً..؟
قاسم مطرود:فهمي لموضوع العولمة أنها ليست عدوانية،بما يتصوره البعض..العولمة تقتحمنا وتجرنا شئنا أم أبينا..والأمر ليس له علاقة بماهيتها،أو ما يدور بعجلتها..! فقد كنا نعاني من ثورة التكنولوجية،لكنها اقتحمت بيوتنا بإرادتنا أم رغما عنا..!ثم جاءت ثورة المعلومات..ومن منا لم يخضع لهذه الثورة..؟ من منا لم يتعامل مع الجهاز الحالي..التلفزيون أو الكومبيوتر..؟المشكلة ليست بالمقتحـِم بل بالمقتحـَم..! أذكر هنا قول جميل لغاندي”لا أتمنى لبيتي أن تحده الجدران من كل حدب وصوب،وأتمنى أن تدخل الريح من جميع النوافذ،شريطة ألا تقتلعني من جذوري”هذه هي العولمة،دعها تدخل،خذ ما ينفعك ودع الباقي ..!
من هنا أقول لست متفقا مع الترويج من أننا ليس لدينا مسرح..هذا مفهوم انهزامي،وهو ما يمكن أن يشتغل عليه أعداؤنا..في حقيقة الأمر نحن أغنياء بكل شيء..لدينا مسرح عربي..ولدينا كتاب ومخرجين لهم رؤاهم الحداثوية المتقدمة والمعاصرة..إلا أننا جميعا ً كمسرحيين نتعرض للقمع الفكري عبر هذه التصريحات،لذلك ما أود قوله علينا ألا نعرف الانهزام..ولو توقفت عند أي مبدع عربي وقارنته بأي مبدع آخر نال الحظوة عبر الإعلام،ستجد أن مبدعنا العربي قد يكون الأفضل إذا ما توافرت له تلك الشروط .
المشكلة هي أننا لا نعرف كيف نقدم أنفسنا مع المؤسسات أو بمعزل عنها،فانك لو بحثت خلف كل مبدع عالمي له بصماته في الخارطة الإبداعية ستجد هناك من قدمه أو سوقه وهذه مشكلتنا ..!

استودعكم الله
.
.

محمد الحلال
12-07-2008, 02:16 AM
شكرا لجهودك الجبارة أخي حسن

نتابعك بما يجود الوقت لنا

فأرجو أن لا تتوقف

دمت بحب

حسن العلي
14-07-2008, 04:05 AM
السيرة الذاتية للمخرج << فؤاد الشطي >>

الإسم : فؤاد سالم محمد الشطي
مواليد الكويت
المؤهلات العلمية :
حاصل على دبلوم معهد الدراسات المسرحية بالكويت عام 1969.
خريج جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة عام 1974 تخصص إعلام .
دورة متقدمة في الإخراج التلفزيوني – براغ .

البدايات :
عمل مخرجا في تلفزيون الكويت ، ثم مستشاراً لوكيل الوزارة حتى تقاعده عام 2002 .
التحق بفرقة المسرح العربي عام 1963 .

المناصب الفنية والإدارية :
عضو مجلس إدارة الفرقة الوطنية وأحد مؤسسيها ومستشار الفرقة للشئون الفنية
عضو فخري بفرقة مسرح الخليج العربي .
عضو فخري بفرقة مسرح الشارقة الوطني .
تولى الكثير من المهام الفنية والإدارية في فرقة المسرح العربي .. عضواً في مجلس إدارة الفرقة منذ عام 1968 ، ثم أميناً للسر ، ثم رئيسا لمجلس الإدارة منذ عام 1978 .
ساهم في تأسيس كل من الاتحاد العام للفنانين العرب واتحاد المسرحيين العرب ، واللجنة الدائمة للفرق المسرحية الأهلية في مجلس التعاون لدول الخليج العربية .
نائب رئيس اتحاد المسرحيين العرب منذ تأسيسه .
نائب رئيس الاتحاد العام للفنانين العرب .
أنتخب من قبل المسرحيين الكويتيين ليمثلهم في اللجنة العليا للمسرح بالكويت في بادرة الأولى من نوعها .
صاحب فكرة ومؤسس الاتحاد الكويتي للمسارح الأهلية والمساهم الرئيس في إشعاره، وشغل منصب أمين سر ورئيس للاتحاد في عدة دورات .
مؤسس المركز الكويتي والإقليمي للهيئة العالمية للمسرح ويشغل حاليا رئيسا لمجلس إدارته منذ تأسيسه .
أنتخب كأول عربي عضواً في المكتب التنفيذي للهيئة العالمية للمسرح iTi لثلاث دورات متتالية ومقرها باريس .
عضو لجنة تأسيس الفرقة الوطنية الكويتية للمسرح ، وأحد أعضاء اللجنة المديرة والمشرف الفني على الفرقة لعدة سنوات .
مديراً لمهرجان الكويت المسرحي لثلاث دورات متتالية .(2000 – 2001 – 2002 ) .

من الأعمال المسرحية التي قام بإخراجها :
أشرف على العديد من الأعمال الفنية التي قدمتها الفرقة الوطنية والاتحاد الكويتي للمسارح الأهلية وفرقة المسرح العربي مثل " مسرحية ترنموا كي يصحو المارد " التي فازت بالمرتبة الأولى في المهرجان المسرحي للفرقة الأهلية بدول مجلس التعاون الخليجية ، وكذلك مسرحية " السوق " . ومسرحية " العامود " التي فازت بالجائزة الأولى في مهرجان الكويت المسرحي السادس ، وبجائزة أفضل ممثل وأفضل مؤلف في المهرجان المسرحي الأردني .
سلطان للبيع ، الثالث ، عالم غريب .. غريب ، عشاق حبيبة ، دار ، نورة ، خروف نيام .. نيام ، إحذرو ، فرحة أمة ، جنون بشر ، طار الفيل ، مراهق في الخمسين ، رحلة حنظلة ، هالشكل يازعفران ( لفرقة مسرح الشارقة الوطني )، الثمن ، القضيــة خارج الملف ، طار الفيل ، مراهق في الخمسين .
• أخرج العديد من البرامج والمسلسلات التلفزيونية أواخر الستينيات .
• من أوائل المخرجين الكويتيين العاملين في مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك .
• إسهاماته العربية والدولية :
ساهم في الكثير من الملتقيات الفنية والمهرجانات العربية محاضراً وعضواً ورئيساً للجان تحكيم في مهرجانات عربية .
شارك وألقى محاضرات في العديد من المهرجانات الدولية .
• قُدمت مسرحياته في العديد من الدول العربية مثل الأردن ، الإمارات ، تونس ، الجزائر ، سوريا ، العراق ، ومصر .

التكريم والجوائز :
فاز بجائزة الدولة التشجيعية في الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية والإنسانية لعام 1989 والتي تم منحها لأول مرة للمبدعين الكويتيين .
• تم تكريمه بمهرجان القاهرة للمسرح التجريبي عام 1992 ومهرجان أيام قرطاج المسرحية في دورته السادسة عام 1993 لإسهاماته البارزة في مجال المسرح .
كرم في مدينة بيشليا الإيطالية عام 1998م ، و في مهرجان المسرح الأردني .
• كرمته جهات علمية وثقافية وفنية عديدة في الكويت ودول عربية بشهادات تقدير .
• كرم في الدورة السادسة للمهرجان المسرحي للفرق المسرحية الأهلية بدول مجلس التعاون الذي أقيم في سلطنة عمان في مايو 1999م ، ببادرة هي الأولى من نوعها في دول المجلس ، وذلك بإجماع من فرق ومسرحيي هذه الدول .
تم تكريمه في مهرجان أيام الشارقة المسرحية في أكثر من دورة كما كرمته إمارة الفجيرة عام 2002 م .
كرم من قبل حاكم ولاية تامبيكو المكسيكية بشهادة تقدير ومواطنة شرفية أثناء المؤتمر الدولي العام للهيئة العالمية للمسرح بالمكسيك عام 2004.
كرم في حفل تكريم الإعلاميين بدولة الكويت عام 2003 م .
كرم في مهرجان الكويت المسرحي في دورته السابعة في إبريل 2004 م
كرم في مهرجان المسرح لدول البحر المتوسط في إيطاليا في سبتمبر 2004 .
كرم في مهرجان أيام المسرح للشباب في دورته الثانية ( ميدالية الشباب ) في
سبتمبر 2004 م .
حصل على جائزة أفضل مخرج في يوم المسرح العربي لتكريم الفنان المسـرحي عام 1980م .
حصل على جائزة أفضل عرض مسرحي لإخراجه مسرحية رحلة حنظلة في مهرجان بغداد المسرحي عام 1985م .
حصل على جائزة أفضل تقنية مسرحية عن مسرحية " القضية خارج الملف " في مهرجان قرطاج عام 1989 م

نوقشت أعماله وإنجازاته في الكتب التالية :
. المسرح العربي في ربع قرن د. أمين العيوطي فرقة المسرح العربي
. الحركة المسرحية في الكويت د. محمد حسن عبدالله مسرح الخليج العربي
. المسرح في الوطن العربي د. علي الراعي عالم المعرفة - الكويت
. المسرح والتغير الاجتماعي في منطقة الخليج العربي د. ابراهيم غلوم - عالم المعرفة - الكويت -التجريب في الوطن العربي د. عبدالرحمن عرنوس -القاهرة
. المسرح الكويتي بين الخشية والرجاء د. محمد حسن عبدالله الربيعان للنشر والتوزيع .
. ممالك من خشب ، عبيدو الباشا ، بيروت .
. المسرح العربي الحديث - بول شاؤول - رياض نجيب الريس – لندن .
. عدد من رسائل الدكتوراه والماجستير والأبحاث أمثال الدكتور محمد مبارك بلال -
أ‌. محمد المنصور - الدكتور حبيب غلوم ( دولة الإمارات العربية المتحدة ) .

.
.

حسن العلي
14-07-2008, 04:39 AM
http://www.fuadal-shatti.com/events/spec7.jpg (javascript:void(0);)


حداثة الشكل والمضمون في مسرح فؤاد الشطي

بقلم : ظافر جلود
يعد مسرح المخرج المسرحي الكويتي الطليعي فؤاد الشطي اتجاها وتركيبة تؤسس تناقضات الواقع بخطاب عنيف وبثيمات لا تخلو من الهزات التنويرية التي تعكس جذوره المتصلة بهموم انحيازه الكامل للانسان فمنذ ما يقارب اكثر من ربع قرن مع المسرح تجلت قدرته على تمرسه في اتجاهات جمالية حسية وبسيادة الحداثة الشكلية التي غالبا ما ترتقي بالفكرة الى توهج انفعالي وبتدرج عقلاني ينسجم مع كل المساحات الفكرية التي تتأسس على مبدأ الاختلاط الثقافي بين متلق واخر يجمعهم عرض ومكان واحد فيما يسمو باللغة الى مصاف الشعر في تتويج لفظي قائم على النطق السليم للاحرف الصوتية وقوة في الاداء تصل احيانا الى حد الاندماج ما بين الواقع والمتجسد مع انه غالبا ما يميل الى تغريب شخصياته وينتهج اسلوبا ملحميا في منظومة افعاله الاخراجية التي تتلبس الاحداث دون ان تغيب الوعي وتترك للمشاهد الحكم النهائي بعد ملامسة الواقع.
لقد انهمك المخرج فؤاد الشطي منذ رحيل صقر الرشود باعتباره الوريث الشرعي لتجربة مسرحية عميقة في الحفاظ على المنجز المسرحي الذي تحقق للكويت منذ منتصف الستينيات خاصة بعد ان اسست بنيانا راسخا من المعرفة والحداثة في التطور على يد العديد من الخبراء العرب الذين عملوا في الكويت في فترة الستينيات من القرن الماضي مما وضع مسرحها بدرجة متقدمة وبموازاة اهم المسارح العربية كالقاهرة وبيروت ودمشق وبغداد من حيث تناول الموضوعة والقدرة على محاكاة التطور في صناعة التجربة المسرحية من حيث الشكل والمضمون بالاضافة الى وجود العناصر القادرة على التعبير في الاداء والمبادرة في تأسيس وظهور العديد من الفرق المسرحية التي اخذت بزمام المبادرة نحو مسرح حقيقي كانت من ابرز ظواهره هذه النخبة من الاسماء المسرحية التي حفرت في الذاكرة المسرحية ومنها بالتأكيد فنانا الباحث والمجرب والمكتشف فؤاد الشطي الذي وقف مع فرقته العتيدة (المسرح العربي) طوال هذه الفترة بعيدا عن منزلق هاوية سقوط المسرح الى الفراغ وتغيب وجوده الحضاري والثقافي والانساني حيث صمد رصينا تجاه هذه الموجات العابثة بمقدرات الآخرين فقدم العديد من المسرحيات الناجحة ذهنيا وفنيا سعيا الى خلق جمهور متذوق للعمل المسرحي الخالص.
لقد انتمى الفنان المخرج فؤاد الشطي الى قضايا امته العربية منذ ان بدأت بواكير اتجاهاته الفكرية في التعمق نحو قضايا الانسان فهو وان يقدم بعض الحلول في معظم اعماله المسرحية التي يقدمها سواء في الكويت او في اغلب العواصم العربية لكنه يواجه الواقع بكثير من الاسئلة الجادة لكنها في حقيقة الامر سوداوية ذات معالجات متعددة وهي سمة مشتركة في اغلب اعمال الشطي الاخراجية فانك وللوهلة الاولى تجد نفسك امام متنفس حقيقي يفتح اساريرك المنغلقة من هموم شتى لكنك لا تدرك انه يستدرجك ببطء نحو المعادلة التي يريد ان يحققها في عرضه المسرحي انه اذن لا يستغفل المتلقي بقدر ما هو يلعب بذكاء نحو التغلغل في وجدان المتلقي وربما لان فؤاد الشطي من جيل امتلك ادواته الفكرية والسياسية التي احاطت بسلسلة من المواقف القومية ارادت ان يكون للمثقف دور في استدراك هذه المؤشرات عبر ايجاد رأي واضح في تعرية الواقع وكشف بواطن الامور فيتصدى في مسرحية رحلة حنظلة (1985) ليقدم ترجمة نقدية لرؤياه وقراءته الجيدة للنصوص التي تتوافق ومنهجيته واسلوبه في التوافق بين المسرح كلغة تأثير كفن قائم بجماليته وحسيته وبين القيمة السياسية والاجتماعية الذي يريد توصيلها وهذا الخلط من النباهة والقدرة بحيث يكون للمسرح تأثير سياسي بالضرورة وفق التحليل المنطقي للشخصيات والاحداث التي تجري مباشرة امام النظارة فهو يمسك الخيط الرفيع الذي يفصل بين الشحذ والتنفيس عند حرفوش بحيث يضع المقاس النفسي لهذا التفاعل عندالصالة التي تستوعب الحدث تدريجيا وتنهمك في التعرية التي تبدأ من الداخل وربما تكون الصرخة الاخيرة للمشاهد هي الفعل الرابع في المسرح بعد الممثل والمخرج والمؤلف وهنا مربط الفرس في المسرح الذي يهتم بالسياسة مباشرة وبين المسرح الذي تتخلله السياسة وهي لعبة تقنيات فكرية واعية وراصدة تتحرك بكامل وعيها على هذه المساحة فحنظلة يمثل الرمز الواقع تحت الضغوط التي تعيشها المجتمعات العربية حيث يتلاشى كل شيء تحت ركام الجبروت والغفلة بانتظار المصير المجهول.
هذا بحدود النص اما الشكل فان المخرج الشطي تعامل مع القضية بحدود مفتوحة استدراكا لابعادها الانسانية الشاملة لينتقل بكامل الحرية بين هذه الاوجاع والآلام وكأنه يدرك سلفا ان رداءي الغربة والتغريب يزحفان عليه بشيء من التوجس واستدراك الاشياء قبل وقوعها فنجح في تقديم نسق قائم على الوحدة الداخلية للكل من خلال العلاقة المتبادلة بين الاتجاه البريختي والواقعية الرمزية حيث التناقضات والتوتر والصراع ببنية جمالية وبأدوات بسيطة على الخشبة انه التفاعل الجمعي ازاء التكوين الفكري للسينوغرافيا والديكور.
ولا يبتعد المخرج الشطي كثيرا عن هذا المتناول الفكري في مسرحيته قضية خارج الملف التي قدمت عام (1989) في الكويت وهي معدة عن مسرحية الدراويش يبحثون عن الحقيقة لمصطفى الحلاج فهو يقدم سيلا من الاسئلة في لحظات انسانية متعددة تتبنى الخلاص من الوعي الذي يأتي بصاحبه الى الهلاك الذي يتجرد من شخصيته لينتحل اخرى تحوم حولها الشكوك تحت وطأة التعذيب الوحشي والقمع الفكري ولذة السلطة بالتفرج على مسخ الانسان ليحولها الى خلية فاقدة الحس لكن هذا التحول يولد العنف المقابل ويفجر لحظة الانتماء الى المواجهة ويرتقي بالحدس الانساني البريء الى حالة من الوعي الجمعي الذي يخرج من اطار الغربة الى المجموع بمعادل موضوعي وبخطاب غير مباشر الى ثورة التحول على الذات نفسها من اجل الحرية والحياة.
اذن فالهم الفكري عند الشطي لا يتقاسم في مسرحياته بل يزيد عليها اعتبارات جديدة مع تحديث الافكار والشروع في بناء فلسفي قائم على رصد الظاهرة وتحليلها فالواقع حزين ساخط وغير ساخط والموقع محاصر بفضاء معتم والرغبة في التخلص من السجن الداخلي للشخصية المتأزمة والبحث عن مكنونات وجودها قابل لتغير الزمن ضمن فضاء المكان والاحداث اي بمعنى تبني دلالة التوق للحرية والخلاص من خلال افعالها وتجاوز سلطان الخوف والحيرة.
وطبيعي ان نص مثل هذا يتميز بثراء واضح وينطلق من موضوعة تلامس الاغلبية بتحليله العميق وحواراته الطويلة يحتاج الى لغة اخراجية قادرة على الاثارة والاندهاش ومسك المشاهد منذ الوهلة الاولى مع الاحداث فان الشطي تخلى عن السكون ولحظات الصمت واستدرك لعبة حركة السينوغرافيا فكل شيء على الخشبة يوحي بدلالات الفكرة كالحبال والدمى والفوانيس والسوط اضافة الى الحركة المحورية للشخصيات لكي لا يبقى الزمن سرديا بل اضاءة على رؤية المستقبل وقراءة الواقع بشكل تنوري.
من نظرة فاحصة نجد ان المخرج النبيه والمؤثر في مجمل حركة المسرح العربي المعاصر الفنان فؤاد الشطي في نهاية المطاف انه ذات رؤية استراتيجية في اختيار النصوص فهو لا يذهب للسهل او يلجأ الى العنف في اللغة التي قد تعصي الفهم عند المتلقي بل الى ايجاد ارضية وفعل مشترك يقتسم فيه الفضاء العام للفكرة اينما تواجد عرضه وفي اي مكان او زمان رغم انه يميل في بعض الاحيان الى ايجاد نوع من المقارنة الزمنية حيث نكتشفها في اعماله الاخيرة مثل مسرحية (احذروا) للمؤلف محفوظ عبدالرحمن فهو يقدم نموذجا للخراب الذي اطاح بالحضارة العربية ويضع هنا دلالة تاريخية بمعناها البسيط المجرد كسد مأرب الذي تآكل بفعل الفئران التي استطاعت ان تقوض المعنى الفكري لصياغة رؤية الحدث في استعارة رمزية مزدوجة تأتي بالماضي وبكثافة اخبارية ايحائية لسياق الحاضر تؤدي الى تعدد المعنى والشمول كالتحذير من العواقب بسبب حالة التشرذم والتمزق التي اصبحت من سمات وملامح الامة العربية.
ان هذا الخوض في اعمال فؤاد الشطي لا يترك فسحة للتخيل بل يغوص في عمق الواقع فالجرذان الذين يتسربون من شقوق الخشبة للصالة يحملون هذا الجذام الفكري العسير بعد احكام طوق الاستلاب على الجمهور فالشخصيات التي تأتي من عمق الزمن ليست قادرة على صياغة الرد والقضاء على هذه الطاعون فهي ساكنة كالاشباح وليس ثمة تغير يلوح في الافق سوى المواجهة بالوعي الاجتماعي وهي لازمة يكررها الشطي في اغلب اعماله الاخراجية فالوعي هو المرادف الموضوعي للخلاص من مشاكل الانسان المستديمة.
وعلى هذا الاساس يذهب بنا الشطي الى شواطيء اكثر امنا بشرط امتلاكنا للوعي القادر على استضاءة هذه الانفاق التي حفرت لنا فيقدم دراما نقدية اجتماعية بعنوان (هالشكل يا زعفران) مع فرقة مسرح الشارقة الوطني يرصد عبرها مواقف اجتماعية لكثير من السلبيات التي تتوافق مع ما يذهب اليه انه الوعي كظاهرة مركبة ومتكاملة لا تنفصل عن اعماله السابقة فهو يأخذ الشكل من المضمون مع التأكيد على العنصر الفكري في هذه المتواليات من الاحداث التي تؤكد المواقف الانسانية والانواع المتغيرة في سلوكها تحت الضغوط واشكاليات علل شفرات الحياة .

وغداً يومٌ آخر
.
.

حسن العلي
14-07-2008, 04:56 AM
فؤاد الشطي: الحركة المسرحية الكويتية في غرفة الإنعاش

http://www.awan.com/files/imagecache/node_photo/files/rbimages/1213008744681221700.jpg

الثلاثاء, 10 يونيو 2008
حسين صالح

يشخص رئيس فرقة المسرح العربي رئيس المركز الكويتي القطري للهيئة العالمية للمسرح المخرج فؤاد الشطي الحركة المسرحية الكويتية بأنها تحتضر في غرفة الانعاش، تعيش على التنفس الاصطناعي في انتظار الاعلان عن وفاتها، ويحمل الفنان الشطي الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب مسؤولية هذا المنعطف الكبير الذي يمر به المسرح في الكويت، كما يحمّل الفنان الشطي زملاءه الفنانين مسؤولية ضياع المكتسبات التي تحققت أخيرا للاستنهاض بالحركة المسرحية، منها الاتحاد الكويتي للمسارح الأهلية وما ترتب على ذلك من تشتت وفرقة بين الفنانين..
بعد صمت طويل وفي أعقاب مرحلة من التوتر الإداري على صعيد ادارة الاتحاد وموقف المجلس الوطني منه كان لـ«أوان» هذا الحديث الخاص مع عراب المسرح في الكويت المخرج الاستثنائي فؤاد الشطي، وكانت ملفات التكريم ومهرجان المسرح والمعهد العالي للفنون المسرحية والفرق الاهلية محاور الحديث:

س : كيف يشخص عراب المسرح واقع الحركة المسرحية الكويتية؟
- هذا السؤال يرجعنا إلى سنوات من التراكمات التي أدت إلى انتكاسة الحركة المسرحية لأسباب عدة فرضت هذا الواقع السيئ والمتردي للحركة المسرحية الكويتية، هذا الواقع الذي أستطيع أن أصفه في كلمات موجزة بأنه واقع لحركة مسرحية في غرفة الانعاش، تعيش على التنفس الاصطناعي، لم يبق إلا أن يزال عنها قناع الاكسجين، لكي نعلن وفاتها وانتهاءها كلية، وأنا عندما أتكلم عن المسرح فإنني أقصد المسرح الذي كان، والذي كنا نطمح في الوصول إليه.

س : ولكن وجودك على رأس فرقة مسرحية أهلية يعني أنك جزء من هذا الواقع!
- في الواقع انني متواجد رغم أنفي، لأنني لا أستطيع إلا أن اكون على الأقل متفاعلا مع هذه الحركة، محاولاً قدر الامكان الاسهام فيها بشكل أو بآخر ولقد كنت منذ فترة طويلة ممتنعا عن الادلاء بأية تصريحات عن الحركة المسرحية الكويتية لأنني أدركت بأنني أضرب في ميت، ولكن كون هذا اللقاء الأول منذ فترة طويلة يأتي من خلال صحيفة «أوان» فإنه انطلاقاً من محبتي وتقديري لرئيس تحريرها الاستاذ الدكتور محمد الرميحي الذي كنا نعمل معه إبان توليه الامانة العامة للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب وفق منهجية مدروسة ومن خلال لجان متخصصة على أعلى الدرجات والكفاءات العملية لاستنهاض هذه الحركة وإعادة بعثها من جديد، وبالعمل مع الدكتور الرميحي جسدنا عدة مشروعات وفق خطة الارتقاء مجدداً بواقع الحركة المسرحية الكويتية، ولكن مع الأسف الشديد شاءت المقادير لتتدخل ظروف معينة وتنتهي مرحلة العمل المؤسساتي التي كان يؤمن بها الدكتور الرميحي من خلال خطط منهجية ولجان متخصصة في مجال المسرح. كلها انتهت بنهاية عهده بالمجلس وتم نسف هذه الخطط بجرة قلم، ومن دون التعريض لذوات القائمين على الشأن الثقافي في المجلس الوطني حالياً ولكن من خلال مواقعهم نحملهم الجزء الأكبر من عدم استكمال مسيرة البناء والاستنهاض والاستمرار التي درست ووضعت لها الخطط على المدى البعيد.

حلقات مفقودة
س : وماذا فعلتم كمسرحيين تجاه هذا المنعطف؟
-كنا نستأسد في الدفاع عن كل ما من شأنه أن يرتقي بالحركة المسرحية الكويتية، وكنا نعمل وما نزال نعمل في صمت، عندما نلتقي بالقيادات السياسية العليا نجدهم على درجة عالية من الحماسة للمسرح، بل يطالبوننا بتقديم دراسات عن الواقع الحالي، وكيفية النهوض به وكنا نفعل وكان يشار إلى تبني هده القرارات من المقامات السامية الى أصحاب المعالي الوزراء، ولكن مع الأسف الشديد تقف هذه المشروعات عند الحلقات الوسطى.

س : وما هي المشروعات والخطط ؟
-أولا: أهمية انشاء دور عرض مسرحية تتناسب وحجم الحركة المسرحية الكويتية بشقيها؛ المسرح النوعي والمسرح الاستهلاكي، وعندما أقول المسرح النوعي لا أقصد المسرح المتجهم أو المسرح الرثائي أو المسرح الذي يتعامل بفوقية مع الجماهير وإنما أعني المسرح الذي يقوم على فن رصين، يشكل لدى المتلقي متعه بصرية، وكذلك يطرح فكراً ناضجاً، قابلاً للنقاش والحوار، فالمسرح ككل لا يتجزأ، لذا فمن المهم توفير فضاءات مسرحية على درجة عالية من التقنية الفنية لكي نستطيع مواكبة المستجدات والعصرية في مجال المسرح من حيث التقنية ومن حيث التجارب والاتجاهات الحديثة التي استجدت على واقع الحركة في العالم، فمن المعيب جدا أننا في الكويت ويكون هذا حال مسرحنا، ففي الستينيات كنا نمتلك أربع دور عرض مسرحية، ولكن اليوم لا نمتلك سوى مسرحين أو ثلاثة متهالكة مثل المرأة العجوز التي تضع كميات هائلة من المساحيق لكي تجمل نفسها وهذا ما يتم مع دورنا المسرحية من وقت إلى آخر من خلال الصيانة على مستوى الديكور الخارجي وليس على مستوى التقنيات المتوافرة بها.
-ثانياً: الدعم المالي المناسب، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن تقدم المسرحيات النوعية التي كانت تقدم في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات أو حتى في بداية التسعينيات بذات الإمكانات المادية الحالية للفرق المسرحية الاهلية وأقصد الفرق المسرحية الأهلية بالتحديد لأنها هي المعنية بتقديم النوع الآخر من المسرح الذي كنا نتباهى به أمام العالم، وما أوصل المسرح الكويتي إلى كافة المهرجانات العربية وشكل لدى المسرحيين العرب المكانة المتميزة للمسرح الكويتي، وهنا عندما نحاسب فرقنا فإننا نحاسبها على ماضينا الذي بني على أيدي المبدعين الحقيقيين وعندما نجد هناك حسرة من الفنانين المسرحيين العرب على واقع الحركة المسرحية الكويتية، فحسرتهم هذه مبررة لأنهم شاهدوا ما كان عليه المسرح الكويتي سابقا، نحن لم نكن نعمل للمهرجانات، كانت العروض المسرحية التي تقدم من خلال الفرق المسرحية الأهلية تفرض نفسها وذاتها على المهرجانات المسرحية العربية، أما الآن فإن التفكير في المهرجانات والمشاركة فيها يأتي أولاً، ومن ثم يأتي هم العمل المسرحي. في السابق كنا نعرض على الأقل شهراً كاملاً بمن حضر من الجمهور وأحياناً كنا نعرض والصالة فارغة تماماً من الجمهور، ولم يكن مبدأ الربح والخسارة واردا في حساباتنا، لأن الموازنات التي كانت تقدم للفرق المسرحية الأهلية كانت تكفي لجزء كبير من جهود فريق العمل المسرحي، وكان عشقهم الحقيقي للمسرح يدفعهم للعمل في هذه المسرحيات. أما الآن فالوضع مختلف وباتت متطلبات الحياة العصرية تفرض ذاتها على الفنان كما غيره، لذا فقد أصبح الدعم المالي للفرق الأهلية سبيلها الوحيد للعمل المسرحي النوعي .

خطيئة
س : ولكن وزارة الإعلام تقدم الدعم للفرق المسرحية الأهلية وتميزها عن سواها من فرق الإنتاج المسرحي الخاصة؟
- الخطيئة التي ارتكبناها نحن في الفرق المسرحية الأهلية، أننا وافقنا على أن تنقل تبعيتنا من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل إلى وزارة الاعلام، ومن ثم إلى المجلس الوطني للثقافة والفنون لأنه مع الأسف الشديد لم يتم تنفيذ أي من الوعود التي وعدنا بها والتي على أساسها وافقنا على الانتقال، ففي السابق كنا كما الطفل الذي يرضع من ثديين الأول ثدي وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل التي كانت عامل دفع كبير لنا من خلال مسؤوليها الذين توافدوا علينا منذ تأسيسها كدائرة إلى وقت أن كفوا يدها عن الفرق المسرحية الأهلية، كانت داعمة لنا بكل صدق وبكل محبة دون التدخل اللهم إلا في اطار الجانب الإشرافي المادي وتطبيق قوانين النظم الأساسية لهذه الفرق وثانياً ثدي وزارة الإعلام التي كانت في السابق تضع مخازن اكسسواراتها وملابسها تحت تصرف الفرق المسرحية الأهلية، كما أن الاذاعة والتلفزيون كانا يروجان للمسرحيات مجاناً، ولكن اليوم فقدنا كافة هذه الامتيازات وأصبحنا نعامل كأي مؤسسة تجارية والفرق المسرحية الأهلية مهما بلغت موازناتها لا تستطيع الإنتاج النوعي أولاً في ظل التكلفة العالية للإعلانات والدعاية في كافة وسائل الاعلام،السبب الآخر هو ارتفاع أجور الفنانين المسرحيين.

س : لماذا لا يخرج فؤاد الشطي بنفسه؟
- القضية ليست قضية فواد الشطي، فأنا عن طريق علاقاتي الخاصة أستطيع أن أتدبر تمويل أعمال الفرقة بمتطلباتها المالية العالية ولكننا لسنا بصدد تجسيد حالة فردية بل نشخص حالة عامة، لذا توقفي قد يثير مثل هذا التساؤل وقد نستنهض همم من لا همة له حتى الآن، هناك سبب آخر فأنا لا أعمل في مسرحية أعرف مقدماً أنها ستقدم في ظل عتمة اعلامية، ولن أتلقى مكافأة مجزية بعد هذا التاريخ في حين أن أبناء أبنائى مجازاً يتقاضون أجوراً خرافية بارك الله لهم فيها.

سكرتيرة في مهمة رسمية
س : هل أعلنتم الاستسلام؟
- نحن لم نستسلم ولن نستسلم بل في كل مناسبة نقاتل ونجاهد و مع الأسف الشديد أن المؤسسة المعنية بالشأن الثقافي والمسرحي تحولت إلى مؤسسة موظفين، بدأت تزاحم الفنانين في أعمالهم وفي مشاركاتهم في المهرجانات، أنا أتذكر حتى أواخر الثمانينيات لم يكن هناك مسؤول حكومي يخرج في مهمة رسمية لكي يمثل الكويت في مهرجان مسرحي، وكذلك الحال بالنسبة للوضع الثقافي.. قد يذهب المسؤول بصفته فنانا، ولكن هذا ما نراه الآن هو ذهاب كل من هب ودب الى هذه المهرجانات المسرحية واقتصار المهمات الرسمية عليهم وتوزيعها بين أركان المجلس الوطني للثقافة والفنون، وكأنها حصص توزع بالتساوي، سكرتيرات يذهبن إلى المهرجانات المسرحية بأي حق، سكرتيرة إدارية من مكتب مسؤول تذهب الى مهرجان مسرحي، ومهرجان سينمائي يذهب إليه مسؤول الشؤون الادارية في المجلس الوطني. هل يجوز ذلك؟!
كنا في السابق عندما نذهب الى أي مهرجان نكتب تقريراً حول مشاهداتنا وملاحظاتنا ونقدمه إلى الجهة التي أوفدتنا، ولكن للأسف الشديد اختلط الحابل بالنابل وأصبحت المزاجية والفردانية والشخصانية هي التي تتحكم في إدارة المؤسسة وأنا لست في معرض انتهاز هذا الحديث لألمع صورة ما ولكنني أنعى مرحلة نهوض تم وأدها بفعل فاعل.

مهرجان المسرح
س : ولكن ماذا عن مهرجان الكويت المسرحي، أليس انعكاساً للاهتمام بالمسرح؟
- هذا المهرجان انطلقت فكرته من خلالي أنا عندما كنت عضواً في اللجنة العليا التي كانت دائما برئاسة وزير الاعلام وتضم في عضويتها ممثلين عن معظم الوزارات المختلفة والتي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالحركة المسرحية، وكنت الفنان المسرحي الوحيد في هذه اللجنة العليا، طرحت الفكرة وفعلت فيما بعد على غير ما ارتأيت وكانت دورتاه الأولى والثانية قبل أزمة الغزو العراقي وحتى الدورة الثالثة نظمت في إطار محدود وعلى استحياء حتى جاء المهرجان في دورته الرابعة في هيكلته الحالية، رغم عدم دقتها، كانت كافة اللجان المشكلة بداية من اللجنة العليا للمهرجان الى اللجان الفرعية كانت تتمثل فيها الفرق المسرحية على حد سواء الى جانب بعض رموزنا المسرحية من كافة الاتجاهات، هذه الآلية، كذلك مع الأسف الشديد تم محاربتها بشراسة، وأصبحت العملية تطبيلا وتذميرا من قبل المستكتبين لصالح المجلس الوطني لتلميع هذا المهرجان والذين تم تحريكهم بفعل فاعل لهدم كثير مما تم بناؤه في السابق.

س : إذا كان هذا هو الواقع المسرحي المعاش فكيف يتم إصلاحه؟
- اصلاحه في اعادة هيكلة المؤسسة المعنية بالثقافة والفنون والآداب والتأكيد على ان دور المؤسسة الثقافية هو دعم المبدعين المسرحيين بإيجاد موازنات إنتاج للفرق المسرحية وهذا الدعم كنا قد تبنيناه في مقترح بدعم الفرقة المسرحية بالموازنة المطلوبة في حدود المعقول بحيث لا تتجاوز مبلغ 60 الف دينار للعمل المسرحي الواحد بحيث تبلغ موازنة دعم الفرق الأربعة حوالي ربع مليون دينار مثلاً وبهذا المبلغ تستطيع الفرق تقديم عروض مسرحية على مستوى عال من الفكر والثقافة، وحتى هذه الموازنات يمكن أن تقدم على دفعات وفق آلية الانتاج، وتمكن الفرقة من الارتباط مع فنانين كبار والوفاء بالتزاماتها المالية معهم.

س : ألم تكن الفرق تتلقى الدعم المالي؟
- كانت هذه الفرق تتلقى من السابق مبلغ 5 آلاف دينار لكل فرقة في كل مهرجان في وقت لاحق، تم تخفيض المبلغ الى ثلاثة آلاف كسنة استثنائية وإلى جانب هذا الدعم المقدم من قبل المجلس الوطني كان المأسوف على روحه الاتحاد الكويتي للمسارح الأهلية الذي صوب عليه الآن حتى تم قتله من قبل اشخاص لاعلاقة لهم بالمسرح كان يدفع الاتحاد مبلغ من2 الى 3 آلاف دينار لكل فرقة مسرحية يعني أكثر من نصف موازنة الاتحاد السنوية كانت توزع على الفرق المسرحية الأهلية بالتساوي كذلك كان الاتحاد شريكا أساسيا في المهرجان، أقول ذلك لانني كنت أدير المهرجان، ليس من موقعي كرئيس للاتحاد، وإنما كنت ادير المهرجان من خارج هذه المسؤولية لأن كان هناك ممثلون للفرق المسرحية الاهلية في اللجنة العليا للمهرجان، كذلك الاتحاد كان ممثلا في شخص مختلف عن رئيسه وكان دوره فاعلا على كافة الاصعدة وكنا نعمل وفق استراتيجية مدروسة وبخطوات محسوبة، وكنت أقولها علانية لضيوف المهرجان من الفنانين العرب وأنا مدير للمهرجان إضافة الى منصبي كمسؤول عن فرقة مسرحية أهلية مشاركة: «يا إخوان لا تتوقعوا أن تشاهدوا ما تعودتم مشاهدته من خلال المسرح الكويتي لأننا نحن الآن في طور اعادة استنهاض المسرح الكويتي من جديد، وهذه المرحلة تتطلب وقتاً وجهداً».
ولكن مع الأسف الشديد عندما تغيرت الأمانة العامة للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب تم تجاوز كل ما هو مخطط له على المدى البعيد والذي كان من الممكن البناء عليه.

س : وهل تغير أمانة المجلس الوطني أبعد الاتحاد عن المهرجان وابعدكم معه؟
- هذا السؤال اطرحه على كافة الذين سرحوا و مرحوا من أجل الاستيلاء على دفة قيادة الاتحاد وأتساءل الآن: ماذا قدم الاتحاد من بعدنا؟! أين هو الاتحاد؟
هذا الاتحاد الذي تشرفت بتأسيسه، وهذا ثابت بالوثائق والمستندات من خلال مشروع قدمته كاملا متكاملا بكافة توقيعات مجلس الوزراء الموقر ومن خلال سمو ولي العهد حالياً الشيخ نواف الاحمد حفظه الله، الذي كان في حينها وزيرا للشؤون الاجتماعية والعمل ومن خلال لقاء شخصي مع سمو الراحل الكبير الأمير الوالد الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح، استطعنا ان نحصل على تأسيس هذا الاتحاد في وقت كان محظورا فيه قيام أي من جمعيات النفع العام وتم استثناؤنا نحن واتحاد الجمعيات النسائية في يوم واحد. مع الأسف الشديد انتهى الاتحاد وقتل بفعل فاعل ومع سبق الاصرار والترصد ولا يوجد من يسأل عنه أو يحقق في جريمه قتله..
لقد أعلنتها قبل ذلك؛ أنا لا يهمني الاتحاد الآن، وكوني أقف في المواجهة ليس حباً في الاستمرارية، ولكن لأن المحاربة التي وجهت للاتحاد كانت من خلال فؤاد الشطي وهو الذي طالما وقف مدافعاً شرساً عن الفرق المسرحية الأهلية .

التكريم
في هذا الجانب لا أحد يزايد على فؤاد الشطي لأنني أنا أول من أسس لتكريم الفنانين المسرحيين، الاحياء منهم والاموات، من خلال يوم المسرح العربي لتكريم الفنان ومن ثم في المهرجان كنا نناقش مسألة تكريم الفنان في اللجنة العليا وفق معايير دقيقة منذ الدورة الأولى وبعد ذلك أعلنا عن عودة المهرجان في دورته الثالثة، ووجدنا أنه عندما نطرح أسماء الفنانين الكبار للتكريم فإن الاختيار للتكريم يجب أن يتم وفق معايير حساسة ودقيقة جداً وأن الفروقات التي تميز بين فنان وآخر في عطاءاته وتاريخة فروق بسيطة لا يمكن القياس عليها قياساً موضوعيا في ترتيب الأسماء من حيث الاسبقية. وهذا يتعلق بالرواد الأوائل لأنها مرحلة متقاربة جدا لعدد من الفنانين ومدى عطائهم للحركة المسرحية ككل وللفرق المسرحية الاهلية بشكل خاص، من هذا المنطلق استقر الرأي على تكريم الفنانين الراحلين لعدم وجود حساسية تجاه تكريمهم.

س :ولكنكم كرمتم الفنانات الرائدات قبل الاعلان عن اقامة الدورة الثالثة للمهرجان !
- لم نواجه حساسية أو مشقة في تكريم الرائدات لأنهن حالات مشخصة وواضحة ولا أحد تحسس من هذا، ولكن ما يجري الآن هو تكريم اعتباطي دونما أي معايير دقيقة، وكذلك الأمر ينطبق على مهرجان الفرق الأهلية لدول مجلس التعاون لأننا عندما كنا نناقش موضوع التكريم في اللجنة الدائمة للمهرجان كنا نجمع على اسم واحد، وهناك قائمة معدة من عشرين شخصا، كنت أنا والأخ عبدالعزيز السريع في ذيل هذه القائمة لأننا كنا مسؤولين، رغم الحاح الزملاء في اللجنة العليا أن نضع اسمينا في أول القائمة، ولكن الآن حتى لو تم عرض هذا التكريم على سواء من قبل المهرجان الخليجي أو من قبل مهرجان الكويت المسرحي سأرفضه لأنه تم التجاوز علي بمن لا يستحق، ولقد عبرت عن ذلك بصراحة والشخص يعرف من هو وعاتبت المسؤولين عن هذا التجاوز فأجابوني بإجابة تسيئ للشخص أكثر مما تكرمه، وذات الشيء يحدث في مهرجان الكويت المسرحي الذي يكتنف مسألة إدارته واختيار المكرمين فيه الخلط والمزاجية والشخصانية.

س : ولكنكما كرمتما في المهرجان الخليجي؟
- نعم كرمنا في المهرجان الخليجي ولكن ليس ممثلين عن دولة الكويت، بل تم تكريمنا كمسرحيين على الصعيد الخليجي والعربي.

س : ولكن المسؤولين في المجلس الوطني يحملونكم -انتم الفنانين- مسؤولية مشاكل الاتحاد؟
- غير صحيح، ومحض افتراء، وأنت شخصياً تعلم أن هذه ليست الحقيقة، وتعلم أن الأمين العام للمجلس الوطني لعب دوراً من خلف الستارة لشل الاتحاد لأنه كان يعلم أن وجود الاتحاد يشكل له اعاقة، ولوكان فطناً للأمر لأيقن بأن وجودي في المهرجان، ووجود الاتحاد سيحقق لهم نجاحات تضاف إليهم وليست عليهم كما هي الحال الآن، وأنا شخصياً سئمت العمل في ظل هذا الكم الهائل من المشاكل المفتعلة، وبالتأكيد أي فنان يتم استغلاله الاستغلال السيئ بالضرورة يتحمل جزءا من المسؤولية، ولكن هذا لا يعفي المؤسسة الثقافية من المسؤولية وانا عندما اتحدث عن المؤسسة الثقافية لا اعني جوانبها المالية والادارية وانما اعني المعنيين بالثقافة، بداية من الامين العام الى دائرة الثقافة وادارة المسرح، هذه كلها ادارات لم تفعل شيئاً رغم أننا منحناهم الوقت الكبير للعمل، وبسطنا ايدينا للتعاون، ولكن هم يستمرئون ويستحلون الفشل.

س : إذن ما الذي يبقيك في موقع ادارة فرقة المسرح العربي في ظل هذا السأم؟
-الذي يبقيني هو التصدي عند الضرورة للمواجهة الحقيقية، وحتى الآن لم أتعرض لشيء من المساس بالكيان، لذلك ركنت لمشاهدة المشهد من الخارج، متسائلاً: أين أصوات الآخرين؟
الهيئة العربية للمسرح .

س : هل لك دور في تأسيس الهيئة العربية للمسرح ؟
- بداية تأسست هذه الهيئة برغبة كريمة من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الاعلى حاكم الشارقة، هذا الرجل حاكم مثقف ومؤلف مسرحي شهد له العالم وكانت كلمته التي القيت بمناسبة يوم المسرح العالمي من أرقى الكلمات التي ألقيت من خلال المركز الكويتي القطري للهيئة العالمية للمسرح، الذي تشرفت بتأسيسه وترؤس ادارته كما انني أمثل الكويت في المكتب التنفيذي للهيئة العالمية، وأنا أول عربي يشار الى انتخابه في مجلس المكتب التنفيذي.
ومبادرة الهيئة العربية للمسرح أيضاً كان لنا دور بسيط في تأسيسه، ولكن القائمين عليه في الواقع هم القائمون على الشأن الثقافي في إمارة الشارقة، برعاية كبيرة من سمو الدكتور سلطان القاسمي ونحن أبدينا كامل الاستعداد للتعاون في انجاح هذا المشروع، وأتمنى بأن تحقق هذه الهيئة بعض طموحات سموه لأن هذا الرجل عاشق حقيقي وداعم للمسرح وأتمنى من فناني المسرح العرب ألا يخذلوه كما تم خذلاننا في العديد من المؤسسات من الاتحاد العام للفنانين العرب الى الاتحاد العام للمسرحيين العرب وغيره من المؤسسات التي أصبح حالها كحال الجامعة العربية.

س : هل لديكم صيغة متفق عليها لتمثيل الكويت في هذه الهيئة؟
-مسألة تمثيل الكويت في هذه الهيئة لم تثر بشكل أو بآخر، وإنما وقع اختيارهم علي مع آخرين من الزملاء المسرحيين الكويتيين في عضوية اللجنة الاستشارية، وعندما تطلب منا المشورة نشور عليهم بما نراه وهذا أقصى ما أستطيع التحدث عنه في هذا المجال.

سقطة أكاديمية
س : تم اختيارك عضوا في لجنة اختيار عميد للمعهد العالي للفنون المسرحية، ولكن هذه اللجنة لم يصدر عنها أية توصيات؟
- هذه العملية تم تكرارها أكثر من مرة وأنا دائماً أنأى بنفسي عن هذه اللجان لأن المعهد العالي للفنون المسرحية كونه مؤسسة أكاديمية تمنح شهادة معادلة لشهادة البكالوريوس يفترض ان يكون لها أطر أكاديمية في تبوؤ المناصب والترقي وفق الدرجات العلمية والابحاث والانجازات العلمية أسوة بما يعمل به في الجامعة، ولكن مع الاسف الشديد لا يتم شيء من هذا وتتم الترقيات وتولي المناصب بموجب قرارات إدارية لا تستند الى أية معايير كما أن لقب أستاذ دكتور وأستاذ مساعد وغيرها من الالقاب العلمية تطلق على سين وصاد من دون ان يكون لديهم درجات علمية تؤهلهم لهذه المسميات، ولا أعلم كيف يقع ديوان الموظفين وكذلك وزارة التعليم العالي في مثل هذا المحاذير الكبيرة.

س : وكيف تقيم مخرجات هذا المعهد على الساحة المسرحية؟
-المعهد العالي للفنون المسرحية كانت مخرجاته متميزة في سنوات تأسيسه، ولكن الآن وفي السنوات الأخيرة مع الأسف الشديد لا ترقى الى الطموح إلا فيما ندر والسبب أن غالبية الذين يلتحقون بالمعهد لم تكن لديهم مواهب حقيقية أو حب حقيقي للعمل في الفن وإنما بدافع الحصول على شهادة جامعية تؤهلهم للوظيفة الحكومية.

س : هل من رسالة توجهها الى وزير الاعلام الشيخ صباح الخالد بعد اعادة توليه وزارة الاعلام؟
- لو شئت أن أقول كلمة لمعالي وزير الاعلام لتوجهت بها إليه، ولكن كونك سألت؛ فسأقول: انه كانت هناك رغبة كريمة من سمو ولي العهد الشيخ نواف الاحمد الجابر الصباح للاطلاع على مرئياتنا فيما يجب أن يثار لكي يتم النهوض بالحركة المسرحية الكويتية من جديد، مشترطاً أن تكون المطالبات في حدود المتاح والممكن، وبالفعل كُلفت بإعداد هذا التقرير، وتدارسته مع بعض الثقات في الحركة المسرحية الكويتية وقدمنا المشروع الى سموه من خلال مستشاره الدكتور حمود العتيبي وتناقشنا حول المشروع، وبعد فترة أُبلغت بأن سموه قد قام مشكوراً بتبني هذه المقترحات وتوجيهها الى معالي وزير الاعلام لاتخاذ اللازم حيالها، وكان آنذاك على سدة الوزارة أخي الاعلامي القدير محمد السنعوسي الذي اتصلت به هاتفياً لأستفسر منه عن المشروع فشكى لي مر الشكوى من زحمة الاوراق على مكتبه والمطالبات المحيطة به، خاصة وانه كان في حينها يواجه أزمة الاستجواب وما كان يثار في مجلس الأمة وأنا شخصياً لم أعاود الاتصال ثانية بشأن المشروع لأنني علمت فيما بعد أن مشروعنا مصيره مصير كافة المطالبات والمناشدات التي سبق وطالبنا بها في السنوات السابقة، لأنها هي ذاتها، وإن اختلفت في بعض التفاصيل باختلاف الزمان والمكان والشخوص، وكل هذه المستندات والاوراق موجودة لدي وستكون جزءا من مذكراتي إذا آن الأوان ان تخرج للنور أو سأوكلها لمن يؤتمن عليها وعلى وضعها في الاطار الصحيح.

مبادرة
س : هل من مبادرة جديدة تنطلق من فؤاد الشطي بشأن رأب الصدع وتضميد الجرح في الاتحاد الكويتي للمسارح الاهلية؟
- هناك محاولات تمت بالفعل، وجاءني من جاءني، مدركاً ما ارتكب من أخطاء وصفينا النوايا على أن نعيد بعث الاتحاد من جديد، ولكن هناك أطرافا وأيدي خارجية تعمل في الخفاء لا تريد ذلك وأنا حقيقة غير متيقن منهم بالتحديد ولكن كل الذي اعلمه بان جزءا كبيرا من المسؤولية يتحملها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وعلى وجه التحديد الامين العام، ولكن أنا على ثقة بأن هناك أيضاً أيادي أخرى تعبث وعبثت ولا أدري إن كانت ستعبث مستقبلاً، وإذا توهم البعض بأننا صامتون.. نحن لسنا صامتين وإما نعمل بصمت، ولكن مع الاسف الشديد الكثيرون من الفنانين لا يعنيهم هذا، رغم أن الهم واحد،ولكن كلما حاولنا ان نتواصل مع بعضنا البعض ونتحد تتدخل قوى الشر من أجل بث الفرقة بيننا وإظهار أن الفنانين لا يرتقون الى مستوى المسؤولية، هذا هو الواقع ولكن في كل الاحوال نحن منفتحون على الآخر وقلوبنا وأيدينا مفتوحة لزملائنا وعلاقاتنا الشخصية متميزة .

.
.

حسن العلي
14-07-2008, 05:56 AM
http://www.alriyadh.com/2008/06/15/img/156161.jpg



مؤسس فرقة المسرح الحر << سعد أردش >>

جاء رحيل المخرج والفنان والمعلم المسرحي سعد أردش الأسبوع الماضي (عن عمر84 عاماً) ليمثل خسارة كبيرة للمسرح المصري والعربي على السواء في وقت يمر فيه هذا المسرح بمشكلات معقدة وملتبسة، كان الراحل كثيرا ما يشير إليها في أحاديثه متحسرا على الفترة الذهبية للمسرح والتي عاشها في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حيث يعد أحد أبرز المسرحيين الذي خرجوا من عباءة الثورة المصرية والمشروع القومي الناصري التي رأى أنها ـ الثورة ـ قدمت دعما كبيرا للفن والفنانين (هو أول مخرج يدرس الإخراج المسرحي في أوروبا / إيطاليا بعد ثورة يوليو 1952). ولو ألقينا نظرة سريعة على الأعمال المسرحية التي قدمها سنجد أنها ارتبطت بالقضية الوطنية والقومية وبرؤيته الأيديولوجية ومنها (الأرض) لعبد الرحمن الشرقاوي (النار والزيتون) لأفريد فرج و(سكة السلامة) و(بير السلم) و(كوبري الناموس) و(المسامير) لسعد الدين وهبه و(يا طالع الشجرة) و(المخططون) ليوسف إدريس و(باب الفتوح) لمحمود دياب، هذا عن الكتاب المصريين الذين ينتمون لجيله، لكنه قدم أيضا للمسرح الكلاسيكيات اليونانية والإيطالية والمسرح العالمي مثل مسرحية (أنتيجون) لسوفوكليس والتي عرضت على مسرح الأوبرا القديمة قبل احتراقها في أوائل السبعينيات، ومسرحية (البرجوازي النبيل) لموليير، ومسرحية الذباب لسارتر، و(القاعدة والاستثناء) و(الإنسان الطيب من ستشوان) و(دائرة الطباشير القوقازية) لبريخيت. وهاتان المسرحيتان الأخيرتان لبريخيت كانتا بداية تقديم منهج بريخيت الملحمي والتعليمي للمسرح المصري. لقد كان أردش يرى أنه لا مسرح بلا أيديولوجيا، ومن ثم ارتبطت أيديولوجيته بالحلم العربي، من القومية العربية، من القضايا والأخطار التي تهدد الحركة الاجتماعية العربية أو تعوق تقدمها واستقلالها. وربما يكون كتابه (مسرح سنوات الثورة) مؤكدا على توجهه فقد رصد فيه نشاط وإنجازات المسرح العربي في الخمسينيات والستينيات، هذه الفترة التي ظل حتى رحيله يدافع عنها ويرى فيها أزهى فترات المسرح وأهمها.

مسرح الجيب
في عام 1952 أسس أردش فرقة المسرح الحر مع عبد المنعم مدبولي وزكريا سليمان وعبد الحفيظ التطاوي عدد من متخرجي المعهد العالي للفنون المسرحية، وهذه الفرقة هي أول الفرق التي تكونت في الخمسينيات، وقدمت مواسم مسرحية، هذه الفرقة التي قدمت أول ما قدمت (بيت الدمية) لابسن، ومسرحية (ماهية مراتي) واكتشفت نعمان عاشور وقدمت له أولى وثانية مسرحياته (المغناطيس) و(الناس اللي تحت).

وقد أسس سعد أردش مسرح الجيب عام 1962 وافتتحه بصرخة من صرخات اللامعقول حيث قدم على خشبته أول عمل مسرحي عبثي وهو عمل (لعبة النهاية) لصموئيل بيكيت، ليعلن بذلك دعوته للتجريب، وليتولى رئاسة أول دورة لمهرجان المسرح التجريبي عام 1988 الذي هاجمه بعد ذلك واتهمه بأنه تسبب في تفتت المسرح وضياعه حيث لم يضع في اعتباره مسألة المحافظة على المسرح التقليدي وأطلق العنان للتجريب مما أصاب المسرح التقليدي بالتفكك والتخلف، مؤكدا انطلاقا من رؤيته القومية على أنه لا يجوز التجريب على مسرح لم يزرع بعد في معظم البلدان العربية .


وفي حوار لي معه منذ عامين سألته عن قلة تمثيله في المسرح واكتفائه بالإخراج وعن الأعمال التي شارك فيها فقال: بالفعل مثلت للمسرح مرات قليلة جدا منها دور عبد الهادي بطل مسرحية الأرض، ولم أكن من المفروض أن أمثله، لأن القاعدة أن مخرج العمل يكون في الصف الأول للمتفرجين ولا يشارك في العرض، لكن الفنان حمدي غيث الذي كان يمثل دور عبد الهادي لظروف سياسية بمعني تصادم بين القيادات منع من تقديم الدور فلم يكن أمامي إلا القيام به، والعمل الثاني الذي شاركت فيه تمثيلا (الحصار) لميخائيل رومان وهو من المسرحيات التجريبية القليلة جدا في تاريخ المسرح المصري المعاصر، وجلال الشرقاوي أخرج العمل بحكنة ومقدرة شديدة، كما قدمت مسرحية الكل في واحد وهي عبارة عن ملخص لفكر وفلسفة ومسرح توفيق الحكيم وأخرجها ممدوح طنطاوي.
تشكيل الوعي
ويذكر أن أردش بدأ حياته التمثيلية من خلال الإذاعية قبل دخول التلفزيون، ومن أدواره للإذاعة والتي لا يكاد أحد يذكرها (قصص القرآن) للكاتب محمد على ماهر والمخرج يوسف حطاب، وأيضا مسلسل ألف ليلة وليلة الذي كان يخرجه محمد محمود شعبان (بابا شارو)، ولم يقتصر الأمر عند ذلك بل قدم عددا من المسرحيات العالمية، وعند دخول التلفزيون عام 1961 قدم عمله الأول لا تطفئ الشمس عن قصة إحسان عبد القدوس وإخراج نور الدمرداش.
وظل أردش الذي أخرج للمسرح قرابة المئة مسرحية يواصل العمل حتى أعجزه المرض وإن كان بشكل أقل كثيرا عن فترات سابقة، فقدم في السنوات الأخيرة عددا من المسلسلات التلفزيونية وأخرج أكثر من مسرحية منها مسرحية «يا طالع الشجرة» لتوفيق الحكيم والتي مثلتها أمينة رزق قبل رحيلها، ومسرحية «الشبكة» المأخوذ عن «سقوط مدينة ماهوجني» والذي عرض على خشبة المسرح القومي في الصيف الماضي والتي تعد آخر مسرحياته.

ومن أهم إنجازات أردش بعيدا عن المسرح تمثيلا وإخراجا أنه تخرج على يديه سواء في المسرح أو في قاعات الدرس أجيالا عدة من الفنانين والمسرحيين في مختلف الدول العربية، فمنذ عودته من إيطاليا عام 1961 وهو يدرس علوم المسرح، وله اسهامات بارزة في تشكيل الوعي المسرحي في مصر والجزائر والكويت.
وفي التلفزيون شارك أردش في العديد من الأعمال الدرامية، وربما من أشهرها (لا تطفئ الشمس) و(الوجه الآخر) و(المال والبنون) و(محمد رسول الله)، أما في السينما فالأعمال التي شارك فيها قليلة جدا قياسا للمسرح والتلفزيون، على الرغم من أن أول ظهور له كان سينمائيا في فيلم (ظهر الاسلام) عام .1951


وسعد أردش من مواليد مدينة فارسكور بمحافظة دمياط 21 أكتوبر ,1924 كما حصل على ليسانس التخصص في الإخراج المسرحي من اكاديمة الفنون المسرحية بروما عام .1961 وقد عمل رقيبا عام 1950 ثم مديرا عاما لمكتب المدير العام لمصلحة الفنون عام 1956 وسكرتير دار الأوبرا المصرية عام ,1957 وعمل الفنان أستاذا ورئيسا لقسم التمثيل والإخراج بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وتدرج في عدة مناصب حتى أصبح رئيسا للبيت الفني، كما كان عضوا في لجنة المسرح بالمجلس الاعلى للثقافة. ونال الفنان الراحل الذي أطلق عليه الراحل د. سمير سرحان (شيخ المسرحيين) العديد من الجوائز والأوسمة منها وسام العلوم والفنون عام 1967 وجائزة الدولة التقديرية من المجلس الأعلى للثقافة وكرمه مهرجان المسرح الكويتي في دورته السابعة ,2004 كما حصل على جائزة الشارقة للإبداع المسرحي عام 2007 .
وللراحل العديد من المؤلفات الفنية والدراسات والأبحاث أهمها «المخرج فى المسرح المعاصر»، «خادم سيد درويش»، «ثلاثية المصيف»، «جريمة فى جزيرة الماعز»، «البرتو مورافيا» و«الحفلة التنكرية» و«انحراف في مقر العدالة»، «أجويني»، «بياتريس»، و«كارلو جولدوني» وهي سلسلة مسرحيات عالمية، وله العديد من الدراسات في العديد من الدوريات المتخصصة بمصر والعالم العربى مثل المسرح ـ فصول ـ الإبداع الفنى المعاصر ـ أعلام العراق ـ العربى ـ البيان.

وقد أسس سعد أردش مسرح الجيب عام 1962 وافتتحه بصرخة من صرخات اللامعقول حيث قدم على خشبته أول عمل مسرحي عبثي وهو عمل (لعبة النهاية) لصموئيل بيكيت، ليعلن بذلك دعوته للتجريب، وليتولى رئاسة أول دورة لمهرجان المسرح التجريبي عام 1988 الذي هاجمه بعد ذلك واتهمه بأنه تسبب في تفتت المسرح وضياعه حيث لم يضع في اعتباره مسألة المحافظة على المسرح التقليدي وأطلق العنان للتجريب مما أصاب المسرح التقليدي بالتفكك والتخلف، مؤكدا انطلاقا من رؤيته القومية على أنه لا يجوز التجريب على مسرح لم يزرع بعد في معظم البلدان العربية .

.
.

حسن العلي
14-07-2008, 07:23 AM
.
.

الفنان المسرحي والسينمائي << جورج أبيض >>

ممثل ومخرج مسرحي وصاحب أشهر فرقة مسرحية تعلم فيها وتخرج منها عشرات من نجوم المسرح بعد ذلك.

وُلد جورج أبيض في بيروت في الخامس من مايو عام 1880، وهاجر إلى مصر وعمره 18عاماً على ظهر سفينة وهو لا يملك ثمن التذكرة فأشفق عليه الربّان وتركه يؤدي كل يوم أدواراً تمثيليّة أمام الركاب، ولم يكن جورج أبيض يحمـل مـن الشهادات سوى (دبلوم) في التلغراف، الأمر الذي ساعده على أن يعمل بعد عام ناظراً لمحطة للسكك الحديديّة في الإسكندريّة.
وفي عام 1904 شاهده الخديوي فـي مسرحية سياسيّة مترجمة بعنوان (بـرج نيـل) وأعجب به فقرر إيفاده في بعثة دراسيّة في باريس لدراسة فن التمثيل.
وفي باريس التحق جورج أبيض بالكونسرفتوار حيث درس التمثيل والإخراج كما درس الموسيقى أيضاً. وعاد إلى مصر عام 1910 على رأس فرقة فرنسيّة تحمل اسمه وعرض مسرحيات من روائع المسرح العالمي باللغة الفرنسيّة. وكان لجورج أبيض فضل قيام عشر جمعيات مسرحيّة بعد ظهوره في مصر إذ لم يكن لسابقيه تأثير جوهري على تقدم الحركة المسرحيّة فلم يصمد ويستمر سواه حتى أسس في النهاية مسرحاً راسخاً.
قدم جورج أبيض أكثر من 130 مسرحيّة مترجمة ومؤلفة طوال 20 عاماً. وفي عام 1921 دعته حكومة تونس ليشرف على تأسيس فرقتها القوميّة، كما استعانت به مصر في عام 1935 في إنشاء الفرقة القوميّة المصريّة التي أصبح من أبرز نجومها حيث قام هو وزوجته دولت أبيض التي اقترن بها عام 1924 ببطولة العديد من عروضها ، وفي عام 1942 أحيل إلى التقاعد.
وكان جورج أبيض من رواد التمثيل السينمائي أيضاً، ففي عام 1932 قام ببطولة أول فيلم عربي غنائي ناطق اسمه (أنشودة الفؤاد). وفي عام 1943 اُنتخب جورج أبيض أول نقيب لنقابة الممثلين. وعندما اُفتتح المعهد العالي لفن التمثيل عام 1944 عُيّن جورج أبيض أستاذاً للتمثيل والإخراج. وفي عام 1952 عُيّن مديراً للفرقة المصريّة للتمثيل والموسيقى ولكنه استقال في تموز عام 1953 لظروف صحيّة.
وقد ظل جورج أبيض يعمل بالتدريس في معهد الفنون المسرحيّة إلى أن توفي في 25 مايو عام 1959.
.
.

حسن العلي
14-07-2008, 07:34 AM
http://www.al-jazirah.com/culture/26052003/21.jpg أحمد شوقي < من رواد المسرح العربي >
يعد احمد شوقي، أمير الشعراء، اول من ابتكر الشعر المسرحي، فهو رائده الاول رغم ان ابا خليل القباني قد كتب قبل شوقي مسرحيتين، لكننا وللنثر
المتراكم فيهما لا نستطيع ادراجهما في المسرح الشعري.
واحمد شوقي، مجدد الشعر العربي مع حافظ والبارودي من قبلهما، قد كتب مسرحياته الشعرية في اواخر حياته، بعد اعتلائه امارة الشعر عام 1927م،
لكنه كان قد بدأ هذه الخطوة الجريئة قبل ذلك بسنوات عندما تم ابتعاثه الى فرنسا لدراسة الحقوق بجامعة مونبلييه حيث رأى هناك، في عاصمة النور كما
تسمى، الوان الحضارة والفنون، ومنها المسرح، والمسرح الكلاسيكي الفرنسي بالذات، فبدأ بكتابة مسرحيته "علي بك الكبير" لكنه لم يتمها واهملها، ثم
عاد الى مصر لينخرط بالعمل الوطني والدفاع عن مصر ضد المحتل الاجنبي، رغم رعاية الخديوي له ومدحه له بقصائد غزيرة، وقد نفي الى الاندلس ثم عاد
عام 1919م ليواصل مسيرته الشعرية والنضالية والسياسية، حتى كان عام 1927م عندما تمت مبايعته على إمارة الشعر.
ويبدو ان المدارس الشعرية الحديثة وتقلبات العصر وظروفه، ومحاولة البحث عن شيء جديد جعلته يتجه لتكملة مشروعه القديم "المسرح الشعري"، فقام
خلال فترة مرضه "1930م" بتأليف عدد من المسرحيات:" مجنون ليلى" و "قمبيز" و "الست هدى" و "البخيلة"، كما اتم مسرحيته "علي بك الكبير"
التي بدأها قبل ذلك بسنوات.
وبالاضافة لهذه المسرحيات الشعرية، كتب "مصرع كليوباترا"، "عنترة"، وايضا "اميرة الاندلس" وهي المسرحية النثرية الوحيدة التي كتبها شوقي، وعلى ما
يبدو انه بدأها منذ مرحلة سابقة عندما كان منفيا الى الاندلس.
في كل هذه النصوص المسرحية التي الفها شوقي، يتضح تأثره كما اسلفنا بالمسرح الفرنسي الكلاسيكي، وذلك باستثناء نصي "الست هدى" و
"البخيلة"، حيث استمد احداث مسرحياته من وقائع تاريخية وتراثية.
ولعل اهم ما يميز مسرحيات شوقي، انها لم تأت لتروي احداثا تاريخية صرفة، فقد توخى شوقي في مسرحياته البنية الدرامية من ترتيب منطقي للاحداث
وقواعد درامية كالتشويق والعقدة والحل مما جعله يبتعد عن الحقيقة التاريخية المؤكدة لتلك الشخوص، كما فعل في مسرحيته "مصرع كليوباترا"، ومن
المميزات الاخرى التي تميز مسرحيات شوقي، تلك العاطفة "الحب" الكبيرة التي شحن بها قلوب ابطاله، مما جعل مسرحه يقترب من المدرسة الرومانسية
كثيرا.
على ان السمة الاخيرة تتضح في فشل شوقي بعدم اجادته رسم الشخصيات الدرامية وتصوير ملامحها، كما هو الحال مع الرومانسيين.
وهذا مأخذ يتخذه النقاد المسرحيون على شوقي، كما ان هناك مآخذ اخرى اتخذت عليه، كتغييره الاحداث التاريخية كما ذكرنا واتخاذ الفترات
الضعيفة من تاريخ الامم.
وهناك معاكسته للعادات العربية التي كانت موجودة، عندما جعل ليلى، في مجنون ليلى، تقدم قيس لاحدى زميلاتها.
على العموم، فشوقي هو رائد المسرح الشعري، وقد جاء من بعده عزيز اباظة ليقدم المسرح الشعري في صورة اكمل من الصورة التي بدأها شوقي الذي قدم
مجموعة من المآسي: مصرع كليوباترا، عنترة، مجنون ليلى، قمبيز، علي بك الكبير، وملهاتان عصريتان: الست هدى والبخيلة.

حسن العلي
14-07-2008, 07:47 AM
http://www.ahewar.org/search/pic/792.jpg
(http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=39466#)


( زينب .. رائدة المسرح العراقي )
هل الناس الذين سيأتون بعد مائة عام .. سيذكرونا أم ينسونا ؟؟
د. جمانة القروي

هذه الجملة قالها الكاتب العظيم تشيخوف في مسرحية " الشقيقات الثلاث " وكأنه كان يتنبأ بالمستقبل ويخاف الأيام التي قد تعبث بذاكرة الناس فلا يعودوا يتذكرون مبدعيهم وصانعي تراثهم ..
فهل يذكر العراقيون الفنانة زينب ؟؟
فنانة مسرحية معطاءة .. عرفتها مسارح بغداد والمحافظات ، ممثلة ملتزمة نذرت فنها من اجل مسرح عراقي تقدمي هادف يرفع من مستوى الذوق الفني العام .. مناضلة تقدمية شجاعة أوقفت حياتها وفنها من أجل قضية شعبها ووطنها..
فهل بقى أحد من جيل الخمسينيات والستينيات الذي سحق تحت رحى التعذيب والإرهاب والمقابر الجماعية يتذكر صرختها وهي تقول " أنة أمك يا شاكر "!!!
وهل يعرف جيل السبعينيات والثمانينيات .. جيل الحصار والحروب والقمع من هي " سليمة الخبازة " في النخلة والجيران لرائعة غائب طعمة فرمان .. فأين لهم ذلك وسلطة الموت والخوف حرفت تاريخ العراق وطمست كل ما هو تقدمي ووطني ...

من هي زينب ؟؟
امرأة متسلحة بالطيبة والبساطة ، ذات قيم ومبادئ.. مناضلة إيمانها ثابت بقضايا شعبنا الأساسية .. فنانة ذات موهبة إبداعية رفيعة ..
ولدت فنانة الشعب زينب " فخرية عبد الكريم " في بغداد بين أحضان عائلة وطنية معروفة في مقارعتها للظلم والتعسف والاستعمار والإقطاع ، كان والدها يعمل مديرا للزراعة ، وبحكم ذلك انتقل وعائلته إلى العديد من المحافظات العراقية ومنها محافظة الناصرية " ذي قار " حيث نشأت وترعرعت هناك.. ثم انتقلت إلى محافظة الكوت " واسط " لتكمل فيها المرحلة المتوسطة.. ثم عادت إلى بغداد وهناك تابعة دراستها الإعدادية ثم دخلت دار المعلمين العالية وتخرجت منها ..
في عام 1948 دخلت المعترك السياسي ، فكان لها دور بارز ومتميز في الكفاح الذي خاضه شعبنا ضد معاهدة بورتسموث وحكومة صالح جبر أبان وثبة كانون المجيدة ، حيث كانت زينب في مقدمة المظاهرات الطلابية التي اجتاحت بغداد آنذاك.. انتمت إلى الحزب الشيوعي عام 1950 .. وساهمت بشكل فعال في المظاهرات التي اجتاحت بغداد في تشرين الثاني عام 1952 وما رافقها من المعارك الدموية التي خاضها شعبنا ضد حكوماته الرجعية ..
كان عام 1952حافلا بالإحداث المهمة في حياتها ، حيث عينت مدرسة في ثانوية الكوت للبنات وبسبب نشاطها السياسي تعرضت إلى الكثير من المضايقات حيث انتقلت للعمل في العديد من محافظات العراق .. قدمت مسرحية " زواج بالإكراه " تأليفها وإخراجها وقد مثلتها مع نخبة من معلمات وطالبات مدرسة الرمادي للبنات وخصص ريعها للطالبات الفقيرات وقد أثارت المسرحية ضجة كبيرة و تعرضت بسببها زينب للقذف والتشهير .. فصلت من الوظيفة عام 1954 بسب نشاطها السياسي أبان الهجمة الشرسة على الحركة الوطنية .. اختيرت عام 1956 من بين عشر ممثلات لتأدية دور " فهيمة " مع الفنان يوسف العاني ومن خلال دورها هذا برزت كممثلة موهوبة ويعتبر فلم " سعيد أفندي " أول عمل جاد قدمته للسينما العراقية ..
عند قيام ثورة 14 تموز المجيدة سنة 1958 أعيدت زينب إلى وظيفتها كمدرسة ثانوية . كان لها دور مشهود في الدفاع عن الثورة ، حيث قادت المظاهرات الجماهيرية التي انطلقت مساندة للثورة .. يقول زوجها المخرج لطيف صالح " عندما سمعت زينب البيان الأول لثورة تموز خرجت من بيتها " في الحلة" وهي تزغرد وتصرخ انتصرت الثورة مما أثار الناس فتجمعوا حولها وهي ما تزال تهتف للثورة وتبرع أحد الباعة المتجولين بعربته لتصعد عليها زينب وهي تزغرد وتهتف فرحا بانتصار الشعب والجيش "..
التحقت الفنانة زينب بفرقة " المسرح الحديث " سنة 1959 ، حيث قدمت أول أدوارها وهو أم شاكر في مسرحية " انه أمك يا شاكر " .. مع الفنان يوسف العاني .. ثم توالت أعمالها المسرحية والتلفزيونية والسينمائية والإذاعية .. إلى جانب موهبتها الفنية ، كانت تكتب القصة القصيرة وكذلك التمثيليات الإذاعية ، كان يسمع لها كل أسبوع تمثيلية إذاعية من تأليفها .. استمرت الفنانة زينب في عطائها الفني إلى أن وقع انقلاب 8 شباط عام 1963 المشؤوم ، فخرجت لتؤدي واجبها الوطني في الدفاع عن ثورة 14 تموز المجيدة مع جماهير الشعب من اجل بقاء شعلة الثورة وهاجة ، إلا أن أعداء الشعب القتلة كانوا قد صمموا واعدوا كل شئ من اجل وئد الثورة .. فاضطرت للهروب إلى كردستان والمكوث هناك حوالي السنة ونصف السنة ، إلا أنها عادت إلى بغداد عام 1965 لممارسة نشاطها في المنظمات النسائية وعملت كمدرسة في مدرسة النجاح الأهلية ..
أعيدت زينب إلى وظيفتها أسوة بباقي المفصولين السياسيين عام 1968 حيث عينت في مدرسة ثانوية المنصور ثم أصبحت فيما بعد مشرفة تربوية .. في نفس العام مثلت مع الفنان خليل شوقي فلم " الحارس " الذي حاز على الجائزة الفضية لمهرجان قرطاج السينمائي في تونس ..
أزدهر عطاء الفنانة زينب الفني في السنوات التالية من خلال فرقة " المسرح الفني الحديث " فمثلت أدوار جادة وهادفة في مسرحيات " تموز يقرع الناقوس " و " الخرابة " و " الخان " و " بيت بر نادا ألبا " التي حازت فيها على جائزة أحسن ممثلة في العراق أما دورها في مسرحية " النخلة والجيران "فقد كان نقلة هامة في حياتها الفنية ، فمن منا لا يذكر " سليمة الخبازة "؟؟
لم يقتصر عطاءها الفني على السينما والمسرح ، بل قدمت أعمالا كثيرة للإذاعة والتلفزيون ومن أهم تلك الأعمال " الربح والحب " ، " بائع الأحذية " وقد نالت عن هذين العملين الجائزة الأولى في مهرجان الخليج التلفزيوني ..
اقترنت الفنانة زينب بالمخرج والفنان لطيف صالح عام 1970 ليكون رفيق مشوارها الفني والسياسي .. عملت في نقابة الفنانين وفي اتحاد الأدباء ورابطة المرأة العراقية منذ تأسيسها .
بعد الهجمة البعثية الشرسة ضد كل القوى التقدمية والديمقراطية عام 1978 يقول الفنان لطيف صالح " كانت فترة رهيبة ومظلمة ، مظلمة جدا ، فقد قطع التيار الكهربائي عن مسرح بغداد أثناء عرض مسرحية " بيت برنا ردا ألبا" فاضطررنا إلى إشعال الشموع والفوانيس .. والاستعانة بممثلات أخريات من خارج الفرقة لإكمال العرض حيث اضطرت ممثلات المسرحية ترك العراق .. ورغم ذلك كان الجمهور يصفق بحرارة في نهاية كل عرض ، إلى أن منعت المسرحية نهائيا " ثم منعت الفنانة زينب من دخول الإذاعة والتلفزيون ومنعت حتى كتاباتها فاضطرت لمغادرة العراق عام 1979...

زينب والمنافي
أصعب شئ على الفنان الملتزم الذي يحترم فنه وخشبة المسرح التي يقف عليها .. هو الابتعاد عنها.. يحس وكأنه انتهى ، يشعر بفراغ في أعماقه ، هناك شئ ما ينقصه.. لذلك لم يكن من السهل على فنانة الشعب ترك وطنها .. كانت تذرف الدمع الحار عندما كانت تفكر بذلك .. لكنها في النهاية أذعنت لصوت الغربة والاغتراب .. من اجل الحفاظ على اسمها وشرفها وفنها...
عشقها للمسرح جعلها تشكل فرقة مسرحية في كل المنافي التي عاشت بها .. جعلها تمثل مع هواة وهي الممثلة ذات التاريخ الحافل..همها الوحيد تنشئة جيل جديد ينهض بالمسرح من بعدها .. ذللت كل تلك العقبات من اجل أن يكون هناك مسرح هادف يقرب الناس من وطنهم ويحميهم من وحشة الغربة ...
لقد مرت زينب في العديد من المحطات بعد مغادرتها العراق أوائل شهر كانون الثاني 1979.. فما أن تفتح حقائبها في أي دولة حتى تحزمها من جديد لترحل إلى بلد آخر.. الكويت كانت أولى تلك المحطات ثم لندن لتمكث هناك 60 يوما .. سافرت إلى بلغاريا لتبقى فيها ثلاثة اشهر .. وفي نهاية شهر تموز من العام نفسه سافرت إلى عدن ، حيث عينت هناك مستشارة فنية في وزارة التربية ومشرفة على إجازة التمثيليات التلفزيونية ...
في عدن أسست فرقة مسرحية باسم " فرقة الصداقة " تولت رئاستها وقد استفادت من طاقات خريجي معهد وأكاديمية الفنون الجميلة ممن اضطرتهم ظروف العراق إلى مغادرته .. وكان أول عمل مسرحي مثلته الفرقة بعد تأسيسها " مغامرة راس المملوك جابر " تأليف سعد الله ونوس وإخراج لطيف صالح وعرضت على المسرح الوطني في عدن ، ومسارح أخرى وفي محافظة أبين وكذلك في معسكرات الجيش اليمني .. ثم قدمت الفرقة رواية " ألام " لمكسيم غور كي والتي كان قد مسرحها بر يخت واشترك فيها أيضا عدد كبير من الممثلين وأخرجها سلام الصكر.. كما قدمت الفرقة مسرحية " غرف التعذيب " من خراج سلام الصكر أيضا ..
نشطت زينب في مجال الصحافة ، كانت تكتب الشعر والقصة القصيرة والعديد من المقالات التي نشرتها في جريدة 14 أكتوبر ..
منتصف عام 1981 حملت حقائبها مرة أخرى لتكون دمشق محطتها الجديدة والتي كانت حافلة بإبداعها .. إذ عينت في وزارة الثقافة .. وأسست فرقة " بابل " المسرحية التي كانت تضم مجموعة كبيرة من الممثلين .. كانت أول أعمالها مسرحية " الحصار " من تأليف عادل كاظم ، وإخراج لطيف صالح والتي لاقت نجاحا كبيرا.. ثم مسرحية " ثورة الموتى " من إخراج سعد السامرائي .. وتوالت الأعمال فقدمت مسرحية " وحشة وقصص أخرى " من إخراج روناك شوقي وقد عرض هذا العمل في مهرجان دمشق الدولي حيث اعتبرت فرقة بابل ممثلة العراق في المهرجان وذلك لغياب الفرقة القومية عنه .. كما قدمت مسرحية " قسمة والحلم "من إخراج سلام الصكر .. كان لا يفوت زينب الاحتفال بيوم المسرح العالمي كل عام فقد كانت حريصة على تقديم عرض مسرحي بهذه المناسبة .. خلال وجودها في دمشق قامت بتأليف وتمثيل التمثيلية الإذاعية اليومية لإذاعة صوت الشعب العراقي ..
تركت الشام سنة 1990متوجة إلى بلغاريا للالتحاق بزوجها بعد حصوله على بعثة لإكمال دراسة الدكتوراه .. وبسبب الأوضاع الاستثنائية التي كانت تمر بها الدول الاشتراكية لم تمكث زينب سوى بضعة اشهر هناك..
حملت حقائبها هذه المرة إلى بلاد الصقيع إلى " ستوكهولم "عاصمة السويد في 22 تموز 1990 ، وانتقلت إلى مدن أخرى ليستقر بها المقام أخيرا في مدينة " يتبوري " .. كان أول شئ فكرت به الفنانة زينب هو إنشاء فرقة مسرحية ..
منتصف عام 1991 شكلت فرقة " سو مر " المسرحية من الهواة واختيرت زينب مديرا فنيا لها .. باكورة اعمل فرقة سو مر كان في يوم المسرح العالمي " صور شعبية وصورة " من تأليفها واستمر العرض لثلاث ليالي متتالية ، كما قدمت الفرقة مشهدا من مسرحية " مغامرة راس المملوك جابر " بعنوان " الجوع " .. ثم عرضت سو مر مسرحية " أنة أمك يا شاكر " ومسرحية " قارب في غابة " .. ثم مسرحية " يا غريب اذكر هلك "..

أهم الأعمال المسرحية للفنانة زينب
أنة أمك ي شاكر / رسالة مفقودة / الخال فانيا / الخان/ الشريعة / تموز يقرع الناقوس / قسمة والحلم / الحصار / النخلة والجيران / الخرابة / شعيط ومعيط وجرار الخيط / الينبوع / وحشة وقصص أخرى / ألام / مغامرة راس المملوك جابر / بغداد الأزل بين الجدل والهزل / سوليف يا ليل / صور شعبية وصورة / فوانيس / شفاه حزينة / ثورة الموتى / المملكة السوداء / ست دراهم / بيت برنا ردا ألبا / دون خوان / نفوس / صور جديدة / هاملت عربيا / أنا ضمير المتكلم.

أهم أعمالها في المنافي
" ألام " التي قدمت في عدن ..
" وحشة وقصص أخرى " " قسمة والحلم" في دمشق ..
" صور شعبية وصورة " في المنفى الأخير" السويد ..
زينب .. جرد حساب آخر ..
عشرات الأعمال الفنية والتلفزيونية .. مئات الأعمال الإذاعية تأليفا وتمثيلا ..

الأفلام
سعيد أفندي / أبو هيلة / الحارس
الجوائز
افضل ممثلة عن دورها في مسرحية " بيت برنا رندا ألبا "
أفضل ممثلة عن دورها في بائع الأحذية " جائزة التلفزيون الخليجي "
جائزة مهرجان قرطاج السينمائي لفلم الحارس
مسلسلات تأليفاً
الساقية المهجورة
أمل والريح
في مهب الريح
ما فات القطار " سجلت للتلفزيون الكويتي " ..

رحلت وعيونها شاخصة نحو العراق
لم يكن الموت بحد ذاته يخيفها أو يرعبها لكن لوعة فراق الأحبة والوطن .. أن يحتويها ثرى العراق المروي بماء دجلة والفرات .. هذا ما كان يخيفها .. كانت دائما تردد لماذا ؟؟ .. وعلى ماذا نخاف بعد فقدنا وطننا ..
كانت صحتها جيدة لا تشكو شيئا .. متفائلة دائما ونشيطة .. محبة للحياة ..إلا أن هاجسا غريبا لازمها منذ زمن بعيد وشكاً كان يراودها باستمرار ، بأنها ستكون ضحية ذلك المرض الخبيث ..
في عام 1994 شعرت بوهن في ساقيها، راجعت على أثر ذلك الأطباء ، الذين ركزوا على المفاصل .. لم يكتشفوا المرض إلا بعد أن استفحل وبالصدفة رغم أنها كانت تخضع للتحاليل المختبرية الأسبوعية .. عندما علمت بحقيقة مرضها لم تخنها شجاعتها في مواجهة مصيرها .. كانت تضحك وتمزح مع زوارها، بمعنويات عالية جدا وتحملت بصبر وصمت آلامها .. حتى رحيلها يوم 13 آب 1998 .. حيث خرجت لوداعها جموع غفيرة من العراقيات والعراقيين على اختلاف أديانهم وميولهم واتجاهاتهم ، بالإضافة لعشرات الشخصيات والوجوه السياسية والثقافية والفنية من مختلف أنحاء العالم .. في موكب مهيب لم تشهد السويد مثله من قبل .
حيث تقدمت الموكب دراجتان ناريتان لشركة المرور وسيارة خاصة فيها نعش الفقيدة ملفوفاً بعلم عراق 14 تموز ومكسواً بأكاليل الزهور .. كما ألقيت في المقبرة كلمات مؤثرة لوداع فنانة الشعب زينب ،،
سنحدث الناس عنك .. كل الناس .. فسيعرفك كل العراق بكل أطيافه وطبقاته .. سيبقى اسمك رمزاً للمسرح الهادف الحر .. وفنك شجرة وارفة حية في قلوب العراقيين .


استودعكم الله
.
.

حسن العلي
15-07-2008, 12:25 AM
http://www.maktoobblog.com/userFiles/t/o/tootsham/images/550image.jpeg

رحيل مها الصالح: فنانة سورية رائدة عشقت المسرح فأصبحت وحيدة علي خشبته! (http://tootsham.maktoobblog.com/1091061/%D8%B1%D8%AD%D9%8A%D9%84_%D9%85%D9%87%D8%A7_%D8%A7 %D9%84%D8%B5%D8%A7%D9%84%D8%AD%3A_%D9%81%D9%86%D8% A7%D9%86%D8%A9_%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9_%D8% B1%D8%A7%D8%A6%D8%AF%D8%A9_%D8%B9%D8%B4%D9%82%D8%A A_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%B1%D8%AD_%D9%81%D8%A 3%D8%B5%D8%A8%D8%AD%D8%AA_%D9%88%D8%AD%D9%8A%D8%AF %D8%A9_%D8%B9%D9%84%D9%8A_%D8%AE%D8%B4%D8%A8%D8%AA %D9%87%21)

بقلم: محمد منصور


برحيل الممثلة السورية المخضرمة مها الصالح، لا تفقد الحركة الفنية السورية وجهاً مألوفاً وحاضراً بقوة كما درجت كليشيهات الرثاء الجاهزة على القول... فالفنانة الراحلة عن (63) عاماً، رغم أهمية ما قدمت في السينما والمسرح والتلفزيون، ورغم كونها تمثل نمطاً فنياً أقرب إلى الرصانة والاتزان والالتزام الثقافي... إلا أنها في السنوات الأخيرة كانت شبه غائبة عن الإنتاج التلفزيوني الغزير الذي تشهده الحركة الفنية في سورية، والتي كان لها فيها إسهامات مميزة فيما مضي... وربما كان اتجاهها للمسرح في زمن انصرف عنه الكثير من أبناء جيلها، ميزة تحسب لها بالتأكيد، وخصوصاً أنها قدمت أعمالا تستحق الاهتمام، إلا أنها كانت في الوقت نفسه، تعبيراً عن ندرة الفرص التلفزيونية الهامة التي كانت تعرض عليها في السنوات الأخيرة، وعن رفضها تقديم أي دور لمجرد التواجد... في بلد باتت تشكل فيه الدراما التلفزيونية رافعة الإنتاج الفني والحضور الإعلامي في آن معاً!

إرث ثقافي عائلي!
لم يكن الأب المقيم مع العائلة حينذاك في مدينة حلب السورية، والذي أرسل ابنته إلى العاصمة دمشق في ستينيات القرن العشرين، لتدرس التجارة... يعلم أن قدر ابنته مها سيكون هو الفن... في زمن كان من الصعب فيه على النساء الاشتغال في هذه المهنة التي لم تكن محبذة حتى بالنسبة للرجال... فوجئ بصورتها في إحدى الصحف كوجه مسرحي جديد... فشد الرحال كي يقف على هذا التحول الخطير في حياة ابنته!
لكن مها الصالح التي بدأت مسيرتها في الوقت الذي بدأت فيه الدولة في سورية بتبني الفنون من خلال إنشاء المسرح القومي ومؤسسة السينما والتلفزيون السوري التي انطلقت كلها في عقد الستينيات... كانت تستند في ذلك الي إرث عائلي متنور، فشقيقتها هي الشاعرة سنية صالح، التي أصبحت فيما بعد زوجة الشاعر الكبير محمد الماغوط، كما أن شقيقتها (خالدة) غدت زوجة شاعر كبير آخر هو أدونيس... ناهيك عن اشتغالها بالنقد الأدبي.
ربما كانت هذه الأجواء كفيلة بإطلاق فنانة من طراز خاص... لم تأت من إرث النوادي أو الملاهي، بل جاءت من وسط عائلي كان يؤمن بشكل ما بالثقافة... وقد اكتمل هذا الإرث العائلي حين تزوجت مها الصالح عام 1966من الفنان أسعد فضة، العائد من دراسة الإخراج المسرحي في القاهرة... فغدا الزوج رفيق الدرب في البيت والمسرح وفي الحياة والفن.

تجربة مسرحية ثرية
بدأت مها الصالح تجربتها الفنية عام 1964 من خلال (فرقة الفنون الدرامية) التابعة للتلفزيون السوري... وهي نفس (ندوة الفكر والفن) التي أسسها رفيق الصبان عام 1959، ثم عندما اشتغل في التلفزيون جاءت معه وحملت اسم (فرقة الفنون الدرامية)، وكانت تقدم مسرحيات عالمية للتلفزيون، وبداية مها كانت في مسرحية (الخجول في القصر) التي أخرجها رفيق الصبان عام 1964، ثم تحول عناصر الفرقة المذكورة إلي المسرح القومي، فكانت مها الصالح أبرز المنتسبين الجدد لهذا المسرح أيضاً.
وجدت مها الصالح في المسرح القومي في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين جواً مثالياً للعطاء والعمل... فقد كان مسرحاً ناهضاً، رواده متقدون بالحماسة، يجمعهم الحب بقدر ما تحفزهم المنافسة والرغبة في التميز... وتتنازعهم الرغبة في تأكيد البعد الثقافي للفن المسرحي حتي على حساب جماهيريته أحياناً!
سرى علي مها الصالح وأسعد فضة، ما سرى على تجربة علاء الدين كوكش وملك سكر... وعلى تجربة شكيب غنام وسلمي المصري في التلفزيون، فقد كانت الزوجة قاسماً مشتركاً في مسرحيات الزوج المخرج... مع فارق بسيط، هو أن المسرح بقي ـ حتى في فترة ألقه ـ بعيداً عن حديث الكواليس الفنية... لكن واقع الحال أن مها الصالح كانت تواجه جمهوراً مسرحياً نخبوياً ونقاداً مسرحيين لا يرحمون... وبالتالي كان تبني الزوج لها يسقط أمام أول لحظة مواجهة على الخشبة... حيث عليها أن تثبت ذاتها، وتعلن جدارتها ...
شاركت مها زوجها المخرج والممثل أسعد فضة، نخبة من أهم أعماله المسرحية: (الملك العاري) 1969 (السعد) 1971(سهرة مع أبي خليل القباني) 1974 (سيزيف الأندلسي) 1976 (رقصة التانغو) 1981 (حكاية بلا نهاية) 1986 وفي هذه الأعمال وسواها جسدت شخصيات تاريخية شهيرة فكانت ولادة بنت المستكفي عشيقة ابن زيدون في (سيزيف الأندلسي) وكانت قوت القلوب في (سهرة مع أبي خليل القباني) وقبل ذلك جسدت دور الثائرة الفرنسية جان دارك في المسرحية التي أخرجها محمد الطيب للمسرح القومي عام 1970 وتعاملت مها الصالح مع نصوص عدد من أهم كتاب المسرح العربي والعالمي فاشتغلت نصوص شكسبير (الملك لير) وبرنادشو (جان دراك) ويفجيني شفارتس (الملك العاري) ومروجك (رقصة التانغو) وألفريد فرج (زواج علي ورقة طلاق) وأحمد الطيب العلج (السعد) ومحمود دياب (الزوبعة) الأمر الذي شكل لها حصيلة ثقافية وفنية علي قدر من الغني والثراء وصقل أحاسيسها كممثلة.

عشق المونودراما
وقد عادت في تسعينيات القرن العشرين، وهي الفترة التي انقطع فيها أغلب أبناء جيلها عن العمل في المسرح، لتعمل في أبي الفنون بدأب وإخلاص فقدمت إحدى نصوص سعد الله ونوس التي كتبها أواخر حياته (يوم من زماننا) مع المخرج عجاج سليم، كما انصرفت بجرأة إلي تجربة المونودراما (الممثل الواحد) لتقدم عددا من التجارب التي حازت عليها جوائز هامة كما في (عيشة) عام 2000 للكاتب حكيم مرزوقي والمخرجة رولا فتال، والتي حازت عليها جائزة أفضل ممثلة في مهرجان المتوسط في إيطاليا، و(شجرة الدر) عن نص للتونسي عز المدني ومن إخراج الدكتور شريف خزندار 2004 والتي حصدت عنها تمثال السيدة صاحبة الكلب لتشيخوف في مهرجان الممثل الواحد في موسكو 2007.
شاهدت مها الصالح علي المسرح في عرض (عيشة) الذي يروي عذابات المرأة الشرقية، وكانت قد قدمته قبلها ممثلة شابة... فلمست فيها وكانت قد تجاوزت الخامسة والخمسين من العمر... طاقة تتفجر حيوية، وقدرة خلاقة علي الموازنة بين عمق الإحساس وحركية الأداء... وحرفة مسرحية لم تزدها السنون إلا اندفاعاً وحرفية وحماساً... كانت تشتعل علي المسرح متنقلة بين الغضب والرضا... وبين الهدوء والسخط... وبين القهر والتمرد... وكانت في الكواليس تذوب فرحاً حين ينتهي العرض كل ليلة... وهي تفكر بشكل التواصل في العرض الذي يليه!
لقد عشقت مها الصالح خشبة المسرح في السنوات التي اكتشفت أنها أصبحت وحيدة على هذا المسرح... وقد قادتها وحدتها بعد انهيار طقوس العمل المسرحي في سوريا، إلي المونودراما كخيار فني... ربما من واقع نجاح تجربتها في (عيشة) أو ربما رغبة في الاستئثار بأكبر مساحة ممكنة للتعبير... التي استطاعت ملأها بطبيعة الحال... لكن وأيضاً لأنها كانت تفتقد الشريك والند على الخشبة في زمن اللهاث التلفزيوني المغري!
وقد خلت حينها أن تجربة مونودراما (عيشة) هذه ستكون مجرد عودة رمزية للمسرح، اعتاد الفنانين المخضرمين أو غيرهم أن يقوموا بها كذر للرماد في العيون بين عمل تلفزيوني وآخر... إلا أن تجربة مها الصالح التالية كذبت هذا الاعتقاد، إذ لم تكتف بهذا العمل ولا بما تلاه... بل سعت في السنوات الأخيرة، لتأسيس تجمع مسرحي نقابي باسم (موال) قدمت من خلال عددا من الأعمال (الأيام الحلوة ـ خطبة لاذعة ـ قبعة المجنون). التي كانت تتابع كل شؤونها بنفسها!

أدوار تلفزيونية منتقاة!
ربما كان أكثر ما يمثل روح مها الصالح وجرأتها في تعبيرها عن قضايا بنات جيلها، شخصية (نادرة) التي أدتها في المسلسل التلفزيوني (أولاد بلدي) مع الكاتب أكرم شريم، والمخرج علاء الدين كوكش عام 1972... فهي هنا تمثل نموذج الفتاة الجامعية المتحررة، التي تحب بصدق، وتندفع نحو مشاعرها انطلاقاً من إيمانها بقيم الحب والحياة والصداقة النبيلة... لكنها في النهاية تدفع ثمن صدقها ونبلها في مجتمع شبابي ينادي بقيم التحرر الزائف، بينما يغرق في عقليته الشرقية المحافظة... فتقرر في النهاية الانتحار!
كان الدور في حينه لافتاً وجريئاً أدته مها الصالح بحساسية عالية... وظل لسنوات طويلة أحد أدوارها التلفزيونية المفضلة كما كانت تصرح في حواراتها... وقد تتالت مشاركاتها التلفزيونية الهامة في بداية انطلاقة الدراما التلفزيونية السورية... وعملت تقريباً مع أبرز المخرجين في تلك الفترة... فمع علاء كوكش قدمت: (حارة القصر ـ تغريبة بني هلال ـ وضاح اليمن ـ أم عمارة) ثم في تسعينيات شاركته مسلسل (أبو كامل) في جزأية 1990ـ1993 ومع المخرج غسان جبري عملت في (حكايا الليل ـ الغضب ـ رمضان كريم) كما شاركته مسرحية (أغلى جوهرة في العالم) للكاتبة كوليت خوري والتي قدمت علي مسرح الحمراء عام 1975 وفي الثمانينات عملت مها الصالح مع المخرج هيثم حقي في (عز الدين القسام ـ بصمات علي جدار الزمن ـ حرب السنوات الأربع) ومع هاني الروماني في (رحلة إلي الغد) 1982 كما سعت في بداية فورة الإنتاج التلفزيوني إلي تقديم أعمال تلفزيونية تبرز قضية المرأة كما في (برج العدالة) مع المخرج عبد المسيح نعمة 1990 و(امرأة لا تعرف اليأس) فضلا عن مشاركتها في أعمال تلفزيونية أخري كـ (الأخطبوط) مع محمد بدرخان 1992 و(قلوب دافئة) مع المخرج نذير عواد عام 1993
تقلبت مها الصالح في هذه الأعمال بين دور الفتاة الشرقية أو المرأة الشعبية كما في (حارة القصر) و(الغضب) و(أبو كامل) وبين شخصيات أرستقراطية وتاريخية، وأخري مثقفة تسعي لفضح المجتمع الذكوري... وقد ميزها أحياناً إحساسها الداخلي الذي يميل للتعبير الهادئ... والوقار النبيل... إلا أن الانفعالات الميلودرامية في بعض الأعمال التي تعتمد الطبخة التلفزيونية الرائجة، غالباً ما أخذتها إلى ذروة من ذري الأداء التمثيلي المعبر... وإذا لم تستطع مها الصالح أن تكون نجمة تلفزيونية بالمعنى السائد للكلمة، فإنها استطاعت أن تكون بلا شك، صاحبة أدوار وشخصيات لها مساحة هامة... وقد استطاعت بالتأكيد أن تملئ هذه المساحة بطريقتها الخاصة.

تجارب سينمائية متفاوتة!
جرفت مها الصالح موجة الأفلام التجارية السورية في سبعينيات القرن العشرين كغيرها من ممثلات جيلها... إلا أن رصيدها السينمائي لا يقاس بتلك الأفلام بالتأكيد، ولا بالكم الذي يشكل ندرة في رصيد جل الممثلين السوريين عموماً... فأعمال مثل (ثلاثية العار) ثم فيلم أسامة محمــــد الهام (نجوم النهار) 1988 وفيلمه التالي (صندوق الدنيا) وفيلم (الطحين الأسود) للمخرج غسان شميط... يمكن أن تشكل صورة أكثر توازناً عن حضور مها الصالح السينمائي... الذي برز في أفضل حالاته في (نجوم النهار).. وربما في (صندوق الدنيا) رغم ضيق الهامش الممنوح للممثل في الفضاء الدرامي للفيلم عموماً.
رحلت مها الصالح (مواليد جبلة 1945) عن ثلاث وستين عاماً، وبعد صراع مع المرض... الممثلة التي كانت تؤمن بالحياة والحوار والاقتراب بمودة من الآخرين، سعت جاهدة لكي ترسخ اسمها كواحدة من وراد الحركة المسرحية في بلدها، وكي تثري فن المونودراما النسائية بشخصيات وتجارب وأدوار كانت أفضل تعبير عن طاقتها التمثيلية في السنوات الأخيرة... رحل الوجه التلفزيوني والسينمائي الذي كان أسير الفرص التي أتيحت له، والذي استطاع أن ينتزع مساحة تعبير خاصة ورئيسية وإن لم تكن بطولة مطلقة دائماً... في كل الأحوال كنا أمام حالة تنتمي للحضور الثقافي والبحث الفني... وجاء رحيلها الصامت ليطوي صفحة من صفحات هذا الحضور.





مها الصالح من الرواد الذين لم يفكروا بالنجومية السريعة
بقلم: المخرج غسان جبري
كان العمل في التلفزيون شاٌقاً جداً في البدايات، وفي مسلسل (حكايا الليل) للشاعر محمد الماغوط، كانت ضيفتي في إحدي الحلقات في دور (عيوش) الشغالة البسيطة التي تحمل في داخلها جوعا لكل شيء: للحب.. للاهتمام... للمشاعر... للمال... للجاه... سارت في الشارع، وهي تدعي أنها ابنة مليونير وأخذت تدعو جميع الشباب الذين غازلوها إلي عيد ميلادها... فأفسدت بذلك حفلة العائلة الأرستقراطية التي تعمل عندها، وأظهرت ذلك التوق الدفين لأن تكون في موضع آخر... وموقع آخر!
ثم تعاقب العمل بيني وبينها في تمثيلية (الغضب) حيث روعة التعبير الصامت، وفي (رمضان كريم) حيث الدراما الشعبية التي تقترب من الناس... وفي (أغلى جوهرة في العالم) مسرحية الكاتبة كوليت خوري التي قدمناها علي مسرح الحمراء بدمشق أواخر العام 1975 حيث الحضور المسرحي الطلق.
أهم خصائص مها أنها كانت تحترم دورها وتؤديه بصمت، وتفاجئ الجميع ـ بما فيهم الكاميرا ـ برقة إحساسها وأدائها.
رحم الله مها الصالح... رحلت بصمت وتركت فراغاً كان ممتلئاً بها وبأمثالها من الفنانين الكبار كيوسف حنا وعدنان بركات ونور كيالي وعلي الرواس.
هؤلاء الرواد أتوا إلينا وكانوا يحملون موهبتهم... عملوا بجد وإخلاص... لم يفكروا بالنجومية السريعة... كانوا يؤمنون أن الفن دربه طويلة وشاقة... ونجاحاته تراكمات بطيئة وليست ضربة حظ مفاجئة!


المصدر

جريدة (القدس العربي) 16/6/2008

.
.

حسن العلي
15-07-2008, 01:25 AM
.
.

ناهدة الرماح << رائدة المسرح والسينما >>
د. جمانة القروي

قبل آلاف السنين ابتدع الإنسان المسرح ، عندما احتاج إليه، وكانت المسارح الرومانية والإغريقية المكشوفة تعرض كل ليلة لألوف من مواطني تلك الحضارات العريقة أعقد المشاكل السياسية وأدق المشاعر الإنسانية التي سجلتها آداب تلك الحضارات ، فالحب والغدر والخيانة والانتقام والبطولة والشهامة، تجسدت في ملاحم مكتوبة، وصلت نصوصها لعصرنا، ولا تزال تحتفظ بحيويتها، ويعاد تقديمها في اشهر المسارح العالمية ..
ورغم أن التاريخ لم يسجل إسهاما مسرحيا مبكرا في منطقتنا العربية، وفي العراق بشكل خاص، إلا أن تمثيل" فاجعة كر بلاء"، التي دأب الشيعة في العراق وغيره من المناطق الشيعية على تقديمها كل عام ، ومنذ قرون، يدخل في صلب هذه العملية الإبداعية المسرحية، وقد اعتبر الكاتب المصري " عبد الرحمن الشرقاوي" الذي عايش في النجف في الستينات هذه الطقوس، تمهيدا لكتابة مسرحيته الشعرية الشهيرة " الحسين ثائرا" و" الحسين شهيدا"، واعتبر إن ماراه يعتبر أصدق الأعمال المسرحية الملحمية ،التي سبقت نظرية " برخت" بقرون!!! إذ قال إنه لم ير في حياته تفاعلا حقيقيا ، بين الجمهور والممثلين كالذي شهده أثناء تمثيل تلك الطقوس!!
وإذا إستثنينا هذا المسرح الخاص بالطقس الكر بلائي، فان هناك محاولات مسرحية نشأت أصلا في المدارس الحكومية ومنذ أوائل القرن الماضي، وقد كانت أعمالا تأريخية واجتماعية ، متأثرة بالمسرح المصري، كمسرحيات( في سبيل التاج) و( كليوبترا ) و ( قيس وليلى ).. أما المسرح العراقي الحقيقي فلم يعرف إلا في أربعينيات القرن الماضي .. ومنذ ذلك الحين وقف على خشبته مئات من الممثلات والممثلين العراقيين المبدعيين ، الذين عشقوا التمثيل والمسرح ومازال حبه يجري في عروقهم..

ناهدة الرماح "هي ناهدة إسماعيل القريشي ".. أول فتاة عراقية تقف لتمثل بكل إبداع ولم تكن قد تجاوزت بعد سن السادسة عشر ربيعا . كان دورها الاول في فلم" من المسؤول" عام 1956-1957.. وبذلك نالت عن جدارة لقب رائدة السينما والمسرح العراقي ، ولدت وترعرعت في محلة " الحيدرخانة " في بغداد في بداية أربعينيات القرن الماضي في كنف عائلة سعيدة متكاتفة ،حيث يأتي ترتيبها الرابع بعد أخ واحد وثلاث أخوات قبلها،
عن طفولتها تتحدث وألم الشوق إلى تلك المرابع يجتاحها..إذ تعيش في غربة المنافي منذ 29 عاما!! تتحدث فيرسم الامل خطوطه على وجهها،تأخذ نفسا عميقا ملؤه الحسرة وتقول "كنت اختلف عن باقي أخواتي، كل شئ حولي كان يثيرني، لم اكن احب اللعب مع أقراني ولم يكن يستهويني ذلك،إلا أني كثيرا ما كنت أصغي إلى حديث الكبار ويعجبني متابعة نقا شاتهم التي لم اكن افقه منها شيئا،ومع هذا أتابعها بكل لهفة ، كانت تراودني أسئلة كثيرة، تدور في رأسي الصغير دون أن أجد لها إجابة، لم أستطع طرحها على أحد،لذلك كثيرا ما كنت أكلم نفسي فاخلق حكايات وشخصيات تدور في عالمي الخاص.. هذا العالم كان كله يتجسد في سطح الدار،فهو المكان الذي كنت اشعر فيه بالأمان والاطمئنان والحرية.. حينما أتألم أو احزن ألجأ إليه ، ليشاركني حزني ،وعندما افرح ويسعدني شئ ما اهرع إلى سطح الدار لتشاركني جدرانه فرحتي.. كنت ولا أزال اعشق ليل صيف بغداد، حيث يتسنى لي مراقبة النجوم وهي تتألق كأنها حبات لؤلؤ بصفاء لم أجد له مثيلا أبدا .. لاحقا ربطت بين حبي لسطح البيت وبين خشبه المسرح ،،

لقد عشقت ناهدة الرماح منذ ذلك الحين التمثيل ،حيث كانت وضمن لعبها الطفولي تمثل أدوارا عديدة وتتقمص شخصيات مختلفة ، لم تكن تدرك حينئذ أن لها موهبة التمثيل والوقوف أمام الجمهور، فلم يكن هناك حركة فنية ولم يكن العراق قد عرف المسرح أو السينما.. لم يخطر ببالها يوما أنها ستكون ممثلة لا بل رائدة من رواد الفن السابع في العراق.. رغم كل الدلائل الكثيرة التي كانت تشير إلى أنه سيكون لها شأن في هذا المجال.. عن الأحداث المهمة في حياتها تبتسم وهي تتابع حديثها ،" اذكر أني كنت في الصف الرابع الابتدائي ، عندما جاء الموسيقي الراحل " جميل بشير " إلى مدرستنا لعمل نشاطات فنية فوقع اختياره عليَ مع مجموعة أخرى لتمثيل مسرحية بعنوان " رسول الملك " وقد دربنا عليها وقمنا بتمثيلها،وفي العرض الأول لها أشاد بي قائلا ،" أن لناهدة حس مسرحي كبير، كما لو أنها وقفت على خشبته مرات سابقة.. أثناء العطل المدرسية كنت اصب جل اهتمامي في متابعة أخبار الممثلين المصريين وأفلامهم من خلال مجلتي المصور و أخر ساعة.."بالإضافة إلى تعليقات مدرساتي عندما قالت إحداهن على سبيل المثال، يومها كنا في سفرة مدرسية "أنك تبرزين بين الطالبات بشكل ملفت للنظر كأنك ممثلة " ..
لقد نشأت ناهدة الرماح في بيت يعج بالحياة السياسية حيث كان أخوها أول نقيب لعمال المطابع في بغداد ،بالإضافة إلى زوج أختها الأكبر منها والتي كانت لصيقة بها دائما، لذلك كانت غير بعيدة عن الاضطهاد والتعسف الذي كان يجري في العهد المباد ، حيث ما تزال تذكر وبشكل واضح مذبحة سجن بغداد، عندما رأت بأم عينيها كيف كان السجناء المضربون عن الطعام يقتلون.. لقد اثر ذلك تأثيرا كبيرا على صقل شخصيتها.. تزوجت وهي ابنة الخامسة عشر ربيعا ، بناءا على رغبة أهلها في ذلك الوقت ، لكن الزواج لم يثنها عن إكمال دراستها الثانوية ثم الالتحاق بعد ذلك بالعمل الوظيفي ..عن هذه المرحلة من حياتها تتكلم بألم بالغ ، وبحسرة على أحلى سنوات العمر فتقول :"لم اكن اعرف ما معنى هذا الارتباط ، ولما سألوني عن رغبتي بالزواج أم لا.. لم أستطع إبداء رأي بذلك وتركت الآمر لأهلي ، لكني بعد حين أصبت بخيبة أمل فلم تكن هذه الحياة التي اطمح أن أعيشها، ولم يكن هذا ما تصبو إليه نفسي ، لكني لم اخبر أحدا بالإحباط الذي كاد أن يدمرني، وكثيرا ما كنت اطلب من والدتي العودة بي إلى دارنا، لأعيش بينهم من جديد..كنت شديدة التكتم على معاناتي الداخلية ، كنت رافضة تماما لتلك الحياة".

اغرورقت عينيها بالدموع ، وتحشرج صوتها ، فاختنقت العبرات والحسرات في صدرها ‘ فأخذت جرعة ماء ونفسا عميقا.. فما كان مني إلا الرحيل معها إلى شواطئها المفضلة، لنرسو هناك ولنبتعد ما استطعنا عن تلك الإحباطات التي مرت بها، فسألتها: كيف أصبحت ممثلة ؟؟ سرعان ما انقشعت أثار الألم عن وجهها، وانجلت عنه مسحة الحزن تلك وغمرته ابتسامتها الصافية ، لتقول:"تعرفت على صديقة اسمها ليلى تعمل في الفرقة الشعبية فكانت تدعوني لمرافقتها لحضور العروض المسرحية.. كنت اجلس في القاعة وأنا مبهورة .. بالناس ،بخشبه المسرح بالإنارة وألوانها.. كنت وقتها افقد الإحساس بمن حولي ، بمن في العالم... لكني لم أتخيل أبدا بأني سأقف هناك يوما ،أمام الجمهور .. مرة طلب مني بدري حسون فريد قراءة نص ما على المسرح .. أصبت برعب حقيقي ، واخذ جسمي يرتعش كأن حمى داهمتني.. فتركت النص وفررت هاربة.. لكني سمعت كلماته " لا يمكن أن تكون في يوم ما ممثلة "!!! بعد فترة التقيت صدفة بإبراهيم الهند اوي ، الذي تعرفت عليه من خلال ترددي الدائم تقريبا على المسرح ، واخبرني بان " عبد الجبار ولي" قد عاد لتوه من أمريكا وقد قام بتأسيس شركة أفلام .. وهم يطلبون وجوه جديدة من بنات العائلات الكريمة .. لم تسعني الدنيا من الفرحة ، ولكني لم أستطع الموافقة دون اخذ رأي عائلتي وزوجي ؟فلم يكن قد مضى على زواجي سوى فترة قصيرة .. عندما التقيت( بعبد الجبار ولي) تملكتني الحيرة وسيطر عليَ خوف لم اعرف مبعثه. وما أن سألني إذا كنت أريد أن اصبح ممثلة حتى أجبته دون أي تردد بنعم، فطلب مني عندها تأدية مشهد تمثيلي قصير أمامه كاختبار، الذي عرفت نتيجته بعد أيام عندما وصلتني رسالة تقول باني اخترت لتأدية الدور الرئيسي في الفلم العراقي الأول "من المسؤول "

كان يجب عليَ مقاطعتها لكي اسألها عن المتاعب والمصاعب التي صادفتها عندما قررت أن تكون أول فتاة تنفض الغبار عن مهنة التمثيل مما كان يلفها آنذاك من ادران؟؟ سرحت بعيدا في متاهاتها.. لتغرق في الماضي ،فينعكس عليها وتظلل وجهها سحابة حزن صامتة فتقول"أثناء ذلك تراكمت المشاكل مع عائلتي بخصوص التمثيل ، فحينها كان التمثيل مقتصرا للأسف على فتيات الملاهي.. ولم يكن المجتمع العراقي يتقبل أن تخوض هذا المضمار فتاة من عائلة، لذلك لم يكن بالأمر الهين عليَ أو على أهلي تحمل أعباء ذلك .. فما كان من أخي إلا الطلب من المخرج أن يشارك عائلتي معي في تمثيل الفلم ، وفعلا مثلت أمي وأخي وزوجته فيه.. مما أضفى عليه مصداقية كبيرة جدا فالشخصيات معظمها حقيقية لناس من المجتمع نفسه ، كما أنه طرح قضية جريئة جدا،هي بكارة الفتاة ليلة الزفاف.. كان إحساسي بالشخصية عميقا جدا، لذلك مثلت بعفوية وصدق ..تواصل ناهدة الرماح ذكرياتها عن فلمها الأول فتقول " كانت أيام التصوير الذي استمر حوالي الشهرين متعبة جدا، فأستوديو بغداد لم يدخله أحد منذ سنوات طويلة، الأجهزة قديمة وأكثرها عاطل ، المبنى ذاته عبارة عن أكوام من ألازبال والأشواك ..وبعد جهود مضنية خرج الفلم إلى النور وعرض في سينما " دار السلام"..ذهبت للعرض الأول وأنا خائفة لا بل مرعوبة من ردة فعل الجمهور .. كانت قطرات العرق تبللني من رأسي حتى أخمص رجلي وما أن انتهى الفلم حتى زعزع كياني كله التصفيق الحار والمتواصل إذ أذاب كل خوفي وقلقي .. كنت استمع لكلمات الإطراء والإعجاب وأنا في قمة السعادة، التي كانت بمثابة حافز جديد للاستمرار بهذا الطريق الشائك والشاق والطويل ،والذي لم اندم يوماً أني مشيته أبدا ...
واصلت ناهدة الرماح حياتها كربة بيت وزوجة، وأم ، لكنها لم تتخلى عن أحلامها في أن تكون ممثلة، واستمرت على متابعة الأخبار الفنية ، وقراءة كل ما يخص المسرح والسينما من كتب ومجلات ..في عام 1957 دعيت لمشاهدة مسرحية بعنوان" أغنية الدم " .. فتجدد لديها الأمل بالعمل مرة أخرى عندما التقت بزميلها وأستاذها ورفيق دربها " سامي عبد الحميد " حين طلب منها أن تمثل معهم في الفرقة... ما أن عادت بذاكرتها إلى تلك الأيام حتى طفح وجهها بالسعادة، كأنما عادت بها عجلة الزمن إلى تلك اللحظات السعيدة بالذات،لتقول " ما أن نطقت أمام الزميل سامي بالموافقة ، حتى وجدت بين يدي أوراق لنصي مسرحيتين الأولى كانت مترجمة عن الفرنسية بعنوان " الرجل الذي تزوج امرأة خرساء " والأخرى شعبية بعنوان " ست دراهم".. في الأيام الأولى للتدريب ، كان القلق قد جعلني أتلعثم في الكلام ، وأتعثر في المشي عند تأدية مشهد ما.. إلا أن جهود المرحوم إبراهيم جلال وسامي عبد الحميد في جعلي ممثلة لم تذهب إدراج الرياح ، فتعلمت منهما ما هو الفن ، ما هو التمثيل .. ومعنى الوقوف على خشبه المسرح،وما معنى الفنان الملتزم الذي يحترم عمله ..لم ادخر جهدا في تعلم كل صغيرة وكبيرة فكنت شيئا فشيئا ارتقي إلى ما يصبون إليه ...في ليلة ربيعية لا تنسى كان الافتتاح.. انزويت في ركن ما من المسرح وأنا ارتجف ،لم استطع نطق حتى ولا حرف واحد، كانت مشاعري وأحاسيسي كلها منصبة على دوري وكيف سيتقبله الناس... كان لابد من سؤالها، أذن كيف تصفين لنا المرة الأولى التي واجهتِ الجمهور فيها؟ " لا .. لا يمكن نسيان ذلك أبدا، لحظات عصيبة ورهيبة .. ما أن رفعت الستارة حتى كاد قلبي يتوقف من شدة وسرعة ضرباته، أحسست به كما لو انه سيشق صدري ليخرج من بين أضلاعي.. تسمرت قدماي لا تريد أن تبرح مكانها، أصابني لحظتها ذهول وشرود ، لم اصحَ منه إلا على نداء يطلب مني التنفس بعمق، في تلك اللحظة بالذات سطعت أنوار المسرح فهزت كياني كله رعشة فرح أعاد شعوري بالمكان، كما لو أن المسرح فتح لي ذراعيه ليضمني إليه بحنان ويربت على رأسي قائلا لي .. انطلقي.. ولا تخافي شيئاً.. أخذت دموعها تنهمر مدرارا وتحشرج صوتها وكان التأثر قد تغلغل عميقا في قلبها فامتقع لونها ، ورغم ذلك واصلت حديثها قائلة:" عندما خرجنا لتحية الجمهور رفعت رأسي فرأيت أمي بينهم ، وهي تصفق وتبكي وتزغرد وهي في قمة السعادة، وتلتفت إلى الناس الذين حولها وتقول لهم .. هذه ابنتي ..!! تلك الفرحة التي رأيت أمي مزهوة بها، جعلتني أتمسك اكثر بهذه المهنة.. ومنذ ذلك الحين سرى حب التمثيل و المسرح في روحي ودمي وعقلي وضميري، واصبح كل شئ بالنسبة لي، لا أتمكن من وصف سعادتي عندما اقف على المسرح أو أمام عدسات التصوير، كأنما املك العالم في يدي ..

بعد ثورة 14 تموز نشط العمل المسرحي والتلفزيوني والإذاعي بشكل كبير،فكانت وزميلاتها الأخريات،زينب وازادوهي يعملن يداً بيد ويشدن أزر بعضهن البعض قدمن العديد من المسرحيات الهادفة والتمثيليات الإذاعية ..عن تلك المرحلة من حياتها تقول الفنانة ناهدة الرماح :" كنت مقسمة ما بين العمل الوظيفي،في مصرف الرافدين ،والبيت والأطفال وطبعا المسرح ،دوامة يومية شاقة وسعيدة في آن معا،أحيانا كثيرة كنت اذهب إلى المسرح مباشرة بعد انتهاء الدوام الرسمي .. في تلك السنوات الحافلة بالثقافة والإبداع لم يكن يفوتنا أن نحتفل بيوم المسرح العالمي ، ونقدم عروضا في تلك المناسبة ..
أدوار عديدة ومتنوعة تلك التي قمت بها سواء في التلفزيون، أو على المسرح ،فأيهم ترك بصمته عليك كناهدة الرماح؟؟ سرحت لبرهة من الوقت، تخللتها تنهدات متقطعة ثم حسرة عميقة وطويلة قبل أن تقول :" عام 1962 تأسست مصلحة السينما والمسرح بالعراق ،وقد عين الفنان يوسف العاني مديرا لها،ثم قررت المصلحة إنتاج مسرحيات للفرق الشعبية العراقية .. وقد اختارت فرقتنا ،مسرحية الخال فانيا، لتشيخوف.. مع قراءة أول سطر في النص جذبني إليه بشكل غريب ، لم اترك الأوراق من يدي إلا وقد أنهيت قراءتها..كان النص يختلف عن كل ما قرأته سابقا، فكانت المعاني بين السطور وخلف الكلمات، حتى النقاط كانت ذات مغزى.. أصابني كما الهوس بهذه المسرحية فكنت أتسائل عن كل جملة ترد فيها لم اترك شيئاً إلا واستفسرت عنه..سهدت ليالي طويلة وأنا أفكر بها، أراجع جملها وكلماتها.. لقد تملكتني شخصية سونيا بشكل غير معقول، ولهذه المسرحية الفضل في صقل شخصيتي كممثلة تفهم ما هو المسرح وما هي أبعاده الحقيقية ، ومعنى الوقوف المقدس على خشبته .." عندما كانت تتكلم تلمست الفنانة ناهدة المنضدة التي كانت أمامها، تناولت بيديها قدح الماء وشربت جرعة منه واصلت حديثها " بعد ذلك وقع انقلاب شباط الأسود عام 1963 في ذلك اليوم خرجت مع الناس إلى شارع الرشيد وجرفتنا الجموع إلى مبنى وزارة الدفاع لاشهد كيف كانت الجثث تتساقط كأوراق أشجار الخريف عندما فتحت الدبابات النار على المتظاهرين،.. ثم جرت ملاحقتي من قبل " ما يسمى بالحرس القومي" لذلك اضطررت لتسليم نفسي إلى إحد مراكز الشرطة ، التي كانت ارحم من الدخول إلى أقبية ومعتقلات الحرس القومي.. وهكذا مكثت في سجن النساء لمدة تزيد عن ثلاث اشهر بتهمة انتمائي إلى منظمة أنصار السلام ورابطة المرأة العراقية، أثناء وجودي خلف القضبان كنت امثل بعض المشاهد المسرحية،لزميلاتي للترفيه عنهن ..بعد خروجي من السجن كان قرار الفصل من الوظيفة بانتظاري..

الفن وبالذات المسرح هو أحد أهم انعكاسات اوجه حضارة وتقدم مجتمع ما،في تلك الفترة القاسية والمظلمة التي مرت على العراق، كان لابد أن يكون أثرها واضحا على المسرح،فكيف مرت تلك السنوات على الفنانة ناهدة الرماح ؟ خيم عليها صمت طويل مما جعلها تلوح اكثر ذبولا وتقدما في السن مما كانت عليه .."حقا تدهورت أوضاع المسرح والسينما بشكل كبير جدا، وساءت أوضاع الفنانين أيضا، مما دعا مصلحة السينما والمسرح لانشاء فرقة بدون ممثلين " أي يتم التعاقد مع الممثلين من مختلف الفرق المسرحية والتلفزيونية للقيام بتمثيل عمل ما" وقد دعيت للمشاركة معهم في مسرحية ..!! للأسف لم اعد أتذكر اسمها.. رغم وجود العديد من المضايقات ،لكن الأوضاع تحسنت بعض الشيء في منتصف عقد الستينات..في عام 1966 عدت إلى وظيفتي في المصلحة التي رأسها حقي الشبلي، بعد أن مكثت في البيت لمدة تزيد على السنتين، ثم واصلت العمل مع فرقة الفن الحديث وقمنا بتمثيل ثلاث مسرحيات خلال ذلك العام وهي "مسألة شرف، عقدة حمار، فوانيس " لم أشارك في الأخيرة".. في عام 1967 عرضنا مسرحية " صورة جديدة" على قاعة المسرح القومي.. في عام 1968 طلبت مني المصلحة التعاون معهم من خلال الفرقة القومية إلا أني اعتذرت عن ذلك لارتباطي مع فرقة الفن الحديث.. بين عامي 1969- 1970 وفي خضم تلك المشاكل التي طوقتني من كل الجهات عاد قاسم محمد من موسكو وبجعبته ثلاث مسرحيات للكاتب الأرجنتيني " ازفالدو أدرا كون"وهي " الرجل الذي صار كلباً.. مرض أسنان وصديقنا بانجيتو" بالإضافة إلى رائعة غائب طعمة فرمان، " النخلة والجيران " هذه الأعمال كانت قادرة على محو نظرة الحزن في عيني وغسل كل الآلام عن نفسي.. لقد كان لمسرحية النخلة والجيران الفضل الكبير على المسرح العراقي حيث دخله عامة الناس لمشاهدتها كما أستخدم فيها ولأول مرة المسرح الدوار ..تلتها مسرحية " المفتاح "وفيها أدخل لأول مرة على المسرح الغناء والرقص ضمن حوار المسرحية مع مؤثرات البرق والرعد والمطر.. استمرت محاربتي بأشكال عديدة ،فبعد عودتي من إجازتي السنوية صيف 1970وجدت آمرا إداريا بنقلي إلى الفرقة القومية، لم انفذ هذا القرار مما اضطرني على أثره ترك العمل في المصلحة .. لكني عدت إلى العمل بعد فترة وجيزة بسبب إلحاح بعض المسؤولين، ثم في عام 1971 نقلت إلى الإذاعة لتقديم برامج للأطفال..إلا أن النصوص كانت هزيلة جدا فرفضت الاستمرار بتقديمها، وأنيطت بي مهمة أعداد وتقديم هذه البرامج وقد واظبت على اختيار قصص مفيدة وذات مغزى للأطفال، وفي عام 1973اعددت 7 حلقات عن إحدى القصص الروسية لكي تذاع في يوم الطفل العالمي ،لكنها ألغيت بذريعة أن مستواها أعلى من مستوى الطفل.. سنوات عديدة وأنا أتحمل كل أشكال المراوغة والمحاربة بشكل علني أو مستتر وقد تعبت من ذلك فقررت أن أحيل نفسي على التقاعد حتى أتفرغ للتمثيل مع فرقتي " فرقة المسرح الفني الحديث "ولم احصل على مرادي إلا بشق الأنفس وبعد عناء طويل استهلكني تماما .. ألم بها التعب فطلبت منها أن ترتاح قليلا ، لكي نستطيع مواصلة الحديث ، وما أن أخذت نفسا عميقا حتى عادت لمواصلة سرد ما لحقها من مرارة وعذاب خلال تلك السنوات، فقالت "في نفس العام عرض عليَ التمثيل بفلم الضامئون ،وكانت فرصة جيدة بالنسبة لي، إلا أن أعداء النجاح دائما يقفون بالمرصاد، فعملوا المستحيل من اجل أن يقهروني ، ويجبروني على ترك العمل، لكني بقيت صامدة إلى أن ظهر الفلم إلى النور، وقد حضرت مع أسرة الفلم مهرجان موسكو، وهناك استقبلت بحفاوة ليس لها مثيل من قبل الحاضرين.. من هناك سافرت إلى برلين لحضور مهرجان الشبيبة العالمي .. في كل موسم كنا نقدم مسرحيتين على الأقل وقد شاركت في أكثرها ومنها ، الشريعة .. تموز يقرع الناقوس.. هاملت عربيا .. ولاية وبعير..ترددت كثيرا قبل أن أثير عندها ذكريات الماضي،الحاضر، لكن لا محال من فتح الجرح من جديد والذي لم يلتئم بعد فسألتها ، وماذا عن ما حدث لك ليلة 10/1/ 1976في مسرحية القربان ؟ شعرت بانقباض مؤلم أصابها، وان شيئا غامضا أوشك على خنقها، ثم مسحت دموعها بظاهر كفها لتقول " قبل الذهاب إلى المسرح أحسست بصداع شديد كاد أن يدمر رأسي، ذهبت إلى الطبيب قبل ذهابي لتقديم العرض،وقد نصحني بمراجعة اختصاصي العيون الذي بدوره اخبرني بان هناك انفصال في الشبكية، ويجب عليَ الراحة التامة، لكني ورغم كل تحذيراته ،قادتني قدماي إلى مسرح بغداد حيث عرض المسرحية ، مع كل مشهد كنت أحس بان النور يقل شيئا فشيئا.. وفي المشهد الأخير، حين أقول جملة ( صرت فانوس لكل اللي يعرسون) كنت لحظتها زنوبة التي أحرقت نفسها فداء للآخرين وبذات الوقت ناهدة التي ضحت بنور عيونها من اجل المسرح.. وأجهشت في بكاء متواصل، ولاح أنها قد أصيبت بقدر كبير من خيبة الأمل.. ومنذ ذلك الحين بدأت رحلتها المضنية مع المرض التي لم تنتهي لحد الآن .. ثم كان لابد من الوقوف معها عند أهم محطات الغربة والشتات والعذاب ..
" بدأت ملامح الغربة وأنا ما أزال في بغداد ومنذ اللحظة الأولى لإصابتي في عيني ،لكن قتامتها ازدادت عندما اضطررت كغيري من الوطنيين والديمقراطيين إلى الرحيل لبلدان أخرى كي نكون بعيدين عن القتل والإرهاب وشراء الذمم، سيما وأني تعرضت لاكثر من حادث قتل ..لقد منعت من السفر، لكني استطعت وبمساعدة بعض الخيرين الحصول على موافقة السفر.. حينما أقلتني الطائرة عام 1979إلى لندن مكثت فيها 6 اشهر غادرتها إلى رومانيا ثم جيكوسلفاكيا ثم إلى لبنان التي عشت فيها سنتين ،عانيت خلالها كل أصناف الفاقة والعوز والمرارة والآلم.. ثم غادرتها إلى دمشق لامكث هناك عاما أخر..في عام 1983 رحلت إلى لندن التي كنت فيها وحيدة وليس لديَ ما يسد رمقي، يأكلني المرض والآلام.استبد بي اليأس، وكم من مرة فكرت بالموت.. كان عليها كبح نفسها، كيلا يبدو عليها التأثر اللعين الذي يستعجل الدموع ،ورغم ما بذلته من جهد لكن دموعها أبت إلا أن تنهمر ساخنة على خدها ..ثم استدركت لتكمل حديثها،" ورغم ذلك لم أتوقف يوما عن أعداد محاضرات وأمسيات عن المسرح والسينما العراقية وفي العديد من بلدان العالم .. موسكو،براغ ،هنكاريا،السويد،الدانمارك،أمريكا، كندا وأبو ظبي وفي لندن عشرات الندوات والمشاهد المسرحية التي تعكس معاناة المرأة العراقية وبمفردي .. لم أتوانَ يوما عن تقديم أي شئ من اجل بلدي
..
غيرت دفة الحديث و سألتها عن الجوائز التي حصلت عليها .. فأجابتني " جائزة احسن ممثلة عن دوري في" النخلة والجيران" ..ثم في مهرجان دمشق الدولي عن دوري في " الضمير المتكلم"بالإضافة إلى أني حصلت على جائزتين أخريتين عن نفس الدور بمناسبة يوم المسرح العالمي ..ثم جائزة عن دوري في مسرحية " القربان ".. وفي عام 1976 منحت جائزة احسن ممثلة تلفزيونية عن دوري في تمثيلية " مسالة خاصة في مكتبة عامة ".. في عام 1977 قيمت كرائدة للسينما العراقية ومنحت جائزة أيضا..

وأخيرا هل تتحقق المعجزة ويعود للفنانة الكبيرة ناهدة الرماح بصيص من النورالذي حرمت منه كل هذه السنين، لترى بغدادها الحبيبة وتقف على مسارحها مرة أخرى .. ؟؟
وهل يسمع من يؤمنون بالتقدم والحضارة والحرية .. هذا النداء ..؟
امل ذلك .. فربما يتحقق هذا الامل !!!

استودعكم الله
.
.

حسن العلي
15-07-2008, 06:43 AM
.
.

الكاتب المصري << عبدالرحمن الشرقاوي >> رحمه الله

هو الشاعر والمؤلف الروائي والمسرحي، وكاتب التراجم الإسلامية، والناقد الثقافي المصري الكبير وأحد كبار رواد حركة التجديد الشعري العربية في نهاية الأربعينات، وهو أيضا أحد كبار رواد الاتجاه الواقعي الاجتماعي النقدي في الإبداع الأدبي العربي الحديث، وأول من كتب المسرحية الشعرية العربية مستخدماً الشعر الحديث (شعر التفعيلة) الذي كان أحد رواده، وهو أيضا أحد أبرز الأدباء الذين عملوا بالصحافة ووصلوا إلي أرفع مناصبها، والذين اشتغلوا بالعمل السياسي الاجتماعي العام، وقد تضاعف تأثيره علي المناخ السياسي والثقافي والفكري في مصر والعالم العربي من خلال دفاعه عن الديمقراطية والعدل الاجتماعي.

وُلد عبدالرحمن الشرقاوي في 10/11/1920 بإحدى قري محافظة المنوفية، وبدأ تعليمه في كتاب القرية ولكنه انتقل بسرعة إلي المدارس الحكومية المدنية وتخرج في كلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول عام 1943.
وعندما نشر الشرقاوي قصيدته الطويلة "رسالة من أب مصري إلي الرئيس ترومان"عام 1951 كان للقصيدة أثرها القوي لدي الجمهور القارئ في مصر بقدر ما كانت علامة علي التغيير علي دربه الشعري. ونشر روايته الأولي "الأرض" في كتاب عام 1954 والتي كانت أول تجسيد واقعي في الإبداع الأدبي العربي الحديث.
واصل الشرقاوي دوره الريادي فنياً وفكرياً متنقلاً إلي المسرح الشعري حين نشر مسرحيته الشعرية الأولي "مأساة جميلة" عام 1962، ولم تكن هذه أول دراما تكتب بالشعر الحديث فحسب ولكنها تميزت بما اكتسبه من ميل البناء الدرامي عند الشرقاوي إلي الملحمية.
وفي التراجم الإسلامية يرتاد الشرقاوي منهجاً جديداً وأصيلاً بدأه بكتابه الفني الفذ "محمد رسول الحرية" ـ "الفاروق عمر" ـ "علي إمام المتقين" ـ "الصديق أول الخلفاء" ـ "عثمان ذو النورين".
منحه الرئيس أنور السادات جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1974، ومنحه معها وسام الآداب والفنون من الطبقة الأولي. توفي عبدالرحمن الشرقاوي في 10 نوفمبر 1987.





مسرح عبدالرحمن الشرقاوي والكتابة الدينية

ارتبط اسم الشاعر المسرحي الكبير عبد الرحمن الشرقاوي بالكتابة الدينية وذاع صيت مسرحيتيه الحسين ثائرا والحسين شهيدا ليطغي علي شهرة باقي مؤلفاته الأخري‏..‏ وفي ذلك قدر كبير من عدم الإنصاف لكاتب تنوع إنتاجه وتميزت أعماله بعمق التحليل وقوة الأسلوب‏,‏ بالإضافة لاهتمامه بعنصر الحركة علي خشبة المسرح‏..‏
فلم يكن كأغلب سابقيه من كتاب المسرح الشعري يهتمون بالحوار فقط‏..‏ وليس يعنيهم كثيرا كيف تتحرك الشخوص علي خشبة المسرح وتكون جذابة بصريا بقدر جاذبيتها علي الورق‏..‏ ستجد في مفتتح مسرحية وطني عكا للشرقاوي بداية تعرف البطلين ليلي وابن عمها ماجد بأن تظنه غريبا معتديا وتستل خنجرها ويدور بينهما الحوار المتوتر‏,‏ وكأن العبارات القصيرة ترسم أسلوب الحركة علي خشبة المسرح‏..‏
وعلي الرغم من أن وطني عكا تعرض أصلا فكر المقاومة إلا أنها تقدم هذا الفكر من خلال فرجة مسرحية وإيقاع سريع مميز‏..‏ وقد ترك عبد الرحمن الشرقاوي كنزا من المسرحيات الشعرية منها الأسير عن المقاومة الشعبية لحملة لويس التاسع و مأساة جميلة والتي أخرجها الفنان حمدي غيث علي المسرح القومي في عام‏1962‏ ولعب بطولتها مع شفيق نور الدين ومحمد السبع ومحسنة توفيق وعايدة عبدالجواد وعبد الله غيث وصلاح سرحان‏..‏
وأيضا مسرحية الفتي مهران التي عرضها المسرح القومي أيضا في عام‏1966‏ وأخرجها الفنان كرم مطاوع وتقاسم بطولتها سميحة أيوب وعبد الله غيث وشفيق نور الدين وعبد الرحمن أبو زهرة وعبدالسلام محمد وأحمد الجزيري‏.‏
وكذلك كتب مسرحية شعرية عن القديسة كاترين بعنوان "سانت كاترين" وتحكي عن المقاومة المسيحية أثناء الاحتلال الروماني لمصر‏.‏ وهذا بالطبع بالإضافة لرائعتيه الحسين ثائرا والحسين شهيدا ولعل عدم حصول الشرقاوي علي ما يستحق من شهرة وتكريم مرجعه الي شدة تواضع الرجل وعدم إكتراثه بتلميع نفسه إعلاميا كما يفعل كتاب آخرون أقل منه في الموهبة والقيمة‏..‏ والدليل علي ذلك ماقاله هو عن نفسه في حوار أجرته معه مجلة المسرح في عدد يوليو‏1966‏ حيث أعلن‏:‏ إنني لا أكره مسرحية من مسرحياتي ولكني لست مفتونا بأي من هذه المسرحيات‏..‏ علي العكس أشعر دائما بنواحي نقصي‏..‏ وإذا كان يجب أن أقول كلمة واحدة مختصرة فلست راضيا عما أكتب‏,‏ لأنني أشعر أنني لم أعبر عما أكتب‏,‏ لأنني أشعر أنني لم أعبر بعد كما ينبغي‏,‏ وأحاول في كل عمل جديد أن أكمل النقص الذي اكتشفته فيما سبق‏..‏ أما من ناحية العرض المسرحي‏..‏ وفضل هذا ليس لي وإنما للمخرج وللممثلين.
هكذا كان الشرقاوي ثائرا علي نفسه وشهيدا بين أقرانه من كبار المبدعين‏.‏

.
.

حسن العلي
15-07-2008, 06:49 AM
.
.

في ذكرى عبد الرحمن الشرقاوي..الثائر دائما

http://www.moheet.com/image/30/225-300/308923.jpgعبد الرحمن الشرقاوى كاتب مصرى
"إنني لا أكره مسرحية من مسرحياتي ولكني لست مفتونا بأي من هذه المسرحيات‏..‏ علي العكس أشعر دائما بنواحي نقصي‏..‏ وإذا كان يجب أن أقول كلمة واحدة مختصرة فلست راضيا عما أكتب‏,‏ لأنني أشعر أنني لم أعبر عما أكتب‏,‏ لأنني أشعر أنني لم أعبر بعد كما ينبغي‏,‏ وأحاول في كل عمل جديد أن أكمل النقص الذي اكتشفته فيما سبق‏..‏ أما من ناحية العرض المسرحي‏..‏ وفضل هذا ليس لي وإنما للمخرج وللممثلين".

هكذا لم يكترث كاتبنا كثيرا بتلميع نفسه إعلاميا والدليل هو كلماته التي جاءت في حوار أجرته معه مجلة المسرح في عدد يوليو‏1966.
محيط - سميرة سليمان
إنه عبد الرحمن الشرقاوي التي تمر اليوم العاشر من نوفمبر ذكري ميلاده ووفاته أيضا فقد ولد عام 1920 وتوفي عام 1987، الشاعر و الأديب و الصحافي و المؤلف المسرحي و المفكر الإسلامي المصري، الذي ولد بمحافظة المنوفية شمال القاهرة و تأثر بالحياة الريفية و كانت القرية المصرية هي مصدر إلهامه، و إنعكس ذلك على روايته "الارض" التي تحولت إلى فيلم سينمائي شهير بنفس الاسم أخرجه يوسف شاهين عام 1970، . وكان قد بدأ الشرقاوي في نشرها في صحيفة المصري عام 1953 بعد ثورة يوليو 1952 دون أن يستكمل النشر ثم صدرت في كتاب عام 1954 وتم نشرها منذ البداية برسوم الفنان حسن فؤاد.

تخرج في كلية الحقوق و عمل في الصحافة، وهو أول من كتب المسرحية الشعرية العربية مستخدما الشعر الحديث "شعر التفعيلة" الذي كان أحد رواده، و هو أيضا أحد أبرز الأدباء الذين عملوا بالصحافة و وصلوا إلي أرفع مناصبها.
فهو صاحب القصيدة الطويلة الشهيرة "من أب مصري إلي الرئيس ترومان" التي عبرت عن مرحلة جديدة من الوعي القومي وجعلت منه مع أعمال أخري رائدا في هذا المجال.
ويقول الشاعر أمل دنقل أن عبد الرحمن الشرقاوي هو "رائد الشعر الحر الأول في مصر" حيث أن قصيدته الشهيرة "من أب مصري للرئيس ترومان" هي الوثيقة الشعرية الأولي التي أعلنت ميلاد هذا الاتجاه وفيما يلي بعض أبيات الجزء الأول من تلك القصيدة :
ياسيدي.. إليك السلام.. وإن كنت تكره هذا السلام
وتغري صنائعك المخلصين
لكي يبطشوا بدعاة السلام
ولكنني
سأعدل عن مثل هذا الكلام
وأوجز في القول ما استطيع
فإني معني بشتي الأمور بكل الأمور
وأني لأعجب لم صوروك
حديد الفؤاد بليد الشعور
وأعلم أنك تهوي الزهور
فتنشد ألوانها في الدماء
وتمشي من الارض في حيث شئت
لتقطف زهور الربيع
فتسحق أوراقها اليانعات
وتنثرها فوق أرض الشقاء
وأعلم أنك تهوي العطور
فتنشر في الارض عطر العفونة
وإعلم أنك تهوي الحرير
فتطعم في الوحل دود الخيانة
بخضرة أيامنا الزاهرات
وتسقيه رونق ماء الحياة
لينفث بعد خيوط الحرير
تلف بهن رقاب العصاة
كانت هذه القصيدة من أوائل الأعمال التي تنبهت إلي السيطرة الأمريكية الوافدة إلي عالمنا العربي وتسخر بعض مقاطع هذه القصيدة الطويلة من العربدة الأمريكية وماتثيره في العالم من الاضطربات والمحن علاوة علي إشارتها للنهم الأمريكي تجاه البترول العربي حيث يقول:
وأقسم كم روج الانباء
هنا.. لاقتدارك في كل فن
بأمرك تضطرب الحادثات
باسمك يمضي ركاب المحن
علي أنني.. سألتك ياسيدي.. يا إله
ويامن بيمناه سر الحياة
أن تقرأ هذا الخطاب القصير
إذا ما تناولت عند الصباح
شراب الدم الساخن المستباح
إذا ماتداعيت فوق الطعام
فتجرع بترول أرض "النبي"
تسيغ به بعض ماتزدرد
وبعض الطعام عصي نكد
وفضلا عن هذا الإبداع في مجال الشعر فقد كتب ست مسرحيات في الفترة بين 1962 ­ 1982
وأولها "مأساة جميلة". وهي عن الجزائرية جميلة بوحريد وظهرت بعد ذلك مسرحية "الفتي مهران" في عام 1966 ثم "وطني عكا" في عام 1969.
و"الحسين ثائرا" و"الحسين شهيدا" في عام 1971، و"النسر الأحمر" عام 1974، و"أحمد عرابي" عام 1982 .
وكذلك كتب مسرحية شعرية عن القديسة كاترين بعنوان "سانت كاترين" وتحكي عن المقاومة المسيحية أثناء الاحتلال الروماني لمصر‏.‏

وفي إهدائه مسرحية "الحسين ثائراً" لأمه، قال عبد الرحمن الشرقاوي: "إلى ذكرى أمي أهدي مسرحيتي "الحسين ثائرا" و"الحسين شهيدا " لقد حاولت من خلالهما أن أقدم للقاريء والمشاهد المسرحي فيه أروع بطولة عرفها التاريخ الإنساني كله دون أن أتورط في تسجيل التاريخ بشخوصه وتفاصيله التي لا أملك أن أقطع فيها بيقين إلى ذكرى أمي التي علمتني منذ طفولتي أن أحب الحسين ذلك الحب الحزين الذي يخالطه أغلب الإعجاب والإكبار والشجن ويثير في النفس أسى غامضا وحنينا إلى العدل والحرية والإخاء وأحلام الإخلاص ". http://www.moheet.com/image/58/225-300/589224.jpgالحسين ثائرا
وتم منع عرض "الحسين ثائرا وشهيدا" مع أنه تم عمل بروفة عامة لها بالملابس الرسمية والديكور. وبالإضافة إلي هذا الإبداع المسرحي تميز الشرقاوي في مجال التراجم الإسلامية وقد بدأها بكتاب "محمد رسول الحرية" ومن بين مؤلفاته في هذا المجال "الفاروق عمر"، و"علي إمام المتقين"، "الصديق أول الخلفاء"، و"عثمان ذو النورين".
منحه الرئيس أنور السادات جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1974 ، ومنحه معها وسام الآداب و الفنون من الطبقة الأولي .

يقول عنه عنه د عبد العزيز شرف في كتابه "عبدالرحمن الشرقاوي الفلاح الثائر" : تظهرنا الرؤية الابداعية في أدب عبد الرحمن الشرقاوي على خصائص ثلاث يصدر عنها فيما يكتب ويبدع ونعني بها الاصالة او الجدة في العواطف المعبر عنها، الوضوح في التعبير عن هذه العواطف، اخلاص الاديب المبدع، او شدة العواطف التي يعبر عنها.
وهو حينما يصدر عن هذه المقدمات، فإنما يسعى لتحقيق التناغم بينه - كمرسل - وبين جمهوره - كمستقبل - من خلال الخبرات المشتركة بينهما، في اطار دلالي، يجعل من عملية الاتصال في ادب الشرقاوي حقيقة ملموسة، حيث يدرك أن الرسالة التي يبدعها ليست مجرد عاطفة او انفعال وانما هي فن يعمر بالشخصية والاصالة والجدة.
ويقول أمين عام المجلس الأعلى للثقافة جابر عصفور: "إن أدب الشرقاوي غني عن البيان، وهو أول من طرح قيمتي العدل والحرية في أعماله، وركز عليهما في تلك الملحمة النورانية التي أغلقوا ملفها منذ فترة طويلة، وهي مسرحيته "الحسين ثائراً وشهيداً".
لقد كان رحمه الله رائداً في المسرح الشعري، لكن ومع الأسف منعت مسرحيته الأخيرة هذه حيث تم رفض عرضها في ذلك الوقت (السبعينات) ولم تر المسرحية النور حتى الآن. وعلينا جميعاً أن نسعى للإفراج عنها، فالمسرح هو الذي يحيي الكلمة المقروءة ويظهرها للعامة".

جدير بالذكر أن هذه المسرحية لم تكن العمل الوحيد الممنوع للأديب الكبير عبد الرحمن الشرقاوي، إذ طالما تعرضت روائعه إلى هجوم مشايخ الأزهر إلى الدرجة التي طالبوا فيها بإعدامه وحرق كتابيه "محمد رسول الحرية" و"علي إمام المتقين"! وبالفعل فإن الكتابين قد صدر بحقهما أمر المنع غير أنه تم إنقاذهما بعد تدخل الرئيس المصري السابق أنور السادات وإلغائه قرارات الحظر بعد ما تأكد شخصياً من خلوهما من أية "إساءة للإسلام" كما زعم المغرضون! وكان السادات قد أمر وزير الإعلام آنئذ بنشر كتاب "محمد رسول الحرية" على أوسع نطاق بعد ما رأى أنه من أكثر الكتب التي تعمق روح الإسلام.
ويقول النقاد ان الشرقاوي ركز على المعاني الكبرى ورسالة تحرير الإنسان, واخراجه من قيود العبودية التي كانت تشهدها مكة مع الظروف الأخرى التي كانت تقيد البشر وتسلب قدرتهم وتحولهم إلى سادة وعبيد دون حقوق للطرف الآخر في المعادلة ودون ضمانات أيضاً .
.
.

حسن العلي
15-07-2008, 06:55 AM
.
.

مأساة الحسين في المسرح العربي <<الحسين ثائراً والحسين شهيداً>> لعبد الرحمن الشرقاوي

في إهدائه مسرحية ( الحسين ثائراً ) لأمه ، قال عبد الرحمن الشرقاوي : (( إلى ذكرى أمي أهدي مسرحيتي ( الحسين ثائرا ) و ( الحسين شهيدا ) لقد حاولت من خلالهما أن أقدم للقاريء والمشاهد المسرحي فيه أروع بطولة عرفها التاريخ الإنساني كله دون أن أتورط في تسجيل التاريخ بشخوصه وتفاصيله التي لا أملك أن أقطع فيها بيقين إلى ذكرى أمي التي علمتني منذ طفولتي أن أحب الحسين ذلك الحب الحزين الذي يخالطه أغلب الإعجاب والإكبار والشجن ويثير في النفس أسى غامضا وحنينا إلى العدل والحرية والإخاء وأحلام الإخلاص )).

وعبد الرحمن الشرقاوي اقتفى أثر أمه منذ الطفولة وسمع دعائها وتوسلها عند مسجد الحسين ( عليه السلام ) ومسجد السيدة زينب ( عليها السلام ) في القاهرة فنمت مشاعره بهذا الاتجاه وبدأ بحثا مضنيا عندما شب وترعرع وبوعيه الثقافي تتبع شخصية الإمام الحسين ( عليه السلام ) فاستجمع تاريخه على يدي سنين حياته فعاش الحسين ( عليه السلام ) في وجدانه وكيانه وأصبح عنده رمزا عاليا لا تماثله أي شخصية نضالية في العالم .
هذا الشاعر الكبير جاءت كتابته للمسرحيتين ممزوجة بالصدق والدموع والنضال والثورة العارمة على الطغاة وأصبحت ملحمة من الملاحم التاريخية الخالدة وعمّق خطا مسرحيا اسلاميا تخطى الأطر المحلية إلى العالمية ، لقد أثارت المسرحيتان ضجة في الأوساط الثقافية عند نزولها إلى الأسواق في أواخر الستينيات وهي من أبرز المسرحيات الشعرية وأضافت قيمة كبيرة إلى المسرح الشعري وعمقته ، هذا المسرح الذي بدأه شوقي ومن رواده نعمان عاشور وصلاح عبد الصبور والعفيفي مطر والشاعر محمد علي الخفاجي وعبد الرزاق عبد الواحد .
وقد استهوت المسرحية بأجزائها الكثير من المخرجين بأن تقدم على المسرح المصري وكان أبرز هؤلاء المخرجين المخرج المرحوم كرم مطاوع الذي جند نفسه لإخراجها مع نخبة من ألمع نجوم المسرح المصري آنذاك مثل عبد الله غيث وسميحة أيوب .

وتبدأ قصة إخراج المسرحية من العراق ، عندما جاء كرم مطاوع مع زوجته سهير المرشدي لزيارة العراق وإلى مدينة كربلاء المقدسة لزيارة قبر الحسين ( عليه السلام ) ليطلع بنفسه على أرض المعركة ، ورافقه جمع من الممثلين والمخرجين والكتّاب العراقيين أمثال يوسف العاني ، وروى لي الأستاذ عزيز عبد الصاحب ( الذي كان ضمن الوفد المرافق ) بعد عودته من كربلاء المقدسة ، قال : كنا قد وصلنا إلى مدينة كربلاء المقدسة وفور وصولنا قمنا بزيارة ضريح الإمام الحسين ( عليه السلام ) وتفقدنا أرض المعركة ، بعد ذلك ذهبنا إلى بيت المرحوم الفنان عزي الوهاب وكان البيت من الطراز القديم ، وهيأ لنا مكانا في ( ارسي ) البيت ، كان ذلك سنة 1970م .

لقد زين الدار بالبسط والسجاد العربي ، وأشار عليه الأستاذ يوسف العاني بأن يدعو لنا شخصا يقرأ المقتل جيدا ففعل وأتى بشخص متوسط العمر من قراء المقتل الجيدين ، وبعد استراحة قصيرة اعتلى الكرسي وبدأ يقرأ المقتل بصوت حنين رقيق ترافقه الحركات التي كان لها وقع عندنا ، كما تعمد التركيز على المقاطع الحية من الكلمات وأقنعنا بأنه من المتمرسين بهذا الشيء ، وكانت نقلاته في الحديث تتحدد إلى أن وصل إلى منتصف المقتل فانتزع البكاء بسخاء ، أول الباكين كان يوسف العاني وتبعته سهير المرشدي زوجة كرم مطاوع ثم كرم مطاوع والبقية الباقية ، وعندما انتهى هذا الشيخ من قراءة المقتل ، قال له كرم مطاوع :

( والله لم يبق لي هذا الرجل شيئا أخرجه ) ، وأخذ الكاسيت الذي سجل لهذا الشيخ وسافر إلى القاهرة بعد أن زار بغداد .

وفي القاهرة بدأ بالتدريب على المسرحية بكامل ملابسها في اليوم الأخير من التدريبات للمثقفين والشعراء والكتّاب ، ونقل عن الدكتور المرحوم السيد مصطفى جمال الدين ، الذي كان حاضرا هذه الدعوة وكان مرافقا لصديقه الشاعر محمود حسن إسماعيل ، قال الدكتور مصطفى جمال الدين : ( كنت قد تلقيت دعوة من الشاعر محمود حسن إسماعيل لحضور مسرحية ( الحسين ثائرا ) و ( الحسين شهيدا ) وكنت متواجدا في القاهرة ، لقد شاهدت المسرحية في أيام شهر رمضان وبكيت حتى ابتلت مناديلي التي احملها وصرت امسح دموعي بكم صايتي )، ثم أردف يقول : ( لقد قدر لهذه المسرحية أن تعرض في العالم الإسلامي لأعطت ثمارها أكثر مما عملناه نحن الشيعة طيلة حياتنا ) . بعد هذا العرض لم تعرض المسرحية إلا بعد خمس عشرة سنة من المنع وقد قرأت في إحدى المجلات الإسلامية في التسعينيات أن المسرحية عادت إلى المسرح بعد أن حل الإشكال بين الأزهر والمخرج على أن لا تظهر شخصية الإمام الحسين عليه السلام ولا العقيلة زينب عليها السلام .

لغة المسرحية

لقد اكتسبت المسرحية شخصيتها اللغوية والبيئية وميزتها عن ألوان الأدب المسرحي المتأثر بتيارات الغرب والشعر الملحمي الإغريقي وتمكن الشاعر عبد الرحمن الشرقاوي أن ينطلق ويحلق بالكلمة البلاغية نحو الإبداع والسمو المشحون بالعاطفة لأنه يمتلك القدرة على التصوير وبتفاعل مع الأحداث باندماج كلي يعينه بذلك فهمه الثقافي وثروته اللفظية من اللغة التي يمتلكها ، أنه عالج موضوعا تاريخيا شغل بال كل الإسلاميين الأحرار الذين اتخذوه طريقا للخلاص على مر الأجيال ، كذلك تأثر به غير المسلمين من طالبي الحرية في العالم ، لقد رسم الخصوصيات من خلال تشابك واضطراب حاضرنا الذي ساده الظلم والاضطهاد والقمع .

وتاريخنا الإسلامي معين لا ينضب يستطيع كتابنا المسرحيون أن ينهلوا منه الكثير لخصوبته ولدلالاته الحيوية التي تعيش متجددة ما دام الإسلام ينشر فكره المشرق المتجدد في كثير من مناطق العالم .
ويستمر الكاتب عبد الرحمن الشرقاوي في نهاية الجزء الأول بحواره المتماسك وبسمو الكلمات ويعرض لنا في المشهد الأخير هذا الحوار الشعري الرائع من ( الحسين ثائرا ) :

( زينب تتأمل المسرح الخالي حزينة )

زينب : أسفاه قد ذهب الجميع ولم يعد إلا القليل الصابرون .

الحسين (ع) : ( يأتي إلى الخيمة ويتأمل المكان الذي خلا من الرجال )

أين الرجال ؟ إني سمعت لجاجهم من خلف أستار الخيام .

( سعيد الذي خرج مع آخر مجموعة من الرجال يأتي فزعا )

سعيد : يا للحسين .

زينب : أسفاه هرب الرجال .

سعيد : هربوا بما أخذوه من مال وأنعام وفيرة .

برير : أين الرجال القائمون على العهود ؟

زينب : فسد الزمان ولم يعد إلا الرجال الخائرون ، أين الرجال الصامدون ؟ ذوو الضمائر ، أهل

البصائر خمص البطون من الصيام ، صفر الوجوه من القيام .

حمر العيون من البكاء

زرق الشفاه من الدعاء

أسفاه قد ذهبوا جميعا .

( الحسين حزينا ثم منفجرا ) :

ما عاد في هذا الزمان سوى رجال كالمسوخ الشائهات

يمشون في حلل النعيم وتحتها نتن القبور

يتشامخون على العباد كأنهم ملكوا العباد

وهم إذا لا قوا الأمير تضاءلوا مثل العبيد

صاروا على أمر البلاد فأكثروا فيها الفساد

أعلامهم رفعت على قمم الحياة

خرق مرقعة ترفرف بالقذارة في السماء الصافية

راياتهم مزق المحيض البالية

يا أيها العصر الرزي لانت غاشية العصور

قد آل أمر المتقين إلى سلاطين الفجور

قل أي أنواع الرجال جعلتهم في الواجهات ؟

قل أي أعلام رفعت على البروج الشاهقات ؟

وتستمر المسرحية بدفقاتها وإيقاعها الشعري تلفت نظر الجميع قارئين ومشاهدين .

إن هذه الدراما الشعرية المأساوية تجسدت في مشهدها الأخير الذي لقت نظر الغافلين واللاأباليين من جهة والثائرين المطالبين بالعدالة من جهة أخرى أن يسيروا على منهج جده صلى الله عليه وآله وسلم وأبيه عليه السلام ومنهجه عليه السلام ويذكروا ثأره لأنه أضحى من أجلهم ومن أجل الأجيال التي تلتهم ومن أجل قضية أزلية تخص البشرية جمعاء .
في هذا المشهد ألغى الكاتب الحاجز الزمني بين الماضي والمستقبل عندما جسد صوت الحسين حاضرا في مجلس المختار طالبا الثأر بدمه ونبهه إلى مصيره ومصير الأمة الإسلامية وامتد هذا النداء إلى الحاضر والمستقبل ليكون الحجة إلى يوم الدين .

لقد نبه الأمة إلى وجود الحكام المستبدين والمنحرفين فيها الذين يهدمون كيانها ليسهل ابتلاعها .

وهذا المشهد الأخير ( يبدأ بسقوط يزيد خلف إحدى الصخور بينما ترتفع نداءات من بعيد .. ويدخل رجال يملأون المكان وعلى رأسهم المختار ، والحسين عليه السلام يقف على الربوة مشرفا عليهم في جلال وسط هالة الضوء الغريب .

الرجال : يا لثارات الحسين ... يا لثارات الحسين بن علي ...

المختار : قد أخذنا فيه ثار الله من كل الطغاة ، نحن لن ننسى الحسين بن علي .

الرجال : يا لثارات الحسين ... يا لثأر الله ... يا لثأر الحسين ...

المختار : ( للرجال ) اذكروا الله كثيرا ، واذكروا ثأر الحسين فهو ثأر الله فينا ..

الحسين ( ع ) : فلتذكروني لا بسفككم دماء الآخرين ..

بل اذكروني بانتشال الحق من ظفر الضلال ..

بل اذكروني بالنضال على الطريق ، لكي يسود العدل فيما بينكم ..

فلتذكروني بالنضال ..

فلتذكروني عندما تغدو الحقيقة وحدها

حيرى حزينة

فإذا بأسوار المدينة لا تصون حمى

المدينة

لكنها تحمي الأمير وأهله والتابعين

فلتذكروني عندما تجد الفصائل نفسها

أضحت غريبة

وإذا الرذائل أصبحت هي وحدها الفضلى

الحبيبة

وإذا حكمتم من قصور الغانيات

ومن مقاصير الجواري

فاذكروني

فلتذكروني حين تختلط الشجاعة

بالحماقة

وإذا المنافع والمكاسب صارت ميزان

الصداقة

وإذا غدا النبل الأبي هو البلاهة

وبلاغة الفصحاء تقهرها الفكاهة

والحق في الأسمال مشلول الخطى حذر

السيوف !

فلتذكروني حين يختلط المزيف بالشريف

فلتذكروني حين تشتبه الحقيقة بالخيال

وإذا غدا البهتان والتزييف والكذب

المجلجل هن آيات النجاح

فلتذكروني في الدموع

فلتذكروني حين يستقوي الوضيع

فلتذكروني حين تغشى الدين صيحات

البطون

وإذا تحكم فاسقوكم في مصير المؤمنين

وإذا اختفى صدح البلابل في حياتكم

ليرتفع النباح

وإذا طغى قرع الكنوس على النواح

وتجلج الحق الصراح

فلتذكروني

وإذا النفير الرائع الضراف أطلق في

في المراعي الخضر صيحات العداء

وإذا اختفى نغم الإخاء

وإذا شكا الفقراء واكتظت جيوب

الأغنياء

فلتذكروني

فلتذكروني عندما يفتي الجهول

وحين يستخزي العليم

وعندما يستحلي الذليل

وإذا تبقى فوق مائدة إمرء ما لا يريد

من الطعام

وإذا اللسان أذاع ما يأبى الضمير من

الكلام

فلتذكروني

فلتذكروني إن رأيتم حاكميكم يكذبون

ويغدرون ويفتكون

والأقوياء ينافقون

والقائمين على مصالحكم يهابون القوي

ولا يراعون الضعيف

والصامدين من الرجال غدوا كأشباه

الرجال

وإذا انحنى الرجل الأبي

وإذا رأيتم فاضلا منكم يؤاخذ عند

حاكمكم بقوله

وإذا خشيتم أن يقول الحق منكم واحد في

صحبه

أو بين أهله

فلتذكروني

وإذا غزيتم في بلادكم وانتم تنظرون

وإذا اطمأن الغاصبون بأرضكم وشبابكم

يتماجنون

فلتذكروني

فلتذكروني عند هذا كله ولتنهضوا باسم

الحياة

كي ترفعوا علم الحقيقة والعدالة

فلتذكروا ثأري العظيم لتأخذوه من

الطغاة

وبذاك تنتصر الحياة

فإذا سكتم بعد ذلك على الخديعة

وارتضى الإنسان ذله

فانا سأذبح من جديد

وأظل اقتل من جديد

وأظل اقتل كل يوم ألف قتلة

سأظل أقتل كلما سكت الغيور وكلما أغفا

الصبور

سأظل اقتل كلما رغمت أنوف في المذلة

ويظل يحكمكم يزيدها ... ويفعل ما يريد

وولاته يستعبدونكم وهم شر العبيد

ويظل يلقنكم وإن طال المدى جرح

الشهيد

لأنكم لم تدركوا ثار الشهيد

فاذكروا ثار الشهيد



وهكذا كانت نهاية هذا المشهد الدرامي عن لسان أبي عبد الله الحسين عليه السلام والمشحون بالعاطفة والتذكير ، وهو تصوير دقيق لنداء الحق والعدل وصيحة تبقى للأجيال القادمة .

ويبقى أن نقول أن التمثيل بشكل عام والمسرح بشكل خاص من أروع الوسائل الإعلامية التي توصل الأحداث بالجمهور ... وقد أجاز علمائنا هذه الناحية الإعلامية وأصبحت تمثل خطا إسلاميا في المسرح والسينما والتلفزيون ، ويقول الشيخ علي الكوراني :

( أما التمثيل فهو وسيلة كمختلف الوسائل الإعلامية ، يحدد جوازه وحرمته الهدف منه وعدم منافاته للأحكام الشرعية ، وقد أجاز علماء النجف الأشرف التمثيليات الإسلامية وهي فعلا تستعمل في مناطق كاحتفال ديني يدعى إليه الناس ويشرف على بعضها العلماء ) .


وغداً يومٌ آخر ،، ،
استودعكم الله
.
.

حسن العلي
22-07-2008, 12:13 AM
.
.
مسرح رفيق علي أحمد … حياة تكمل الحياة

عبدالغني طليس - الحياة
١٧ أيلول (سبتمبر) ٢٠٠٧بقلم


العلاقة وثيقة بين ما يكتبه رفيق علي أحمد في مسرحياته وبين ما يعيشه، كأنما العروة الوثقى بينهما. لكنه يأخذ بتصرف من المواقف الشخصية الحياتية، أي بإضافة أشياء وإهمال أشياء أخرى. وكذلك يأخذ بتصرُّف من المواقف العامة في المجتمع، أي باستعمال العقل في تظهير هذا الموضوع من دون ذاك وتحليله. وفي الحالتين، أي في الخاص والعام، يحرص رفيق على اختيار المناسب لا الحشو، ثم يعمد إلى توليف الوقائع وربطها بعضها ببعض في شكل تُمحى فيه الحدود بين ما يعنيه هو كإنسان ومواطن وتجربة، وما يعنيه المجتمع ككتلة بشرية لها «نظامها» الخفي، وسُلّم قيمها المعروف والمجهول في آن!
من هنا، فإن رفيق علي أحمد يجعلك في مسرحه، المونودرامي تحديداً، حائراً بين أن تصدّق أنه يتحدث عن نفسه وحياته فقط، أم يتحدّث عنك أنت أيضاً. ولعل أبرز مواهبه على الخشبة أنه يقفز بك أدائياً مــن حال إلى حال، من قضية إلى أخرى، من همّ الى آخر برشاقة النسمة الهادئة، مع أن ما يطرحه في هذا المشهد قد يكون مختلفاً جذرياً عن المشهد الذي يليه مباشرة في طبيعته وحيثياته وتفاصيله. ومن دون أي «نقزة» أو «هزّة» تعبر المسرحية إلى المُشاهد في قالب تعبيري بسيط جداً ومعقد جداً عُرف به رفيق كنموذج متميز ليس له بتركيبته الفريدة ما قبله في لبنان، وربما في العالم العربي.
عندما شاهد رفيق في إحدى الزيارات إلى باريس، ذلك الفنان المسرحي الفرنسي الرائع يقدم مسرحية وحده على الخشبة، خطرت على باله فكرة «المونودراما».
اختمرت الفكرة سنة بعد سنة، ثم تجسّدت في «الجرس»، تلك المسرحية التي اتصل بها رفيق الطفل برفيق الشاب، بالقرية، بالمدينة، بذلك الاحتشاد الصاخب لأفكار ضجّت بها الحرب الأهلية اللبنانية. نجحت المسرحية ما لم تنجح مسرحية من قبل لشاب يأتي بفن جديد إلى بلد كان يُقال إنه يُبنى من جديد في مطالع التسعينات من القرن الماضي.
استقبلت المدينة الفنان الريفي المديني بكل الحب والشغف بالاستمتاع بالجديد ما أسس في ذات رفيق علي أحمد لخطوة تالية أرادها أكثر «ثقافة» بالمعنى الفكري للمسرح فكانت مسرحية «المفتاح» التي ذهب بها ككاتب إلى الحروب الصــليبية بــما لــها وما علــيها في التــاريخ، وبــما فيها من الجدل العميق والتحليل والاستنتاج المعرّض للنقض والنقض المضاد، فكان رد فعل الجمهور عليها أقل حرارة من «الجرس» بكثير، وفــشلت مــحاولة رفــيق في إلبــاس ذلك الشاب الريــفي الــمديني ثــوباً أقــل ما يقــال فيه إنه خطر مضموناً ومتطلّب جداً شكلاً. لقد كان مستحيلاً إقناع المُشاهد بحروب صليبية مخزنة في الذاكرة بسنابك الخيول، على خشبة من خلال شخصين اثنين فقط، هذا في الشكل. أما في المضمون فقد أراد رفيق أن يناقش تلك الحروب فكرياً وإنسانياً فنسي «الصورة» (أي ما على الخشبة). يضاف إلى ذلك أن الصراع المسيحي - الإسلامي الذي جسّدته الحروب الصليبية في التاريخ، كان أكبر من أن تحيط به مسرحية محدودة الإمكانات، أو أن يتقبله مجتمع كالمجتمع اللبناني الخارج من حرب كان ذلك الصراع وجهاً من وجوهها في بعض التحاليل أو في بعض الأذهان، وليس لمسرحية مهما يكن كاتبها ومخرجها وبطلها أن ينجو بنفسه من التأويلات «الطبيعية» في وضع كوضع المجتمع اللبناني المنشغل بتفاصيل تحولاته السياسية حينذاك.
عاد رفيق علي أحمد فوراً بعد «المفتاح» إلى رواية حياته وحياة مجتمعه في مسرحيات مثل «زواريب» و «قطع وصل» و «جرصة».
تــرك هــَمّ التــاريخ والفــكر وتــقدّم الــى الــواقع، بالصــيغة إيــاها النابعة من معاناة خاصة - عامة. وبسرعة استعاد زمام المبادرة، وأكمل بناء شخصيته المسرحية «المونودرامية» التي اتخذت في مسرحيته الأخيرة «جرصة» شكلاً أكثر قوة وتأثيراً وصدامية من ذي قبل، مستفيداً من مكانة حققها من جهده الإبداعي السابق في مسرحه الخاص، لكن أيضاً من حضوره بطلاً أساسياً فــي ثــلاث مسرحيات لمنصور الرحباني هي «سقراط» و»حكم الرعيان» و»جبران النبي» حــيث دخــل رفــيق إلى جــمهور جــديد عــليه نسبياً هو الجــمهور الرحــباني الــذي أحبّه وانحاز إليه… وهذا ما يــفسر تنــوّع مــزاج جــــمهور مســرحيته الأخــيرة «جــرصة» وتــعدد فــئاته، مــا أدى إلى احتلالها موقعاً متقدماً لــدى الناس والإعلام.
في مسرح منصور الرحباني كان رفيق علي أحمد «كائناً» رحبانياً، فأغنى تجربته الشخصية في «المونودراما»، بقالب مسرحي مختلف وكبير هو المسرح الغنائي الاستعراضي، وبشخصيات ذوات مغازٍ وأبعاد فنية وتاريخية مهمة أضافت شحنات أدائية «تكنيكية» جمالية إلى ذاته كممثل، مبنية على نصوص تلعب بين المسرح والشعر، بين الموسيقى والاحتفال، بين الحداثة المشهدية والماضي الإنساني.
لا يفكر رفيق علي أحمد بالمسرح إلا أنه حياة تكمل الحياة.

،،
،

حسن العلي
22-07-2008, 12:18 AM
مع رفيق علي أحمد صعب ألا يغوص الحديث في واقع السياسة وهو المسرحي المعني بالشأن العام الذي يستقي حكايا أعماله من الناس، من أحوالهم وأحاسيسهم فيضع الأصبع في الجرح ويفضح المكنونات السياسية والداخلية والنفسية بطريقة مضحكة مبكية تجعل ما يقوله أقرب الى الجرصة أو الفضيحة. رفيق علي أحمد ورغم الحزن الذي يتملّكه هذه الأيام يرفض التخلي عن فسحة الأمل وهو القائل بأنه لا بد من حركة تغييرية يقودها الشباب وكل فئات الشعب ويخرج منها دم جديد وفكر جديد

بين مسرحية "قطع وصل" التي قدمتها عام ألفين ومسرحية "جرصة" أطلت الغياب لماذا؟
ج: في تلك الفترة قدّمت مع الرحابنة مسرحيتيْ "حكم الرعيان" و"جبران والنبي"، ولكن في العموم أنا مقللّ في أعمالي المسرحية إذ ليس بأمكاني ان أطلّ كل سنة في عمل ٍجديد خصوصاً ان مسرحياتي ُتعرض لسنتين وأجول فيها في الدول العربية والعالم .

مسرحيتك "جرصة" عُرضت في مسرح مونو في الأشرفية قبل ان تنتقل الى مسرح "لاسيتيه"، ألا يفترض بالجمهور ان يذهب الى مسرحك أينما كنت بدل ان تأتي بنفسك اليه؟
ج:الجمهور الذي قصد مسرح مونو هو جمهور مدينة والناس في بيروت لهم علاقة بالثقافة المسرحية ويتابعون الأعمال الفنية كما هي العادة في المدينة، ولكن نتيجة الأوضاع الأقتصادية والأمنية الى حد ٍ ما لا الطائفية إنتقل العرض الى جونية علماً بأني بعد جونية سأذهب الى صيدا وطرابلس والكورة وهذا أمر طبيعي، ولطالما كان يحصل قبل الحرب اللبنانية وبالتالي ليس بالأمر السلبي ان يذهب المسرح الى حيث الناس وليس بالضرورة ان نأتي بهم دائماً الى بيروت ليشاهدوا مسرحية ما



لم نعتبر من خطايانا




بين "الجرس" و"جرصة" ثمة تشابه لناحية الكلمة واللفظ. تقصّدت ذلك؟
ج: "الجرس" كانت بمثابة جردة حساب للحرب الأهلية اللبنانية من العام 1975 حتى العام تسعين، وبهذا المعنى كانت جرس إنذار لئلا نعود الى ما إقترفته أيدينا اثناء الحرب. من العام تسعين حتى يومنا هذا، وجدت كمواطن معني بالشأن العام أننا كلبنانيين لم نعتبر من أخطائنا او بالأحرى خطايانا، وشعرت بأن اي كلام ٍ سيُقال سيفضح مكنوناتنا السياسية والداخلية وأحاسيسنا وعذاباتنا بطريقة ساخرة ومضحكة ومبكية، وبالتالي شعرت بأن ما سأقوله سيكون جرصة ومن هنا كان هذا العنوان.



في "جرصة" هل تتناول الوضع السياسي بشكل مباشر؟
ج: لا ليس بشكل مباشر وإلا تحوّل المسرح الى خطاب سياسي. هناك صياغة شخصية لكن المسرحية ليست سيرة ذاتية بل هي تحكي حالة الناس بشكل عام وهذا ما يجعلهم يتفاعلون معها.



السياسيون عندنا دمى




الواقع السياسي الذي نعيشه في البلد كم يجعلك محبطاًومتشائماً؟
ج: أنا لا أملك إلا الحزن على نفسي أولاً كي لا أكون مناضلاً وبطلاً وفي موقع الدفاع عن المجتمع والجماهير، حزين على نفسي وعلى مستقبل أولادي في هذا البلد، ومكسور الخاطر لأن اللبنانيين اليوم ليسوا أولئك الذين أعرفهم ونعرفهم، أعني اللبنانيين المنفتحين التعددييّن المثقفين الذين يعرفون لغاتٍ وثقافات أكثر من سواهم، فأن يعود هؤلاء اللبنانيون الى قوقعة الطائفية التافهة البغيضة ويمشوا بأصطفاف وراء سياسيين أغبياء، فهذا أمر يحزّ في النفس رغم ذلك وكما أردّد دائماً في مسرحياتي عندي أمل بأن أستفيق نهاراً "ولاقي حالي منيح" وأشعر بأن كل أحزاني فارقتني ويغمرني شيء من السعادة هذا الأمل معلّق على الشباب وبشكل او بآخر أخاطبهم في مسرحي وأنقل إليهم تجربتنا علّهم يعتبرون ويحمون دمهم ودم جيلهم لأن هذه الأرض قد قرفت لكثرة ما شربت من دمنا ودم أولادنا.

في رأيك خلاص لبنان ممّا يتخبّط فيه هل هو في أيدي اللبنانيين؟
ج: أنا لا أرى الحل في أيدي اللبنانيين ولا في أيدي هؤلاء السياسيين الصغار لأن السياسيين عندنا دمى وهذا ليس سراً. قرار المواطن اللبناني إستلب منه ولم يعد له القرار وهو مضطر ان يتعلّق بزعيم هذه الطائفة أو تلك، وكما أقول في مسرحيتي وراء كل سياسي لبناني يقف آخر أجنبي يفعله فعله فيه وفينا. بكل بساطة الأجنبي يفعل ما يريده وعندما يتفقون في الخارج يتدخلون لدى سياسيّينا الصغار ويجدون لنا صيغة ما.بأختصار، القرار ليس بيدنا في انتظار يومٍ آخر وصباح ٍ آخر لأنه لولا الأمل لتوقفت حركة التاريخ.



لا بد من بطل




وصفت السياسيين عندنا بالصغار، ألا ترى في أي منهم من يتوافق مع آرائك ويلبي تطلعاتك؟
ج: لا، لا، لا أحد ولذلك أقول ايضا ً في المسرحية للشباب "لاقوا بطلكن" .



لكن أين هو البطل؟
ج: لا بد من بطل كالذين كانوا يخرجون من الحركات الطالبية في العالم، وكلنا يعلم كيف وقعت الثورات في العالم. يجب أن يولد فكر جديد ودم جديد وصيغ جديدة لهذا النظام الطائفي الذي عشنا في ظله تاريخياً.

أنت تدعو الى ثورة ما؟
ج: ليس بالضرورة ان تكون الثورة على طريقة النزول الى الشارع وحمل العصي والمعاول لأنه ربما الثورات الكبرى ليس الآن أوانها، ولكن يجب ان يكون هناك تغيير تحت عنوان الثورة، وبالتالي يجب ان يكون هناك حركات وشباب جدد. مثلاً الجامعة اللبنانية كم خرّجت من هؤلاء الشباب السياسيين الذين أخطأوا بشكلٍ أو بآخر، اُحبطوا بشكلٍ أو بآخر، وثمّة من كان انتهازياً ووصل الى السلطة وغيّر كل مبادئه، ولكن في النهاية يجب ان يرمي أحد حجراً في هذه المياه الآسنة.



"الزعما مش رح بيفلوا"




الفنان غدي الرحباني وعبر فرقة "الفرسان الأربعة" أطلق أغنية يقول فيها "الزعما فلّوا من لبنان كبرت فينا فرحتنا"، هل توافقه الرأي بأن البلد يرتاح متى رحل زعماؤه عنه؟
ج: "الزعما مش رح بيفلّوا من لبنان، نحنا بدنا نفلّلهم من داخلنا"، ليس بالضرورة ان نخرجهم من لبنان لكن من المكان الذي يصنعون فيه القرار.الزعماء لا يتحركون من تلقاء أنفسهم بل يقع علينا إخراجهم من هذا التكلّس الموجود في أذهاننا وبشكلٍ أو بآخر أنا أعتقد بأن على المثقفين والفنانين وكل من لديه نوايا طيبة ان يمدّوا أيديهم ويتواصلوا ويعتبروا من تاريخ هذا البلد المقيت وهذا النظام الطائفي القاتل، لأنه من الغباء الشديد ألا نعتبر من كل التجارب التي مررنا فيها.

المسرح كم يمكن ان يلعب دوراً تحريضياً في هذا المجال؟
ج: كل شيء يمكن ان يلعب دوراً، وربما حديث في الشارع مع مهني، ربما قصيدة او أغنية أو معرض تشكيلي. أولئك الذين يؤمنون بالأنسان في هذا الوطن وينظرون الى المستقبل والى الحياة من دون قنواتٍ ضيقة هم الذين سيغيّرون المجتمع عبر التواصل بين كل فئات الشعب.



اللون عندنا غير مطروح



أولادك كم تشرّبوا من فكرك التغييري؟
ج: أولادي شباب يؤمنون بما أؤمن به وبما تؤمن به والدتهم، فنحن في البيت لدينا تنّوع كبير وهذا التنوّع وظفناه بطريقة ايجابية جداً وبطريقة منفتحة على الآخرين، وبالتالي ليس لدينا مشكلة إذا كان هذا أو ذاك من طائفة أخرى بل نتعامل معه على أساس الأخلاق، فأذا كان حسناً فهو حسن وإذا كان سيئاً فهو سيء. كما ان اللون عندنا أمر غير مطروح.


ولكن في لبنان بات من الصعب الوقوع على لون حيادي...
ج: أنا مسرحيتي جعلتها بالأبيض والأسود علماً بأن لا مشكلة لدي إذا ذهب البعض في إعطاء التفسيرات بأعتبار ان كل لون في لبنان صار له دلالة وكل لون بات يدل على فئة معيّنة وحزب معيّن، وشخصياً أرى ان المواطن اللبناني الحقيقي الذي يريد ان يعيش بسلام مع عائلته إنعدمت الألوان في حياته "وصار يشوفها أبيض وأسود". في المقابل ثمّة نسبة كبيرة من اللبنانيين ولكثرة الألوان المنتشرة والمطروحة بات لديهم عمى الألوان ولا يفقهون أصلا ً معنى اللون الذي يحملونه.

حاورته: بولين وهبة

،،
،

حسن العلي
22-07-2008, 12:23 AM
.
.

رفيق علي أحمد : الوطن بحاجة للفن!
1244 (GMT+04:00) - 19/10/05
اجرى الحوار: هيام حموي


الفنان اللبناني الكبير رفيق علي أحمد.. المسرح عشقه الأول والأخير.. وظل وفيا لأبي الفنون، وإن أطل أحيانا على الدراما التلفزيونية العربية، عند "الجيران" كما يحب أن يسميهم.
نجد أن كل إطلالة له تزيد من تعلق المشاهدين بأدائه المؤثر، وبملامحه التي تطبع بصمتها في الذاكرة...
هو في البال.. وفي مخيلة من شاهدوه منذ بداية مشواره الفني قبل سنوات بعيدة، وفي إنجازاته الأخيرة، كما في العمل المسرحي الغنائي "حكم الرعيان"، أو في المسلسل الشهير "الزير سالم".
في خضم الأعمال الدرامية التي تغص بها قنوات التلفزة العربية، في شهر رمضان المبارك، ما الذي يعرض لرفيق علي أحمد؟
فأجاب عن تساؤلاتنا بقوله: كل عام وأنتم بخير...
لا أريد أن أبدأ بالشكوى في رمضان، لأنه في الشهر الفضيل، يوصى بالزكاة التي يفترض أن يقدمها الميسورون إلى الفقراء.. نحن في الدراما اللبنانية فقراء، حالنا ضعيف إلى حد ما، نتيجة الأوضاع التي نمر بها، نظرا لعدم وجود الإنتاج المحلي، وتجدين أننا نعمل عند "الجيران".. فكان عندي مسلسل بعنوان "الظاهر بيبرس"، من إخراج محمد عزيزية، وبطولة عابد فهد، يعرض على عدد من الأقنية الفضائية والأرضية..
وأضاف: كما أن لي مشاركة بسيطة في مسلسل "المرابطون والأندلس"، إخراج ناجي طعمة، إنتاج قطري أردني، والعمل من تأليف جمال أبوحمدان..
وتابع بالقول: تعرفين أني أساسا ممثل مسرحي، أكثر من كوني تلفزيوني.. لكن الظروف هذه الأيام، كالحالة الأمنية والتفجيرات، لا تسمح لنا بتجميع عشرة أشخاص، عشرة مشاهدين، في مكان واحد.. فنحن نخاف من وقوع حادث..
لذلك، فنأمل أن يكون هذا الشهر المبارك، كما هو في معناه الحقيقي، أي شهر خير وشهر فضيل، فتكف قوى الشر عن إيذاء المواطنين العاديين، ويعود السلام ليستتب، وتنتشر المحبة في هذا البلد، لأننا، فعلا عانينا الكثير، وأصبحنا بحاجة لمرحلة من الطمأنينة والهدوء، لتستعيد بيروت دورها الثقافي إلى جانب شقيقاتها من العواصم العربية.
هل تشعر بأن المسلسلات التلفزيونية أثرت كثيرا على الأعمال المسرحية، بحيث أن الفنانين الذين يفضلون المسرح على التلفزيون أصبحت أحوالهم "صعبة؟"
قال: الواقع أنه نتيجة لطفرة القنوات الفضائية، تحولت غالبية الفنانين المسرحيين ناحية التلفزيون، وشاركوا في الدراما التلفزيونية.. ومثلما كانوا نجوما في المسرح، ها هم نجوم في التلفزيون.. ولكن للأسف الشديد عندنا في لبنان، الخطأ هو ربما خطأ لبناني، بحيث هنالك اتجاه كبير نحو إنتاج المنوعات..
وأضاف: الفضائيات العربية تطلب من لبنان المنوعات، المنوعات معروف ماهيتها، إنها الرقص و"الفقش"، وما إلى ذلك.. فالفضائيات العربية تطلب الأعمال الدرامية من سوريا ، والأردن ومن مصر، وعندما يأتي ذكر لبنان، يفضلون طلب المنوعات.. فهذا الأمر حاصل في العالم العربي إجمالا..
وتابع: وحتى الذين يحبون المسرح في لبنان، نجد أنهم لا يتسنى لهم ذلك، لأن بيروت التي كانت تنتج تقريبا ما بين 25 إلى 30 مسرحية في الموسم المسرحي الواحد، لا توجد فيها اليوم غرفة مضاءة لتجمع عشرين شخصا ليعملوا مسرحية.. ولم يبق في بيروت سوى بعض الأنشطة الشبابية، للأسف الشديد.
هل تعتقد أنه من سمات العصر أن يفضل الجمهور المنوعات؟
قال: في هذا العصر، المعلن التجاري هو الذي يسيطر على التلفزيون، والمعلن هو الذي يختار المواضيع، وليس صاحب المؤسسة، والمعلن يختار المواضيع الخفيفة التي تسّلي الناس وتخاطب غرائزهم، أكثر مما تخاطب عقولهم أو عواطفهم أو انفعالاتهم...
وأضاف: وللأسف الشديد أنه في لبنان، الإدارة السياسية غابت قليلا عن دعم الفن، ونحن نعرف أن الفن صناعة... وكل بلدان العالم التي تعرف قيمة الفنون بشكل عام، تقدم لها الدعم بإمكانات مادية، غالبا ما تكون مرتفعة..فإذا أخذنا الفرنسيين كمثال، نجد أن لديهم 250 مسرحا قوميا، في حين أن بلدية بيروت ليست لديها ولا حتى مساحة مسرح صغيرة من فئة ما يُعرف بمسرح الجيب.. فالسياسيون غير مهتمين بأمور الثقافة.. ونأمل بأن يتحرك هذا الوضع مع الحكومة الجديدة.. كما أن الفن ذهب إلى زاوية تجارية بحتة، بعيدا عن دوره الحقيقي وعلاقته بالمجتمع.
رغم حالة الإحباط التي تعاني منها، وإذا توفرت الظروف المناسبة، ما هو الحلم الذي تتمنى تحقيقه؟
قال: أنا أتحدث عن واقع، ولا أتحدث من موقع أني أعاني من إحباط نفسي..
أقصد إحباط فني..
رد قائلا: بالطبع، فهمت قصدك، لكني أتحدث عن واقع بلد.. أنا لا أعني معاناتي كفرد فنان، فأنا أستطيع بالتأكيد أن أؤمن قوتي اليومي.. أنا أتحدث عن مدينة، عن وطن، عن مجتمع بأمس الحاجة للفنون، لأن الفن هو المتبقي بعد أن فقد السياسي مصداقيته، ورجل الدين فقد مصداقيته، وبقي للناس تعلقهم بالمثقف، بالفنان..
وأضاف: هنا يجب علينا أن نعيد اللُحمة.. الفن هو الوحيد القادر اليوم على جمع الناس.. وأنا عندما أقدم عملا مسرحيا أعمل عدة أشهر، وقد أكون وحيدا على خشبته، لأن الناس تصدقنا..
وقال: نحن بحاجة إلى استعادة المجتمع اللبناني بعد سنوات الحرب، وأن يجلس أبناؤه الكتف إلى جانب الكتف، ونستمع إلى حوار.. نحن في هذا الوطن، وإجمالا بالعالم كله، بحاجة إلى مثل هذا الحوار.. ولكننا لم ننكسر.. بل ما زلنا حاضرين، ربما بإيقاع أبطأ.. فمن قبل كنت أقدم مسرحية كل سنتين، والآن كل أربع سنوات.. ولكني ما زلت حاضرا.. إن ما يمنع الناس من التجمع، أو من حضور عمل فني، هو الشيء ذاته الذي يمنعهم من التجمع في المقهى.. إنه القلق والخوف.. ونأمل أن تنحسر هذه المرحلة .

.
.

حسن العلي
22-07-2008, 12:28 AM
.
.

لذكرى عوني كرومي

يعد المخرج العراقي عوني كرومي من القلائل الذين درسو برخت والمسرح الملحمي في برلين . وعندما عاد الى بلده العراق ، حاول ان ينقل تجربته ومفهومه للمسرح البرختي الى المسرح العراقي والعربي ، محاولا تأسيس العرض الشعبي من خلال النص البرختي . لان برخت يعني حرية التجريب والتجديد وعدم السقوط في المـألوفية وماهو جاهز قياسا الى المسرح الارسطوطاليسي .ويعني ايضا بالنسبة الى المخرج العربي عموما ، البحث عن اشكال متعددة للعرض سواء كان في المكان او في اختيار الحكاية .

وعوني كرومي يجد دائما علاقة بين مسرح برخت والواقع العربي .فمثلا ان موضوعة الاستغلال والصراع الطبقي وخاصة الصراع مع المحتل من اجل التحرر السياسي والاقتصادي ، والتي عالجها برخت في مسرحية القاعدة والاستثناء هي مشاكل مازال المجتمع العربي يعاني منها وتجد قبولا لدى الجمهور . لان عرض مثل هذه المسرحية اضافة الى اهدافه الفنية فانه يمثل الدعوة الى الحرية والعدالة .وهي بعد ذلك عملا ذو مقولة واضحة بالنسبة للجمهور وتتوفر فيها مؤثرات التغريب التي تساعد على سرد الحكاية دون مبالغة .
ويحاول عوني كرومي ان يخلق العرض الشعبي العراقي من خلال المسرحية البرختية . ولاينقل هذا نقلا حرفيا وانما يحاول ان يمنح الاحداث والشخصيات مميزات شعبية نابعة من مجتمعه الزاخر بالطقوس والعادات والوسائل التعبيرية .
ان اختياره لاخراج مسرحية برخت غاليلو غاليليه كان نابع من فكرة المسرحية المعاصرة والتي تؤكد على الصراع بين المبدئية وبين العمل في نشر الافكار التقدمية التي تهم الانسان عموما وكذلك اهمية حرية البحث والاختيار والتفكير . لماذا يجبر الانسان على لن يتخلى عن قناعاته المهمة . او كيف يتعلم الانسان قول الحقيقة في مجتمع متخلف مبني على الزيف .واهمية الصراع بين الجمود والتطور ….الخ.
وبالتأكيد فان هذه الافكار لها صداها المعاصر في مجتمع مازال الصراع فيه قائما كالمجتمع العراقي او العربي الذي يعيش حالة من الازدواجية بين الواقع المتخلف والشعارات السياسية المزيفة .
انه يرى في مسرحيات برخت بانها ا لقادرة على إثارة الجدل في ذات المتفرج لمناقشة الواقع او الذات الاخرى . وتثير الرغبة في التعلم وتنبه لاخطار المستقبل ، كما انها وسيلة للكشف عن تناقضات الواقع المعاش .
ولهذا فان كل الوسائل الفنية تؤدي الى توصيل هذه الافكار ، ففي ديكور مسرحية غاليلو مثلا تم الابتعاد عن خلق الوهم والدقة التاريخية . والاعتماد على الإيحاء في التعبير عن الواقع من خلال الكتلة او الجزء الذي يحتاجه الممثل في عمله والذي يعبر عن واقعية الحدث ، وعدم الاستغراق في التفاصيل الزائدة والاقتصاد المطلق حيث الدلالة المسرحية لها المكانة الأولى في التعبير . واعتماد التجريد والفضاء الخالي .ولهذا فان الديكور اعتمد على الأثاث الشائع في اسلوب العمارة العراقية والمتوفر عادة في البيوت والكنائس .
ومحاولة لخلق العرض الشعبي على اساس احداث غاليلو فان المخرج عمد الى استخدام طقوس الغناء والرقص الشعبي ، واستخدام الإيماءة والحركة التي تميز الانسان العراقي .كما انه ألبس رئيس الجامعة ملابس رجال الدين في العراق اللذين يقفون ضد العلم والتقدم وبهذا فان المسرحية عرضت وكأنها نقد لكل الصفات السلفية المترسخة في المجتمع التي ترفض الحقائق العلمية .
اما الكرنفال الذي اقيم في المسرحية لتمجيد الحقيقة الجديدة ، فانه تحول الى احتفال عراقي رقصا وغناءا.

ان اكثر العروض المسرحية اثارة كانت مسرحية الانسان الطيب من ستشوان ، حيث تغلب المخرج على الكثير من العوائق لتقديمها حتى تكون قريبة من وعي المتفرج العراقي .

• ان تعدد الالهة فكرة مرفوضة في المجتمع الاسلامي . ولهذا فا ن المخرج ومعد النص المسرحي اضطرا الى تحويل الآلهة التي تأتي لتبحث عن الإنسان الطيب في النص البرختي الى شخصيات عراقية تاريخية ، بمعنى انهم الأجداد القدامى ، قد عادوا اليوم للبحث عن الإنسان الطيب في الأرض العراقية .وقد ظهرت هذه الشخصيات بملابس وسمات الإنسان السومري والبابلي والآشوري القديم الذي سكن هذه المنطقة .
• تم تحويل الطيار في المسرحية الى سائق تكسي يسعى للحصول على مبلغ يشتري فيه سيارة اجرة للعمل في العاصمة وهذاحلم الكثير من الشباب في المجتمع العربي .
• ان فكرة التبغ وزراعته مازالت قائمة في شمال العراق ، ومن هنا انبثقت فكرة ديكور العرض الذي يوحي بان الاحداث يمكن ان تقام في احدى قرى الشمال او في أي مكان اخر .
• ان ملابس الشخصيات والادوات لم تحدد مكان اوزمان معين فهي مزيج من ملابس تراثية وشعبية وملابس معاصرة تحدد السمات الواقعية للشخصية ، وان هذا الواقع الذي تجري فيه الاحداث ، هل هو واقع حقيقي ام متخيل ام محتمل ؟ ولكن احتمال وقوع هذه الاحداث في العراق كان قائما.او انها من الممكن ان تجري في بلد اخر .

لقد قدم العرض على انه عرض مسرحي لحياة الفئات الاجتماعية المختلفة والمتنوعة حيث الرمز والايحاء والواقع في داخل لعبة مسرحية . وقد ساعد على الايحاء هو اللغة المحكية ومفردات اللغة الشعبية التي تعبر عن انتماء الشخصيات الى فئات اجتماعية معينة .
ان الموسيقى كانت مزيج من الموسيقى العراقية الشعبية والموسيقى المعاصرة ، بحيث كانت ترافق حركة الممثل او متابعة الحوار . وقد كانت الانارة تحاول عكس الحالة الاحتفالية ، وابراز غرائبية المشهد وتنوعه .
اعتمد التمثيل التأكيد على مؤثر التغريب من خلال التقديم وقطع الاحداث ومخاطبة المشاهدين والتعليق على الاحداث والسرد القصصي المتميز لشخصية الحكواتي العربية . وقد اعتمد التمثيل في بعض المشاهد على المعيشة وتحقيق الصدق في المشاعر وخاصة في دور الفتاة وابن عمها الذي ادته ممثلة واحدة .

ويمكننا ان نوجز كيفية فهم المخرج العربي وخاصة عوني كرومي للمفاهيم البرختية على الشكل التالي:
‍1ـ اختيار الفكرة والموضوعة المعاصرة التي تسهم في رفع وعي المتفرج حتى وان كان العرض يعالج موضوعا تاريخيا . وهذا يتطلب قراءة معاصرة للنص .

2 ـ من اجل التطابق مع مفهوم المسرح الملحمي تم التركيز على الوسائل الفنية غير الأدبية لإيصال فكرة العرض كالصورة والحركة والإيماءة والصوت والحركة ذات المعنى الاجتماعي . أي الحركة القادرة على الكشف عن طبيعة العلاقات الاجتماعية .
ان اضفاء الصفات المحلية للحركة على شخصيات اوربية تتحرك في محيط اوربي ، تؤدي الى تغريبها كما في مسرحية غاليلو . وهذا يؤكد الفهم الصائب لكيفية التعامل مع النص البرختي.او ان يعمد المخرج الى استخدام الحركة والإيماءة التي تساهم في تحديد وجهة نظر المتفرج سلفا بالشخصية .
3 ـ ان تعامل كرومي مع النص البرختي يعتمد على إبراز الوسائل الملحمية كالأغنية والراوية وعدم ارتباط نتائج الأحداث بعضها بالبعض الآخر ، وهذا منهج برختي التزمه المخرج .أوالتأكيد على تاريخية الأحداث ، واستخدام الفلم والوثيقة كجزء من بنية النص كما في كريولانس او غاليلو من اخراج كرومي .لقد كانت الاغنية في غاليلو وسيلة لتغريب الاحداث مرة والتأكيد عن استقلاليتها عن الاحداث مرة اخرى .

4 ـ من اجل ان يخلق كرومي علاقة فهم متبادل بين المشاهد والنص البرختي فانه يعمد الى ترك المبنى الروتيني للمسرح واعتماد اماكن العمل ، كالمصانع أو ساحات البيوت ، او تقديم العرض في اماكن غير مسرحية .

ولهذا فان كرومي يحاول تقديم برخت بشكل يتناسب مع المجتمع العربي او العراقي معتمدا البساطة والواقعية بعيدا عن الافتعال . ويعمل على ان يتفاعل المتفرج العراقي مع مسرحيات برخت وكأنها مسرحيات عراقية ، قريبة من وجدانه بحيث ينتبه عند مشاهدته لها الى انه يستطيع ان يحلل المشاكل والظواهر الاجتماعية ويحاول مناقشتها ويطرح رأيه فيها .

.
.

حسن العلي
22-07-2008, 12:32 AM
.
.

عوني كرومي..الفنان الذي بشر بميلاد المسرح الجاد وعبر عن هموم الانسان وخلجاته من خلال النص المسموع بقلم: عبدالوهاب النعيمي





تاريخ النشر : 2008-05-18




عوني كرومي .. الفنان الذي بشر بميلاد المسرح الجاد وعبر عن هموم الانسان وخلجاته من خلال النص المسموع

عبدالوهاب النعيمي *
كان احد اعمدة الحضارة العراقية المعاصرة قبل ان يكون احد اعمدة المسرح العراقي ، اغنى التجربة المسرحية العراقية والعربية ، لا ، بل وحتى العالمية بمحبة الروح قبل ان يغنيها بأخراج نصوصه الراقية الرصينة ، عشق التأريخ ، فتوغل في مجرياته، مبحرا نحو الاعماق فيه ، لينهل من صفحاته المشرقة قلائد الجمان ، وكان الباحث ابدا في خفايا حكاياته الطلسمية واساطيره التي حفر سطورها النحات الآشوري قبل اكثر من ثلاثة الاف سنة على رقيم الطين ليودعها في خزائن مكتبة آشور بانيبال كي تبقى دليلا وشاهدا لحضارة ذلك العصر الذي نبت فيه الحرف شجرة وصار الكتاب شمسا.
تعامل مع " برخت "برؤية الروح الشرقية الاصيلة من خلال منهجية مسرح الايقاظ ، وكانت نظرته للمسرح تتوحد مع تلك الرؤى العميقة في داخله معبرا عن تفائله اللامحدود في كل جملة ينطقها الممثل على خشبة المسرح ، الذي اعتبره الامل والمستقبل والحياة المتجددة ، وكان يردد بشكل دائم ومستمر شعار برخت " العمل مسرة"
لااخال ان شمعة هذا الفنان المبدع قد انطفأت لحظة موته ، ولا اعتقد ان رقدته الابدية قد غيبته عن عرش المسرح وذلك الجمهور الذي كان دائم الحضور ودائم الاعجاب في كل ماقدمه الفنان الراحل من اعمال ابداعية تم اختيار نصوصها بعناية فائقة الدقة، حيث قوبلت بترحاب المتلقي و ارتياح الناقد في كل بلد من البلدان التي زارها او اقام فيها مثل سوريا والاردن ولبنان ومصر والكويت والجزائر وتونس ، وهو يبشر في كل عمل جديد بميلاد مسرح جاد يتبنى هموم الانسان المعاصر ، ويعبر عن فكره، ويتطابق مع طموحاته الايديولوجية .
لكون عوني كرومي حمل حزن الانسان وهمومه ، وعبر عن خلجات نفسه من خلال النص المسموع ، فقد تعامل الاديب مرتضى الحسيني مع هواجس الروح العميقة في كل ما يتطلع اليه هذا المبدع الخرافي ، ليجعله الشخصية الرئيسة في مسرحية كان قد كتبها في موطن الغربة " السويد" تسانده شخصيات واقعية تتألف من كاتب المسرحية ، الصوت ،بغداد ،دجلة ،المئذنة ، النخلة ،مجموعة رجال ،التاريخ ،ثم نرجس ، وهي ابنة كاتب المسرحية ،وقد وصف الحسيني مكان المسرحية بأنها مساحة في غربة الروح، وهذا مما يدلل على المكانة الكبيرة التي احتلها عوني كرومي في تلابيب المسرح التي اعتبرها امتدادا لتلابيب القلب والروح !
أخرج عوني كرومي أكثر من سبعين عملاً مسرحياً منها: فطور الساعة الثامنة، في منطقة الخطر، كاليكولا، غاليلو غاليليه، كريولان، مأساة تموز، القائل نعم القائل لا، تداخلات الفرح والحزن، فوق رصيف الرفض، الغائب، حكاية لأطفالنا الأعزاء، كشخة ونفخة، الإنسان الطيب، صراخ الصمت الأخرس، ترنيمة الكرسي الهزاز، بير وشناشيل، المحفظة، المسيح يصلب من جديد، الصمت والذئاب، عند الصلب، في المحطة، الشريط الأخير، المساء الأخير، الطائر الأزرق ،أنتيجونا، فاطمة، السيد والعبد
ولد في مدينة الموصل عام1945 ، وحيث لم يكن في المدينة يومذاك معهدا للفنون الجميلة ، فقد حمل حقيبته وهوالفتى النحيف ابن السابعة عشرة ليقف على عتبات معهد الفنون الجميلة في بغداد ، وتحديدا على بوابة قسم التمثيل وإلاخراج فيه ليتخرج عام 1965، ثم ليلتحق في العام التالي للدراسة في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد ايضا ويتخرج منها عام1969. بعدهاحمله طموحه اللامحدود لمواصلةالدراسات العليا ليحصل على "ماجستير" علوم مسرح من معهد العلوم المسرحية في جامعة همبولدت في برلين- بألمانيا الشرقية قبل توحيدها عام 1972 ثم يتواصل بدفق طموحه للحصول على شهادة الدكتوراه في العلوم المسرحية من المعهد ذاته في جامعة همبولدت الالماني عام1976 . بعدها عاد الى بغداد ليدرّس في جامعتها، الا انه سرعان ما عاد الى ديار الغربة ليعمل مدرسا للعلوم المسرحية في العديد من الدول العربية والألمانية بين الأعوام من1977وحتى العام 1997 وخلال تلك الفترة شارك في العديد من المؤتمرات والمهرجانات والحلقات الدراسية العربية والعالمية بين الأعوام التي امتدت حتى عام وفاته2006 ،حصل من خلالها على العديد من الجوائز العالمية في مهرجانات بغداد، القاهرة، قرطاج، برلين . كما حصل على لقب ( وسيط الثقافات ) من مركز برخت في برلين
لم يكن عوني كرومي تاجرا للدواجن اوباحثا في فضاءات المسرح ليحقق المزيد من الربح المادي السريع ،بل كان استاذاً اكاديميا اومخرجا مبدعا، بل و رمزا كبيرا من رموز ثقافتنا العراقية واحد ابرز تجلياتها وسماتها الحضارية.
ابتدأ مشوار عوني كرومي في مجال المسرح منذ لحظة وصوله الى العاصمة بغداد ، فهو لم يفد اليها طالبا وحسب ، بل قدم اليها وهو محمل بهم ثقيل يحمل ذاك الارث المتواصل عن مسرح الموصل الذي ابتدأ مشواره في مطلع عام 1880ببواكير تجريبية ساخرة لتتواصل في ثلاثينات القرن المنصرم على شكل فرق وجمعيات لها حضورها الفاعل في المجتمع الموصلي ، ثم ليكون حضورها اقوى وامضى في الخمسينات على ايدي رواد المسرح المشخصة اسمائهم واعمالهم في تاريخ المسرح الموصلي ، ممن اثروا تأثيرا مباشرا في جيل النهضة الحداثوية للمسرح والذي كان عوني كرومي احد المبرزين منهم ، حيث اتيحت له فرصة لم يكن ليحظى بها احدغيره من مجايليه الشباب ،وتتمثل بعمل والده في المطابع الموصلية التي كانت تطبع دواوين الشعر والروايات والقصص القصيرة والمسرحيات ، كان كرومي ينهل من هذه الاصدارات المزيد من الثقافة مما اهله لحضور العروض المسرحية في قاعات العروض في وقت مبكر من عمره، ومناقشة الممثلين والمخرج ، بل وحتى مؤلف المسرحية في طريقة العرض وبناء المشهد الدرامي وتجسيده من خلال المكونات الاساسية في المسرح مثل الاضاءة والديكور والملابس والاكسسوارات والالوان وطريقة ظهور الممثل على خشبة المسرح ، وكان بفعله هذا يترجم المشاكل الاجتماعية المعاصرة للمجتمع الموصلي في بوصلته المحلية المحدودة الجانب ومشاكل المجتمع العراقي برمته، ولم يكن هذا الفعل النقدي الواقعي ليخلو من الدعوة ولو بشكل مبطن او غير ظاهر الى توجيه المسرح ليكون احد الادوات المهمة التي تدعو الى التحرر والخلاص من الواقع المؤلم الذي يعيشه المجتمع العراقي ، وهي كما نرى كانت دعوة متقدمة لتثوير المسرح وجعله اداة رفض للعبودية التي عاني منها ابناء الشعب العراقي ، وكان من خلال هذه الطروحات يؤكد على ان المسرح يجب ان يكون المعبر الحقيقي عن رأي المجتمع وان تكون تجاربه وطروحاته لها مساس بالواقع العراقي ومعاناة ابنائه من استبداد الحكم والحكام .
لقد افصح عن آرائه بشكلها الواسع حينما انتقل الى الدراسة الاكاديمية في العاصمة بغداد حيث التقت طروحاته المهنية بشكلها الظاهري مع طروحاته الفكرية بواقع مضمونها خلال احتكاكه المباشر مع عدد كبير من العاملين في مجال المسرح وعمالقته آنذاك . اما تجربته الاحترافية فأنها كانت متواضعة في بداياتها ، اذ لم نجد لها اي مدى ولم تظهر له بصمة واضحة في هذا المجال لاسباب ارادية ، ذلك لكونه قدم الى العاصمة بصدد الدراسة وليس بدوافع العمل او الاحتراف ، وبعد انهائه سني الدراسة انصب جل اهتمامه في عمله كاستاذ في اكاديمية الفنون الجميلة كما اشار الى ذلك غياث عبدالحميد في مقاله الموسوم " قراءة في تجربة الفنان عوني كرومي الاخراجية" المنشور في ثقافة الصباح الجديداليومية البغدادية ،
حيث يضيف ان هناك بعض التجارب الاخراجية على مستوى الاحتراف للفنان الراحل عوني كرومي ، اهمها تجربة تخصبت في مخيلته وولدت على مسرح”الستين كرسي “ وهي مسرحية”ترنيمة الكرسي الهزاز “ والتي تعد واحدة من اهم اعماله.
اما لتغريب”بريخت “ عند فناننا عوني كرومي فيتمثل في استغلال قاعة العرض، فتارة يقسمها الى قسمين ويجعل بذلك المتفرجين متقابلين واخرى يجعل العرض على شكل صليب ويتداخل المتفرجون مع الممثلين ، بعبارة ادق يكمن التغريب عند عوني كرومي في وسائل العرض المسرحي من ديكور وانارة وملابس.
اما على مستوى التنظير فان فرضيته فيما يخص الفضاءالمسرحي وكما يقول هو:”يجب ان يتغير اولاً “ وله في ذلك رؤى افتراضية مفادها قتل اعتيادية المشاهد وترفه المسرحي ،وبالتالي يكون هو”اي المشاهد “ المجال للحركة والمجال للرؤية كي تاخذ الصورة المسرحية ابعادها التعبيرية والرمزية والايحائية خالقة تتابعاً شعرياً يتكامل فقط عندما يبدأ المشاهد ببذل جهد عقلي في تلقيه للعمل الفني ، فالمشاهد هنا لم يعد مشاهداً متلقياً لما يطرحه المسرح عليه بل مشاهداً مشاركاً فيما يحدده هو داخل المسرح، ومن البديهي جداً اذا قلنا ان المسرح لا يؤمن بجاهزية الافكار التي يطلقها وانما على المشاهد ان يستلم ويتحسس لما يجري داخل عملية العرض المسرحي وبالتالي فهو حر في التفسير والتاويل والتخيل.
اشار الناقد ياسين النصير في موسوعة العراق الى أن الدكتور عوني لا يبني علاقته بالنص لمجرد الرغبة في العمل، أو لملئ فراغ سنوي في حياته الفنية، بل أن البناء يقوم على حس ما بالمسؤولية تجاه المتفرج. فبالإضافة إلى أنه خليه عمل متواصل، لا يهدأ من عمل إلا ويكون قد أبتدأ بعمل آخر، ولا يترك فرصه مهما كانت صغيرة إلا واستنفذ شروطها كاملة. فقد عمل في ظروف قاهرة ، مما قلل من نشاطه ، الامر الذي اضطره إلى مغادرة العراق للعمل في جامعة اليرموك في الأردن مخرجا واستاذا. ومن هناك أيضا بدأت محاصرته بحجج دينية وفنية ليغادر إلى موطن دراسته في ألمانيا. ولكنه في كل محطات رحلته لم يكن إلا خلية نحل منتجه. ففي الأردن أنتج وأخرج أكثر من عشر مسرحيات للطلبة ولفنانين أردنيين وعراقيين أنتجت أرضية من البنية الفنية أصبحت لاحقا قاعدة للقسم الفني في الجامعة. ومن هناك ومن بلد مجاور هو الأردن كان يضع العراق ومشكلاته واضطرابه الروحي والسياسي مادة خلفية لأعماله فيجد في تشيخوف ضالته يبحث من خلال الخال فانيا و بستان الكرز عن نماذج فكرية يطل بها على العراق وعلى مرحلته المضطربة. ومن داخل العمل يناقش بروح منفتحة على التجريب والفن والمسائل الجوهرية في العلاقة بين الأنسان ومصيره. ويكون الفن بكل ما يحمل من مفردات قاسية ومريرة وغير قادرة عن الإفصاح مصدرا لمعالجة ظاهرة العلاقة بين الفكر والواقع. تلك العلاقة ألتي تعلمها يوم كان طالبا في مدرسة فن اشتراكية وبقيت معه ملازمة لكل أعماله. لأنه يؤمن أن عمل الفنان مهما بعد أو قرب عن وطنه لابد وان يصب في تيار تقدمه حتى لو اغترب عنه.
في الثامن والعشرين من آيار من العام 2006 اغمض عوني كرومي عينيه اغماضتهما الاخيرة ، مات مخرج(رثاء اوروك) و(السيد والعبد) مبتسم العينين،قرير النفس، وبموته انطفأت شمعة أخرى من شموع العراق المتوهجة ابدا.
.
.

حسن العلي
22-07-2008, 12:34 AM
.
.

أقام قسم الفنون المسرحية في كلية الفنون الجميلة ـ جامعة بابل ، حفلاً تأبينياً بمناسبة رحيل الفنان المسرحي الكبير الدكتور عوني كرومي الذي ولد في الموصل سنة 1945م وتخرج من معهد الفنون الجميلة ـ بغداد 1965 وبعد ذلك دخل اكاديمية الفنون الجميلة وتخرج منها سنة 1969م .
نال شهادة الماجستير من جامعة همبولت ـ برلين سنة 1972 والدكتوراه سنة 1976 من الجامعة نفسها .
بدأت تجربته المسرحية منذ العام 1961م حيث حصل على العديد من الجوائز العالمية في بغداد والقاهرة وبرلين وكان رصيده ما يقارب السبعين عملاً مسرحياً . وغير ذلك فقد قدم العديد من الدراسات المسرحية التي استفاد منها المسرحيون .
ولعل ابرز اعماله : (كاليكولا ، غاليلو غاليليه ، فطور الساعة الثامنة ، في منطقة الخطر ، كريولان ، القائل نعم القائل لا ، مأساة تموز ، تداخلات الفرح والحزن ، فوق رصيف الرفض ، حكاية لأطفالنا الأعزاء ، كشخة ونفخة ، الغائب ، الإنسان الطيب ، صراخ الصمت الأخرس ، ترنيمة الكرسي الهزاز ، بير وشناشيل ، المحفظة ، الصمت والذئاب ، المسيح يصلب من جديد ، الشريط الأخير ، المساء الأخير، الطائر الأزرق ، أنتيجونا ، السيد والعبد ، مسافر ليل أخر وهي اخر مسرحية له) .
لقد تعددت المحاور والكلمات المعبرة عن هذا الهرم المسرحي حيث كان التقديم لأحد تلامذته وهو الدكتور محمد حسين حبيب حيث عرفنا به انساناً وفناناً .
ثم القيت كلمتان للدكتور عباس جاسم الربيعي عميد كلية الفنون الجميلة والدكتور سمير شاكر اللبان رئيس قسم الفنون المسرحية . واستذكر الدكتور احمد سلمان عطية تجربته العملية مع الدكتور كرومي الذي اشرف عليه في رسالة الماجستير ، والاستاذ ستار عباس حامد في نص ينادي فيه اساتذه والطالب حازم الصافي ممثلاً عن الطلبة .
وانتهى الحفل بأقتراح تسمية احدى قاعات الكلية بأسمه وتخصيص موضوع لدراسته في الماجستير او الدكتوراه اكراماً له .
وقد التقيت مع المخرج والناقد المسرحي الدكتور محمد حسين حبيب حيث حدثنا عن استاذه قائلاً : (افتخر جداً بأني كنت محظوظاً حينها وفي منتصف الثمانينات في القرن الماضي ، بأني كنت واحداً من طلاب الاستاذ الفنان الكبير الراحل د. عوني كرومي وتحديداً فيد دراستي الاولية ـ البكلوريوس ، وفي مادة فن التمثيل للمرحلة الرابعة .. تعلمت منه الكثير فناً وسلوكاً والتزاماً .. تعلمت ما أضاف لي الشعور بالمسؤولية أمام ما أقدمه على خشبة المسرح .. تيقنت من خلاله وخلال أساتذة آخرين وهم قلة ، ان المسرح قضية ، فلا هو بهوية أو حرفة أو فن عادي نمر عليه مرور الكرام … ما زلت اذكر إلى الآن انفعالات أستاذي كرومي في قاعة الدرس أو في قاعة التمرين حينما كنت احضر تدريبات مسرحياته مثل (صراخ الصمت الأخرس) في المسرح الشعبي و(الإنسان الطيب) لفرقة الفن الحديث .. انفعالات فياضة بحرقة وحرص واحتجاج واستفزاز الممثل لاستخراج أعمق المشاعر والأحاسيس .. كنت المس بوضوح هذا الفرق الشاسع بين ابتسامات عوني كرومي خارج الفضاء والدرس المسرحي الذي يوزعها على من يلاقيه وانفعالاته المتدفقة وجديته حين يبدأ الدرس أو التمرين المسرحي .
لا أنسى نصيحته لي ذات مرة .. فبعد ان شاهدني ذات مساء ممثلاً حينها في مسرحية (طائر البحر) اخراج د. صلاح القصب حين قدمت شخصية (سورين) قال لي صبيحة اليوم الثاني (اسمع محمد .. أنت زين .. فيك شيء يمكن ان يكون مهماً ذات يوم .. ولكن لا يصيبك الغرور من كلامي .. وانتبه لنفسك .. والا سوف تأكل ……)) .
.
.

حسن العلي
22-07-2008, 12:48 AM
صباح الانباري

وحديــــــث عن مســـــرحه



صباح الانباري كاتب مسرحي وناقد وفنان يتميز دائما بجديته واحترامه لعمله وعنايته به وربما لذلك استطاع ان يصمد ويستمر على الرغم من كل الظروف الصعبة التي مرت به خصوصا وبنا عموما .. ظل واضحا وثابتا على مواقعه لم يزحزحه عنها خوف ولا جوع .. صباح الانباري من الأسماء النظيفة التي ظلت تسطع في سماء الثقافة العراقية التي خيم عليها ظلام العهد البائد .. في اللقاء الآتي سنحاول تسليط الضوء عليه .. أعماله آراءه ومشاريعه .. ومواقعه في هذه الظروف العصيبة ..

· قد تكون البداية تقليدية ولكن ما هي الثوابت الفلسفية التي ينطلق منها الانباري في حياته .. أدبه .. مسرحه ؟ اقصد ما هي فلسفتك في الحياة ؟
ـ في أي ظرف يكون فيه الواقع محكوما بالاضطرابات و التبدلات ، ويتعرض بناؤه لخلخة اجتماعية واقتصادية وسياسية جراء التطور الناجز في ذلك الظرف ، سلبا أو إيجابا ، فان الكثير من الثوابت تكون عرضة للتغيير على وفق المنجز من تلك التطورات التي تتصف ، في الأعم الأغلب ، بمرحلية تفرض محدداتها الجديدة على مرافق ذلك الواقع الحيوية مغيرة ومزعزعة ثوابتها . بمعنى آخر ان لكل مرحلة ثوابت ومتغيرات ، وان الحياة بأوسع معانيها تعني التغير ، وان الكمال ، فيها يعني كثرة التغير ، وهذه العملية ، بحد ذاتها ، تقوم على أساس انقلاب الثوابت بعضها على بعض في حركة دائبة طاردة للقيم التي تم استهلاكها مرحليا .
ان فلسفتي في الحياة تتشكل على هذه الأسس الدرامية التي اعتمدتها نصوصي الأدبية كمنطقات وموجهات لتحقيق غاية عليا في ذاتي المتغيرة على الدوام .

* نستطيع ان نقول ان مسرح الانباري يقوم على مسرح الصراع . فهناك دائما صراع في كل مسرحك .. ما هي دلالة ذلك برأيك ؟
ـ لقد توصلنا الى ان الصراع عامل حاسم في الحياة فلا شئ ثابت أو ساكن فيها الى النهاية حتى الحجر الجلمود نجد في داخله حركة لجزيئاته ، بمرور الوقت تكون مؤثرة وفاعلة ومغيرة في صورته الحالية . إن الأعمال الأدبية كلها تقوم على هذه الحركة وإن المسرح أكثرها تمثيلا لهذه الحركة فكما يتجلى الصراع ، في الحياة الطبيعية ، كل لحظة من لحظات الزمن يتجلى أيضا على خشبة المسرح أو داخل النصوص الدرامية . فهو إذن عنصر أساس من عناصر الدراما ، وان الدراما لا يمكن ان تقوم إلا عليه فلا دراما بلا صراع ..وقد قلنا مرة ، إن بإمكان الكاتب المسرحي أن يلغي الشخصية كعنصر درامي في عمله ولكنه لا يستطيع ذلك مع الصراع ، وهنا دعني اضرب لك مثلا إحدى مسرحياتي التي يسيل الدم فيها زاحفا من الخشبة الى صالة العرض وتراجع المشاهدين وتقهقرهم خوفا من تلطخهم به .أو ارتفاع الزعيق والنباح والعواء على خشبة المسرح ثم انتقاله بواسطة أجهزة الصوت المربوطة داخل القاعة على التوالي بطريقة تجعلهم يغادرون الصالة بانزعاج صفا بعد صف فإذا اتفقنا ان المسرح بشكل عام يقوم على الصراع فلا حاجة بنا الى تخصيص حالاته المختلفة على مسرحياتي دون غيرها واسمح لي هنا ان أقوم بتصحيح متواضع مفاده ان في مسرحياتي كلها صراع عنيف اشد عنفا وتأثيرا على مجريات الأحداث مما هو في المسرحيات الأخرى وهذا متأت بطبيعة الحال من واقعنا الكابوسي المر والدموي في أغلب الأحيان .

*خضت في مجال الكتابة المسرحية تجربة تستطيع أن تقول عنها مبتكرة . وهي كتابة نص مسرحي صامت .. في كتابك"طقوس صامتة"… ترى ما هي النتائج التي تتوقعها لمثل هذه التجربة ؟
ـ أنت تعرف أنني قمت بمحاولات تجنيسية حولت النص الصامت من سيناريو متخصص فنيا وعمليا بخشبة المسرح الى نص مقروء من الناحية الأدبية لتسهيل مهمة تلقيه في حالتي العرض والقراءة كما هو شأن المسرحيات الصائتة ..إلا ان النقد المسرحي لم يتناول هذه التجربة بشكل واسع . وما تناوله منها اقتصر على استعراض النصوص حسب . ومع ان ثلاث مسرحيات من مسرحياتي الصامتة قدمت في بعقوبة ، من قبل فرقة مسرح بعقوبة ، وفي بغداد ، من قبل معهد الفنون الجميلة ، وفي بابل ، من قبل رابطة المسرحيين الشباب ، إلا ان النتائج ما تزال دون الطموح . والمشكلة تكمن بالدرجة الأساس في عدم وجود فرقة متخصصة بالتمثيل الصامت . وما شاهدتموه في الآونة الأخيرة تحت عنوان "نار من السماء" لم تكن مسرحية صامتة بل رقصا دراميا استخدم التمثيل الصامت لغرض دعم فكرة العرض وإيصال ما عجز الرقص الدرامي عن إيصاله لجمهور النظارة وقد شاهدت قبل عام من الآن تجربة مماثلة في دمشق تحت عنوان"مخطوطة يومية". هذه النشاطات لا يمكن عدها ضمن نشاطات التمثل الصامت ، وعلى الرغم من قلة النشاطات في هذا الاختصاص إلا أنني مازلت متفائلا جدا بمستقبل المسرح الصامت وبسيادة هذا الجنس مسرحيا والمسالة في النهاية هي مسالة وقت ليس إلا .


· نحن الآن بين عهدين ترى ماذا تتوقع للمسرح في العهد الجديد وهل يستطيع ان يتخلص من ارثه الثقيل من القمع والتشريد والإقصاء ؟
- لقد وضعتنا في الموضع السليم . نحن الآن بين عهديهن . عهد ولى وولت معه بعض تركاته الثقيلة وعهد جديد لم نخبره بعد . إننا الآن ، كمسرحيين ، نحاول تهيئة الظروف الملائمة لتقديم عروض عراقية رصينة تأليفا وإخراجا وتمثيلا . وحلمنا ما زال قائما بتشييد المسارح المتكاملة في كل مدن العراق أسوة بالعاصمة كي يستطيع هذا الفن الرائع من إيصال الثقافة الى الجميع وشرط الثقافة هنا كفيل بإزالة ما تبقى من تركات العهد المباد .


· تقدم قراءتك النقدية على العموم رأيا متوازنا وموضوعيا .. ترى ماذا يشكل النقد في مسيرتك الإبداعية ؟
ـ يقولون ان المرأة نصف الرجل ، وان اكمل صورة لهما مأخوذة من اندماج عنصري الفحولة والأنثوية . نصوصي المسرحية الصامتة و الصائتة تشكل بمجموعها نصفي الأنثوي بينما تشكل قراءاتي النقدية نصفي الذكوري الذي يروم الإعلان عن فحولته بين آونة وأخرى . ولك ان تعرف يا سيدي أنني أحاول ، على الدوام خلق الظروف الملائمة لمزيد من الاندماج بين هذين العنصرين كي أشكل بذلك شخصيتي الأدبية التي أريد .


· أنت ذو مواهب متعددة أحدها التصوير الفوتوغرافي أود هنا ان اقدم لك التهنئة بمناسبة فوزك برئاسة جمعية المصورين في بعقوبة واطلب منك صورة لهذا اللقاء . الصورة الفوتوغرافية تبدو لي نوعا ما كأنها مرحلة وسط بين الكتابة والمسرح ما رأيك ؟
ـ مشوار الكتابة ، على الرغم مما يحققه لي من لذة عظيمة مشوار طويل ومرهق . والمسرح ، على الرغم مما يوفره لي من قدرات كبيرة لاثبات الذات فانه لا يقل عن الأجناس الأدبية والفنية الأخرى تعبا وإرهاقا . وبين هذه المشاوير المتعبة لا بد من وجود محطة أو محطات للاستراحة . التصوير الفوتوغرافي هو محطة استراحتي على طريق الإبداع ، وهو همزة الوصل ما بين ظروفي المعيشية ومقتضيات الكتابة .
حاوره ـ مؤيد سامي
.
.

حسن العلي
22-07-2008, 12:50 AM
صباح الانباري

وموجهات النص المسرحي الصامت








صباح الانباري .. أكاديمي له حضوره الفاعل في الوسط الثقافي العراقي لم يتوقف عطاؤه على الرغم من زحمة الحياة .. عصامي لم تزل به قدم نحو بلاط فراشاته الملونة تنتقل من زهرة الى أخرى كتب الشعر والقصة فلم يرضيا روحه المشاكسة المثقلة بالأشياء . درس الفن المسرحي دراسة تخصصية مخرجا مسرحيا فأعطى الكثير ، لم يتوقف عند هذه المحطة فراح يبحث ويتقصى ويكتب النقد والنص المسرحي فحاز على الترتيب الأول في مسابقة مجلة الأقلام العراقية للنص المسرحي عام 1993 م حاز على جائزة الدولة للإبداع عـــــام ( 2000م ) عن (مسرحية الصرخة) ، له سبق في كتابة المسرحية الصامتة .

صدر له :

1 ـ طقوس صـامتة ـ دار الشؤون الثقافية العامة ـ بغداد/ 2001 م ( مسرحيات )

2 ـ ليلة انفلاق الزمن ـ اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق /2001 م ( مسرحيات )

3 ـ البنــاء الدرامي ـ دار الشؤون الثقافية العامة / بغداد 2002 م ( نقد )

4 ـ ارتحالات في ملكوت الصمت ـ دار الشؤون الثقافية العامة/ بغداد 20(مسرحيات صامتة)

التقيناه وكان لنا معه هذا الحوار :



· لماذا المسرح الصامت؟
ـ على صعيد التجربة الشخصية ذكرت في كتابي "ارتحالات في ملكوت الصمت" أن اهتمامي انصب على المسرحية الصامتة وتجنيسها بسبب عدم قدرة الأجناس الأخرى على استيعاب شبكة أحلامي الواسعة. فالقصيدة التي كتبتها منذ بواكير حياتي الأدبية وكذلك القصة القصيرة والمقالة النقدية والصحفية، كلها، لم تستطع احتواء تلك الشبكة الهائلة من الأحلام والرؤى. وكنت على الدوام ابحث عن جنس يصهر كل هذه الأجناس في بوتقة واحدة ثم يصاهر بينها وبين اهتماماتي الأخرى في الإخراج المسرحي والموسيقى والتصوير والاكروبات. ولم أجد افضل من المسرحية الصامتة المحدثة وسيلة يمكن أن تحقق ذلك.
وعلى الصعيد العام رأيت أن ما نحتاجه الآن، في زمن العولمة، هو إيجاد لغة إنسانية مشتركة بين أبناء البشر جميعا كي نتثاقف ونتحضر ونتبادل الأفكار والرؤى دون الرجوع الى الترجمة والمترجمين نريد أن نتحدث بشكل مباشر الى الناس جميعا دون اخذ لغاتهم المختلفة بنظر الاعتبار. وهذا يجعل المسرحية الصامتة اكثر ضرورة الآن من أي زمن مضى واكثر حاجة اليها من أي وقت آخر.

· قلت أن المسرحية الصائتة استطاعت بوصفها فنا دراميا أن تجنس نفسها عبر العصور. أين نجد ذلك في الأدب العربي والعالمي؟
ـ الخطاب المسرحي خارج جغرافية المسرح ، وبعيدا عنها ليس ، إلا مجرد أدب. وان الكلمات المستخدمة في أية مسرحية مكتوبة ليست إلا مجرد أدب أيضا الى أن ترتقي الخشبة وتتحول ،أدائيا،من الكلمة المقروءة الى العرض العياني للفعل. يقول مارتن اسلن: " إن ما يجعل الدراما دراما، على وجه الدقة، هو العنصر الذي يمثل خارج الكلمات ويتخطاها، ذلك العنصر الذي ينبغي أن يرى ويشاهد بصفته فعلا في حيز التمثيل." عليه يمكن القول أن كل المسرحيات التي نقرؤها أو نعيد قراءتها من مآسي الإغريق الى مآسي صموئيل بيكت هي من الأدب المسرحي المقروء الذي دخل الى المكتبة العربية والعالمية باعتباره جنسا من أجناس الأدب المختلفة وفرعا من فروعه المعروفة باسم الأدب المسرحي نصا ونقدا. ولا حاجة بنا الى تكرار الكيفيات التي تطور على وفقها النص المسرحي المكتوب من أشكاله البدائية الأولى الى أشكاله الأكثر تطورا وتعقيدا في عصرنا الراهن، فهي معروفة للمطلع على تاريخ الحركة المسرحية محليا وعالميا.

· قلت أن السيناريو مثلا نص غير قابل للقراءة الأدبية وكذلك النص المسرحي الصامت"الميم" كيف استطاعت إذن وكما قلت أن تصبح فرعا من فروع الأدب؟
ـ الحقيقة أن المسرحية الصامتة، التي ازعم أنني قمت بتجنيسها، لم تصبح بعد فرعا من فروع الأدب. فهي لم تخط بعد إلا بضع خطوات من الألف ميل الأولى. أنا بشرت بها كجنس أدبي إبداعي محدث منذ عام 1994 عندما نشرت أولى مسرحياتي الصامتة. ودعوت النقد ليمارس دوره الأدبي والفني في ترسيخ هذا الجنس الجديد.

· أي عمل مسرحي يعرض على خشبة المسرح من الممكن أن يتحول الى عمل صامت بعد كتابته كسيناريو أو كتابة "سكربت" العمل وطرحه على انه مسرحية صامتة كيف تعلل ذلك؟
ـ على صعيد الواقع العملي لم يحدث هذا أبدا. ثمة محاولتان في هذا الصدد: الأولى محاولة شفيق المهدي تحويل "معطف" غوغول الى عرض صامت وقد نجح في هذا حسب ما ذكره لنا الناقد علي مزاحم عباس في كتابه " فن التمثيل الصامت". والثانية محاولتي تحويل فصل من فصول رواية دستويفسكي " الاخوة كرامازوف"، فضلا عن اشتغالي على قصة الالتحام وتحويلها الى عمل صامت أخذ طريقه الى خشبة المسرح عام 1995 ، ولا يمكن الاستغناء عن الحوار دائما، وهو عنصر مهم من عناصر الدراما المسرحية، خاصة إذا عرفنا أن اللغة تتبلور في الفعل اغلب الأحيان كما يقول مارتن أسلن وتصبح بأسرها فعلا بالضرورة، وهذا يعني عدم القدرة على تحويل تلك اللغة الصائتة الى لغة صامتة فلكل منهما منظومتها الإشارية الخاصة ولكل منهما فعله الادائي الخاص. لقد هيأ تجنيس المسرحية الصامتة الأرضية الخصبة للكتابة في هذا الجنس دون الاعتماد على التحويل الذي أشرت اليه في مقدمة سؤالك هذا .

· ما هو دور المخرج، غير مؤلف النص الصامت، في عملية إخراج وتقديم هذا النص على خشبة المسرح؟
ـ كان الكتاب الأوائل للمسرحيات الحوارية الصائتة يوجهون الممثلين ويحددون أماكن وقوفهم وحركاتهم وكل ما يتعلق بعملهم المسرحي لفترة طويلة من الزمن قبل أن يظهر المخرج المتخصص ويؤدي دوره البارز في العملية الإخراجية . المسرحية الصامتة ليس لها تاريخ طويل وهي إذن تنتظر اليوم الذي تتمرد فيه على الكاتب/ المخرج وتسلم أمرها الى المخرج المتخصص وربما الى الدراماتورج . وعلى الرغم من هذا أقول أن أفق النص الجديد أفق واسع لا يحده حد ، أبدا ، ولهذا يمكن للمخرج ، غير الكاتب ، أن يجعل العرض خاضعا لرؤياه الإخراجية عن طريق تطوير محددات النص الفنية والادائية وتحريرها من قالبها ، الذي وضعت فيه ، وإطلاقها في فضاء الرؤيا الجديدة .

· إذا كانت الغاية الأساسية الأولى للنص الصامت إيصال المعاني المختلفة الى المتلقي (الجمهور) هل في هذا ميزة مهمة عن المسرح الحواري الذي هدفه أيضا إيصال ( المعنى) الى المتلقي ؟
ـ عندما يتعلق الأمر بإيصال المعنى الى المتلقي لا ميزة لهذا العمل على ذاك. وإذا كانت ثمة ميزة فأنها تكمن في اختلاف لغتي التوصيل التي تمتاز في المسرح الصامت بكونيتها وفي المسرح الصائت بمحدوديتها.

· متى وأين عرف العرب التمثيل الصامت ؟ وهل يمكن أن نعتبر ( المهرج ، البهلوان ، المضحك ) في مجالس الخلفاء تأسيسا للمسرح الصامت عند العرب ؟
ـ في الطقوس والفعاليات الدينية على الأرجح. كنت وأنا صغير اذهب برفقة أهلي و أقاربي كي أرى (التشابيه) وهي ضرب من التعزية يقوم فيه الممثل (الشمر) ، بملابسه الحمر ،بملاحقة أولاد مسلم ، بملابسهم الخضر، ليضرب بسيفه الدامي إناء الماء الذي يعطى لأولئك الصغار العطشى. هذه هي اكبر الصور التي رأيتها واعتبرتها ، فيما بعد ، بذرة حية للتمثيل الصامت في العراق ومن المؤكد ان هناك بذورا أخرى في دول عربية أخرى فالكتابات في هذا المجال لم تتناول الموضوع بكل جوانبه حتى يتسنى لنا معرفة ذلك .

· قلت أن النقد المسرحي لم يستطع اللحاق أو مواكبة النص الصامت والمعروف أن الكتابات النقدية تلي كتابة النصوص أين نجد نصا صامتا لم يكتب عنه نقدا؟
ـ لم أخص (اللحاق والمواكبة) بالنص المسرحي الصامت المحدث بل بتلك الجهود الفنية الرائعة والعروض الصامتة التي قدمت على خشبة المسرح العراقي منذ عام 1919 . وأنا اتفق معك بعدم وجود نص صامت لم يكتب النقد عنه شيئا لان النصوص الصامتة بالشكل الذي اكتبه أنا لم تكن موجودة قبل عام 1994 إذا استثنينا محاولة الأستاذ شفيق المهدي "المعطف " عام 1984 .

· الصورة الشعرية لها ثلاثة مكونات الجدة والتكثيف والإيحاء إضافة الى مولدها الخيال ووسائلها اللغة كيف استطاع النص الصامت أن يقدم الصورة الشعرية كما ذكرت بوسائله الإيمائية فقط؟
ـ المسرحية الصامتة تختزن الصور التي تمتاز بشاعريتها ودراميتها ومنطقيتها. بمعنى أنها تأخذ من الشعر والدراما صفتهما ومن المنطق مبررات تشيئها ضمن مكونات العرض وتمثلها لفعله العياني. أما الصور الشعرية، بمعناها المجرد، فلا وجود لها في النص المسرحي الصامت على الرغم من ورودها، بهذا المعنى، في مقدمة كتابي الأخير "ارتحالات في ملكوت الصمت".

· ما الفرق بين التمثيل الصامت والباليه من حيث استخدام وسائل إيصال الفكرة الى المتلقي؟
ـ الفرق الأساسي الكبير أن الباليه رقص، بينما البانتومايم تمثيل. صحيح أن الرقص الطقوسي هو بذرة التمثيل الأولى إلا انه وكما يقول بيتر برنسون، وهو مؤسس وصاحب مسرح "الباليه للجميع": (بمرور الوقت ذهبت الكلمات في مسار لتوجد الدراما. في حين أن الرقص ذهب في مسار آخر ليوجد الباليه. وعليه فان وسائل الباليه الادائية الايصالية تعتمد على خمس وضعيات للأقدام على خشبة المسرح ومثلها للذراعين. أما التحليق فيعتمد على ثلاث قفزات مختلفة، ويعتمد الارتكاز على ثلاث أوضاع أيضا. وربما أضيف اليها عدد آخر من الوضعيات الجديدة وهذا ليس مجال اهتمامنا بالطبع. ما يهمنا هو الكيفية التي يؤدي بها الجسم حركاته انطلاقا من هذه الوضعيات وصولا الى طريقة رسمه للصور الإشارية الذهنية على خشبة المسرح. أما البانتومايم فيستخدم أدواته الخاصة المتحررة من هذه الوضعيات، والمعتمدة على الإيماءة والإشارة وحركة الجسد في رسم صورة الفكرة المراد إيصالها الى المتلقي عيانيا لا ذهنيا. لان الصورة في المسرح الصامت ترفل بشاعريتها، بينما تعتمد في الباليه على ذهنيتها لاقتراب الباليه من الشعر. يقول بيتر برنسون: "كل رقص (تقريبا) يجب أن يعامل كشعر.. انه يعالج العواطف. وقليل من الدراما هذا اليوم ضرب من الشعر، وإذا ما بلغت الدراما القلب فان ذلك يتم عبر الذهن.

حاوره : بلاسم الضاحي
.
.

حسن العلي
22-07-2008, 12:50 AM
الكاتب المسرحي العراقي صباح الانباري ، واحياء المسرح الصامت



· سأحتفظ بهدوئي بعيدا عن هموم الإخراج * اعمل على تجنيس المسرحية الصامتة * أطارد الموضوعات التي تحتفظ بالبراءة

· التقاه في بغداد:هادي الربيعي


لا يحظى فن البانتوميم المسرحي ، أو فن الميم وتعني فن التمثيل الصامت ، إذا أردنا دقة المصطلح ، ألا بالقليل الذي لا يكاد يذكر في العراق ، رغم أن هذا الفن بدا مع بدايات القرن العشرين ، وعلى التحديد في العقد الثاني منه ، وعلى الرغم من السير في طريق معقد وشائك ، فانه يفتقد إلى المرجعيات التي يمكن أن تنهض به ، إلا أن الكاتب المسرحي العراقي المعروف صباح الانباري ، استطاع أن ينهض بأعباء أحياء وتأسيس هذا النوع من الفن المسرحي ، بجهود فردية يمكن اعتبارها خارقة ، فعلى أحد جانبي الطريق تمضي أسراب المسرحيات الصائتة بحشود واعداد هائلة ، بينما يمضي هو في الجانب الآخر طائرا وحيدا ليرتفع بالمسرحية الصامتة إلى حيث تأخذ مكانتها اللائقة في المسرح العراقي الحديث ، ويكفي صباح الانباري فخرا وتتويجا لجهوده الكبيرة على هذا الطريق ، أن يعتبره شيخ نقاد المسرح العراقي الأستاذ علي مزاحم عباس ، واحد من أهم كتاب "الميم" وان موهبته في هذا المجال تمتلك تفردها وخصوصيتها وأهميتها في حركة المسرح العراقي المعاصر ، وفي هذا اللقاء نحاول أن نلقى الأضواء على طبيعة عمل هذا الكاتب ومدى الآفاق التي يتحرك فيها ومدى ما أنجز على طريقه الإبداعي المحفوف بالمتاعب .


· اعرف انك بدأت شاعرا ، يمتلك من الموهبة ما لا يمتلك الكثيرون ، فلماذا انعطفت إلى المسرح الصامت … ؟
ـ أنت تعرف اكثر من غيرك إن مشواري الإبداعي قد أبتدأ بالشعر ، كتبت القصيدة العمودية والحرة وقصيدة النثر ثم هجرته دون رجعة . قبل اكتمال عقدي الثاني كان الشعر شاغلي وهمي ووسيلتي وغايتي في إن واحد ، حفظت الكثير من الشعر العمودي ، وتأملت طويلا في الشعر الحر وقصيدة النثر ، وعلى الرغم من أنني نلت أكثر من فوز فيه ، هجرته تماما لقناعتي أنني لا يمكن أن أكون اكثر من نصف موهوب فيه في وقت اشترطت فيه على نفسي ما اشترط هاملت على نفسه في "أن أكون أو لا أكون" ، ومع ذلك ظل الشعر يتنفس من خلال كل سطر كتبته فيما بعد ناهيك عن بقاء علا قته بالنصوص المسرحية الصامتة التي كتبتها فيما بعد من خلال الصور التي يشتغل الأول على تكثيفها بينما يشتغل الثاني على منطقتها .

· ماهي سمات فن التمثيل الصامت ، وما الذي استطعت أن تحققه على طريق إرساء دعائمه … ؟
ـ إن فن التمثيل الصامت يعتمد أساسا على مقولة مهمة هي"إن الإنسان يعقل بصريا اكثر مما يعقل سمعيا" ، فهو إذن فن بصري جعل اشتغالي ،على الصورة كأداة من أدواته ، يستأثر باهتمامي الكبير ، فالصورة عندي تحتاج إلى فعل ، والفعل يحتاج إلى حركة ، والحركة تتأسس على رغبة أو هدف ، الهدف يبرر الحركة ، والحركة تعطي الفعل هيئته النهائية ، وبذلك تتشكل الصورة ، ويتشكل معها معنى محدد بتقارب الصور وتعاقبها وتساوقها وتداخلها يتشكل المعنى العام في هيئة نص مدون على الورق ، أو عرض قائم على الخشبة ولو قدر لك أن تتابع هذا الفن منذ بدايته الأولى في العراق عام 1919 ، ستجد إن الاهتمام كله منصب على تقديمه من خلال خشبة المسرح حسب ، وان نصوصه المحفوظة ، لا تعدو كونها في احسن الأحوال ، سيناريوهات عمل غير قابلة للتداول الأدبي بمعاناه القرائي ، وهذا هو الذي دفعني إلى التفكير بوضع لبنات أساسية لادب التمثيل الصامت ، فإذا استطاعت المسرحية الصائتة إن تجنس نفسها أدبيا منذ زمن طويل ، فهل يصعب علينا تجنيس المسرحية الصامتة أدبيا ؟ هذا هو ما حاولت الرد عليه من خلال نصوصي الصامتة جميعها .

· أين يكمن الاختلاف بين فن الميم ، ومسرح الصورة الذي أرى فيه سمات وملامح تقترب من مسرح الميم .. ؟
ـ أنت تعرف إن الأستاذ صلاح القصب اشتغل على مسرح الصورة ، وهو يدرك اكثر من غيره إن الصورة لا تحتاج إلى كلمات في اغلب الأحيان ، وقد لا تحتاج للكلمات نهائيا ، فهي تتعامل بشكل أحادى مع حاسة البصر فحسب ، لذلك تراه يعمل على تفكيك النص أولا ، وإعادة تشكيله ذهنيا ثانيا ، ومن ثم تاطيره على المسرح كصورة ثالثا ، ومن هنا يمكنك أن تلاحظ وجود اصرة مهمة وكبيرة بين مسرح الصورة و المسرح الصامت واعتقد إن الأستاذ القصب لو لم يتخذ من مسرح الصورة منهجا خاصا يميزه ، لكان افضل من يقدم لنا الصورة الصامتة في العراق .

· أين تكمن صعوبة هذا النوع المسرحي من وجهة نظرك ؟
ـ إن فن التمثيل الصامت فن صعب حقا ، واصعب ما فيه كتابة نصوصه بشكل أدبي . أستطيع أن أقول لك جازما انه يستحيل على الكاتب الذي لم يمارس العملية الإخراجية ، أن يبدع في هذا الجنس الفني ـ الأدبي ـ كما هو حاله مع بقية الأجناس الأخرى ، إن معرفة قواعد وشروط الخشبة معرفة تفصيلية دقيقة من شانها أن تمهد الطريق أمام الكاتب ، وان تفتح خياله وقدراته العقلية على الابتكار والتأليف الخالص غير المعتمد على التناص ، والاتكاء على أعمال أخرى ، إلا بالحدود التي يراها مناسبة جدا للموضوعة التي يصار إلى طرحها وبث شفراتها من على الورق أو من على الخشبة .

· هل تحاول البحث عن موضوعات جديدة من خلال هذا النوع المسرحي ؟
ـ هذا ما فعلته بالضبط وما سوف افعله مستقبلا ، البحث الجاد المثابر عن الموضوعات الإنسانية البريئة الخالصة النقية ، صحيح إن الأفكار كلها قيلت فيما مضى بأشكال مختلفة ، وصحيح من يجزم إن مانكتبه الآن كله ثمرة تناص مع المنجز الإنساني الهائل ، منذ بدا الإنسان القراءة والكتابة ، إلا إن الصامت منه لم يكن هائلا عبر التاريخ الإبداعي ، وهذا يعني إن ثمة مواضيع ما زالت تحتفظ ببعض أو كل براءتها ، وأنا ازعم إنني من يطرادها ويسعى جاهدا عامدا للامساك بتلابيبها .

· ساهمت في إخراج العديد من المسرحيات فيكيف خضت تجربة مسرحيات الميم .. ؟
ـ أخرجت مسرحيتي الصامتة " الالتحام في فضاءات الصمت " ضمن مهرجان الشباب الذي أقيم بالتعاون بين كلية المعلمين في ديالى واتحاد الأدباء والكتاب فيها وقد حازت على نجاح كبير وتجاوب اكبر من قبل جمهور النظارة، ولم اكرر التجربة بسبب عدم مواضبة الكادر التمثيلي . أن تغيب ممثل واحد لمرتين يجعلني فريسة للقلق الدائم لذلك فضلت الاحتفاظ برباطة جأشي وبرودة أعصابي ، وتركت الإخراج لمن هو اكثر تحملا مني أنا أريد من الممثل أن يكون منضبطا ملتزما ، متفانيا ، مخلصا في عمله ، متحمسا له ، تصور عندما فاتحني الأستاذ حسب الله يحيى لتقديم عروض صامتة على مسرح مركز صدام للفنون وهو من أهم الشواخص المسرحية في العراق فضلا عن كونه أهم مركز للفنون لم أجد في الفرقة إلا حماسا فاترا مدعوما بالكسل والتراخي . ومع ذلك أنا احترم انشغال البعض منهم بهموم الحياة وكسب الرزق في وقت لم يعد فيه توفير القوت اليومي سهلا كما كان في زمن ما قبل الحصار.

· هل يمكننا القول إن النقد قد أنصفك ؟
ـ لقد انصفني النقد على يدي شيخ نقاد المسرح في العراق الأستاذ علي مزاحم عباس سواء في كتابته إضاءة لإحدى مسرحياتي الصامتة المنشورة في مجلة"ألف باء" العراقية ، أو في الدراسة القيمة التي نشرها في مجلة الرواد العراقية تحت عنوان فن التمثيل الصامت الميم في العراق للسنوات 1919 ـ 1998 أو في المخطوطة التي يأمل صدورها عن دار الشؤون الثقافية العامة ضمن سلسلة الموسوعة الصغيرة ، أنا فخور بما أنجزت لا لأنني أنجزته بالفعل ، ولكن لان ناقدا كبيرا مثل الأستاذ علي مزاحم عباس يؤكد على أنه "لا يداني صباح الانباري أي كاتب ميم آخر ينفرد بموقفه من الناس والأرض والأخلاق موقفا صارما حادا وقاسيا" .

· هل يمكن اعتبار نصوص "الميم" نصوصا أدبية كجنس إبداعي جديد … ؟
ـ النص الصامت عندي يمر بمرحلته الجنينية ، القارئ العادي ، والقارئ المتأمل لم يتعودا على تلقيه قرائيا ، الا أن قبوله والاستمتاع بقراءته من قبل النخبة ، يبشر بإمكانية احتلاله موقعا متميزا بين النصوص الأدبية المجنسة ، شرط أن يطرق الكتاب المسرحيون أبواب هذا النص و أرجو أن لا تفهم دعوتي هذه على أنها تأكيد لعزل هذا النص عن الخشبة التي كتب أصلا ليقدم من عليها .
ـــــــــــــــــــ
* صباح الانباري ناقد مسرحي عراقي صدرت له أواخر عام 2000 مجموعة مسرحيات تحت عنوان " طقوس صامتة .
· هادي الربيعي شاعر عراقي صدرت له سبع مجاميع شعرية وروايتان وكتاب نقدي .
.
.

حسن العلي
22-07-2008, 12:52 AM
الكاتب المسرحي صباح الانباري:
النص المسرحي العراقي يقف في الصدارة عربيا


على الرغم من تعدد أنشطة الفنان صباح الانباري في الحركة المسرحية . الإخراج . التمثيل ، النقد المسرحي .. الا ان نشاطه في كتابة النص المسرحي اخذ يبرز اكثر من سواه وبات من الممكن التوقع بتكون ملامح كاتب مسرحي واضحة لو توفرت السبل الممهدة لظهور عطائه في الكتابة المسرحية .. اخرج حتى الان أربع مسرحيات قدمتها فرقة مسرح بعقوبة هي :
ـ بهلوان آخر زمان 1974 .
ـ المفتاح 1975 .
ـ البيت الجديد 1975 .
ـ الضدان 1976 .
حاز على الجائزة الأولى في مسابقة مجلة الأقلام للنصوص المسرحية عام 1993 .. له عدة مسرحيات تنتظر النشر والإخراج .. ولمناسبة حضوره فعاليات مهرجان بغداد الرابع للمسرح العربي كان لنا معه هذا اللقاء :


· على الرغم من وجود حركة مسرحية عراقية نشطة الا ان كتاب النصوص المسرحية العراقيين قليلون جدا وبالتالي فان النص المسرحي المحلي شحيح .. كيف تفسر ذلك وأين نضع النص المحلي من النص العربي ؟
ـ السؤال يحمل شيئا من التناقض .. كيف يمكن لكتاب قليلين جدا تنشيط الحركة المسرحية العراقية بنصوص شحيحة جدا ؟ ستجيبني بذكاء لا ينقصك أبدا ان المخرجين عندنا لا يعتمدون النص المحلي اعتمادا كبيرا هذا .صحيح جدا . وسنقول أيضا ان العملية المسرحية عملية جماعية غير مقتصرة على المؤلف المسرحي وهذا صحيح أيضا ولكني أقول لك . تجنبا للإطالة ، ان القلة والكثرة ليستا مقياسا حقيقيا لنشاط كتاب الدراما المسرحية . انت تعرف والجميع هنا يعرف ان في العراق كتابا قلائل يكتبون الكثير ولكن ما ينشر ، من كثيرهم هذا ، قليل جدا لأسباب عديدة أورد لك أهمها في :
أولا ـ تكاليف الطباعة الباهظة والخرافية .
ثانيا ـ دور النشر والمؤسسات الحكومية التي تعضد الكتاب والأدباء باتت لا تستطيع القيام بواجبها كما كانت تفعل قبل الحصار .
ثالثا ـ قلة الفرق المسرحية التي يعول عليها المؤلفون .
رابعا ـ المجلات الثقافية والأدبية قلصت الى حد لم تعد فيه قادرة على نشر مسرحيات الفصل الواحد الطويلة نسبيا .
خامسا ـ كسل بعض المخرجين وتهربهم من مشقة البحث عن النص المحلي واللجوء الى مجموعة من النصوص يقومون بتفكيكها وتقطيعها ومن ثم جمعها في صورة تحاول ان تكون بديلا للمسرحية المؤلفة محليا .اما اين اضع النص المحلي من النص العربي فانا أضعه ، والمهرجانات المسرحية العراقية والعربية خير شاهدعلى هذا ، موضع الصدارة .

· على الرغم من تأكيدك المستمر على أهمية دور الكاتب المسرحي المعروف محي الدين زنكنه الا ان نهجك في الكتابة المسرحية يختلف عنه .. فأين نقاط الاشتراك بينكما وأين نقاط الاختلاف ؟
ـ دعني أخبرك أولا ، لو سمحت ، انني وضعت مؤلفا نقديا تناولت فيه بالدراسة والتحليل أدب محي الدين زنكنه ولكني نظرا لظروف الطبع القاهرة لم استطع إصداره بعد . وتركت أمره الى اتحاد الأدباء الذي وعد بطبع ست مخطوطات لمحافظتنا آمل ان يكون"السهل والجبل"واحدا منها . لقد تكشفت لي ، بعد هذه الدراسة ، عوالم محي الدين زنكنه الجميلة فانبهرت بها واستمتعت بأجوائها واطلت التأمل في تفاصيلها حتى قدحت في ذهني فكرة تمجيد هذا الكاتب المسرحي بنص مسرحي فكتبت"زمرة الاقتحام"ولكنني كتلميذ طموح ومجد من تلاميذ زنكنه الأستاذ والصديق سعيت دوما الى ان يكون لي أسلوبي الخاص وطريقتي المتفردة في الكتابة وان لا أكون نسخة أخرى لهذا الفنان الكبير .. سعيت الى كينونة أخرى تميزني وتمنحني :
أولا ـ الحصانة ضد الامتزاج والانصهار في بوتقته ككاتب .
ثانيا ـ إمكانية اللحاق به ومن ثم تجاوزه كلما سنحت لي فرصة تجاوزه ..
وهنا أود ان أريحك اكثر فاقول أنني سعيت الى ان أكون شبيها لمحي الدين زنكنه في كل شيء الا في الكتابة . هذه هي حدود التشابه والاختلاف بيننا على الرغم من إقراري السابق بأستاذيته .

· فازت مسرحيتك"زمرة الاقتحام"بالجائزة الأولى لمسابقة الأقلام في النصوص المسرحية . فهل من سبيل الى إخراجها الى الناس على خشبة المسرح ؟
ـ انا لا اكتب النص المسرحي الذي يضيف رقما جديدا الى الكتبة المسرحية العراقية او العربية . بل اكتبه ليمثل من على خشبة المسرح بالدرجة الأساس آخذا بنظر الاعتبار الإمكانيات المتواضعة والمتاحة لاخراج أي نص عراقي على الخشبة .
وزمرة الاقتحام المسرحية التي حازت على جائزة"الأقلام"الأولى كما تفضلت ، لم تخرج عن هذا النطاق إطلاقا على الرغم من غرائبية موضوعها وطرقها أبواب الخيال العلمي الصعب والتصاقها على الرغم من هذه الأخيلة العلمية بالواقع المعيش . لقد انتظرت نتائج تلك المسابقة طويلا ليصبح بمقدوري طرح المسرحية بثقة واطمئنان يضمنان لي قبولها من قبل المخرجين العراقيين وانا احسب نفسي واحدا منهم .

· ما مردود انعقاد المهرجانات المسرحية على حركة المسرح ؟
ـ المهرجانات المسرحية ، حصرا ، بايسر تعاريفها هي تجمعات فنية يقدم فيها المبدعون جديدهم من الدراما تأليفا وإخراجا وتمثيلا وهي محك كبير للطاقات والإمكانات الفنية المبدعة . وخط بياني يشير الى مدى التطور الناجز في مرحلة ما من مراحل الحركة المسرحية . فضلا عن انها مختبر للطاقة الفنية ومجس لفضاءاتها الشاسعة وضرورة كبرى لتبادل الخبرات والتعرف على المستويات المحلية والدولية .
مردودها إذن ، مردود إيجابي يعزز الحركة المسرحية ويرفدها بالجديد والمبدع وينتشلها من حالة الجمود والتقوقع والسقوط في النمطية هذا على المستوى العام اما على مستوى الخاص فانها ذات مردودات صحية على كتابنا لانها تتيح لهم إمكانيات معايرة نتاجاتهم محليا ومعرفة مستوياتها الفنية والإبداعية دوليا .
.
.

حسن العلي
22-07-2008, 02:31 AM
.
.

الفنان المسرحي والتلفزيوني السوري << فايز قزق >>
مقابل جهده الصادق لتجعله ممثلاً مسرحياً محترفاً بكل ما للكلمة من معنى وليكون هو نفسه أستاذاً لنجوم كبار في المسرح والدراما السورية حين درسهم في المعهد العالي للفنون المسرحية، فبات الفنانون والكتاب والنقاد يرفعون القبعة لمن التصق اسمه بالفن الحقيقي، ونحن أيضاً موقع eSyria نوجه أجمل تحية للأستاذ الفنان فايز قزق.

وفي لقاء جميل وممتع معه وحين سألناه عن بداياته قال: "ولدت في مدينة دمشق عام (1959) لعائلة تعود أصولها إلى قرية جميلة في ريف اللاذقية، درست جميع المراحل التعليمية في ضواحي دمشق (برزة البلد) حتى عام(1977)، حيث انتسبت إلى المعهد العالي للفنون المسرحية، وعام (1981) كنت ضمن الدفعة الأولى التي تخرجت من هذا المعهد باختصاص قسم التمثيل لأغدوا معيداً في المعهد من عام (1983) حتى (1985)، ثم كان السفر إلى بريطانيا وهناك حصلت على شهادة الدراسات العليا في إعداد وتدريب الممثل من كلية (الروز بروفيرد) (the rose bruford collaje of speech and drama) وتابعت دراستي لأحصل على الشهادة الثانية ماستر في الإخراج من جامعة نفرسيتي ليدز في بريطانيا، ثم عدت إلى سورية عام (1988) لأكون أستاذاً في المعهد العالي للفنون المسرحية ومخرج محترف وبعد عام قدمت أول أعمالي المسرحية (رجل برجل) ثم تخرجت الدفعة الأولى لي من المعهد عام (1994) لأخرَج بعدها دفعتين حتى الآن.

وعن تجربته المهمة في دولة الكويت يقول قزق: "وجودي في الكويت مرحلة مهمة في حياتي لأنها تجربة جديدة حيث استمرت من عام (1995) حتى (2000) فخرجت هناك أربع دفعات من معهد الفنون المسرحية وقدمت (11) مشروع مسرحي، ومثلت الكويت في عدد من المناسبات والمهرجانات المحلية والدولية ومن الأعمال التي قدمتها كمخرج ومدرب (الخادمات لجون جينيه- موكب السمك لبرتولد بريخت- رأس المملوك جابر لسعدالله ونوس- يا طالع الشجرة لتوفيق الحكيم ..وغيرها من الاعمال).

لأعود وأصبح مديراً للمسارح والموسيقى ولمدة لا تزيد عن عشرة أشهر فقط واستقالتي تعود لظروف مختلفة، وحالياً أنا أستاذ في المعهد العالي للفنون المسرحية.

الفنان فايز قزق قدم الكثير من الأعمال المهمة التي تركت أثراً وبصمة في عالم المسرح فغدت أغلب مسرحياته نموذجاً يدرس لطلاب التمثيل داخل سورية [وفي جميعها قدم دور البطولة كما يقول هو وليعددها لنا فيقول: "مثلت في عروض كثيرة منها (السيد بونتيلا وتابعه لماتي بريخيت إخراج أسعد فضة - رأس المملوك جابر لسعدالله ونوس إخراج جواد الأسدي - المرحوم لبرانسلاف نوشتيش إخراج مانويل جينجي - تقاسيم على العنبر وهي من إعداد وإخراج جواد الأسدي- عند العنبر 6 لتشيخوف- الحارس لهارولد فبتر وإخراج عماد عطواني - الأنسة جوليا لستراندبيرغ إخراج روناك شوقي، ومسرحيات أخرى كثيرة وأخر عروضه كانت مسرحية حمام بغدادي بمهرجان اللاذقية المسرحي وهي من أعداد وأخراج جواد الأسدي،كما أخرجت العديد من المسرحيات منها وعكة عابرة - مركب بلا جياد لكاسونا- النفق مسرحية مرتجلة- شكسبيريات إغريقيات لعدد من المؤلفين- حلم ليلة صيف لوليم شكسبير،وغيرها من عروض أخرى و مشاريع ونتاج ورشات عمل ودراسات تطبيقية شاركت فيها وقدمتها في جامعات دمشق-بيروت- الكويت- برلين- كوبنهاغن- طوكيو- فرنسا- اسكوتلندا- انكلترة- مسقط - القاهرة- تونس- الرباط- الدار البيضاء- القاهرة وغيرها من المدن حيث كانت مشاركته كممثل ومخرج ومحاضر في فن التمثيل والإخراج.

ومن المعروف بأن الفنان قزق قد حصد الكثير من الجوائز المحلية والعربية والعالمية كممثل وناشط مسرحي لكنه لم يعددها مشيراً إلى أن غايته في الفن هو مسرح سليم ومعافى مكتفياً بذكر جائزته الأخيرة كأفضل ممثل مسرحي في مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي عن دوره في مسرحية حمام بغدادي، وليؤكد رغبته بالإنتقال من الحديث عن موضوع الجوائز استخدم بديهته الحاضرة دائماً فقال: "بالمناسبة لقد ترجمت العديد من المقالات المتخصصة بالمسرح لمجلات ودوريات سورية وعربية كما ترجمت كتاب (مسرح ميرخولد وبرخت) لمؤلفه كاترين بليزوايتون، وهو كتاب يدرس تاريخ العلاقة بين المخرج والمنظر المسرحي الروسي ميرخولد ومسرح بيرتولد برخت المخرج الألماني الذي ارتبط اسمه فيما بعد بما يعرف بالمسرح الملحمي.

كما أن قيام الفنان قزق بتقديم العديد من الأعمال المسرحية المرتجلة دليل على اهتمامه بالعمل على هذه التقنية الصعبة التي يريد من خلالها إطلاع جمهور المسرح على أسلوب يحتاج لمفردات ومقدرات تمثيلية كبيرة فوضح بأنه يعشق هذا النوع من الفن المسرحي فهو تقنية إبداعية يتم استخدامها من قبل الممثل على خشبة المسرح لاستدراج شخصية [وتكوين عالمها الداخلي والخارجي بكل ما يحتويانه من علاقات حسية نفسية وجدانية وحياتية لتكوين مفرداتها واستشفافها نوعية هدفها ودفعها عبر قصة معلومة لأحداثها وشخصياتها، وموقع كل شخصية سعياً للوصول إلى عرض مسرحي من خلال مبادرة الممثل، والمرتجل هو ممثل ذكي مجتهد وشديد الملاحظة لما يدور حوله، ويعتمد على الخيال وتثقيف هذا الخيال بمفردات قادرة على إسعافه لتكوين مشهد ولاستدراج مفردة أو شكل حركة على خشبة المسرح لإطلاق المعنى المراد وصوله بأرقى الأشكال الجمالية الجسدية والصوتية وبأدق تفاصيل السؤال العام الذي يطرح من خلال العرض كل ذلك مع زملائه المرتجلين على الخشبة، والإرتجال يقوم على أساس منهاج علمي ولا يعني إطلاقاً العشوائية أو المزاجية التي يتبعها بعض المشهورين حين يقوم أحدهم باستعراض خفة ظله وطاووسيته وصلافته على خشبة المسرح واستيباحه للخشبة فيقدم عليها أرخص أشكال الشغل، والمرتجلون المحترفون بحاجة للإتفاق فقط لعشرين دقيقة ثم إقتحام خشبة المسرح والإمساك بها، كما أنهم لا يعتمدون على الذاكرة في الأداء فهم أصحاب رأي حر ومغامرة يومية على خشبة المسرح.

أما عن تجربته السينمائية والتلفزيونية فقد شارك قزق بالعديد من الأفلام والمسلسلات كدور إسماعيل في رسائل شفهية- الأخرس في ما يطلبه المستمعون- عامر في فيلم خارج التغطية الذي سيعرض في الصالات السورية إبتداء من (24/4) بدمشق والمحافظات الأخرى وجميع هذه الأفلام من إنتاج المؤسسة العامة للسينما وإخراج عبد اللطيف عبد الحميد، ومن أدواره التلفزيونية حسن الصباح في مسلسل عمر الخيام وهو من إخراج شوقي الماجي- عبد الملك بن مروان في مسلسل الحجاج إخراج محمد عزيزية- حنظل في مسلسل شهرزاد لشوقي الماجي- ابن الربيع في أبناء الرشيد- شخصيات مختلفة في مسلسل عالمكشوف للمخرج الليث حجو والعديد من الأدوار الأخرى المتنوعة.

وعن رؤية الفنان قزق للإعلام والدور الذي يلعبه في المجتمع قال:"الإعلام يجب أن يكون مرتبطاً بشكل مباشر بالإنسان الذي يكافح ويجد للحصول على العلم والتعليم والصحة والغذاء والأمن والكساء والطريق والمشفى ومكان العمل ومكان السكن والفم والأذن والعين وكل حاجاته الروحية، إنني أحترم الإعلام الذي يبرز حاجات هؤلاء وهم يحاربون بنبل وشرف لتحقيق أحلامهم وهنا يأتي الإعلام الصادق ليحمل الرسالة ويوقظ فيهم الحلم، وكم هو سيئ الإعلام الذي يراعي مشاعر الناس باستعراضية كاذبة أو يستخف بقدراتهم الهائلة الخلاقة، الإعلام الذي يعمل بهذه الطريقة سيخسر في المستقبل، إن إظهار موهبة أو التحدث عن حالة إبداعية من قلب المجتمع والناس ستجعل أي جهة إعلامية أظهرتها شريكاً في حياتهم اليومية وصديقاً يشعر ويحس ويساعد.

فايز قزق لا يمر لقائك معه مرور الكرام بل ستغادره والكثير من كلماته تبقى تجول في ذاكرتك وكيف إذا عشق الإنسان مهنته بصدق أبدع فيها ودخل إلى عوالم جديدة، الكثيرون سيوافقون ما أقول ومن لا يوافق عليه أن يشاهد الممثل المسرحي فايز قزق على خشبة المسرح ليتأكد بأنه أمام عملاق مسرحي سوري يملك بصمة خاصة ومفعمة بالنشاط والإندفاع وحب جمهور المسرح.

.
.

حسن العلي
22-07-2008, 02:37 AM
.
.


الفنان السوري فايز قزق ل الراية الأسبوعية :


الحكومات العربية لا تريد أن يكون للمسرح والسينما أي صوت

المسرح السوري يعيش وضعاً كارثياً منذ التسعينيات

تجربة المسرح التجريبي في سوريا انطفأت بصورة قاسية

دولنا لا تريد بناء أي فن يمكن أن يعيد العلاقات بين البشر أو يدعو للتفكير

محاولات لتحجيم دور الإعلام بسبب الخوف من وجود عقل مفكر

دمشق -الراية- سوزان الصعبي: لا يشدنا إليه علي خشبة المسرح فقط.. بل في كل الأعمال الدرامية المميزة التي شارك فيها من المارقون، إلي ذكريات الزمن القادم وهذا العالم .. لكن المسرح هو عالمه ومملكته إذ قدم خلال 29 عاماً من العمل المسرحي حوالي 40 مسرحية منها "حلم ليلة صيف، مركب بلا صياد، وعكة عابرة.. وغيرها الكثير. كما شارك في السينما بأعمال مهمة مثل فيل خارج التغطية .. وغيرها.
تخرج فايز قزق من المعهد العالي للفنون المسرحية عام 1981، مخرج محترف منذ عام 1988، حاصل علي شهادة عليا في إعداد وتدريب الممثل المسرحي من كلية روز فيلد في بريطانيا وشهادة ماجستير في الإخراج المسرحي من جامعة ليدر .
الرايةالأسبوعية التقت الفنان فايز قزق وكان الحوار التالي:
يجري الحديث دائماً عن افتقادنا للمسرح السوري.. ما الذي أوصل المسرح السوري إلي هذه الحالة من اللا وجود؟.
كان لدينا إمكانية كبيرة لتشكيل المسرح منذ أواسط السبعينيات وحتي أواسط الثمانينيات إذ ازدهرت بعض العروض وتكوّن ما يمكن أن نسميه جمهور المسرح المتماسك، فكانت المواسم المسرحية متنوعة إلي حد كبير وكان هناك مخرجون سوريون مهمون مثل وليد قوتلي، فواز الساجر، نائلة الأطرش، حسن عويتي، جواد الأسدي، وجهاد سعد... وكتّاب أثروا علي الساحة العربية وليس علي الساحة السورية فقط، مثل سعد الله ونوس، ممدوح عدوان، وليد إخلاصي، وفرحان بلبل... تشكل جمهور المسرح في الجامعات السورية وأهمها جامعتا دمشق وحلب وتشكلت مهرجانات شعبية منها مهرجانات العمال ومهرجانات اتحاد شبيبة الثورة للشباب، وتواجد الكثير من العروض المسرحية الأجنبية التي زارت دمشق وكانت مهمة جداً، سواء تلك التي قدمت عروضاً كلاسيكية أو صامتة أو للأطفال.. وأذكر أنني شاهدتُ عروضاً للولايات المتحدة واليابان وروسيا وفرنسا في تلك الفترة. مما يعني أن التواصل بين المسرحيين السوريين والعرب، وبينهم وبين مسرحيي العالم كان تظاهرة واضحة في دمشق. لكن كل هذا تبدد مع أواخر الثمانينيات لتكون فترة التسعينيات كارثية بكل معني الكلمة، بحيث لم يبقَ لدينا الآن سوي مكاتب تدير بعضها البعض ومواقع ليس فيها نبض مسرحي حقيقي أو مأمول أن يكون له مستقبل لاحق.
إذاً كان لدينا نوع من الفورة التي لم تؤد إلي نتيجة، واستطاعت المؤسسة المسرحية السورية أن تقدم بعض الإنتاجات لكنها لم تستطع أن تطور ما يمكن أن يكون قانوناً وتنظيماً لكل الفعاليات التي قامت في تلك الفترة بل علي العكس انكفأت تماماً علي ذاتها وتقوقعت إلي أن وصلنا للواقع الحالي، وهو واقع متقوقع يكاد يخدم بضعة أفراد. هذا الأمر لم يحصل فقط علي الساحة السورية ففي الأماكن التي تواجد فيها المسرح العربي مثل العراق، تونس، لبنان، الكويت، والبحرين.. وبعض العروض في الإمارات العربية وقطر، كل هذه العروض لم تستطع أن تشكل واقعاً مسرحياً متجذراً أو قاعدة مسرحية تستطيع أن تقدم العروض المسرحية بشكل دوري لا موسمي يشتعل فجأة لينطفئ فجأة، بالإضافة إلي تعرض بعض الأقطار العربية لظروف سياسية واقتصادية واجتماعية قاسية كالظروف التي مر بها العراق ولبنان ولكل مسرح عربي ظروفه، أما في سوريا فكان من الممكن تجذير هذه التجربة لكن الأمر لم يتم.
بعد كل ما قلته عن تجربة المسرح السوري.. لماذا لم يستطع هذا المسرح ترسيخ نفسه؟.
لم تكن لدي المسرح السوري آلية لتطوير العمل أو أفق لتطوير العرض المسرحي وإيصاله إلي المواقع البعيدة عن العاصمة ما عدا بعض المهرجانات هنا وهناك في حمص واللاذقية وحلب، لم يحصل أي تدعيم للبروز اللطيف الذي حصل في العشر سنوات، وقُدمت عشرات المشاريع من قبل الكتّاب مثل وصية سعد الله ونوس، ومشروع د. شريف شاكر ومشروع فواز الساجر.. هذا المشروع كان فيه بصيص أمل لإيجاد ما يمكن أن يكون مؤسسة مسرحية أخري بعيداً عن المسرح القومي ومشاكله الاقتصادية والتنظيمية والمالية والعقلية.. لكن تلك التجربة المسماة بالمسرح التجريبي قدمت بعض العروض وكان فيها نعمان جود مهندس الديكور وسعد الله ونوس والمخرج فواز الساجر والناقد المسرحي نديم محمد، وانطفأت هذه التجربة بصورة قاسية وانضوي كل من كان فيها تحت راية المسرح القومي ليكونوا ضمن نفس آلية التفكير، ولم يتح لهذا المسرح أن يتابع مسيرة البحث عن شكل جديد للمسرح عن شكل جديد للمخاطبة من خلال هذا المسرح، عن جمهور جديد سعي إليه وقدم العروض له في أماكن بعيدة عن العاصمة، كل هذه الأمور أدت إلي الإحباط النفسي لهذا المسرح ليتلاشي لاحقاً وليقدم آخر إنتاجاته في عام 1988 وهي المسرحية التي أشرف عليها من الناحية الفكرية المرحوم سعد الله ونوس، وأخرجتها المخرجة العراقية روناك شوقي، تلك هي آخر عروض المسرح التجريبي.
في ظل احتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية لهذا العام والوعود بفعاليات ثقافية غنية.. هل سيدفع ذلك المسرح السوري إلي النهوض من جديد؟.
لا يتم نهوض المسرح بالوعود ولا بالمهرجانات.. أن نعد بوجود مسرح في سوريا أو في أي بلد عربي آخر يعني توجيهاً لطاقات هائلة جداً، يعني تأسيساً لمرحلة ثقافية جديدة ومختلفة، تأسيساً للرواية والقصة القصيرة والفن التشكيلي.. هي مجموعة تأسيسات يجب أن تتم علي مستوي الذهن الفردي والجمعي للناس، يعني أن يتم التبشير بهذا الوعي من خلال طلبة المدارس وتأسيس المسارح الجامعية المستقلة وإعطاء الفرصة للعمال ليعودوا إلي ما كان بإمكانهم أن يكونوا متطورين فيه الآن وهو مسرح العمال، يعني أن نوقظ السينما من السبات العميق الذي طال إلي حد اللعنة.. أن نوقظ الدراسات الأدبية والفنية. وأن نفعّل حالة من المناخ تؤدي لاحقاً إلي بروز عدد كبير من المسرحيين في كامل المحافظات علي مستوي القطر وفي كامل البلدان العربية. يمكن أن يعد وزير ثقافة في أي بلد عربي بأنه سيشاد مسرح أو مبني مسرحي لكن هذا الوعد إلي أي حد يمكن أن يكون صادقاً أولاً، حقيقياً ثانياً، مدعوماً ثالثاً، مؤمّناً عليه لجهة حريته وديمقراطيته بما سيُشاهَد فيه من عروض، متنوعاً في أفكاره. كل هذه الأشياء لا يمكن أن تأتي عبر وعد بل من خلال نهوض للمجتمع تنهض فيه الثقافة وبالتالي ينهض فيه المسرح.
إذاً لا بد من نهوض ثقافي ونهوض كامل للمدينة وللحس المدني للوصول إلي حالة وجود مسرح حقيقي يدلو بدلوه في قضايا الناس بشكل حضاري متنوع من زوايا عدة لا من زاوية واحدة مفروضة أحياناً أو مسلّم بها، كل هذه المسائل تقتضي دوماً العمل علي ساحة ثقافية أكثر منها ساحة مسرحية هي من جملة ساحات الثقافة، ما قيمة الرواية إن لم تكن مدعومة بجمهور يري السينما والمسرح ويعرف تفكيك الألوان في لوحة فنية حديثة مهمة، ما فائدة المسرح إن لم يكن الجمهور متنوعاً قاصداً المسرح لحاجته إليه لا ترفاً، فالمسرح من أكثر الفنون شعبية وقد قدّر عدد جمهور كل طقس مسرحي عند اليونان أو الرومان بعشرات الآلاف من المشاهدين، هذا النوع من العلاقة بين المسرح والناس جعله الأكثر تأثيراً في حياتهم لصياغة حوارات تمهد لتوضيح صورة حول سؤال مطروح عبر هذا المسرح. نفس الأمر بالنسبة للسينما وكل الفنون ذات الطابع الجماعي في التأثير، فالمسرح لا يمكن أن يقوم بدون جمهور وبدون مجموعة إبداعية تؤدي دورها علي الخشبة بتنوع الأنشطة المطروحة عليها، إذاً هناك دائماً تفكير جمعي حول قضية أساسية، والمسرح لا ينتقي جمهوره وإن كنا أحياناً نتوجه إلي جمهور معين من أطفال أو نساء أو عمال... لكن المسرح بصورة عامة لا ينتقي هذه الفئات لإيمانه بأن السؤال الذي يجب أن يُطرح علي الخشبة يلاقي هواجس وآمال عدد كبير وعريض من الناس في كل الطبقات الاجتماعية ويلبي الحاجة الحسية الوجدانية الجمالية عند هؤلاء الناس، عندما يُطرح المسرح بهذه الصيغة يجب أن تُطرح مسألة وجود ساحة ثقافية متكاملة لا مسرحية فقط أو سينمائية فقط أو أدبية فقط.. ساحة ثقافية بعلاقاتها المتشعبة والعضوية مع الساحة السياسية والاقتصادية والتراثية والدينية وساحة من يفكرون بالمستقبل ويصيغون القواعد له.. كل هذه الأشياء تحتاج إلي تفصيل، لكن المسرح يفتح أبوابه لكل الناس ليكون برلماناً حراً سواء لمن كان علي الخشبة أو للمشاهد الذي في الصالة، هذا المشاهد له رأي وهذا الرأي مهم جداً ونفكر به كثيراً عندما نشيد عملاً مسرحياً ونحاول الإحاطة قدر الإمكان بأكبر عدد ممكن من أطراف السؤال سواء السؤال ذو الطابع الفكري أو الجمالي للمسرحية.. إذاً المسألة لا تتعلق بعرض مسرحية بل بقيام مسرح في كل مدينة بلغ عدد سكانها 100 ألف نسمة. هذا المجتمع بدأ يشكل ما يسمي بالمجتمع المديني فما يمكن أن يكون مهماً في الريف من أغنية وأهزوجة وحدوتة شعبية يلاقي في المدينة طريقة أخري للتواصل وتبادل الأفكار من مسرح وسينما وفنون.
قلتَ إن نهوض المسرح لا يتم إلا عبر نهوض المجتمع كاملاً.. فأين نحن من هذا النهوض؟.
عندما تتلكأ ساحة من ساحات نهوض ما من نهوض وتطور مأمول في كل مدينة لا يصبح لهذا النهوض المعني الكامل المأمول والمرجو له، إذ لا يمكن الادعاء بأننا نملك زراعة متطورة بدون أن نملك صناعة متطورة، لا يمكن الادعاء بأن الساحة الثقافية متطورة إذا كان جزء من هذه الساحة في حالة انهيار أو ضياع، علينا أن نشكل البوصلة المتكاملة لتشكيل مجتمع متطور ومنفتح وهذا يحتاج إلي عمل الجميع، إذ لا يمكن القول إنني أملك الفكرة التي يمكن أن تطور المسرح في سوريا أو في أي بلد عربي، لا يمكن لأي مسرح في أي بلد عربي القول بأن المسرح العربي سينهض علي أكتافه ولا بد من إيمان عدد كبير من ساحات مختلفة بأهمية الساحات الأخري التي لا ينتمي إليها بشكل مباشر لكنه يمكن له من خلال عمله أن يقوي من إمكانية نهوض الساحات الأخري بمعني آخر يستطيع الصناعي من خلال تنظيمه لعمله وتصديره لهذه الصناعة أن يقوي الساحة الزراعية ببعض المنتجات الصناعية والساحة الزراعية يمكنها تأمين ما يمكن أن يؤمن أسباب العيش لعدد كبير من الناس في ساحة الثقافة، فالمسألة اقتصادية بحتة إذ عندما يكون تأمين الاقتصاد والمال للساحة الثقافية بصورة إيمانية بأن هذا الفن لازم عندها يمكن الوصول إلي عروض مسرحية تتماسك شيئاً فشيئاً لتصبح نوعاً من أنواع الطقس الاجتماعي الأسبوعي أو الشهري. لدينا اليوم عدد كبير من الناس في الوطن العربي لا يعرفون السينما الوطنية والعربية إلا ما يقدمه التلفزيون، والتلفزيون لا يقدم سوي الممضوغ من العلك والممجوج من الأفكار القديمة إذ تقدم شاشات التلفزيون دفاتر قديمة مغبرة ويقتات المواطن علي ما تم مضغه في سنوات الأربعينيات والخمسينيات من سينما وتقوم هذه الفضائيات بتلوينها عبر الالكترونيات الحديثة من أجل زيادة السعر دون أن يكون لدي أصحاب هذه الفضائيات وهم الحكومات العربية الرغبة في خلق سينما بدلاً من تقديم المغلف الإعلامي القديم الفاسد للجمهور، دون أن يكون لديهم القدرة علي فهم أن عملية تطور الذهن العربي هي عملية تطوير للعين والسمع والحس وذلك يبدأ من الشارع إلي المدرسة إلي العمل إلي أماكن التفكير والتأمل ومنها المسرح والسينما.. هذان الفنان اللذان يردان العلاقات الإنسانية إلي وضعها المتوازن كلما اختلت نتيجة حاجة ونقصان هذه الحاجة أو نتيجة سؤال وتداول هذا السؤال، إذاً ليس لديهم إيمان بخلق تجمع فهم يخافون التجمع لأسباب متعددة، يخافون من الحوار، هم يسعون إلي الثرثرة الفارغة ورصد كل الثرثرات الجوفاء في مصنفات الذاكرة للفرد والمجاميع العربية عبر هذه القنوات وترسها وتكديس كل هذه اللا فائدة من هذه الصور والثرثرات يجعل الذاكرة غير قادرة علي تذكر ما تغداه صاحبها بالأمس وما يمكن أن يخطط له غداً، هذا نوع من استلاب العقل وملكاته وهو جار دائماً فالمسألة سياسية بحتة فيما يتعلق بهذين الفنين. لا ترغب الحكومات العربية منذ حوالي ال 25 سنة الماضية بإشادة كل فن يمكن أن يعيد العلاقات بين البشر في مسرح أو صالة أو سينما أو قاعات للنقاش الحر، والإعلام دائماً هو ثقافة الحكومات علي مدار الكرة الأرضية وعبر تاريخه كان دائماً منتوجاً رأسمالياً بامتياز، فالتلفزيون منتوج الصناعة القذر وليس فيه من قدسية واستُخدم استخداماً قذراً للملمة الناس وجعلهم يدخلون في مسالك تُرسم لهم سلفاً ضمن نقاشات توضع الخطوط العريضة لها كمانشيتات سواء في التلفزيون أو الإعلام المقروء الحكومي وشبه الحكومي، كله يسعي إلي تدمير ما في العقل من ملكات خلاقة كالمحاكمة والتفكير السوي والخيال.. كل هذا كان مرهوناً بعوامل سياسية ولا زال تحت سطوتها، وقد رأينا مؤخراً ما كان جارياً من مشروع تحجيم دور الإعلام العربي وكان أول همومه عدم المساس بأسماء الزعماء العرب حتي لو أخطأوا.. وكان هناك نوع من محاولة ضغط المساحة المتاحة لهذه المصادر الإعلامية بسبب الخوف من وجود عقل مفكر، أن يكون للمسرح أو للسينما صوت.. هذا أمر غير مرغوب فيه من قبل الحكومات العربية وكان وزراء الثقافة دائماً حريصين ضمنياً وإن لم يقولوا ذلك بقرار علي أن يقيموا مهرجانات للمسرح والسينما أما أن ينتشر هذان الفنان انتشاراً يتيح للإنسان أن يحاور حواراً يدلل علي ملكات المحاججة والخيال وتطوير الأفكار، بالتالي الوصول إلي مرحلة تنفيذ هذه الأفكار فهذا أمر ممنوع.
سننهي الحوار بالسؤال التقليدي ماذا تحضّر من جديد؟.
ليس المهم بالنسبة لي ماذا أحضّر، فالمسرح وسيلة تفكير، وهمّي هو كيف يمكن أن أتوازن مع الأفراد المحيطين بي ما أمكن مستخدماً المسرح والمسرح ليس فقط عرضاً مسرحياً، هو حوار ونقاش يومي يدور بيني وبين الأشخاص من حولي ليس فقط مع المسرحيين بل مع الناس في الصالة أيضاً، فعندما تشاهدين مسرحية مهمة تطرح سؤالاً وفكراً وجمالاً وحالة فنية.. فإنك تبدئين بنقاش الناس المتواجدين حولك.. إذاً هذه حالة تواصلية.. قد أشاهد فيلماً وأتناقش حوله مع الناس، قد أشاهد معرضاً تشكيلياً وكذلك أتناقش حوله مع الآخرين. فتح هذا الحوار هو المهم، هذا الحوار الذي يقصه التلفزيون "التلفزيون مقص الألسن" بامتياز. وأقول لكل مواطن من خلال هذا المنبر وعبر جريدة الراية جرّب مرة واحدة أن تطفئ التلفزيون عند زيارة بعض الأقرباء لك ستجد أن الجميع سيصمتون مستنكرين ولو بشكل ضمني، الجميع مقطوعو اللسان لا يعرفون سوي الإنصات وهذا أسوأ ما يمكن أن يفعله الإنسان خصوصاً إن كان هذا الإنصات ناتجاً عن قلة حيلة الإنسان في فتح حوار مفيد بنّاء.. سأقدم لك معلومة بسيطة وهي أن قسماً كبيراً من الألمان لا يضعون التلفزيون في الصالون وإن تواجد التلفزيون وأتي إليهم ضيف يطفئونه لأن عليهم أن يحاوروا ضيفهم لا عليهم أن ينصتوا إلي أبله في التلفزيون مهما كان نوع الخطاب المذاع.. نفس الأمر عند الفرنسيين واليابانيين والانكليز. أقول وأنا مراقب مباشر لهذه الشعوب إنها لا تلجأ إلي التلفزيون لمخاطبة بعضها البعض فهو خيار من خيارات الثقافة لديهم وليس الخيار الوحيد للثقافة.. خاصة عندما تكون هذه القناة الثقافية الوحيدة التي ليس لها رفيق وهنا يصبح الخطر واضحاً داهماً، خطر عدم قدرتي علي استعمال ما وهبني الله والطبيعة من عدد كلمات يومية، وقد توصل العلماء إلي أن الإنسان يستطيع استخدام 15 ألف كلمة يومياً، يمكن أن يكون نصف هذه الكلمات مبدعاً والنصف الآخر ثرثرة فارغة لكن أن تصبح كل هذه الكلمات ثرثرة عندها تصبح إتعاباً للعقل وللسان وليس لها أي منتوج عقلي للطرفين.. وأعتقد أن الخطورة الكبري تحصل عندما تُلغي ال 15 ألف كلمة لصالح مئات الآلاف من الكلمات المسموعة عبر التلفزيون فيُلغي حق الإنسان الطبيعي في كلماته وتصبح مفردات الآخر هي مفرداتك ويتم تخليص الإنسان من إحدي أهم ملكات العقل وهي الحوار للتواصل مع العقل الآخر، فإذا خاطبتِ الآخر ستجدين في خزائن الذاكرة مفردات الآخر الذي لديه نفس المفردات ولن يكون هناك أي إشكال أو صراع في الحوار من أجل تبني فكرة ثالثة، ومنتوج هاتين الفكرتين أو القطبين فكرة ثالثة هي نفس الفكرتين لا تتبدل ولا تتطور، أي أن كلا الطرفين تحدثا بنفس المفردات وتوصلا إلي نفس النتيجة أي أن هناك دائرة مفرغة للعقل يلعب بها هي مفردات من لقنكِ منذ البدء مفرداته هو، أي الإنتاج التلفزيوني بكل أجناسه بدءاً من إعلان العلكة وانتهاء بأرفع خطاب يمكن أن تتخيليه.

.
.

حسن العلي
22-07-2008, 02:40 AM
.
.


فايز قزق لـ"النور": نحن لم نعد في ركب المسرح العالمي.. أصلاً!

فايز قزق قامة فنية في سورية، رغم عدم نجوميته التلفزيونية، وقلة أعماله وجودتها، وتتأتى هذه القامة لما لها من دور ناجح في حركة المسرح السوري، وفي إدارته لورشات العمل في المعهد العالي للفنون المسرحية، وممثلاً نجماً على خشبة المسرح، يبصم في الذاكرة (تقاسيم على العنبر، الاغتصاب.. إلخ)، مشغوفاً بالمسرح وبإعادة تأهيله وتأكيد دوره في حياتنا الثقافية والفكرية.
+ في عرضك الأخير (حلم ليلة صيف) اخترت الطبيعة مكاناً للعرض، لماذا هذا الشكل الإخراجي وماذا تريد أن تقول من خلاله.
++ (حلم ليلة صيف) كانت تمريناً لتخرج الطلبة في السنة الرابعة، إن غنى النص بالشخصيات وتنوعها، وقراءة النص بما فيه من تحولات ميتافيزيقية، كل هذا دفعني للبحث عن المكان، وكنت مصراً أن يكون خارج المكان التقليدي، وبدأنا العمل عليه ليتحول إلى مسرح. بذلنا جهداً كبيراً أنا والمجموعة، أمسك الطلبة بالمعاول وبالطين، وخاضوا في الماء، وحفروا البحيرة الصغيرة، لقد قدمنا ما في وسعنا لنرتب المكان على نحو يليق بالعمل ومفرداته، ويقدم للجمهور متعة بصرية.
+ لماذا الإصرار على اختيار النص الأجنبي وخصوصاً في عملك (الشكسبيري)؟
وقع اختياري للنص على أسس ثلاثة: أولاً: لأن (حلم ليلة صيف) تحتوي على الكثير من الشخصيات.
ثانياً: الأجواء الفنتازية الموجودة فيها هذه الشخصيات.
ثالثاً: أنا لا أرى من ضير أن يكون هناك نص أجنبي، في تخريج الطلبة.
وهذا الأمر يتم للمرة الثانية، المرة الأولى كانتافي (مركب بلا صياد) لأليخاندرو كاسونا وقد خرجَّتُ طلبة سابقين بنصوص عربية.
+ لماذا لم يعد يذهب الناس إلى المسرح؟ ولماذا ليس لدينا مسرح للشارع، أو ما يعرف بمسرح الفقير؟ وهل تجربتك هذه ضمن هذا الإطار؟
++ لا... أنا لا أطرح الآن برنامج عمل على مستوى البلد، أنا أطرح التجربة ضمن إطار المسرح العالي للفنون المسرحية. عندما نبدأ بدراسة العرض المسرحي على مستوى ذهابه إلى الناس، تبدأ المشكلة. نحتاج هنا إلى النقاش على مستوى وزارة الثقافة ومديرية المسارح والموسيقا، عندما كنت في تلك (المديرية) اقترحت برنامجاً ليكون هناك أكثر من ثمانية أمكنة في دمشق تستطيع تقديم برامج المسرح القومي، ولكنه رفض، ثم وضع هذه المقترحات على الرف، وقيل إنها غير مناسبة للبلد. ما تم في (حديقة تشرين) أي في (حلم ليلة صيف) يثبت إثباتاً قاطعاً أن هذه المسألة ممكنة، وأن الجمهور السوري يمكن أن ينصت بعناية فائقة، ويمكن أن يتفاعل مع العرض الجيد. أما إذا قدمت هذه الظاهرة وتقدم إليها المخرجون السيئون فستكون النتائج بائسة جداً، فتقديم عرض مسرحي في الشارع يجب أن يدرس بعناية فائقة، لا يمكن للتجربة أن تنجح كما في (حديقة تشرين) إلا إذا كان هناك مخرج يعلم ما يريد، ويمنهج ما يريد، وممثلون أتوا إيماناً بأهمية هذه التجربة وخطورتها، وأحقيتها بالوصول إلى الناس، فمن حق الناس أن يصلوا إلى المسرح. ومن واجب مديرية المسارح في وزارة الثقافة أن تصل إلى أكبر عدد ممكن من الناس، ولكن يبدو أن هذه المديرية لا تستطيع أن تصل حتى إلى نفسها.
+ هل المسرح السوري بخير؟ وأين هو دور المؤسسات الرسمية المعنية في تفعيل الواقع المسرحي، وبالتالي المساهمة في الحركة الفكرية والفنية السورية؟
++ ببساطة المسرح السوري ليس بخير، والمسألة تصل إلى حد الكارثة، لقد تعاملت مع عدد كبير من الممثلين لا تستطيع المديرية التعامل معهم رغم كبر إمكاناتها، وأنا بإمكانات المعهد المسرحي المتواضعة استطعت أن أصل إلى ثلاثة عروض مسرحية هذا العام. فخلال ستة أشهر قدمت (وعكة عابرة، النفق، حلم ليلة صيف). ثلاثة أماكن مختلفة مع 81 ممثلاً و41 ممثلة و37 تقناًي، وآلاف من المشاهدين الذين شاهدوا هذه العروض. وكانت النتائج جيدة على مستوى الحضور الجماهيري، وحققت 4 جوائز، إذا ما قارنا هذه الأرقام مع أرقام مديرية المسارح ستكون مؤسسة بائسة غير قادرة على إنتاج أكثر من 4ـ 5 عروض. وبوجود دعم غير محدود من الوزارة، وبميزانيتها الضخمة يمكن لهذه المديرية أن تنتج ما بين 30 ـو 40 عرضاً مسرحياً في السنة، مع العلم أن بعض العروض لا يتطلب التكلفة العالية في الإكسسوار والديكور كما هو الحال في وعكة عابرة.
أما فيما يتعلق بالجانب الآخر من السؤال وهو دور مديرية المسارح، فأقول الآن إن ثمة فساداًفي مديرية المسارح والموسيقا، وإن ثمة فساداً في المسرح القومي، إنني مؤمن بأن من حق بلادنا أن يكون لها مسرح، لدينا كل الإمكانات لتحقيق مسرح متألق على مستوى العالم وليس العالم العربي، وبالمرتبة الخامسة أو السادسة. فالمسرح لا يحتاج إلى تقنيات و(زعبرات) الإضاءة والصوت، ولكن يحتاج إلى إنسان وأسطورة وحكاية شعبية. وبلدنا غني بالحضارات، فعلينا أن (ننبش) هذه الحضارات عبر الرواية والأغنية والرقص وفنون الضوء والمسرح. وهذه المسألة بالنسبة لي تشكل عقيدة لا مجرد مزاج أو دخول وتسلل إلى الأمكنة لأحقق ما لا يمكن أن أحققه من خلال شخصية بائسة أمتلكها، المسألة تتعلق بإيماني بضرورة وحتمية هذا الفن الآن في سورية. لكي تتطور فنون الغناء والعمارة والضوء والصوت من أجل إنقاذ الروح من مأزقها ووضعها عند المأزق (المنتج). ولكن للأسف وبكل شفافية يقطع عليها الطريق منذ زمن بعيد، لذلك نحن لسنا في الركب الأخير في المسرح العالمي، نحن لم نعد في الركب، نحن خارج اللعبة المسرحية العربية والعالمية. دعنا لا نكذب على بعض، ثمة موظفون يعتاشون ويرتزقون على بعض مظاهر المؤسسة، وهي ليست مؤسسة، هي (مزارع)، وعلى وجود صالات وهي ليست صالات مسرحية (تُرمَّم وتحدَّث)، وتغير وتبدل. لقد شاهدت ترميم مسرح القباني أكثر من مرة، كذلك دار الأسد للثقافة والفنون. معروف كيف بنيت خلال ثلاثين عاماً. فالمسألة مسألة فساد مستشرٍ بكامل تأسيسات هذه الأمكنة، والحاجة الآن جذرية لتغيير قواعد وقوانين ما هو قائم دون أدنى خوف، لأن المسألة الإصلاحية لم تعد ممكنة.
الطاولة أصبحت مهترئة، طاولة من ثلاث سيقان مهترئة، كيف لنا أن نوقف طاولة على ساق واحدة. هذه الطاولة يجب أن يلقى بها من النافذة، ونأتي بطاولة جديدة، ذات خشب مهم ونجارين مهمين ومصممين مهمين.
ونبتعد عن مسألة إعادة الدور مرة أخرى لنفيق بعد عشرين عاماً على الخراب ذاته، ولكن على نحو مروّع وعندئذٍ لا يمكن لصرخة أن تكون مفيدة.
+ لقد مرّ المسرح السوري بتجربة مضيئة خلال مسيرته، ما هي التجربة الأكثر إضاءة في تاريخه؟
++ كانت هناك تجربة المسرح القومي. ولا شك أن تجربة المسرح القومي لم تكن مكتملة على الإطلاق، وتأسست على مسألة توجيه المسرح أكثر من إعطاء الحرية للمسرح. فإذا افتقد المسرح الحرية فإننا نفتقد المسرح بحد ذاته.
لأن في الحرية تكمن الآراء النقيضة التي هي المؤسس الأصلي لأية فكرة مهمة يمكن أن تخرج في نهاية المطاف. الأفكار (النقيضة) هي التي تشكل الحوار. فأي معنى لأي حوار بين شخصين دون وجهتي نظر؟ ما معنى حوار بين ممثل وممثل، بين مخرج ومخرج، بين كاتب وكاتب، إذا لم يكن هناك اختلاف في وجهات النظر الفنية والجمالية والفكرية؟ وإذا لم يكن هناك رؤية تناقضها رؤية شبيهة بمستوى رقيها، تحاول أن تثبت كل منهما أحقيتها في الوجود والحياة؟ ونتيجة هذا الصراع تنشأ فكرة أرقى وتبدأ بالنمو، أما ما جرى في المسرح القومي خلال سنوات تأسيسه فهو وجود الفكرة الواحدة والرأي الواحد والعرض الواحد والممثل الواحد والمخرج الواحد.
هذا الواحد، الواحد، الواحد، أدى بالنهاية إلى تجمع من أربعة أشخاص ضمن المسرح، ووزارة الثقافة ومديرية المسارح هم (سعد الله ونوس، فواز الساجر، نديم محمد، نعمان جود). وشكل هؤلاء في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات المسرح التجريب،ي واستطاع هذا المسرح أن يقول إن هناك إمكانية أخرى للمسرح، وأن هناك رأياً آخر للمسرح بوصفه وسيلة للتفكير والبحث عن مَواطن الجمال فينا، من خلال شخصيات حية على الخشبة وليست ميتة، شخصيات استطاعت أن تسألةأسئلة مهمة حول استشراف المستقبل وإمكاناته، على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي والفني والفكري، هذا النمط من الصراع كان دوماً لمصلحة الإدارة والوزارة ولمصلحة الطريقة التي وجهت من خلال العروض المسرحية. فكانت العروض متشابهة إلى حد كبير، لهذا الأمر انكفأ الجمهور السوري كأي جمهور (ذكي) في العالم، ولم يعد يرى فيها أية فائدة، وبقي من بقي في المسرح القومي يقعقع دون جدوى، ويحاول أن يضع اللافتات والبهرجات وما إليه. وبقي الاحتفال بائساً بوجود ما سُموا فيما بعد (عناصر حفلة التعارف الدائمين). ولهذا لم يعد الجمهور يرى في هذا المسرح (على الإطلاق) مكاناً للتفكير والفرجة باستثناءات بسيطة، والاستثناءات لا تصنع مسرحاً.
وما يحصل في دمشق وحلب واللاذقية يمكن أن يعطي عنواناً صريحاً لما يمكن أن يؤول إليه المسرح السوري من خراب أشد وأعمق، سيكون في المستقبل كارثة كبرى، إحباطاً، وسيصعب علينا كمسرحيين إزالة هذا الحطام.
+ هل نحن شعب يحب المسرح؟
++ نعم، أثبتت عروض حلم ليلة صيف أننا شعب يحب المسرح، ويتذوقه، ووصلت الجماهير بكثافة إلى مكان العروض وأنصتت وابتسمت وغصت. نحن شعب ذواق. أنا لا أشكك بالجمهور في أي بقعة من العالم. عندما ذهبت إلى الكويت قال لي البعض أنت ستذهب إلى هناك وستغرق في الرمل، وقلت إني سأذهب وأبحث في الرمال عن نقطة ماء لتكون زهرة للمسرح. وقدمت في الكويت أكثر من 11 نتاجاً في المعهد وخارجه، ومع فرق محترفة وغير محترفة، واستطعنا الوصول إلى عروض جذابة ومهمة جداً على مستوى الفكر، وإعادة شيء من الاحترام للمسرح بوصفه أداة للتفكير والصراع واللقاء.
أثبت الجمهور في (حلم ليلة صيف) أنه يتلقى التجربة بحب ويتفاعل معها، دون أن تكون هناك دعاية تذكر سوى بعض الأخبار على صفحات الجرائد المحلية. حضر الأطفال والشيوخ والنساء، وأشخاص حضروا للمرة الأولى مسرحاً، وتفاجؤوا أن في سورية إمكانية لصنع عرض مسرحي كهذا، فالجمهور المسرحي يوجد عندما تحترم هذا الجمهور وتحترم ذاتك وتستشعر بمسؤوليتك كفنان، وتلهث وراء الأسئلة المهمة، وتتناسى البرج العاجي أو القوقعة حسب موقعك أو وظيفتك يأتيك الجمهور كالسيل. (في تقاسيم على العنبر) كان الجمهور طاغياً، وفي (الاغتصاب) كان الجمهور كبيراً. في بيروت وتونس والقاهرة ودمشق وعمان. وقد بقيت مسرحية (مركب بلا صياد) تعرض كمشروع تخرج أكثر من 15 يوماً في مسرح الحمراء. (النور) جذبت عدداً كبيراً من الناس لدرجة أنه كان هناك (ميكرو) ينقل الناس من بعض المحافظات. أما ما هو موجود الآن فمجموعة من الموظفين و(قناصي) الفرص، أشخاص هبطوا علينا من زوايا لا تدرك أصولها، ومن خلف ستار غامض ليس له أساس. لا يمكن فرض أشخاص فرضاً حتى ولو كان لديهم شهادات عليا، خصوصاً إذا كان هذا (الفرض) قاسياً كما هو في مديرية المسارح والموسيقا، وكما كان في اللاذقية هناك فرض لشخص معين، وكذلك حلب. هناك نوع من استغباء الناس والفنانين المسرحيين ولا أقول الفنانين، لأني لا أؤمن بكلمة الفنانين على مستوى ما هو موجود في سورية. لا يمكن الإيمان بكل من يصعد إلى الخشبة، والصعود إلى خشبة المسرح هو أخطر الأشياء بالنسبة للفن. المسرح ليس فناً فحسب، إنه مكان للتأمل والبحث في طيات الحميمية الداخلية الغامضة. ما يحدث الآن هو تلويث للمسرح ومحاولة تحطيم مفهوم المسرح كفن بالمعنى التقليدي. وبعد أن حطم بالمعنى (الطهراني) ليس بالمعنى الديني، ولكن بمكانته كمكان للتأمل شأن الكنيسة والمسجد. لأنك لا تدخل إلى الكنيسة والمسجد بنفس قذرة أو بعين صفراء أو روح سوداء غير واضحة المعالم.
+ كيف ندخل إلى المسرح إذن، هل نستحضر تاريخ وأعلامه؟
++ قبل أن تدخل إلى المسرح، عليك أن تغتسل بثقافة عالية، عليك أن تغتسل باحترام هائل لثقافات العالم، وباحترام هائل لما لك من موروث مهم على مستوى الأدب والفن. عليك أن تعرف معرفة دقيقة من سبقك إلى هذا الفن، وكيف عملوا وكيف استطاعوا أن ينجزوا، وكيف قوضت تجاربهم من أبي خليل القباني إلى هذه اللحظة، ومن أسخيلوس إلى اللحظة.
حتى ننتج مسرحاً علينا أولاً أن نحترم من أنتج المسرح من العالم، وأن نعترف اعترافاً كاملاً وصريحاً بمن حاول إنتاج المسرح في سورية، نصاً وعرضاً وتمثيلاً، أن نعترف بهم اعترافاً غير مزيف، بالطريقة البائسة التي تقدم أحياناً كتكريم لجهودهم. ليس مهماً للفنان أن تكرمه بـ 50 ألف ليرة، وباستعراض الزهور والأعلام والأضواء. المهم أن تكرمه كجزء من تاريخ، إن كان له تاريخ، كجزء من رأي، إن كان هناك رأي حقيقي. فمثلاً مهما فعلنا لـ (حكمت محسن) على مستوى الأدب والتلفزيون لا يمكن أن نكرم هذا الرجل إلا إذا اعترفنا به اعترافاً صريحاً وواضحاً، كشخص مهم في لحظة من لحظات حياتنا الفنية، لا يمكن أن نحترم أبا خليل القباني إلا إذا اعترفنا اعترافاً كاملاً غير منقوص بأهمية هذا الرجل الكبير. بمعنى أن نستدرج المسرح إلى زوايا العقل الذي فكر من خلاله أبو خليل القباني وسعد الله ونوس وممدوح عدوان ووليد إخلاصي وفرحان بلبل، هؤلاء ككتاب. وفواز الساجر وشريف شاكر وفؤاد الراشد وجواد الأسدي ونائلة الأطرش كأشخاص حاولوا أن يوقدوا شعلة على خشبة المسرح، ولأسباب مختلفة تم طمر وإبعاد هؤلاء الناس بذكاء شديد،حتى بدا الأمر وكأنهم هم الذين ابتعدوا.
+ ما هي مقومات إنجاز المسرح الجديد برأيك؟ وما هي المعوقات؟
++ الجواب الأخطر هو عدم وجود الحرية، لأن حرية المسرح، وحرية أي فن، ونسبة هذه الحرية هي التي تحدد إمكانية أن يكتب لهذا الفن أن يكون ناجحاً وخالداً. المسرح خطر، وخطورته كامنة في تفسيره للمفاهيم على مستوى أدوات العمل الموجودة فيه، وأدوات التفكير والجمال فيه، ما نحن بحاجة إليه هو المسرح (الخطر). وهناك محدودو الرؤى يرون في كلمة (خطر) كلمة يجب أن يترصدوا لها وأن يتمترسوا لها وأن يتربصوا بها في كل الأمكنة.
المسرح الخطر هو المسرح القادر على إعادة اكتشاف الأفكار التي تدور في رؤوسنا وأذهاننا حول شتى المواضيع والحاجات المتزاحمة في مخيلتنا، وإمكانية تطويرها خصوصاً على مستوى المدنية، أي إعانة الإنسان (المدني) على أن يبني المدنية، ويؤسس هذا المبنى على نحو مهم ومنظم قادر على الحياة في المستقبل القريب أي 50 ـ 60- سنة. لأننا إن لم نبن المدنية ونؤسس المدن فستصل مدننا إلى حالة جنون، لأننا الآن نخاطب العالم وهو يخاطبنا بلغات البسترة والتكثيف والرمز، ولا نستطيع أن نفهم هذا العالم ولا يفهمنا. هذه الأمور يمكن أن تشرح بعناية عبر آلاف العروض المسرحية، وعبر آلاف الأقلام السينمائية والقصائد الجديدة. وأعترف على مستوى الوطن العربي وبرأسي الترجمة والشعر وقضايا توزيع الكتاب، أتحدث وبرأسي الخراب الموجود على القنوات الفضائية من رقص ودبكة وغناء، أتحدث عن الخلائط التي تجري بين المسرح والفنون الشعبية، وتقديمها على أساس أنها مسارح عن الدبكة على خشبة المسرح، عن هذا النوع والخلط والإهانة لجمهور المسرح، وإهانة المسرح كمكان مقدس. والقدسية هنا قدسية الفكرة لا القدسية الدينية ولا الطائفية الدينية، هذه القدسية المخترقة في بلادنا. نحن نتخبط ما بين موظف يتسلق ومدير يتملق وإدارة لا تعرف التواصل مع بعضها، وفنانون مسرحيون لا يودون العمل ولا يجدون المكان المناسب لعملهم، وخريجون يمتطون تارة هذه الموجة وتارة تلك فيتمسحون هنا أو يتعففون عن ملامسة مكان الخراب ومكان الدنس، يحاولون الدوس على بعض الكرامة لبعض المال.

.
.

حسن العلي
22-07-2008, 02:41 AM
.
.


فايز قزق ... بركان غضب
]صدى سوريا:

بابتسامة حزينة .. ونقمة على من يدعون أنهم مسرحيين و كل القائمين على المسرح.. بدا وكأنه بركان تفجر بكلامه على من أوصل المسرح إلى أدنى درجات الانحطاط والتردي. أنا غاضب ومن حقي أن أغضب ، الدبكة ليست مسرح والغناء ليس مسرح. المقبرة هي المكان الذي إذا اقتربت منه يشتعل خيالي بطريقة مجنونة عبارات ادلى بها الفنان فايز قزق في لقاء أجرته معه صدى سوريا في الحوار التالي ....

بعد (28) عاماً من مسيرتك الفنية التي قدمت خلالها(40) عملاً مسرحيا هل أنت راضٍ عن وضع المسرح في سوريا؟
بالنسبة لي ليست المسألة راضي أو غير راضي هذه مسألة نسبية بين عرض و آخر. لكني غير راض ٍ عن خلو بلدنا من المسرح ، و الحديث في هذه القضية أصبح من المحظورات فعندما تتحدث عن عدم وجود مسرح وعن تاريخ تدهور المسرح في سورية تعتبرها وزارة الثقافة و مديرية المسارح و الموسيقى شتيمة لها .
وهناك محاولات لاعتبار هذا الماضي مجيد و خلاق و اعتباره شيء يجب الحفاظ عليه لوصفه ارثا وطنياً( أنا ما بشوفوا هيك )، كما أننا وصلنا إلى مرحلة اختلفنا بها كمسرحيين حول حقيقة الجمهور الذي لم يتكون أصلاً خلال (10-15) سنة الماضية بسبب عدم تكون مسرح فعلي في دمشق.

ما رأيك بالطريقة التي تقدم بها المهرجانات السورية مسرحياتها؟
مهرجان دمشق الدولي في دورتيه الماضيتين قدم دليلاً ساطعاً على التردي الذي وصلنا إليه وعلى الرداءة في التفكير والنظر المسرحي . وبرأيي أن المهرجان المسرحي عبارة عن تتويج لما يتم إنتاجه من أعمال مسرحية حتى لو لم يستطع هذا النتاج أن يتكامل ليجذب آلاف الناس بشكل دوري للمسرح ، وبالتالي لن نستطيع الوصول إلى الحالة المرجوة من التطور والازدهار في المسرح سواء عبر المهرجانات المسرحية في سورية أو في العالم العربي. ولم يعد سراً أنه يطلب منا عمل مسرحية لمهرجان . فصناعة مسرحية لمهرجان أمر، و صناعة مسرح لشعب آمر آخر يتطلب آلية تفكير حاذقة ومعالجات فورية للواقع الراهن الذي نحن فيه و هذا كله من أجل حفظ ماء الوجه.ولذلك لم أكلف لا كمخرج ولا كممثل كما و أنني لن أقبل القيام بعمل مسرحي لحفظ ماء الوجه المسفوح.

هل يعبر المسرح السوري عن ثقافة الشعوب و حرية الرأي؟
هذا السؤال يجب أن يوجه لوزير الثقافة ومدير المسارح و الموسيقى فكل إنسان له وجهة نظر مختلفة،أما وجهة نظري لم يهيأ للفنان السوري المناخ الآمن والحر لكي يطور طرق صناعة العرض المسرحي، ولا يوجد ما يوحي بالأمن لكي تبدأ معالجة الأسئلة الخطرة في حياتنا اقتصادياً وسياسياً وفكرياً .... وتجربة سعد الله ونوس ومعاناته وتجربة فواز الساجد وشريف شاكر تدل على ذلك وتجاربنا في الوقت الحالي دليل على نوع من الإزدراء المقصود ونوع من المنهجية في مسألة قتل المسرح السوري وهذا سؤال أحيله الآن على صفحاتكم إلى المسؤولين في وزارة الثقافة ليجيبوا عليه ليس لي أنا فأنا أدرك الأسباب بل للشعب السوري الذي افتقد فناً لازماً لبناء المدينة الحديثة وهو المسرح.

أنت تلقي المسؤولية على السلطات الثقافية والرقابة ؟
بالتأكيد عندما تكون هناك رقابة أنا أقبلها بشرط أن تكون من النوع الممتاز والخلاق، قد أكون في لجنة رقابة وإذا ما شاهدت عرضاً رديئاً من الناحية الفنية ، و سيئاً من الناحية الفكرية (أي أنه لا يقدم سؤالاً خطيرا ومهماً قادراًعلى جذب الإنسان) فيجب إيقافه. و عندما يقدم العرض سؤالاً خطيراً ومهما كانت وسائل تجسيد هذا السؤال خطيرة فأنا أدافع عنه حتى الموت فمن حق هذا العمل أن يقدم على خشبة المسرح. ولكن الآن اذهبوا إلى صالات تجارة المسرح هناك دائماً حيادية في مسألة طرح السؤال وإسفاف في وجدان العاملين في المسارح التجارية، قد لا يكون البعض منهم ملاماً لكن البعض يدرك أنه يقدم السيء للجمهور ويدرك أكثر أنه يلعب في منطقة من دماغ المواطن التي تربت على (الواوا.... وبوس الواوا) وهذا النوع من الوعي ( الواووي ) هو ما يدرس بعناية وتقدم فيه إلى الآن مدرسة المشاغبين ويضحك المواطن السوري لأنه يعتقد أن هذا هو المسرح . هذا نوع من قيادة الدماغ إلى أدنى درجات الانحطاط الحيواني وأعتقد أنهم مخربون أكثر من أي أعداء يمكن أن نفكر فيهم ببلادنا هؤلاء مخربون بامتياز. .

إذا ليس لدى الجمهور ثقافة مسرحية:
الشعب السوري محروم من المسرح ويجب أن تكون لدينا خطة لشرح مفهوم المسرح وهو أسوأ مراحل الانحطاط الفني في بلادنا ،علينا أن نشرح لشعبنا من خلال عروض استثنائية ومن خلال آليات عمل تثقيفية غير مملة وغير جافة فنحن فعلا لا يوجد لدينا ثقافة مسرح والجمهور المسرحي لا يتعدى الآلاف في كل مدينة.

أنت غاضب....
طبعا أنا غاضب ومن حقي أن أغضب ،أنا لست متخصصا في مسألة(البنشرة ولا في مسألة الجراحة ولا الجيولوجيا)، أنا متخصص في المسرح وبذلت أكثر من 75 % من حياتي الفنية في المسرح وسيكون ما تبقى منها للمسرح بامتياز. من حقي أن اغضب عندما أرى أن هناك من يود امتحان آرائي إلى الآن في وزارة الثقافة ومن يود أن يراقب عملي المسرحي في المسرح القومي بلجنة لا قوام لها ولا أبعاد ولا ثقافة ولا منطق ولا قدرة على الحوار.

كيف يمكن أن نصنع مسرحاً سوريا يصل إلى طموحاتنا في الإبداع:
يتم ذلك عن طريق اجتثاث الآليات والعقليات الموجودة في مديرية المسارح وتغيير الأسماء والأنماط وطريقة العمل ووضع الأمر بين يدي الشباب وإعطائهم الأمان وعدم فرض الرأي عليهم وعدم توجيههم لأنهم يعرفون ويدركون ما يجب أن يفعلوه وإعطائهم السند المالي . إن المسرح السوري بحاجة لكي يبدأ بالسير إلى أكثر من 10 مليارات ليرة سورية على مستوى القطر , والقيام بدورات وبعثات خارجية وتنمية الذوق الحرفي لفهم المسرح .ويجب أن يتم تحويل الخرائب التي تسمى مراكز ثقافية وما فيها من صالات عرض وذلك من خلال تفعيلها وإعطائها إلى أصحاب التخصص ممن يدركون معنى العرض المسرحي لا الأنشطة الثقافية والتراثية التي تقدم على خشبات تلك المسارح وندعي أنها مسرح، الدبكة ليست مسرح والغناء ليس مسرح.

ماذا عن المسرح في المحافظات السورية:
الناس مشتاقة لدخول المسرح هذا ما لمسته في الرقة واللاذقية، وفي أكثر من مدينة عرضنا فيها عروضا مسرحية والناس ترى أن هذا الأمر مفيد ولازم في حياتها ومع ذلك يمنع عنها المسرح. والى الآن نصدق أن رجلاً واحداً يدعم مدير المسارح والموسيقى (عبقري زمانه) يستطيع أن يعرف ما يجري في كل بقاع سوريا من القامشلي إلى شهبا ومن جبلة إلى البوكمال ،هذا العبقري دائما موجود في الوقت الذي لا تؤمن فيه لا لندن ولا موسكو إن على رجل واحد أن يدير صالتي مسرح في أي من المدينتن ، لكل واحد من المسارح في الدول الاشتراكية والرأسمالية مديرها وطاقمها الإداري وميزانيتها الخاصة بها. أما هنا فلدينا شخص واحد يود أن يصرف ( المقشة لحلب والمنظف إلى جبلة والستارة إلى البوكمال إن كان هناك مسرح ). من هو هذا العبقري ؟ هذا موجود وموضوع لخدمة تحطيم المسرح وإتمام عملية القضاء عليه , في مسرحية (حمام بغدادي) ذهبنا إلى الرقة لم يكن هناك أي مردود مادي وكذلك في اللاذقية وحمص ،لا يوجد وزارة تعطيك مقابل هذه الجولات يعني (إذا بدكون تروحوا روحوا وإذا ما بدكون انشالله عمرون بحلب و بحمص ما يشوفوا مسرح ، شو بدون بالسويدا بالمسرح ). الفنان يتبرع بجزء من وقته وجهده وأفكاره إيمانا منه بمن هو متواجد في باقي المحافظات. إننا نفتقد مسرحاً حقيقياً يعالج القضايا من وجهة نظر التشابك الخطير للعلاقات ضمن المدينة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وأخلاقياً و دينياً وإرثياً , كما نفتقد ممثلين ومخرجين متطورين بامتياز بالإضافة إلى افتقادنا الكاتب (الكنز ).

أخرجت مسرحيات مرتجلة قدمها طلاب المعهد العالي مع العلم أن هذه المادة غير مدرسة بالمعهد.
لاحظت منذ عام 1988 أن المعهد خالٍ من مادة الارتجال في حين أنها موجودة في كثير من مدارس العالم ،والارتجال له أنواع :لفظي وجسدي ارتجال يقود إلى صورة،وارتجال يقود إلى نص، وإلى حالة نفسية معينة
الارتجال مبرمج وممنهج يمر بعدة مراحل من الفهم والتطبيق للوصول إلى قضية أرادت مجموعة من الممثلين ارتجال قضية واستنباط الشخصيات القادرة على حمل كامل أركان الفكرة بصورة خلاقة ،هذا النوع من التفكير غير موجود وهي مادة مفتقدة فعلا بدأت اعمل على الموضوع وكان هاجسي الوحيد أن تبقى موجودة.

اتجاهك للتلفزيون كان بسبب يأسك من واقع المسرح أم بسبب المادة:
عندما شعرت أن مشروعي المسرحي ليتم يجب أن يُسند مادياً كان علي العمل في المجال الذي يؤمن لي المال، والتلفزيون يحقق ذلك بمعنى أن مسلسلاً واحداً في التلفزيون يكون لي ملجأ من الحاجة لسنتين، وللمسألة المالية بالضبط اتجهت للتلفزيون ولمتابعة نشاطي المسرحي دون الحاجة للتذلل لوزارة الثقافة ومديرية المسارح والموسيقى أو إلى فلان من الناس الذين لايستحقون المواقع التي هم فيها.

في اسكتشات مافي أمل كنت تقدم الجانب المتفاءل.... هل التفاؤل موجود في شخصيتك أم انه مجرد دور تؤديه....
لا يمكن لأي فنان في العالم أن يكون متشائماً ويقدم العمل المهم للبشر،علينا دائماً الحفاظ على بقعة التفاؤل فينا وأن نحصنها لكي تكون عصية على الانحطاط والانهدام أو عدم القدرة على الإنتاج، علينا أ ن نصون مواطن الإبداع فينا، كل هذه الأشياء لا يمكن أن تتحول إلى مقفز مهم للإبداع إذا كانت نفس الإنسان أو الفنان خالية من بقعة التفاؤل .

ما هو المكان الذي يستفزك ويثير خيالك؟
المقبرة ... المقبرة تثير خيالي و خيال أي إنسان لكن هي تثير خيالي بطريقة أستطيع أن أتصور أكثر من حالة أكثر من قصة ومن شعور.
المقبرة هي المكان الذي إذا اقتربت منه يشتعل خيالي بطريقة مجنونة بل هي حكيمة أكثر منها مجنونة ،هذه الأماكن تثير الأفكار حول الناس الممددين الذين عاشوا حياتهم وظروفهم ولكل واحد قصة معروفة أو غير معروفة وهناك شيء يجعلك تحس بكيانك و وجودك كونك الوحيد الحي فعلا بين الأموات الذين أنهضهم الخيال وأعاد صورهم إلى الوجود نتيجة وجودك بينهم.

فايز قزق من مواليد دمشق 1959 خريج المعهد العالي للفنون المسرحية 1981 ممثل في المسرح السوري منذ 1981 ومخرج محترف منذ 1988 ،حاصل على شهادة عليا في إعداد وتدريب الممثل المسرحي من كلية ( الروز بروفيلد) في بريطانيا ، وعلى شهادة الماجستير في الإخراج المسرحي من جامعة ( ليدز).
يعرض حالياً مسرحية النفق ولديه عرض في الشارقة لمسرحية حمام بغدادي ويستعد لجولة إلى هولندا وأثينا وبعض المدن الإنكليزية في الأشهر القادمة.



.
.

حسن العلي
22-07-2008, 02:49 AM
.
.



زكي عبد الله طليمات (29 إبريل (http://www.marefa.org/index.php/29_&Oslash;¥&Oslash;¨&Oslash;±&Ugrave;Š&Ugrave;„)1897 (http://www.marefa.org/index.php/1897) - 22 فبراير (http://www.marefa.org/index.php/22_&Ugrave;&Oslash;¨&Oslash;±&Oslash;§&Ugrave;Š&Oslash;±)1982 (http://www.marefa.org/index.php/1982)) من رواد المسرح العربي

النشأة

في حي عابدين (http://www.marefa.org/index.php?title=%D8%AD%D9%8A_%D8%B9%D8%A7%D8%A8%D8 %AF%D9%8A%D9%86&action=edit) بقلب مدينة القاهرة ولد "زكي عبد الله طليمات" في 29 إبريل من عام 1897 (http://www.marefa.org/index.php/1897) ومصدر آخر يرجح أنه ولد في 29 إبريل من عام 1895 (http://www.marefa.org/index.php/1895).. وهو في هذا شأنه شأن كثير من الفنانيين.. تاريخ الميلاد مختلف عليه دائما.. أم كلثوم وعبد الوهاب حتى فكري أباظة إختلف الناس حول يوم ميلاده وعندما سألوه.. قال.. ولا الجن الأزرق يعرف تاريخ ميلادي! والد "زكي" أي السيد" عبد الله" من أصل عربي من الجزيرة العربية.. رحل إلى الأناضول ثم جاء إلى مصر وعمل بالتجارة. أما أمه – أي أم زكي – فهي من أصل شركسي إسمها "ملك بار" حضرت إلى مصر مع الجواري البيض. وبعد مولد "زكي " بعام ونصف إنفصل الأب عن الأم وتزوج من زوجة ثانية مصرية هذه المرة. وأقام "زكي" مع أمه الشركسية. وتعلم في كتاب "الشيخ محمد المتيني" في حي السيدة زنيب. ثم إلتحق بمدرسة محمد علي الإبتدائية. وإنتقل إلى مدرسة الحسينية الإبتدائية ، حيث حصل على الشهادة الإبتدائية منها عام 1909م ، وإلتحق بمدرسة الخديوية الثانوية ثم مدرسة الإلهامية الثانوية ، وحصل منها على البكالوريا والحرب العالمية الأولى على الأبواب. وإلتحق بمدرسة المعلمين العليا ليصبح مدرسا ولكن هوايته للمسرح وإنشغاله به جعلاه يهجر الدراسة وهو في السنة الثالثة خوالي عام 1917 عام وفاة الشيخ "سلامة حجازي" ، ويذكر أنه سار في جنازة "الشيخ" من مسكنه يمصر الجديدة حتى مدافن الإمام الشافعي (http://www.marefa.org/index.php/&Oslash;§&Ugrave;„&Oslash;¥&Ugrave;…&Oslash;§&Ugrave;…_&Oslash;§&Ugrave;„&Oslash;´&Oslash;§&Ugrave;&Oslash;¹&Ugrave;Š).
شباب المسرح

درج على تقليد "الشيخ سلامة حجازي (http://www.marefa.org/index.php/&Oslash;³&Ugrave;„&Oslash;§&Ugrave;…&Oslash;©_&Oslash;­&Oslash;¬&Oslash;§&Oslash;²&Ugrave;Š)" في التمثيل والغناء. وفي لمرحلة الثانوية توطدت صداقته بأبناء أسرة تيمور "محمد محمود وإسماعيل" ، وفي قصر أحمد تيمور باشا هرت مواهبه في تقديم مشاهد من مسرحيات "الشيخ سلامة حجازي" ، وفيما بين عامي "1905-1906" والحرب العالمية الأولى مشتعلة أصبح عضوا في "جمعية رقي الآداب والتمثيل" ، وظهر في يناير عام 1915 (http://www.marefa.org/index.php/1915) على المسرح لأول مرة في مسرحية من تأليف "محمد عبد الرحيم" ، ثم شارك في تقديم "قصة مدينتين" لتشارلز ديكنز. وكان يحتفظ برشاقته ويمارس الرياضة ولم يشرب الخمر ولم يقترب من المخدرات. وقد إستلفت نظر "جورج أبيض" الذ ي كان قد عاد من فرنسا وكون فرقته بمعاونة " الخديوي عباس حلمي الثاني (http://www.marefa.org/index.php/&Oslash;¹&Oslash;¨&Oslash;§&Oslash;³_&Oslash;­&Ugrave;„&Ugrave;…&Ugrave;Š_&Oslash;§&Ugrave;„&Oslash;«&Oslash;§&Ugrave;†&Ugrave;Š)" عام 1912. وإشترك زكي أيضا في فرقة "عبد الرحمن رشدي (http://www.marefa.org/index.php?title=%D8%B9%D8%A8%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D8 %B1%D8%AD%D9%85%D9%86_%D8%B1%D8%B4%D8%AF%D9%8A&action=edit)" المحامي مع "أحمد علام وحسين رياض (http://www.marefa.org/index.php?title=%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86_%D8%B1%D9 %8A%D8%A7%D8%B6&action=edit)وفؤاد شفيق (http://www.marefa.org/index.php?title=%D9%81%D8%A4%D8%A7%D8%AF_%D8%B4%D9 %81%D9%8A%D9%82&action=edit) وبشارة واكيم ويوسف وهبي وزكي رستم" ، وكان زكي رستم (http://www.marefa.org/index.php/&Oslash;²&Ugrave;ƒ&Ugrave;Š_&Oslash;±&Oslash;³&Oslash;&ordf;&Ugrave;…)وبشارة واكيم (http://www.marefa.org/index.php?title=%D8%A8%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D8%A9_%D9 %88%D8%A7%D9%83%D9%8A%D9%85&action=edit) وزكي طليمات ينظر إليهم على أنهم المثقفون في الوسط الفني ، إذ أن الثلاثة كانوا حاصلين على البكالوريا. وإعتزل زكي الدراسة وهو في السنة الثالثة من مدرسة المعلمين العليا وإربتط ب"جمعية أنصار التمثيل" وإتصل ب"عبد الرحمن رشدي ومحمد عبد القدوس" ومحمود خيرت وسليمان نجيب ، وإبراهيم رمزي .. وبدأ إسمه يشتهر بعد أن كان قد بدأ بتمثيل الأداور الأولى في مسرحيتي "الرداء الأحمر والشمس المشرقة".
فترة الصراع

يسجل "زكي طليمات" في أكثر من موضع أن "جورج أبيض" كان أستاذه. وإنضم "زكي" إلى فرقة "جورج أبيض".. وقرر جورج أبيض أن تكون رسالة مسرحه هي مواجهة مسرح الريحاني ومسرح علي الكسار وهم يقدمون المسرحيات الفكاهية وهو يعني بمسرح الفصحى ولكن جورج أبيض هزم في هذ المعركة. وعام 1921 قرر عبد الرحمن رشدي حل فرقته والعودة إلى المحاماة. ثم إفتتح "جورج أبيض" فرقة جديدة تحمل إسمه في شارع فؤاد الأول "26 يوليو حاليا" إلى جوار محل شملا. وعاونه "زكي طليمات" و"سيد درويش" إلا أن مدرسة جورج أبيض بدأت تتراجع. وإصطدم "زكي" بأخلاقيات الوسط الفني المنتشرة وقتذاك ، فتحول إلى "ناقد فني" بجريدة "المقطم" وبعد ستة أشهر إستغنى عنه "خليل نايب (http://www.marefa.org/index.php?title=%D8%AE%D9%84%D9%8A%D9%84_%D9%86%D8 %A7%D9%8A%D8%A8&action=edit)" صاحب "المقطم" وأدرك زكي أن المسرحيين الذين ينقدهم يكممون أفواه الصحافة بالإعلانات التي ينشرونها ، وعاد إلى "جمعية رقي الآداب والتمثيل" ، وفي هذه الجمعية إلتقى ب"محمد صلاح الدين" الذي أصبح فيما بعد "د.محمد صلاح الدين" وزيرالخارجية ، في حكومة الوفد 1950-1952 ، في هذه الفترة تزوج من روزاليوسف وإختلف مع جورج أبيض (http://www.marefa.org/index.php/&Oslash;¬&Ugrave;ˆ&Oslash;±&Oslash;¬_&Oslash;£&Oslash;¨&Ugrave;Š&Oslash;¶) وإنصرف هو وروز اليوسف (http://www.marefa.org/index.php/&Oslash;±&Ugrave;ˆ&Oslash;²_&Oslash;§&Ugrave;„&Ugrave;Š&Ugrave;ˆ&Oslash;³&Ugrave;) لإنشاء المجلة ، ثم جاءت بعتثه إلى فرنسا وسافر إليها في نوفمبر عام 1925.
العلم ونهضة المسرح

في فرنسا وفي زيارته لإنجلترا وألمانيا وإيطاليا وقف على الفنون المسرحية بمستوى رفيع وتقوم على أسس عليمة. وبعد عودته عمل على إنشاء معهد لتخريج الممثلين ، وكان له دور في إنشاء الفرق القومية عام 1935م وأنشأ المسرح المدرسي عام 1937 ، وقد قام بإخراج مسرحية الإفتتاح للفرقة القومية وهي مسرحية "أهل الكهف" لتوفيق الحكيم في 15 يناير عام 1935. وكان يشرف على تلك الفرقة لجنة برياسة "حافظ عفيفي (http://www.marefa.org/index.php?title=%D8%AD%D8%A7%D9%81%D8%B8_%D8%B9%D9 %81%D9%8A%D9%81%D9%8A&action=edit)" وعضوية "د.طه حسين ومحمد العشماوي ود. محمد حسين هيكل (http://www.marefa.org/index.php/&Ugrave;…&Oslash;­&Ugrave;…&Oslash;¯_&Oslash;­&Oslash;³&Ugrave;Š&Ugrave;†_&Ugrave;‡&Ugrave;Š&Ugrave;ƒ&Ugrave;„)وأحمد ماهر (http://www.marefa.org/index.php?title=%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF_%D9%85%D8 %A7%D9%87%D8%B1&action=edit)" ، وإستقال "زكي" من الفرقة القومية في موسم 1936 (http://www.marefa.org/index.php/1936)-1937 (http://www.marefa.org/index.php/1937) ثم سافر في بعثته الثانية عام 1937 لدراسة المسرح الشعبي بألمانيا وفرنسا. وبعد أن عاد أسس وحدتين لهذا المسرح الشعبي. وعام 1944 تم إنشاء مركز لتخريج الممثلين ، وكان من أساتذة هذا لمــــركز.. "د.طه حــــسين ، د. أحمد ضيف ، د. محـــــمد مـــــمندور" ، وتحول هذا المركز فيما بعد إلى "المعهد العالي للفنون المسرحية" ، وعام 1945م حل الفرقة القومية بعد أن قدمت سبعة مواسم مسرحية. ومنذ عام 1947م بدأت الفرقة المصرية لتستقبل الطلائع الأولى من خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية ، وكان زكي عميدا للمعهد ومديرا للفرقة الجديدة وعام 1950 أنشأ "زكي" فرقة المسرح المصري الحديث، وضمت 14 مثلا ومثلة من خريجي المعهد. وكانت مسرحيات موليير على رأس الأعمال المترجمة. وفي تلك الفترة تزوج"زكي طليمات" زوجته الثانية الفنانة "إحسان شريف".
التطهير والهجرة

وفي صيف عام 1952 (http://www.marefa.org/index.php/1952) وبعد إستيلاء الضباط على السلطة وظهر ما سمي ب"حركة التطهير" في الجامعات والمؤسسات الفنية بالإطاحة بخيرة المثقفين أخرجوا "زكي طليمات" بحجة ميوله الوفدية وعلاقاته الوثيقة بالدكتور طه حسين (http://www.marefa.org/index.php/&Oslash;·&Ugrave;‡_&Oslash;­&Oslash;³&Ugrave;Š&Ugrave;†) والدكتور محمد صلاح الدين (http://www.marefa.org/index.php?title=%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF_%D8%B5%D9 %84%D8%A7%D8%AD_%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86&action=edit) والدكتور محمد مندور (http://www.marefa.org/index.php?title=%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF_%D9%85%D9 %86%D8%AF%D9%88%D8%B1&action=edit) ، وعام 1954 (http://www.marefa.org/index.php/1954) سافر إلى تونس (http://www.marefa.org/index.php/&Oslash;&ordf;&Ugrave;ˆ&Ugrave;†&Oslash;³) لتطوير مسرحها بناء على دعـوة من دولة تونس. ومعام 1957 دعته دولة الكويت لإنشاء حركة مسرحية. وبقى هناك حتى أوائل السبعينات ، ثم إنتقل إلى الإمارات (http://www.marefa.org/index.php/&Oslash;§&Ugrave;„&Oslash;¥&Ugrave;…&Oslash;§&Oslash;±&Oslash;§&Oslash;&ordf;) ليبذر بذورا جديدة للمسرح في أرض عربية أخرى.. ورحل في 22/2/1982.

العام 1981 وخطة النشر بهيئة الكتاب أمامي ، وقد أدركت بها كتابا بعنوان "ذكريات ووجوه" لمؤلفه "زكي طليمات" .. الإسم كبير يحفز على الإهتمام بالكتاب وسرعة إصداره. وكلما ورد إسمه أمام المثقفين جاءت شهادتهم له بريادة الحركة العلمية في السمرح المصري وبأسلوبه العلمي في نهضة المسرح في مصر وتونس والكويت والإمارات. كان قد صدرت له كتب أخرى قبل ذلك العام.. "فن التمثيل غير فن الملقي والخطيب – القاهرة 1945" و"فن التمثيل العربي – الكويت 1965" ووضعها أمامي متفضلا بإهداء رقيق بعبارته الرشيق ، وكأنه كان يريد أن يطمئني على إختيار كتابه الجديد ضمن خطة النشر. وكنت في تلك الفترة أشرف على النشر وعلى مركز وثائق تاريخ مصر المعاصر بالهيئة على إثر ترك "الدكتور محمد أنيس" موقعه بالمركز. وقال "زكي طليمات": إن كتابه المزمع نشره يروي قصصا عن مسرحنا المصري وعن عديد من الشخصيات تبعا لما دارت به الحياة في النصف الأول من هذا القرن وفيما تجاوزه بقليل.. تحدث فيه عن شخصـيات عديدة .. روزاليوسف ، وعزيزة أمير ، وأم كلثوم ، وفاتن حمامة (http://www.marefa.org/index.php/&Ugrave;&Oslash;§&Oslash;&ordf;&Ugrave;†_&Oslash;­&Ugrave;…&Oslash;§&Ugrave;…&Oslash;©) ، ومحمد طلعت حرب ، وجورج أبيض ، وعزيز عيد ، سلامة حجازي ، وسيد درويش ، ومحمد حلمي عيسى ، وعلي أيوب ، ونجيب الريحاني (http://www.marefa.org/index.php/&Ugrave;†&Oslash;¬&Ugrave;Š&Oslash;¨_&Oslash;§&Ugrave;„&Oslash;±&Ugrave;Š&Oslash;­&Oslash;§&Ugrave;†&Ugrave;Š) ، ومحمد عبد الوهاب (http://www.marefa.org/index.php/&Ugrave;…&Oslash;­&Ugrave;…&Oslash;¯_&Oslash;¹&Oslash;¨&Oslash;¯_&Oslash;§&Ugrave;„&Ugrave;ˆ&Ugrave;‡&Oslash;§&Oslash;¨) ، د. محمد حسين هيكل ، وخليل مطران (http://www.marefa.org/index.php?title=%D8%AE%D9%84%D9%8A%D9%84_%D9%85%D8 %B7%D8%B1%D8%A7%D9%86&action=edit)ومنسي فهمي (http://www.marefa.org/index.php?title=%D9%85%D9%86%D8%B3%D9%8A_%D9%81%D9 %87%D9%85%D9%8A&action=edit). وإستطرد "زكي طليمات" قائلا: هذا تاريخ غير مقصود عن عديد من الشخصيات ، وكنت قد قرأت المخطوط وإستمتعت به فلقت له مستدركا: - ولكنه تاريخ مقصود عن فناننا الكبير زكي طليمات من خلال حديث الذكريات ، وهذا في تقديري القيمة الحقيقية للكتاب. وشد علي يدي وهو يقول ما يقوله في نهاية كل لقاء: - المهم أن يرى الكتاب النور قبل أن يرحل زكي طليمات. ابلله حسن الختام. وحمدت الله أن كتاب "ذكريات ووجوه" صدر قبل أكثر من عام من رحيل الأستاذ. الفنان الكبير سعد أردش والتلميذ المخلص لزكي طليمات كتب يصف أستاذه بأنه وضع المنهج العلمي للحركة المسرحية في مصر والعالم العربي خلال مؤسستين من إبتكار "زكي طليمات" وهما: المسرح المدرسي والمعهد العالي لفن التمثيل العربي. وقد بدأ طليمات تأسيس الثقافة المسرحية بين الجماهير المصرية ، كما بدأ زراعة المسرح بكل فنونه على إتساع التربة المصرية ، وفي الأرض العريبة على السواء. ويقول "أردش": إن الأستاذ الرائد يحرص بنفسه على زيارة الفرق المسرحية المدرسية بنفسه للإشراف والتوجيه. لقد زارنا في مدرسة دمياط الثانوية وأنا طالب بالسنة الأولى وعضو مستجد بفرقة المدرسة. وإختار لنا مسرحية "نهر الجنون" لتوفيق الحكيم لنقدمها في نهاية ذلك العام.وإذا كان هذا ما كتبه أحد تلاميذه "سعد أردش" فهيا بنا نقرأ ما كتبه "زكي طليمات" بنفسه من مواقف كانت له مع عدد من الشخصيات تركت بصماتها على مسيرة زكي طليمات.


مع هؤلاء

في لقاءه مع عدد من الشخصيات الفنية والسياسية لم يأخذ "زكي طليمات" بالأسلوب التقريري ، وإنما لجأ إلى الأسلوب القصصي التصويري ويؤلف للشخصية حضورا في كل لوحة رسمها ، وإلى عرض هذه اللوحات:
روزاليوسف

كانت ترقص قبل أن تمثل – لأن تمثيلها يدخل في نفسي شيء من التسلية وسنحت فرصة إذ قبل أحد الكتاب المسرحيين المعروفين أن أصحبه في زيارة لها بمنزلها ، لم يفتح بابا المنزل خادم أو خادمة .. بل كانت هي الممثلة النابغة بنفسها ، كانت تحمل في إحدى اليدين سكينا ، وفي الأخرى فحلا من البطاطس. وسألتني: - إسمك إيه يا شاطر؟ وكررت السيدة السؤال ترقص على فمها إبتسامة خفيفة.. وفتح الله على الشاطر ، فذكر إسمه ولقبه وأردفت تقول: - إسم زكي "مفهوم"..ولكن سي "طليمات" ده يبقى إيه؟ وأحسست السيدة الحيرة التي ركبتني فتلطفت تقول: - إنت بتحب التمثيل وعاوز تشتغل ممثل؟ وحاولت أن أثبت طلاقة لساني وقدرت على التعبير والتمثيل ، فنظرت إلي وهي تضحك ثم قالت: - تعرف تقشر بطاطس؟! وتركت ورائي الممثلة التي كانت تكلمني بالألغاز وبسكين المطبخ. ولم أكن أدري أننا سنلتقي بعد ذلك بسنوات قليلة أمام المأذون لأصبح لها الزوج وأنجب منها إبنتي الوحيدة "آمال". وإضطر "زكي طليمات" أن يعمل بشهادة البكالوريا في إحدى الوظائف بحديقة الحيوان. وإشترك مع روزاليوسف ومحمد التابعي في إصدار مجلة "روزاليوسف" عام 1925 – ودخل زكي وروزا في مسابقة لوازرة المعارف وفاز بالجائزة الأولى. وأرسلته الوزارة على إثرها في بعثة للتمثيل والإخراج لمدة خمس سنوات إلى باريس "25-1929" ، وفي نوفمبر عام 1925 سافر "زكي" إلى فرنسا وتركت زوجته التمثيل ، وإستقالت من فرقة رمسيس ، وتفرغت لمجلة "روزاليوسف" مع "التابعي". وفي باريس نهل" زكي" من ينابيع المعرفة ، وعيون الفن والأدـب. وتتلمذ على أيدي الفنان الكبير "دتي دينيس" ، وإلتحق بمسرح الأوديون ، وتتلمذ على أيدي "فيرمان جيميه" ، وفي تلك الفترة زار ألمانيا (http://www.marefa.org/index.php/&Oslash;£&Ugrave;„&Ugrave;…&Oslash;§&Ugrave;†&Ugrave;Š&Oslash;§) وإنجلترا وإيطاليا (http://www.marefa.org/index.php/&Oslash;¥&Ugrave;Š&Oslash;·&Oslash;§&Ugrave;„&Ugrave;Š&Oslash;§) عام 1928 ، وعاد إلى مصر عام 1929 حاملا مع الشهادات التي عينته في وظيفة مدير الفنون الجميلة في الدرجة السادسة.
عزيزة أمير:

كانوا ثلاثة وكنت معهم .. ما عدا الكلب.. عزيزة أمير تلمع في حلي أحجار كريمة غالية .. وإلى جانبها زوجها الشاب من أسرة كريمة .. وأمامهم رجل ضخم الجسم يرضع "الويسكي" ثم يتلط ويتحلب ربته. وأخذت في قراءة القصة. وأعارتني أذنا صاغية. أما من يرضع الويسكي فبقيت نظراته تنتقل بين الكأس وطلعة السيدة البهية.. أما الزوج فكان له شأن آخر.. يخرج من البهو ويعود إليه مرة أخرى ، شارد البصر. وظن "زكي" أنا السيدة عزيزة أمير قد أعجبتها القصة ، وسوف تنتجها له في السينما. ولكنه يقول: بعد أسبوعين على هذه المقابلة قرأت في أكثر من صحيفة أن "عزيزة أمير" باعت حليها ومنزلها في ضاحية مصر الجديدة لتنتج فيلما جديدا.. كانت قصة الفيلم الجديد غير القصة التي قرأتها لها في تلك المقابلة.
محمد طلعت حرب:

كانت المقابلة الأولى في آواخر العشرينات وأوئل الثلاثينيات من هذا القرن وكانت طلعت حرب قانعا بأن يبقي على المسرح على ما تركه "سلامة حدجازي" يقدم مسرحيات ساذجة لا تستهدف إلا مجرد التسلية. وكنت أرى غير هذا وأناهضه بالكتابة في الصحف رغم حداثة سني. ودعاني طلعت حرب لمقابلته. وقذف في وجهي بصوت عالي.. أنت مغرور قنزوح وتتعجل الزمن.. ومرت أيام وكانت فرقة "الكوميدي فرانسيز" كبرى فرق التمثيل بباريس على وشك الحضور إلى القاهرة لإحياء موسم مسرحي بدار الأوبرا. وعلى رأس فرقة "دتي دينيس" عميد المسرح الفرنسي وأستاذي. وقررت أن أحسن إستقباله. وإنتهبت إلى أنه لابد من إجراء "سلفة" من بنك مصر..وأنتهيت مع المسئولين بالبنك الإجراءات اللازمة لصرف هذه السلفة ولم يبق إلا أن يعتمدها المدير "سعادة" محمد طلعت حرب! وأخذ يسلقني بتلميحات مؤلمة وإمتدت يده إلى الطلب المقدم مني يطلب السلفة وأخذ يمزقه على مهل ، شعرت بذل وألم وتأهبت للإنصراف وفوجئت به يقدم لي المبلغ الذي أردت إستدانته وهو يقول: - هدية مني لأستاذك.. جدع يا واد.. هدية من أب لولده ووجدتني أجهش بالبكاء.
محمد حلمي عيسى:

وزيرالتقاليد.. وزير المعارف (http://www.marefa.org/index.php?title=%D9%88%D8%B2%D9%8A%D8%B1_%D8%A7%D9 %84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%B1%D9%81&action=edit) وزير العدل الأسبق. كان قد تأسس أول معهد حكومي للتمثيل العربي عام 1930 (http://www.marefa.org/index.php/1930). وفي نهاية العام الدراسي أوفتدني الوزارة إلى أوروربا في زيارة قصيرة لإنجاز مهام فنية تعمل على تقدم هذا المعهد. ولم يكد يمضي على سفري أيام معدودات حتى جاء "محمد حلمي عيسى" وزيرا للمعارف وأغلق المعهد بالضبة والمفتاح. وعدت إلى مصر ونقلني الوزير الجديد سكرتيرا لدار الأوبرا لأتولى جرد أحذية وفساتين وكراسي المسرح. شرعت قلمي في مختلف الصحف أهاجم "وزير التقاليد" وخاصة على صفحات "روزاليوسف". وإستدعاني الوزير للتحيقيق معي بمعرفته. وبعد اللقاء أصدر الوزير قرارا بأن يحل مكان المعهد الملغي دراسة حرة للتمثيل أطلق عليها إسم "قاعة المحاضرات التمثيلية" على ألا تلحق بها فتيات.
الدكتور محمد حسين هيكل:

وقعت عليه عيني – أول ما وقعت – ولم أكن أعرف من يكون . وكان ذلك بمقهى بشارع عماد الدين في عام 1921م ، ومرت الأيام وأصبح الدكتور هيكل رئيسا لتحرير جريدة "السياسة" التي ظهرت عام 1922. وكنت أرسل إلى الجريدة تعليقاتي والأستاذ لا ينشر منها شيئا. ودخلت مكتبه وأعطاني كتابا عن "جا جاك روسو" ، وهو من تأليف الدكتور هيكل عن هذا الفيلسوف الفرنسي.. وكانت هذه بداية علاقة وثيقة.


علي أيوب:

جلس الموظف الذي هو أنا ، أمام الوزير صاحب المعالي علي أيوب بمكتبه بوزارة المعارف.. وقطع الوزير الصمت وقال: - بأه حضرتك عاوز ترقص؟ - لا.. أبدا.. - طيب عاوزني أنا اللي أرقص؟ - أستغفر الله ما قلتش كده المذكرة التي أمامي عنك تقول كده! - كلا ، أنا قلت إن الوزارة هي التي تنشئ معهدا لفن الرقص. - الناس هاتقول بيعملوا .. رقص. - إحنا في عام 1949. - ولو.. وخرجت وكتبت تقريرا أشرح وجهة نظري.
محمد عبد الوهاب

عرفته وكنت في أول شبابه ، وكان هو فتى مراهقا غض الإهاب ، أيام كنت محترفا التمثيل المسرحي ، في فرقة عبد الرحمن رشدي المحامي أستاذي في المسرح ، وكان عبد الوهاب إذ ذاك يطرب الجمهور بين فترات الإستراحة بالسهل البسيط من أغاني سلامة حجازي وسيد ردويش. وكان فتى نحيل الجسم ، في وجهه شحوب وهزال وفي عينيه قوة وبريق ، وفي نظرته حلم وصفاء. وأظن أن "زكي طليمات" برسمه لهذه اللوحات قد رسم صورة لنفسه فيها الكثير من الملامح .. وعلينا نحن أن نستكملها بالتاريخ المباشر عن "زكي طليمات".
ولد فى 29-5-1905 فى القاهرة حصل على شهادة ‏البكالوريا ثم أكمل دراسته في فرنسا و درس التمثيل ، وفن ‏الإلقاء، والإخراج المسرحي
وعاد إلى بلاده في عام 1929، و أنشأ ‏أول معهد للتمثيل في مصر عام 1930 أو الذي دعا للإنشائه وتخرج على يديه ‏الكثيرين و أسس الفرقة القومية للمسرح ‏عام 1935
وأسس مسرح المدرسة ، والمسرح الحديث ، و هو أول من أخرج ‏أوبريت للفنون الشعبية ، كما عمل كاتب في العديد من المجلات مثل الهلال،و ‏سافر الكويت للعمل هناك لسنوات طويلة و أسس هناك أيضًا أول معهد للتمثيل، وألف ‏العديد من الكتب عن التمثيل. وحصل على جائزة الفنون في فن الإخراج ‏المسرحي .
و توفى عام 1978 (http://www.marefa.org/index.php/1978)


من أعمال الفنان زكى طليمات

1937 نشيد الأمل 1942 العامل 1944 ابنتي 1946 أرض النيل 1948 مغامرات عنتر وعبلة 1955 [[الله معنا (http://www.marefa.org/index.php?title=%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87_%D9%85%D8 %B9%D9%86%D8%A7&action=edit)]] 1957 خالد بن الوليد 1959 من أجل امرأة 1960 بهية (http://www.marefa.org/index.php?title=%D8%A8%D9%87%D9%8A%D8%A9&action=edit) 1961 يوم من عمري (http://www.marefa.org/index.php?title=%D9%8A%D9%88%D9%85_%D9%85%D9%86_%D 8%B9%D9%85%D8%B1%D9%8A&action=edit) 1963 الناصر صلاح الدين (http://www.marefa.org/index.php/&Oslash;§&Ugrave;„&Ugrave;†&Oslash;§&Oslash;µ&Oslash;±_&Oslash;µ&Ugrave;„&Oslash;§&Oslash;­_&Oslash;§&Ugrave;„&Oslash;¯&Ugrave;Š&Ugrave;†)






الأسانيد

1- روزاليوسف: ذكريات. 2- زكي طليمات: ذكريات ووجوه. 3- عبد الغني داور: زكي طليمات. 4- محمد السيد شوشة: رواد ورائدات السينما المصرية.



<< وختاماً أتمنى أن تكون هذه الموسوعة المسرحية كافية ووافية كمرجع لجميع المسرحيين >>

استودعكم الله ،،
.
.

محمد الحلال
22-07-2008, 05:00 PM
استمر بجهودك يا حسن

اثابك الله عنا

حسن العلي
29-07-2008, 01:11 AM
.
.

السيرة الذاتية للفنان المسرحي / صقر الرشود ( رحمه الله )

ــ ولد الفنان الكبير صقر الرشود عام 1941. وعاش سنوات من طفولته في الهند مع أسرته حتى عام 1950
ــ أسس مع مجموعة من رفاقه المسرحيين فرقة مسرح الخليج العربي، وقدم فيه أول عمل مسرحي من إخراجه، عام 1961، لكن أول عمل له في الإخراج المسرحي هو >تقاليد< عام 1958 لفرقة المسرح الشعبي.
ــ أخرج عددا من المسرحيات، كما ألف عدة مسرحيات للفرقة ومثل في بعضها. وبلغ عدد ما قدمه من أعمال للفرقة 23 مسرحية.
ــ عمل في وزارة التربية ووزارة الإعلام لفترة. ثم درس العلوم الاقتصادية والسياسية في جامعة الكويت، حيث تخرج عام 1973. كما عمل مذيعا في إذاعة الكويت.
ــ شارك مع صديقه الكاتب عبدالعزيز السريع في تأليف مسرحية بحمدون المحطة وغيرها.
ــ حصل على جائزة أفضل مخرج في مهرجان دمشق المسرحي عام 1970.
ــ كان فنانا شاملا. وقد انتدب عام 1978 للعمل خبيرا للمسرح في دولة الإمارات العربية، فأسس هناك المسرح القومي، وأخرج بعض المسرحيات.
ــ توفي بحادث سير مؤلم في دولة الإمارات في عام 1978.

يتبع .. .
.
.

حسن العلي
29-07-2008, 01:13 AM
.
.


صقر سلمان صقر الرشود
تاريخ الانتساب للفرقة: من المؤسسين
الأعمال الإدارية التي زاولها داخل الفرقة:
عضو مجلس إدارة لأكثر من دورة.
مشرف فني.
عضو اللجنة الثقافية.

رئيس اللجنة الثقافية.
: الانتاج الفني داخل الفرقة


في 15/7/1963 رفع الستار عن أول عمل اخراجي له كان المسرحية القصيرة (بسافر وبس) من تأليف ثلاثي الخليج.
في الفترة من 1 - 4/6/1963 قدم مسرح الخليج مسرحية (الخطأ والفضيحة) من اخراج الفقيد وتأليف الزميل مكي القلاف.
وفي 25/12/1963 كانت البداية الحقيقية للمسرح حيث قدم مسرح الخليج من تأليف واخراج الفقيد مسرحية (الأسرة الضائعة).
وتلتها مسرحيته الرابعة (أنا والأيام) وهي من تأليفه واخراجه.
في الموسم الثاني اخرج للمسرح مسرحية (الجوع) من تأليف عبدالعزيز السريع.
وفي نفس الموسم ألف وأخرج للمسرح (المخلب الكبير) ثم (الطين).
شارك في التمثيل بمسرحيتي المخلب الكبير والطين.
مثل أيضاً مسرحية (صفقة مع الشيطان) لجبروم. ك جيروم إلى جوار عبدالله غيث وزهرة العلا.
في الموسم الثالث 65 / 66 أخرج مسرحية (عنده شهادة) من تأليف عبدالعزيز السريع.
في نفس الموسم ألف وأخرج مسرحية (الحاجز) التي قدمها المسرح بعد عرضها في الكويت في كل من بغداد ثم القاهرة.
ابتعد عن المسرح في الموسم الرابع 66 / 67 .
في الموسم الخامس 67 / 68 أعد للمسرح مسرحية (بيت الدمية) لهنريك ابسن وقام باخراجها منصور المنصور تحت عنوان (المرة لعبت البيت).
في الموسم السادس 68 / 69 أخرج للمسرح مسرحية (لمن القرار الأخير) من تأليف عبدالعزيز السريع.
في الموسم السابع 69 / 70 أخرج مسرحية (بخور أم جاسم) من تأليف محمد السريع.
في نفس الموسم شارك في تمثيل مسرحية (فلوس ونفوس) وهي من تأليف عبدالعزيز السريع.
في الموسم الثامن 70 / 71 أعد للمسرح مسرحية (الغربان) لهنري بيك ومثل فيها، وكانت من اخراج منصور المنصور تحت عنوان (رجال وبنات).
في نفس الموسم أعد مسرحية (تذكر قيصر) لجوردن دافيوت واخرجها منصور المنصور كما قام أيضاً باعداد واخراج (الجرة) لبيراند للو.
في الموسم التاسع 71 / 72 قام باخراج (الدرجة الرابعة) من تأليف عبدالعزيز السريع.
في نفس الموسم أخرج للمسرح (4،3،2،1 بم ) المسرحية التي شارك فيها بالكتابة مع زميله عبدالعزيز السريع وقد شارك فيها بالتمثيل أيضاً.
في الموسم العاشر 72 / 73 أخرج للمسرح مسرحية (ضاع الديك) من تأليف عبدالعزيز السريع.
في الموسم نفسه أخرج (شياطين ليلة الجمعة) التي كتبها مع زميله عبدالعزيز السريع.
في الموسم الحادي عشر 73 / 74 أخرج مسرحية (بحمدون المحطة) وهي ثالث وآخر عمل كتبه للمسرح مع زميله عبدالعزيز السريع.
في ابريل 1975 أخرج للفرقة الأهلية (وهي مكونة من مجموعة عناصر من المسارح الأهلية الأربعة) مسرحية علي جناح التبريزي وتابعة قفه من تأليف الفريد فرج وعرضت المسرحية في القاهرة وتونس والمغرب ودمشق بالإضافة للكويت.> وفي 11/12/1975 أخرج لمسرح الخليج مسرحية (حفلة على الخازوق) من تأليف محفوظ عبدالرحمن.

في فبراير ومارس 1976 أخرج للمسرح ثلاثية باسم (الواوي) وهي مسرحيات من فصل واحد (هدامة) من تأليف مهدي الصايغ (تحت المرزام) من تأليف نواف أبوالهيجاء، (مجنون سوسو) من تأليف محمد السريع.
في نوفمبر 1976 أخرج للمسرح (متاعب صيف) من تأليف سليمان الخليفي.
في فبراير 1977 أعد اخراج مسرحية (حفلة على الخازوق) برؤيا جديدة، وقدمت ضمن نشاطات الاسبوع الثقافي الكويتي بالقاهرة على مسرح سيد درويش بالهرم.
في مايو 1977 عرضت مسرحية (حفلة على الخازوق) في مهرجان دمشق السابع للفنون المسرحية وهي من اخراجه.
في فبراير 1978 أخرج مسرحية (عريس لبنت السلطان) من تأليف محفوظ عبدالرحمن.
في مارس 1978 قدمت مسرحية (عريس لبنت السلطان) في دولة الإمارات العربية المتحدة أبو ظبي والشارقة وهي من اخراجه.
في الفترة ما بين 6، 12 ابريل 1978 عرضت مسرحية (عريس لبنت السلطان) في كل من الجزائر وليبيا ضمن نشاطات الاسبوعين الثقافيين الكويتيين في الجزائر وليبيا.: الانتاج الفني خارج الفرقةمسرحية تقاليد 1958
مسرحية فتحنا 1962 (تأليف).
شارك بتأسيس المسرح الوطني 1962 .
شارك في التمثيل بالعديد من المسرحيات والمسلسلات التلفزيونية والاذاعية.
قام باخراج مسرحية الفخ في دولة الامارات العربية.
قام باخراج مسرحية الأول تحول في دولة الامارات العربية.
شارك في العديد من المهرجانات المسرحية والمناسبات والأسابيع الثقافية خارج الكويت.:الجوائز وشهادات التقدير التي حصل عليهاحصل على العديد من الجوائز وشهادات التقدير من جهات مختلفة.
حصل على الجائزة الكبرى لمؤسسة الكويت للتقدم العلمي في الأدب في فنون المسرح حيث منحت باسم صقر الرشود على مستوى الكويت عام 1979 .:

ملاحظات أخرى :
كان عصامي التعليم.
بدأ اهتماماته المسرحية عام 1958 .
التحق بالفريق الذي يشارك في مهرجان دمشق للفنون المسرحية بعد يوم واحد فقط من وفاة ابنه فراس عام 1975 .
رحل الفقيد إلى الرفيق الأعلى وهو يؤدي واجبه القومي أثناء جولة فنية له في دولة الإمارات العربية مع فريقه العامل بمسرحية الفخ عام 1978

.
.

حسن العلي
29-07-2008, 01:19 AM
.
.

الفنان ورائد الحركة المسرحية والدرامية << سعد الفرج >>

سعد الفرج من كبار الممثلين الكويتيين ومن رواد الحركة الفنية بالخليج مع مجموعة من الفنانين منهم عبدالحسين عبدالرضا (http://ar.wikipedia.org/wiki/&Oslash;¹&Oslash;¨&Oslash;¯&Oslash;§&Ugrave;„&Oslash;­&Oslash;³&Ugrave;Š&Ugrave;†_&Oslash;¹&Oslash;¨&Oslash;¯&Oslash;§&Ugrave;„&Oslash;±&Oslash;¶&Oslash;§) وخالد النفيسي (http://ar.wikipedia.org/wiki/&Oslash;®&Oslash;§&Ugrave;„&Oslash;¯_&Oslash;§&Ugrave;„&Ugrave;†&Ugrave;&Ugrave;Š&Oslash;³&Ugrave;Š) ومريم الغضبان (http://ar.wikipedia.org/wiki/&Ugrave;…&Oslash;±&Ugrave;Š&Ugrave;…_&Oslash;§&Ugrave;„&Oslash;&ordm;&Oslash;¶&Oslash;¨&Oslash;§&Ugrave;†) وغيرهم ، عمل رئيسا لقسم الدراما في تلفزيون الكويت (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D8%AA%D9%84%D9%81%D8%B2%D9%8A%D9% 88%D9%86_%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%8A%D8%AA&action=edit&redlink=1) من عام 1962 ولغاية 1984 ويعمل حاليا مستشارا للدراما في تلفزيون الكويت ، وكتب وألف العديد من المسرحيات وقدم الكثير من الأعمال الدرامية في الإذاعة والتلفزيون كما شارك في كتابة وتمثيل عدد من الأفلام.

شهاداته


حاصل على البكالوريس في الإخراج والإنتاج التلفزيوني من الولايات المتحدة الأمريكية عام 1974 .
دورة في معهد الاذاعة البريطانية (B.B.C ) في الإخراج والإنتاج التلفزيوني عام 1969 .
دبلوم ( A.A ) في الإخراج والإنتاج التلفزيوني من كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1973 .
دبلوم ( A.A ) في الإخراج المسرحي من ( لوس انجلوس ) سيتي كلوج في الولايات المتحدة عام 1974 .
بكالوريس ( A.B ) في الإخراج والإنتاج التلفزيوني من كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1974 .
افلامة


الرحلة القصيرة
بس يابحر (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D8%A8%D8%B3_%D9%8A%D8%A7%D8%A8%D8 %AD%D8%B1&action=edit&redlink=1)
المسرحيات


استارثوني وانا حي (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D8% AB%D9%88%D9%86%D9%8A_%D9%88%D8%A7%D9%86%D8%A7_%D8% AD%D9%8A&action=edit&redlink=1)
عشت شفت (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D8%B9%D8%B4%D8%AA_%D8%B4%D9%81%D8 %AA&action=edit&redlink=1)
الكويت سنة 2000 (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%8A%D8% AA_%D8%B3%D9%86%D8%A9_2000&action=edit&redlink=1)
بني صامت (http://ar.wikipedia.org/wiki/&Oslash;¨&Ugrave;†&Ugrave;Š_&Oslash;µ&Oslash;§&Ugrave;…&Oslash;&ordf;)
ضحية بيت العز (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D8%B6%D8%AD%D9%8A%D8%A9_%D8%A8%D9 %8A%D8%AA_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B2&action=edit&redlink=1)
دقت الساعة (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D8%AF%D9%82%D8%AA_%D8%A7%D9%84%D8 %B3%D8%A7%D8%B9%D8%A9&action=edit&redlink=1)
حامي الديار (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D8%AD%D8%A7%D9%85%D9%8A_%D8%A7%D9 %84%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D8%B1&action=edit&redlink=1)
هذا سيفوه (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D9%87%D8%B0%D8%A7_%D8%B3%D9%8A%D9 %81%D9%88%D9%87&action=edit&redlink=1)
مضارب بني نفط (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D9%85%D8%B6%D8%A7%D8%B1%D8%A8_%D8 %A8%D9%86%D9%8A_%D9%86%D9%81%D8%B7&action=edit&redlink=1)
جنون البشر (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D8%AC%D9%86%D9%88%D9%86_%D8%A7%D9 %84%D8%A8%D8%B4%D8%B1&action=edit&redlink=1)
قطع غيار (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D9%82%D8%B7%D8%B9_%D8%BA%D9%8A%D8 %A7%D8%B1&action=edit&redlink=1)
صنطرون بنطرون (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D8%B5%D9%86%D8%B7%D8%B1%D9%88%D9% 86_%D8%A8%D9%86%D8%B7%D8%B1%D9%88%D9%86&action=edit&redlink=1)
على هامان يا فرعون (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D8%B9%D9%84%D9%89_%D9%87%D8%A7%D9 %85%D8%A7%D9%86_%D9%8A%D8%A7_%D9%81%D8%B1%D8%B9%D9 %88%D9%86&action=edit&redlink=1)
حرم سعادة الوزير (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D8%AD%D8%B1%D9%85_%D8%B3%D8%B9%D8 %A7%D8%AF%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B2%D9%8A%D8% B1&action=edit&redlink=1)
ممثل الشعب (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D9%85%D9%85%D8%AB%D9%84_%D8%A7%D9 %84%D8%B4%D8%B9%D8%A8&action=edit&redlink=1)
ع المكشوف (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D8%B9_%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%83%D8 %B4%D9%88%D9%81&action=edit&redlink=1) مع زميل دربه عبدالعزيز النمش شارك رفيق دربة الفنان عبدالحسين عبدالرضا (http://ar.wikipedia.org/wiki/&Oslash;¹&Oslash;¨&Oslash;¯&Oslash;§&Ugrave;„&Oslash;­&Oslash;³&Ugrave;Š&Ugrave;†_&Oslash;¹&Oslash;¨&Oslash;¯&Oslash;§&Ugrave;„&Oslash;±&Oslash;¶&Oslash;§) في العديد من المسلسلات ومنها:

مسلسل الاقدار (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D9%85%D8%B3%D9%84%D8%B3%D9%84_%D8 %A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AF%D8%A7%D8%B1&action=edit&redlink=1)
مسلسل درب الزلق (http://ar.wikipedia.org/wiki/&Oslash;¯&Oslash;±&Oslash;¨_&Oslash;§&Ugrave;„&Oslash;²&Ugrave;„&Ugrave;‚)
مسلسل سوق المقاصيص (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D9%85%D8%B3%D9%84%D8%B3%D9%84_%D8 %B3%D9%88%D9%82_%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%A7%D8% B5%D9%8A%D8%B5&action=edit&redlink=1) يعود الفنان سعد الفرج من جديد إلى المسلسلات الكوميدية وذلك من خلال مسلسله القادم (الدار) الذي سيعرضه في رمضان القادم الفنان الفرج يعود وبرفقته الفنانة سعاد عبدالله والفنانة مريم الصالح يدور المسلسل حول دار رعاية المسنين ويستعرض المشاكل التي تحدث لهم.
المسلسل من اخراج محمد دحام الشمري وسيعرض حصرياً برمضان على قناة mbc.
و شارك في الكثير من المهرجانات والملتقيات المسرحية والفنية في الكويت والوطن العربي وعدد من الدول الأجنبية كما حصل على العديد من الجوائز والدروع والأوسمة التقديرية أهمها جائزة سلطان عويس في دولة الإمارات العربية المتحدة وجائزة مهرجان الرواد العرب الأول الذي ترعاه الأمانة العامة لجامعة الدول العربية..... كما منح جائزة الدولة التقديرية في العام 2006

.
.

حسن العلي
29-07-2008, 01:29 AM
.
.

حوار مع أحد أعمدة المسرح اللبناني الحديث ... ريمون جبارة: المسرح يحرك الضمائر لكنه لي
بيروت – ميشال معيكي الحياة - 03/02/08//

أطلّ ريمون جبارة مطلع السبعينات مسرحياً طليعياً، جريئاً، جديد الطروحات، ساخراً، مكسِّراً قواعد المسرح التقليدي، على خلفية مرارة عبث أسود، مسكون بهواجس الإنسان في حريته المكلومة والأزمات الوجودية. اضافة قمع المؤسسات والخوف والوحدة. وعنده: حضارة خوفو أكثر «إنسانية» من صواريخ كروز، وشرائع حمورابي أشدّ عدالة ورحمة من قرارات المجتمع الدولي!

يعرّف عن نفسه: «أنا سوريالي في تكويني. يوم بدأت، لم أكن أعرف شيئاً عن المسرح العالمي. كتبت كما أحسست. الأمّية تنفع أحياناً! أعتقد بأن المسرح الطليعي يأتي من المبتدئين، والخطر يأتي من النجاح لا من الفشل! المهم ان ننسى مع كل عمل جديد نجاحاتنا، حتى لا نصير أسرى لها، ففي ذلك كل الإعاقة!...».

ريمون جبارة من الوجوه الطليعية في المسرح اللبناني الحديث. ممثل وكاتب ومخرج. بدأ ممثلاً في فرقة بعلبك التي أسسها المخرج منير أبو دبس بداية الستينات، وضمت يومها الرعيل المسرحي الحديث: انطوان كرباج، أنطوان ولطيفة ملتقى، رضى خوري، تيودورا الراسي، عبدالله خير الله... وعبر منير أبو دبس تعرَّف جبارة والرعيل الى التقنيات المسرحية في أوروبا، واطلع على مسرح ستانسلافسكي وعالمه...

في مسرحيته «لتمت ديسدمونا» عام 1970. يقول ريمون جبارة: «سنبني بيوتنا بلا أبواب ولا حواجز، ولا خوف. وبلا خوف سيولد أولادنا ويكبرون، ولأنهم لا يخافون، سينتصرون على كل شيء، وعلى الجوع والطاعون... كابوس الإنسان في النهاية هو الخوف لا الموت!!!».

يكاد لا يخلو عمل مسرحي لجبارة من هواجس الخوف والوحدة والتوق الى الحرية، وان اتكأ كلُّ عمل على مناخ سياسي أو اجتماعي أو حدث كبير.

«لتمت ديسدمونا» مسرحية يعتبرها من أهم أعماله. كتبها تحت ضغط النكسة الحزيرانية عام 1967 التي هزَّت المجتمع العربي والضمير الشعبي. وديسدمونا كما يقول: «ضحية غبية، تشبه كل الضحايا الغبية من المحيط الى الخليج...».

«تحت رعاية زكور» عام 1971، كتبت غداة رحيل جمال عبدالناصر الذي ضعضع الشارع العربي. «دكر النحل» أو «انشودة الانكسار» جاءت في غمرة الحروب اللبنانية، من وحي حكاية ضابط متقاعد يعيش وحيداً ويرقّي نفسه بنفسه، الى أن يصير جنرالاً وحده! تيمة الوحدة والخوف بانتظار الموت.

وتجيء مسرحية «شربل»، في زمن القتل المجاني والذبح على الهوية، رد فعل وصرخة رفض ضد همجية الحرب والمحاربين والعودة الى القيم والروح، والهروب من الأرض الى سكينة السماء.

«صانع الأحلام»، أصلاً دون كيشوت، لسرفانتس، في إعادة اقتباس لمسرحية «رجل المانشا» للكاتب الأميركي ديل واسرمان، مسرحية تلخص مسار ريمون جبارة على الخشبة. كتب العمل في زمن الخطف والاعتقال ومصادرة الحريات (1985)... صانع الأحلام: نشيد توق الى الحرية وتمجيد للكرامة ولحضور المرأة في ظلمة الحياة. حازت جائزة الإبداع في أيام قرطاج المسرحية (1985).

«من قطف زهرة الخريف» قراءة ذاتية جداً، جاءت تحت وطأة المرض وأهوال العالم، في إدانة ساخرة، مُرَّة، حزينة لحرب لبنان وأدواتها...

أما مسرحية جبارة «بيكنيك على خطوط التماس»، فهي تقاسيم إنسانية، وتهويم على متراس، ذات يوم في حرب لبنان، وإدانة لجيل شكّل أداة الجريمة وصار وقودها، والعمل استحضار مشهدي لموقف حاد، من واضعي سيناريوات مصائر الشعوب في مطابخ القرار...


هنا حوار مع ريمون جبارة:

> كنت تطل علينا باستمرار بعمل جديد. لماذا هذا الصمت؟

- في مسرحيتي «محاكمة يسوع»... يقول يوضاس: (يهوذا الاسخريوطي): «عندما أرى كذّابين يصفقون تصاب يداي بالشلل!!» الحقيقة أشعر بتفاهة هذا الزمن، لست متحمساً!

> لكنك كتبت وأخرجت أعمالاً مهمة جداً ورائدة في ظروف أكثر قسوة! (زمن الحروب اللبنانية).

- صحيح. لكنني أذكّرك بأن «صانع الأحلام» حصدت جوائز في بغداد وفي مهرجان قرطاج في تونس، وعندما عدت الى لبنان وقدمتها على مسرح كازينو لبنان، أذكر جيداً، ذات ليلة كانت المقاعد خالية تماماًّ هل تتصور؟ أعتقد بأن الإعلام المرئي عوّد الجمهور على مسلسلات – إجمالاً – بلا مستوى فني! صار مقياس الذوق والقبول بالنسبة الى الجمهور الواسع، هو ما يشاهده على الشاشة الصغيرة! من حين الى آخر أشاهد أعمالاً على خشبات بيروت راقية جداً، لكن الجمهور قليل العدد!

> تقول عن المسرح إنه هواية. كيف «جاءك» المسرح؟

- في الثامنة عشرة من عمري تقدمت الى امتحانات المدرسة الحربية على أمل أن أصير ضابطاً «تكلل النجوم كتفيَّ»، لكنني رسبت في الامتحان والحمد لله، فقلت: أتوجه الى البرازيل علّني أحرز ثروة! لكنني عدت في الباخرة نفسها الى بيروت! لم أتحمل البعد عن قريتي «قرنة شهوان»! كان المسرح في بالي... بدأت في مسرح الضيعة. كان كاتب المسرح والمخرج مختار الضيعة. وأذكر أول دور لعبته في «سقوط غرناطة» لفوزي المعلوف... قبل ذلك وكنت لا أزال مراهقاً. عُهد إليّ بدور صغير جداً، جُملة واحدة أردّ بها على كلام لممثل آخر... وكنا نتمرّن على أدوارنا طوال فصل الصيف، وكنت أكنس المسرح وأنظفه كل يوم...

في ليلة العرض اليتيمة، حين تقدّم زميلي الممثل على الخشبة ليؤدي نسي النص المطلوب، فطار دوري... وطارت أحلام الصيف المسرحي!!!

> مسرحك يكتنفه – إجمالاً – مناخ سوريالي عبثي، من أين هذا المناخ؟

- تكويني هكذا! لبنان أيضاً في بعض ملامحه هكذا أيضاً. تصوّر، ذات مرة كنت أمرّ بالقرب من محطة بنزين، شاهدت لافتة مكتوباً عليها: «يوجد عندنا بنزين!» هل كانت تبيع قبل يوم «فلافل» مثلاً؟!!

> الى أي مدى تعتبر أن المسرح اللبناني في أشد لحظاته، التاريخية تألقاً، حرّك ركود المسرح العربي – ونتكلم على فترة ستينات القرن الماضي -؟

- تألّق المسرح اللبناني منتصف القرن الماضي حصل ضمن فورة ثقافية فنية شاملة، في الشعر والرواية والفنون التشكيلية وحركة النشر بفضل مناخ حرية التعبير الذي كان سائداً يومذاك... أذكر الكثيرين من أصدقائنا المبدعين والمفكرين العرب، جاؤوا الى بيروت للنشر وللعرض. هذا الاحتكاك، والتواصل والتبادل، أدى الى تحريك حقيقي لمقاربة المسرح، مع ما أضافته الى المسرح اللبناني الاطلاعات على المسرح العالمي الحديث. غير ان المناخ السياسي السائد في العالم العربي لم يساعد كثيراً. فالمسرح هو أحد أهم أشكال التعبير ومن مستلزماته الأساسية: الحرية.

> بالعودة الى تلك المرحلة الذهبية من مسار المسرح اللبناني – وأنت كنت واحداً من وجوهها، أية ذاكرة عن ذلك المشهد الثقافي؟

- حافظت تلك المرحلة، على زخمها والألق حتى اندلاع الحرب في عام 1975. غير انني لم أتوقف! أكثرية أعمالي المسرحية كتبتها وأخرجتها في زمن الحرب («شربل» 1977، «دكر النحل» 1982، «قندلفت يصعد الى السماء» 1983، «محاكمة يسوع» 1984، «صانع الأحلام» 1985).


> في إحدى مقالاتك تقول: «أنا اليوم كالمقامر الخاسر» بمعنى الهارب الى أمام. ممن تهرب؟ والى أين؟

- لست هارباً الى أي مكان. لست مقاوماً ولست هارباً. من يقول لي أطال الله بعمرك أحسه يتمنى لي الأذى. لأنني أعتبر الحياة عقاباً!

> من قال لك ان الموت حالة أفضل من الحياة؟

- اعتقد بأن هذه الدنيا هي المكان الأسوأ!

> تضمن ذلك؟

- حتماً!

> هذه السخرية المرّة – السوداء، هل ساءلت نفسك من أين جاءتك؟

- من تكويني النفسي والجسدي ربما. في طفولتي تناولت الكثير من حبوب دواء الكينا لمكافحة الملاريا وهو دواء مذاقه شديد المرورة. اعتقد بأنها زادت نسبة نكهة المرارة في كروموزوماتي!!!

> ذات مرة ترشحت لرئاسة الجمهورية عبر مقال منشور في جريدة «النهار». ثم انسحبت. هل تذكر؟

- صحيح. ترشحت للرئاسة زمن الوجود السوري في لبنان ثم تذكرت أنني لا أستطيع الركوع على ركبتيّ بسبب الحادث الصحي فانتبهت الى أنني لا أستوفي بعض مؤهلات الترشيح، فعدلت!

> في أكثر من مقال تمنيت لو كنت ولدت في العصر الحجري. لماذا؟

- هنيئاً لمن عاش في العصر الحجري! كان الإنسان أكثر حرية وأكثر «حيوانية» (بالمعنى الإيجابي). يجوع فيأكل طريدة أو عشبة! وإذا خاف من الذئب يدخل الى امان الكهف ويشعل على بابه ناراً. في القرن الواحد والعشرين أصبح الذئب في عروقه، كيف وأين يشعل النار؟

> أُغرمتَ بالتمثيل قبل مرحلة الإخراج, هل ان الأدوار التي أديتها، حققت عبرها «رغباتٍ» وهمية ما كانت لتحصل في الواقع؟

- التمثيل هو أهم نشوة على المسرح! عرفت بعد التمثيل متعة الإخراج. التمثيل شيء رائع مدهش! على الخشبة وبسبب الأضواء، رؤية الصالة. كنت اخترع جمهوراً على مزاجي، جمهوراً يغمرني بالمحبة، فأرتاح وأنتشي وأؤدي... وهكذا.

> كنت «تُزوِّر» بحثاً عن محبة ومحبِّين؟

- كلنا في حاجة الى محبة. حين نفتقد هذه الحاجة تنتهي الحياة.

> لو قيّض لك أن تكون سعيداً، تملك الصحة والمال والسلطة هل كنت تكتب للمسرح وتمثّل؟

- لا أعتقد. بشكل ما، الإبداعات الفنية بعامة، في بعض أسبابها، ناتجة من عدم الاتفاق مع الآخرين ومع أوضاع الحياة والدنيا.

> هل أفهم منك ان المسرح هو مصالحة مع عالم غير موجود، متخيّل مثلاً؟

- دعني أسميه حلماً بعالم غير موجود وليس مصالحة. اذا تصالح معه لا بد من ان يهرب منه لاحقاً.

> هل شكّل المسرح في حياتك جنة مفقودة؟

- في الحقيقة المسرح «مهنة» اتقنتها، لا أعرف أن أعمل شيئاً غيرها. عندي سهولة كبيرة في كتابة وإخراج عمل مسرحي. رفاقي في المسرح يعرفون جيداً، أنني أكتب واخرج عملاً في حوالى شهر من الزمن! لا أستطيع أن أكون نجاراً أو طبّاخاً أو اسقفاً!!

> في أية أدوار مسرحية أحسست أنك بلغت النشوة الكبرى خلال الأداء؟

- في دور راسكولنيكوف (الجريمة والعقاب لدوستويفسكي) وفي دور «سعدون» في مسرحية «الزنزلخت» لعصام محفوظ، وفي دور ريتشارد الثالث لشكسبير... كان ذلك في ستينات القرن الماضي!

> في عام 1848 في تقديمه لمسرحية «البخيل» لموليير قال مارون النقاش ان المسرح مرتبط بغاية أخلاقية تثقيفية وأنه يسهم بحركة إصلاحية؟!! بعد مرور أكثر من قرن ونصف على كلام رائد المسرح العربي، هل توافق على هذا التوصيف لدور المسرح؟

- لا. أنا ضد المسرح صاحب المهمة المباشرة. المسرح ليس مانيفستو حزب. أهمية المسرح أنه يحرّك الضمائر!

> أنت تكتب مقالاً أسبوعياً في الصحيفة وأحياناً توقّع باسم «عبدالله». ما علاقتك بعبدالله؟

- «عبدالله» هو أنا وأنت. ونحن العرب نعشق الأسماء الموصولة بالجنة: عبدالله: فضل الله، سعد الله، نعمة الله، شكر الله، فتح الله، خير الله... نصر الله والقائمة تطول... والحمد لله!!!

> ماذا تحضّر اليوم؟

- عندي مسرحية مكتوبة اسمها «عكس السير». يولد «البطل» عجوزاً ثم يعود بالزمن تدريجاً حتى يصير طفلاً!! لو كان الأمر حقيقة لكان رائعاً. تصور ان رحلة الحياة تتجه نحو السعادة والبراءة والفرح، وليس الى الشيخوخة والوحدة والأمراض والأوجاع والموت!!! وعندي عمل آخر «مقتل إن واخواتها» عمل اعتقده أقل صعوبة من الأول وأقرب الى تقبّل الجمهور...

> ريمون جبارة، «تعرّضت» لتكريمين في الفترة الأخيرة. ماذا يعني لك أن تُكرّم، خصوصاً أنك لا تزال على قيد الحياة «كما اعتقد»؟

- الحمد لله! تحضرني الآن واقعة حصلت قبل سنوات طويلة. اتصل بي أحد كبار المسؤولين في الدولة وأعرب عن رغبة «سامية» بمنحي وساماً رفيعاً من رتبة فارس!! أجبت: «فارس يعني ان ثمة حصاناً. أرجو ان تعطوني الحصان واحفظوا الوسام في أدراجكم!!! وللمناسبة اقترح على الدول أن تصنع الأوسمة من الشوكولا... على الاقل نستطيع أن نأكلها!!!

> ذات تكريم سئلت عما تتمنى الحصول عليه فأجبت: أريد نعشاً؟

- صحيح. لأنني ان لم «استعمله»، أبيعه!

.
.

حسن العلي
29-07-2008, 01:34 AM
.
.

«لي ستارسبيرغ» والمدرسة الروسية للأداء الواقعي
كتبها لكم : حسام الحلوة
23 أبريل 2004م

هنالك عدة فروق واضحة بين الأفلام القديمة والأفلام الجديدة. وتتوزع هذه الفروع على أكثر من ناحية من نواحي الفيلم. فمن ناحية التصوير مثلاً كان التصوير بالألوان غير ممكن في السابق، كما كانت حركة الكاميرا أكثر محدودية مما هي عليه الآن. هذا يعني أن التغير الذي طرأ على التصوير هو تغير تقني بحت. ولكن هناك تغيرات طرأت على السينما ولم يكن لها أي علاقة بتطور الإمكانيات التقنية، بل كانت متعلقة بتطور المفهوم والوعي البشري. وأبرز مثال على ذلك هو النقلة التي حدثت في التمثيل السينمائي وبدأت في هوليوود في الخمسينات والستينات، ثم أثرت من هناك على العالم أجمع وفرضت مقاييس جديدة للأداء التمثيلي.


ليس من الصعب على المشاهد مهما كانت خبرته أن يلحظ الفرق بين الأداء الكلاسيكي القديم و الأداء الحديث. فالأداء الحديث يتسم بواقعية وطبيعية أكثر، بينما كان الأداء الكلاسيكي متكلفا ويعتمد على المبالغة، وهذا مبدأ خاص بالمسرح انتقل تلقائياً للسينما مع أنه لا يناسبها. ونلاحظ أيضاً في الأداء الحديث وجود نكهة خاصة جداً بكل ممثل يضفيها على أي دور يلعبه، فلو لعب عشرة ممثلين الدور نفسه لقدموه بعشرة طرق مختلفة، بينما كان الأداء في السابق منسوخا من بعضه، وكأنه أقنعة تلبس حسب نوع الشخصية، ولم تكن تلك الأقنعة شديدة التنوع، بل تكاد تنحصر في نوعين: قناع الخير وقناع الشر. وبشكل عام جداً، فإن الشخصيات التي تقدم بأداء حديث تبدو أكثر حقيقية، تبدو متعددة الأبعاد، أي لها وجود مكتمل وقائم. بينما في السابق كانت الشخصيات تبدو كمجرد جزء من الفيلم، تـُبث فيها الحياة مع عرض أول إطار له، وتـُنزع منها الحياة مع ظهور كلمة «النهاية». السبب في ذلك هو أن الأداء الحديث يستفيد من جوانب الشخصية التي لا تظهر بالضرورة في النص مثل الجانب النفسي والذهني والاجتماعي، فيكون التمثيل في هذه الحالة أشبه بتلبس حالة انسان بالكامل، وليس فقط تقليد بعض تصرفاته ظاهرياً.


ولا يمكن أن ينسب هذا التغير الذي طرأ على الأداء السينمائي إلى شخص واحد، ولكن هناك معلم تمثيل عرف عنه أنه خرّج دفعات من الممثلين إذا تأملنا أسماءهم وجدنا أنهم فعلاً يمثلون التغيير الذي حصل في الأداء ومن هؤلاء : مارلون براندو، جيمس دين، ستيف ماكوين، بول نيومان، جين فوندا، آل باتشينو، روبرت دي نيرو، جاك نيكلسون، داستن هوفمان، سالي فيلدز، جين هاكمان، وميريل ستريب. والمعلم الذي علم هؤلاء التمثيل هو لي ستراسبيرغ.

ولد ستراسبيرغ في هنغاريا عام 1901، ثم هاجر مع أهله إلى أميركا وعمره ست سنوات. وفي عام 1924 مثل لأول مرة، وكان ذلك في مسرحية من انتاج نقابة المسرح عرضت في نيويورك. بعد ذلك عمل كمدير مسرح لبعض انتاجات النقابة. وفي عام 1931 شارك في تأسيس فرقة مسرحية اسمها «مسرح الجماعة». وكانت فرقة «مسرح الجماعة» أول من وظف أسلوب كونستانتين ستانسلافسكي في إنتاجاتها. وستانسلافسكي هو مسرحي روسي بدأ منذ عام 1907 بوضع وتطوير نظريات وأساليب وتمارين لجعل التمثيل واقعياً وطبيعياً. وتعرف مجموعة نظريات ستانسلافسكي بشكل عام بإسم «الأسلوب». ويعتبر ستانسلافسكي من أهم الشخصيات المؤثرة في المسرح الروسي، ولقد غير أسلوبه شكل التمثيل في روسيا للأبد قبل أي دولة أخرى. ولكن هذا التغير ظل محصوراً في روسيا إلى أن جاء لي ستراسبيرغ وتبنى أسلوب ستانسلافسكي وفق منظوره الخاص في فرقة «مسرح الجماعة» ولاحقاً في «أستديو الممثلين». وعندما أقول «وفق منظوره الخاص» فذلك لأن نظريات ومبادئ ستانسلافسكي كانت شاملة لجوانب عديدة من حالة الممثل وأسلوب عمله، كما كان جزء كبير منها تجريبيا، بينما تركزت تدريبات ستراسبيرغ لطلابه على نظرية واحده تقريباً، وهي المتعلقة بما يسمى «الذاكرة الشعورية».
فالمبدأ الأساسي الذي كانت تقوم عليه تدريبات ستراسبيرغ هو أن المشاعر لا يمكن أن تـُمثل، بل يجب على الممثل أن يسترجع مشاعر حقيقية ويوظفها في أدائه. يجب عليه أن يبحث في أعماقه عن الذاكرة التي ستثير فيه الشعور المناسب للدور أو الحالة التي يؤديها، ثم إذا بدأت مشاعره بالتدفق، فإن عمليه التمثيل لا تعدو كونها تشكيلا لهذا التيار من المشاعر الحقيقية. ولكن المقصود بالذاكرة هنا ليس الذاكرة الذهنية. بل الذاكرة الشعورية، أي تلك المتعلقة بالحواس الخمس. فلقد كان ستراسبيرغ يحث طلابه على استرجاع الطعم أو الرائحة أو الملمس أو الصوت أو المنظر الذي يرتبط عندهم بذلك الشعور الذي سيستخدمونه في التمثيل. وكان يستخدم تمارين متفاوتة ومختلفة مع كل طالب من طلابه في سبيل تمكينه من استعادة ذاكرته شعورياً، وكانت تلك أصعب وأطول مراحل التدريب.

لسبب ما، انحلت فرقة «مسرح الجماعة»، فسافر ستراسبيرغ إلى هوليوود، ثم عاد إلى نيويورك عام 1949 وانضم إلى «أستديو الممثلين» وهو معهد مسرحي ينصب تركيزه على إعداد الممثل، وكان من المشاركين في إنشائه المخرج المسرحي والسينمائي الكبير إيليا كازان الذي كان هو الآخر عضواً في «مسرح الجماعة» (وبالمناسبة فإن قناة «الحرة» تعرض حالياً حلقات من البرنامج الذي ينتجه المعهد واسمه «من داخل أستديو الممثلين»). وبعد سنة من انضمامه إليه أصبح ستراسبيرغ المدير الفني لـ«أستديو الممثلين» المكان الذي شهد أهم سنوات حياة لي ستراسبيرغ وأهم انجازاته حيث علّم ودرّب وخرّج أجيالا من الممثلين الذين أصبحوا رموزاً للتمثيل الحديث. في عام 1969 أنشأ «معهد لي سترسبيرغ للمسرح» في نيويورك، ثم في لوس أنجليس وكان ذلك بغرض توفير نفس نوعية التدريب التي يقدمها «أستديو الممثلين» لشريحة أكبر من المهتمين. في عام 1975 قام لي ستراسبيرغ بالتمثيل سينمائياً لأول مرة، وكان ذلك في الجزء الثاني من فيلم «العراب» بدور اليهودي هايمن روث. قيل إن هذه المشاركة كانت بدعوة من تلميذه آل باتشينو وقيل إنها كانت بدعوة من المخرج فرانسيس كوبولا. ومع أن الدور كان صغيراً، وستراسبيرغ كان يمثل أمام الكاميرا لأول مرة، إلا أنه ملأ الدور باحترافية شديدة، فترشح عن أدائه لأوسكار أفضل ممثل مساعد، ولكن الجائزة ذهبت لتلميذه الآخر الشاب روبرت دي نيرو.


يرى الكثير من النقاد والمؤرخين أنه إذا كان الفضل في نقل ثورة التمثيل من المسرح الروسي إلى المسرح الأميركي يعود إلى لي ستراسبيرغ، فإن الفضل في نقل هذه الثورة من المسرح الأميركي إلى السينما الأميركية ومن ثم سينمات العالم أجمع يعود إلى مارلون براندو الذي أذهل العالم بالأداء الذي قدمه في فيلمه الثاني «عربة تسمى الرغبة» 1951 الذي أخرجه أيضاً مخرج له نفس الخلفية المسرحية ـ كما ذكرت سابقا ـ وهو إيليا كازان. ولكن قد يعترض البعض على هذا الرأي لأنه بسبب كثافة الدفعات التي خرجها ستراسبيرغ يظهر أن المسألة مسألة وقت حتى ينتقل جزء من هذه الدفعات إلى السينما ويؤثر فيها. ولكن لا يمنع ذلك من تسجيل بعض الفضل باسم براندو، ولو من أجل الأسبقية فقط. في عقد الخمسينات كانت هناك نماذج متفرقة محدودة في هوليوود من الممثلين المنتمين لمدرسة الأداء الواقعي الجديد، وكانت بعض الأفلام تجمع ممثلين من المدرستين الكلاسيكية والحديثة، مما يشكل حالة ظريفة تستحق التمعن والمقارنة للشخص المهتم. ومن أمثلة ذلك فيلم «عربة تسمى الرغبة» حيث يمثل مارلون براندو المدرسة الحديثة، وفيفيان لي القديمة، وفيلم «العملاق» حيث يمثل جيمس دين المدرسة الحديثة، وتمثل إليزابيث تيلور المدرسة التقليدية. في عقد الستينات، تكثف حضور أبناء المدرسة الجديدة، وغدا واضحاً أنهم سيسيطرون وأن أسلوبهم سيكون هو القياسي في التمثيل، ولم يكد يبدأ عقد السبعينات حتى اصطبغ التمثيل في هوليوود بالكامل بلونه الجديد، فتغيرت بذلك مقاييس التمثيل في العالم كله للأبد .

.
.

حسن العلي
29-07-2008, 01:37 AM
.
.

الشخصية الدرامية (ريتشارد الثالث) في ضوء علم النفس الفردي
لالفريدادلر
الدكتور طارق العذاري
أستاذ مساعد كلية الفنون الجميلة / جامعة البصرة



يعد الكاتب المسرحي الانكليزي وليم شكسبير من اهم كتاب المسرح على الإطلاق ، لما تتسم به اعماله من تجليات خالدة على صعيد الفكر و القيم الفنية ، حيث ابدع في رسم ملامح شخصيات عظيمة في عوالمها الداخلية وطموحاتها ، ويمكن أن نطلق عليه –عن جدارة – بانه مصمم كبير للنفس البشرية ، وتتراوح شخصياته بين العاطفة الجياشة والغيرة القاتلة (عطيل) الى العقل والتردد (هاملت) الى الطموح المرضي للسلطة (ريتشارد الثالث) الى غير ذلك من انواع التراكيب السايكولوجية للشخصيات .

ان عمق شخصياته وتنوعها جعلها مثار جدل ونقاش منذ القرن السابع عشر حتى الوقت الحاضر ، وكلما استجد جديد في الفكر البشري ومنظار اخر ،اُسقط على احدى شخصيات شكسبير الخالدة .

ويعد القرن التاسع عشر قرن الأديولوجية حقاً ، حيث ظهرت فيه الفلسفات بأختلاف اجاهاتها المادية ، المثالية ، و كشوفات علم النفس ، واستنتاجات دارون في اصل الانواع ، والنظريات الطبقية الاقتصادية ، وغيرها .

كانت تلك الاكتشافات و في كل الميادين بمثابة منظور جديد للناقد ، يساعده على اكتشاف مكنون عوالم شخصيات شكسبير، فدخل الصراع الطبقي في تحليل مسرحيات شكسبير مثل (روميو و جوليت) حيث كان الصراع محتدم بين عائلة مونتاغو و عائلة كابيوليت و اصبحا (روميو و جوليت) الضحية ، وجاءت نظريات التمييز العنصري تطبق على شخصية (عطيل) المغربي الاسود ، وفلسفة العبث و التردد عند (هاملت) ، و كان لانقسام العالم الى معسكرين اشتراكي ورأسمالي بعد الحرب العالمية الثانية دور كبير في تعميق وتنويع وتعدد مثل هذه التحليلات و التفسيرات الخلابة ، فالمعسكر الاشتراكي ونتيجة لايمانة السابق بسلطة العوالم المادية والاقتصادية على الفرد ، له تفسيراته الطبقية و الموضوعية في التحليل بحيث كان يولي الاهمية القصوى للعوامل الخارجية (وسائل انتاج، علاقات انتاج) ولذلك فهي لاتعتمد كثيراً على العوامل الذاتية و الداخلية للفرد ، وهذا ما لاحظناه عندما قام المخرج الروسي (كوزنتسيف) باخراج هاملت للسينما ، والذي حاول به ان يقرب صورة القلق العلمي و الطبقي في عصر شكسبير الذي كانت فيه اكتشافات فرانسيس بيكون في اوجها ،و حياة الفلاحين و صيادي الاسماك و بين حالات العصر الحاضر فكان اخراجة قراءة موضوعية مقارنة بين عصرين بينهما خيط مشترك يمثله بؤس المجتمع و بروز السؤال الفلسفي والدعوة الى العمل و التغيير .

ان مناهج القرن التاسع عشر و القرن العشرين اصبحت منظاراً عميقاً للعودة الى نتاج شكسبير الخالد في القرن السادس عشر . و لم يقتصر ذلك على التحليل الادبي والنقدي فحسب ، بل امتد الى العروض المسرحية من خلال تحليل الشخصيات الرئيسية وتحديد ابعادها بالصورة التي تتفق مع منهجية التحليل و فلسفته . فاصبح (هاملت) اكثر من هاملت وكذلك (عطيل و مكبث و لير و ريتشارد الثالث) يتجددون في كل عصر . ومن تلك المناهج التحليل النفسي الذي تزعمه (فرويد) في بداية القرن الماضي ، الذي اكد فيه على (الانا- الهو – الانا الاعلى) و على العزيزة (اللبيدو) وعقدة اوديب وارجع علاقة الرجل بامه الى علاقة (اوديب الملك) بامه (جوكاستا). وهي علاقة جنسية لا شعورية تدخل في كيان الولد الطفل منذ ولادته . بالضبط مثل (عقد الكترا) في حب ابيها (اجاممنون) ومحاربتها لامها (كليتمنسترا) لقتل ابيها و زواج الام لعشيقها (ايجستوس) .

ان هذه الدوافع الغريزية الفطرية صارت تفسر في ضوئها الكثير من الشخصيات و منها علاقة (هاملت) بامه (جرترود) في مسرحية هاملت .

ولم يبقى فرويد وحده في ساحة المنهج النفسي بل ان كثير من طلابه انشق عليه مثل يونج و ادلر(صاحب اسلوب علم النفس الفردي ) الذي اعتبر فيه ان لكل شخصية مقومات فردية خاصة لا يصح ان تعمم و بذلك اختلف مع قوى الدوافع البايولوجية و الغريزية التي اسس عليها فرويد نظريته والتي كانت برأي فرويد عالمية وتصلح لكل الاافراد ومن هنا بدأ الاختلاف في الطريقة والاسلوب ضمن المنهج و الاسلوب ضمن المنهج النفساني الواحد . ان شخصية (ريتشارد الثالث) التي كتبها وليم شكسبير تتمتع بمزايا تفرد كبيرة جداً وسط عالم لايشبهها في هيأتها او في اهدافها و دوافعها فكان اسلوب (الفريد ادلر) هو الانسب في تحليل هذه الشخصية الفريدة وهي محاولة بسيطة على طريق اكتشاف اهمية مثل هذه الدراسات بالنسبة لممثلينا الذين يقومون بتمثيل مثل هـذه الشخصيات العظيمة دون تحليل او تفسير لاي شيء فيها فيؤدونها بعتمة تفسد متابعة ذلك العمق السـامي والـجليـل .



المدخل :

تعد شخصية (ريتشارد الثالث) واحدة من تلك الشخصيات الشكسبيرية التي تميزت بعمق ابعادها القابلة للتحليل والاجتهاد و التفسير وفق معطيات العصر الحاضر وما وفر للباحثين من وسائل ومناهج للتحليل يمكن ان نسلط الضوء من خلالها على شخصية (ريتشارد الثالث) من عدة زوايا سواء كانت سياسية او اجتماعية او اخلاقية او نفسية ……الخ . وهذا ليس غريباً على عوالم وشخصيات (وليم شكسبير) لما امتازت به من غنى وشمول انساني .

ان شخصية (ريتشارد الثالث) ، و في احد زواياها البارزه يمكن النظر اليها من خلال النقد النفساني و بالتحديد وفق مدرسة (الفريد ادلر) الذي (سمى اسلوبه الجديد علم النفس الفردي لانه يركز على فردية كل شخص منكراً عالمية الدوافع البيولوجية و الاهداف التي التي نسبها لنا فرويد) (م3،ص67) .

وما يعني بالقصور والشعور به يصبح دافعاً لكثير من الافعال التي تتسم بحب السيطرة كتعويض ما كان ينقصه من اعضاء جسمانية او تشوهات خلقية او ما يتيح من تصدع في العلاقة مع المجتمع ، بدأ بالعائلة وانتهى بالمجتمع الواسع وتأسيساً على ما تقدم ومن خلال تبني نظرية ادلر في تحليل شخصية ريتشارد الثالث لابد لنا ان نرسم محددات نظرية ادلر النفسية لتكون لنا منطلقاً و هادياً لتحليل الشخصية .

وهذه المنطلقات كما يحددها دارسو ادلر ..مايلي :

1. القصور (الشعور بالنقص)

2. السيطرة (الكفاح من اجل التفوق)

3. اسلوب الحياة

4. الذات الخلاقة

5. الاهداف الوهمية

6. الاهتمام الاجتماعي

1.القصور (الشعور بالنقص) :



من منطلق البدايـة بالمادة المعروضة للتحليل . تبدأ المسرحية بمنلوج طويل يتلوه علينا (دوق جلوستر) الذي يصبح فيما بعد (ريتشارد الثالث)-يوضح فيه ملامح الفسيولوجية التي تحدد فيما بعد سلوكه ازاء محيطه

(اما انا ، الذي لم اسو في خلقه تبيح لي ان امارس افانين الحب

ولما خلق لامتع النظر بصورتي على مرآة حبيبة

انا الذي خلق على عجل و لم يؤت من جمال المحبين

مايخطر به امام حسناء مختالة لعوب

انا الذي حرم اتساق القسمات

وزيفت الطبيعة الخادعة بنيته

انا المشوه المنقوص الذي ارسل قبل الاوان

الى هذا العالم النابض بالحياة ولما يكد يتم خلقه

انا الذي تنبحه الكلاب اذا وقف عليها
لما تراه من بالغ عجزه وغرابة هيئته) (م:2،ص38) .

ان هذا المنلوج الطويل يوضح الى حد بعيد موقف (ريتشارد الثالث) من العالم ومن نفسه ، حيث يقف بمفرده ازاء ما يحيطه ، وقد كان (شكسبير) عظيماً عندما جعل (ريتشارد) يتلو حواره هذا وهو يقف بمفرده ، دون مجد اول الامر ، حيث انطلق من نقطة البداية أي جعله يوضح نقصه مما يجعل الدوافع واضحة امام المتلقي حيث (اعتقد ادلر بان شعور النقص العام موجود دائماً ومهم كقوة مؤثرة في السلوك) (م:3،ص70) .

يتضح القصور من الحركات الجسمانية و الايماءات و الحوار الذي يطلقه فها هو يكرر (انا حرم) و (انا المشوه) و(انا تنبحه الكلاب) و الى اخر تلك النعوت التي يعكس فيها حقيقته امام نفسه اولاً والتي تجعله قاصرامام الاخرين ثانياً و كلما يواجهه الاخرون بحقيقته وقصوره الفسلجي يواجه نفسه بقسوة ، حيث يصف نفسه .

(ريتشارد :-انا الاعرج المشوه بصورتي هذه ) (م:2،ص164).

ان تفرده بنفسه و انزوائه مع قصوره خاصة وان (وجد مثل هذا العضو القاصر يؤثر دائماً على حياة الشخص النفسية لانه يحقره في نظر نفسه ويزيد شعوره بعدم الامن)(م:4،ص595).

كما يؤثر ايضاً على سلوكه مع نفسه ومحيطه لانه يولد حالة من القلق وعدم الأطمئنان على مصيره في العالم الذي يتصارع معه ويضمر له الشر (هذا الشعور بعينه هو الذي يدفع الفرد على بذل المزيد من الجهد لتعويض هذا الشعور بالقصور )(م:4،ص595). وان يمارس ويحقق هذا التعويض في محيطه على صعيد الافراد الذين يقاسمونه العيش . ولكن هذا القصور الفسلجي لابد ان يصاحبه نقص في السلوك وفق تقاليد و اعراف المجتمع لاسيما اذا كان (الشعور بالنقص ناشيء عن قصور عضو او عدم كفاية في المحيط اقوى من المعتاد قد تنشأ انواع الاضطرابات والتغييرات الجسدية و العاطفية و العقلية التي تظهر بكل عواطف عوارض عصابية وذهانية)(م:5،ص142)فهذه الاضطرابات والتغيرات حالة طبيعية بالنسبة للمصاب بشعور النقص و للمجتمع ، اذا كانت تحافظ على قوام المجتمع وتنظيماته السلوكية ولكنها حاولت –الشخصية المريضة- ان تغير النظم و النواميس الاجتماعية والاخلاقية فهي بلا شك تسبب حالة شاذة ،وتكرارها يتحدد و يشخص كونه مرض ينبغي علاجه و يتاكد من ذلك اذا كان (النقص في احدى الاعضاء يظهر ذاته في تاثيره العام في النفس اثناء عملها والفكر و الاحلام و من اختيار المهنة و في الميول الفنية والمقدرات)(م:5،ص139).

بقدر ما تكون الحالة معزولة عن تأثيرها الاجتماعي تكون طبيعية خاصة اذا تصرفت تصريفاً طبيعياً و تحولت الى سلوك ايجابي لان (تقدم الفرد ونموه و تطوره ينتج من محاولة تعويض نقائصة سواء كانت تلك النقائص حقيقية او خيالية)(م:5،ص70).

وقد (اوضح ادلر ان الاجزاء او اعضاء الجسم التي فيها عيب تؤثر في نمو الشخصية من خلال محاولات وجهود الفرد للتعويض عن االنقص)(م:3،ص71). وخير مثال على ذلك القائد نابليون الذي كان قصير القامة او شخصية شيشرون الذي يتلعثم في نطقه ، واصبح فيما بعد اعظم خطيب في الرومان كلها . لانه استطاع ان يوظف قصوره توظيفاً ايجابياً وتفوق بذلك على ذاته –المريض- و الاخرين ،و هنا لابد ان نشير الى النقص ليس بحدود الشخصية بل هو عامل مؤثر يمكن ان يكون دافعاً لتحسين النوع الانساني اذا فكر بأنه ليس من منطلق فردي بل من منطلق حاجة النوع الانساني الى الرقي في نواحي العلم والمعرفة والسمو الاخلاقي (فهذا الشعور بالقصور والذي يوجد مع الانسان في بداية حياته هو الذي يحفظ للانسان حياته عبر الأجيال )(م:4،ص596).لانه مطلوب منه ان يتكامل ليتناسب مع تكامل قوانين الطبيعة والعلم والا اصبح نوعاً مختلفأ او غير منسجم و ربما قابل للانقراض فهذا القصور الحضاري دافع كبير للنوع وتجاوز الفرد لذاته ودمجه بالذات الكلية للمجتمع ولكن ادلر يرى ان (القصور مرادف للانوثة بينما القوة ترادف الرجولة)(م:4،ص596).

وهذا ما كان واضحاً في شخصية ريتشارد الثالث في علاقته مع امه الملكة ودوقة يورك وزوجته ليدي آن حيث كان يعاملها بقسوة و استصغار لشأنها لأن (هدف التعويض كان الرغبة في السلطة التي يلعب فيها الاعتداء دوراً كبيرأً )(م:3،ص73).

وكانت الاسرة اول الميادين التي يمارس فيها عدوانيته المريضة .

وهذا واضح من (المونولوغ الاستهلالي في مسرحية (ريتشارد الثالث) الذي يصور شكلاً اخر من اشكال العزلة المفروضة الا وهو العاهة الجسمانية التي تفصل بينه وبين الاخرين . وضمير المفرد المتكلم يسود المونولوغ بايماءاته بالعزلة الطوعية الناجمة عن الانانية وحب الذات ولكنها كلما يؤكدها تقترن ايضاً بالعزلة المفروضة عليه ، عزلة العاهة )(م:6،ص80).

فهو محصور بين عزلتين حادتين هما الانانية وحب الذات ، مقابل العاهة الاولى تخصه ، اما نفسه ، مرآته العاكسه والثانية في تعامل الاخرين معه من خلال عاهته وكلاهما مرتبط بالاخرى ، معززة طفح الذات هي، وفعل طبيعي للعاهة الخارجية ، وكلما كان خارج الفرد غير جميل ، تتضخم الدواخل بشكل سلبي وهذا ما حدث لريتشارد الثالث في حالة قصوره ، فذاته صارت انعكاس سلبي لمكوناته الخلقية المشوهة ، حتى تضخمت و صارت انانية مريضة وشريرة .

2.السيطرة (الكفاح من اجل التفوق):



الجرائم البشعة التي اقترفها ريتشارد الثالث و الطرق الملتوية التي سلكها لتحقيق اهدافه وارائه السلطوية كانت (الحافز نحو التفوق وتاكيد الذات) (م:1،ص242). ولكن التفوق كان سلبياً عدائياً وتحقيق الذات صار فعل للجريمة لانه نتاج العاهات ، حيث قام ريتشارد بقتل اخيه وابنائه بتخطيط منه وقتل ابن عمه الذي كان يتعاون معه في ارتكاب الجرائم (غير ان هذه العاهات بالنسبة لشكسبير هي اكثر من نذير بالشر :انها رموز الشذوذ التي فطر عليه ريتشارد، الصور الخارجية لفساده الداخلي . انها صفة جسدية ، تضعه مكرهاً بعيداً عن الناس ، وفي ذلك انعكاس للوحدة الداخلية التي ينميها طائعاً بحفاظه على افكاره لنفسه و رفضه الاعتراف بالعُرى الاجتماعية التي تربط الناس بعضهم ببعض)(م:6،ص81).

( وكان ذلك واقعاً تحت تأثير الشعور العام للقصور الذي يولد به الانسان و العمل المستمر نحو تحقيق هدف السيطرة و التفوق)(م:4،ص601).

ان الشعور بالقصور اصبح حالة مرضية عند ريتشارد مما جعله يعاني ويجعل من القصور مرادفاً للتفوق كتعويض عن حالة القصور التي جُبِلَ عليها (ولكن هذا الشعور بالقصور لم يستطع التنفيس عنه من خلال العلاقات السوية المحيطة به ، ولذلك تحولت الى عقدة (والعقد النفسية بالذات تثير ، على نحو اوتوماتيكي رد فعل قوي على شكل حافز ملح نحو التفوق) (م:1،ص244) لذلك كان سلوكه دموياً ورد فعله سريع ، لوقوعه تحت تاثير الحافز الملح الذي يطالبه بالتفوق على الاقران وتحقيق اهدافه الشريرة المرتبطة بحالة القصور .

ان طموحه ان يصبح ملكاً ويأتمر بأمره الاخرين هو اثبات بان القاصر يمكنه ان يدير دفة المملكة و الحكم أسوة بالأسوياء لان الانسان و حسب استنتاج ادلر (كائن يبحث عن القوة)(م:4،ص598).و السلطة التي تحققت ليريتشارد هنا هي بلوغه السلطة السياسية دون تسلط على ذاته ، التي يطغي عليها شعوره بالنقص . وظل مطلب تحقيق وتأكيد الذات هو الحافز للفعل والسلوك حتى ان بلغ قمة العرش ، لانه في الوقت الذي كان ينتهج طريق الشر كوسيله لتحقيق ذاته القاصرة اصبح هذا الطريق هو الوسيلة و الغاية ، لانه دخل في مقومات شخصيته وتكوينها (فالقصور البدني في مثل هذه الحالات يعطي قوة اضافية ونشاطاً تعويضياً لبلوغ هدف ما يؤدي الى السيطرة والتفوق داخل الذات)(م:4,ص602). وعليه فأن القصور يخلق مسافة شعورية بين الشخص القاصر و الاخرين ، و لا يمكن ردم هذه الهوة-حسب اعتقاد القاصر- الا بالقيام بعمل ما من شانه ان يرفع من قدره بعيون ومشاعر الاخرين الاسوياء ، ولا يهم نوع الفعل ، فهو يتراوح من الجريمة الى الافعال السامية بقصد تحقيق ذات اشمل واكبر، حتى يمكن الاحساس بها والاشارة لها من قبل الاخر، وبالتالي تتحول الرغبة في السيطرة والتفوق الى حالة مرضية اذا لم تكن تسير في الحدود الطبيعية لمقومات الشخصية الانسانية السوية .

3.أسلوب الحياة :

انتهج ريتشارد الثالث اسلوب عدواني في حياته لتحقيق مآربه الانانية فتارة يكذب و اخرى يخادع و ثالثة يقتل ويزيف الحقائق ، فهو الذي يقول عن نفسه قبل ان يصبح ملكاً :

(دوق جلوستر: اني اقترف الذنب و ابدأ بالشكوى و اتهم الاخرين بابشع ما دبرت من شرور ) (م:2،ص186).

لقد تدرج في اسلوب حياته بداء من الكلام الخادع المنمق الكاذب الى ان اصبح مجرماً او قاتلاً بالفعل ، فتحول من القصد والهدف الى الفعل ، وامتد تاثير فعله العدواني حتى صار له شركاء واعوان في الجريمة و (من اجل ان يبلغ السيطرة على مشاعر القصور عنده فمن الضروري ان يتخذ أسلوباً محدد في حياته)(م:4،ص595).

ومن مظاهر ذلك السلوك خداع و زيف المظاهر الخارجية له فيقول :-

(دوق جلوستر : المظهر –علم الله –قليلاً ما يتعلق مع طوية القلب بل انه قد لا يتفق معها ابداً ) (م:2،ص232).

وحول كذبه وتأليبه أبناء اسرته و فتنهم بعضاً على بعض يقول :

(جلوستر:فلا دخل الآن لازيده بغضاً لكلارنس باكاذيب مدعمة احسن تدعيم بالحجج القوية)(م:2،ص146).

ويتعدى تزييفه لحقيقة شخصيته واهدافه الى الذي كان عنصراً مهماً و مؤثراً في تزكية سلوك الانسان و سمو اخلاقه . ومما يقول بخصوص تستره بالدين .

(جلوستر : و هكذا اشتري شري المفضوح بخرق اسرقها من الكتاب المقدس فأبدو كالقديس و انا امضي في تمثيل دور الشيطان)(م:2،ص158).لا شك ان اعتلاله البدني وقصوره هو الذي بلور سلوكه لان (علته البدنية كانت الوسيلة الكبرى في تشكيل اسلوب حياته )(م:4،ص601). هذا الاسلوب الذي كان مقيتاً من قبل الاخرين لكنه محبب لريتشارد نفسه لانه اصبح طريقه الى النجاة والحفاظ على شخصيته من الاندثار وتحقيق اهدافه.

ويتخذ (احياناً هذا التعويض اشكالاً من العنف تبلغ حداً متطرفاً لا تنتظره منه وهو ما يعرف التعويض النفسي الزائد )(م:4،ص595).ان زيادة التعويض النفسي تؤدي الى خلافه مع المحيط الاجتماعي وتظهر في اغلب الاحيان بشكل عدائي وجريمة تنتهي بالدم حيث يقول :-

(ريتشارد الثالث : و لكنني قد انغمست الان في الدماء و لا بد ان تدفع الخطيئة الى الخطيئة ولامكان لدموع الرحمة في عيني)(م:2،ص297).

ان السيطرة والنجاح الذي حققه ريتشارد الثالث على اعوانه واهله من آل يورك هو حالة تعويض عن الحالة القاصرة

والتي يحددها بالضرورة (اسلوب حياة الفرد و الطريقة التي يهدف بها الفرد الى تحقيق السيطرة)(م:4،ص597).

1. (القوى البيئية

2. العوامل الاجتماعية

3. التنشئة الاجتماعية للفرد)(م:4،ص599).

ونلاحظ ارتباط هذه العوامل جميعها بالعالم الموضوعي و المحيط . حيث كانت علاقة ريتشارد بكل هذه العوامل السالفة الذكر علاقة سلبية و يمكننا ان نفسر الكثير من سلوكه في ضوء اسلوب الحياة فكان مبدأه في التعامل يتشابه الى حد كبير مع فلسفة (ميكافيلي) ، من ان الغاية تبرر الوسيلة وهذا يدخل من باب التفسير السياسي و الايديولوجي للشخصية .

ولكن لو لم تكن هذه العوامل ذات تأثير سلبي على ريتشارد، أي لو تبدلت هذه العوامل و عاش فيها ريتشارد لتغيير اسلوب حياته و من ثم سلوكه (فمع تغيير البيئة واختلاف الذوات الداخلية يختلف اسلوب حياة الفرد )(م:4،ص600). نحصل على شخصية سوية تسلك صحيحاً ولكن عند ذاك نفقد هذه الشخصية العميقة المؤثرة في تكوينها الجسماني واسلوب حياتها الذي صار درساً يبتعد عنه كل ذو عقل راجح .

4.الذات الخلاقة :

عندما يعاني المرء عن عوق ما، يصاحب ذلك العوق انفعالات مدمرة وهذا امر طبيعي للغاية (و قد تشمل هذه الاستجابات مشاعر اليأس و القلق حول المستقبل و فقدان وتقدير الذات)(م:7،ص200). وبذلك يصبح ازاء هذه الانفعالات امر حتمي بحكم قوانين الطبيعة والمجتمع و لا يمكن تحديد صور الانفعالات اذا كانت حبيسة الدواخل لكن الاستجابة لا تتحقق –العدواني منها و السليم- الا بوجود الاخر ، الانسان ،الحيوان ،الطبيعة و حتى الجماد ،احياناً وحسب التفاعل معهم اذ ان كثيراً من الشخصيات المعاقة فسلجياً او المشوهة خلقياً تكتم عدوانيتها بطريقة و اخرى امام اخر مسالم يحاول ان يحتوي عدوانيتها و شرها ، و بالعكس تستمر العداوة في حالة الاخر المشاكس .

و اذا لم تجد العدوانية المساحة الكافية التي تنفجر فيها ، فأنها تتحول لداخل الذات . وهنا تتصاعد العدوانية داخل الفرد وتتحول الى وسط تعذيب هادئ ، لذلك اصبح ايمان ريتشارد بالقصور هو (الحافز الرئيس الذي يدفعه الى محاكاة قدرات الاخرين)(م:4،ص595).

ومحاولة الانتصار عليهم عبر وسائل و ادوات شتى و راح يخطط لنفسه بالسر دون ان يعلن مشروعه لاحد ، وكان يبغي التفوق عليهم لسد النقص الفردي بحالة تعويض اجتماعي كبير ، فهو تجاوز الفردي نزوعاً الى السلطة و الحكم لانه المطلب الوحيد الذي يسد القصور الذي ناقشه مع دواخله ، والذي يفرض من خلاله على الاخرين حاجاتهم اليه كرجل وتقرير مصائر الاخرين (ولكي نفهم الفرد اصبح لازماً علينا اكتشاف الهدف الذي يرمي اليه في الحياة و كما يدعي ادلر فأن هذه الهدف يظهر في كل فعل منفرد يقوم به الفرد )(م:1،ص243)سوياً كان او معتلاً فعلى الرغم من اننا لا نشاطره اهدافه الاحقة التي كان يصبو اليها لكننا لا ننكر وقت رسمه الطريق الذي يسلكه حيث كان عميقاً ومخططاً له تخطيطاً ذكياً وخلاقاً . فهو الى جانب الذوات المحيطة به كان اكثرها خلقاً لذاته بتحقيق اهدافه و رسمه للوسائل التي توصله الى أغراضه و اطماعه خاصة و ان الذات الخلاقة هي (ذات مبدعة تخلق شيئاً لاعلى غرار سابق تخلق شخصيه فريدة فهي اذن ذات خلاقة )(م:4،ص604).

حيث تتحقق لامن تفرد حاملها فحصب بك و ضعف قدرات الاخرين المحيطة بها لانهم سلكوا طرقاً و استخدموا وسائل بالية في التعامل مع جديد الاحداث و الوقائع و فعلاً هكذا كان ريتشارد في خلقه و تحقيقه وتأكيده لذاته في و سائل و اهداف حياته . حيث كانت الذات الخلاقة له (يمكن ان يعني ذلك موقفاً لا اجتماعياً عندما يصبح الشخص الذي لم يؤكد ذاته من خلال انجازه الموجب مثار انتباه الاخرين بواسطة سلوكه الحياتي المضاد للجميع)(م:1،ص245). ان تحقيق ذات ريتشارد اصبح على حساب المجتمع لبلوغه اهدافه بوسائل غير نزيهة فالكذب و النفاق والقتل ، وسائله التي تشبثت بها لتحقيق مأربه ، لذا ارتبطت ذاته بسلوك جنائي معادي للمجتمع و لو اقتصرت دوافع (ريتشارد على عوقه فحسب ، لما استطاع ان يخطط بهذا الشكل البارع لانه كان يحمل في داخله ذكاء و دبلوماسية خارقة ، وكان ريتشارد الثالث يشبه نفسه بميكافليي،وهو امير حقيقي ،انه ،في أي حال ، امير قرأ كتاب ((الأمير)) السياسة له ماساة عملية صرف .فن غايته الحصول على السلطة السياسية لديه لاصله لها بالاخلاق ، شأنها شأن فن بناء الجسور او المبارزة بالسيف) (م:8،ص45).

و على هذا الاساس فانه كان يجمع شخص المعوق ، زائداً السياسي مضافاً اليها بعده عن القيم الأخلاقية التي ينبغي ان يتحلى بها الملوك والقادة و لكنه فقدها فوقعت الجريمة .

5.الاهداف الوهمية :

ان سعي ريتشارد المحموم نحو تحقيق وتاكيد ذاته المعتلة باساليب غير مشروعة جعله وسيلة منجراً لذاته، أي ان نفسه اصبحت وسيلة دنيئة لتحقيق الاهداف ، بمعنى ان اهدافه تجاوزت ذاته واذلتها ، لان تلك الذات التي تحققت بالسيطرة على الاخرين وخلصت الى تحقيق الهدف المرسوم لم تعد كافية لتغطية الطموح المستجد في مسيرة البطش (لان السيطرة لا تعني فرض السيطرة على الاخرين و انما يعني به السيطرة على الذات )(م:4،ص598). التي انفلتت عند ريتشارد من عقالها وراحت تبحث عن اهداف اخرى تجاوزها في مسيرته العدوانية الاولى فبعد ان حقق الاهداف التي اوصلته الى العرش ، تولدت اهداف اخرى تحتاج الى مخططات جديدة ، ربما كانت وهمية الى حد كبير بحيث طغت على شخصيته ، وقادته نحو الهاوية وهكذا تسير العملية من مشاريع القصور الى محاولة تعويض وبذل جهد لبلوغ اهداف جديدة ومستوى جديد،(وقد تكون اهداف فعلية او وهمية وهذاجوهر الحياة ) (م:4،ص596).

اذا كان الانسان سوياً فانه يبحث عن الاهداف التي يمكن تحقيقها فعلاً لانها ستكون في متناول يده لتحقيقها و بالتالي يمارس ذاته عملياً من خلال هذا الواقع دون المساس باحد. اما بالنسبة لريتشارد فقد انتقل من الاهداف الفعلية التي تحققت على ارض الواقع (قتل ، طموحات، صعود غير مشروع للسلطة …………الخ)الى الاهداف الوهمية التي راح ضحيتها ( والهدف قد يكون وهمياً وخيالاً لانه بعيد عن الواقع كما انه قد يكون بعيد المنال بالنسبة للذات الخلاقة التي تهدف الى السيطرة )(م:4،ص605). ويرتبط الوصول الى هذه الاهداف (باللجوء الى ما لا يحصى من الحيل و الوسائل )(م:5،ص144).

و فعلاً هذا ما قام به ريتشارد في ابتكاره وسائل الخدع والتزييف العديدة لبلوغ اهدافه التي كان دافعها الاساس الاحساس بالقصور (لان الانسان يهدف فحسب الى السيطرة وان الرغبة في السيطرة تبزغ من الاحساس بالقصور او العجز او عدم الكفاية )(م:4،ص598). ونلاحظ ان القصور يشكل تأثير كبير على سلوك الشخص واهدافه في حالة التعويض (و ليس ثمة شك ان مثل هذا التعويض القصور البدني لايتم بطريقة الية وبسيطة بل قد يبذل الفرد جهود مضاعفة من اجل بلوغ اهدافه)(م:4،ص602).

سواء كانت الاهداف فعلية او وهمية فالمهم رسوخ الاهداف في الذات لان ذلك يولد الايمان بها ويدفع الى ضرورة تحقيقها لانها سترتبط بالذات وتصبح العنصر المحرك في كيان الفرد لبلوغ اهدافه لاسيما ان السلوك مرتبط بغاية على اعتبار (ان السلوك البشري هو غائي النفس مصممة باتجاه هدف ما عن طريق حركات) (م:5،ص146).تلك التي كانت مؤشراً على اهداف ريتشارد ومسالكه الملتوية ، فحركاته تضم اشارات وايماءات تفضح هذا السلوك العدواني مثل محاولة الانتحار بسيف ملتوي .(ان الانسان تحركه توقعاته للمستقبل اكثر مما تحركه خبرات الماضي فالمستقبل هو الذي يشكل ما سوف تفعله ذاته الخلاقة في أي لحظة معينه) (م:4،ص604) . مستقبلاً اما الماضي فهو الخزين الذي يوفر اساليب التحرك ومن هنا ينشأ الوهم ، لانه وليد زمن المستقبل الذي تكثر فيه شطحات ذهنية كثيرة . فالغايات المحددة التي تؤمن بها الشخصية هي المحرك الاساس لتلك الشخصية فالاهداف التي حركت ريتشارد كانت طمعه في السلطة و السيطرة وتجاوزه ، وكانت الاهدف واضحة ، ومتحققة من خلال سلوكه و تصرفه وعلاقاته لبلوغ هذه الغايات اذ (لايمكن ان تتكون الشخصية وتنمو الا اذا كانت النفس تتجه اتجاهاً غائياً لان الغاية التي يسعى نحوها الشخص وينشط لتحقيقها هي العامل الحاسم في توجيهه) (م:4،ص605).ولا شك ان معرفة غايات الشخص واهدافه تعرفنا على طريقة سلوكه و اسلوبه في الحياة و في التعامل مع محيطه و الاخرين لـ(اهمية الغاية في تفسير جميع الظواهر النفسية) (م:4،ص605).

ونستنتج من ذلك ان القصور البدني يولد حالة شعورية متعارضة مع المجتمع او في احسن الاحوال متفوقة على المجتمع ، وتخلق و ضعاً عدائي ازاء الاخرين مرتبطه باهداف فعلية تحقق او وهمية تقود الى دمار الشخص او الاخرين و ان سلوك الانسان يرتبط بغائية محدودة توضح هذا السلوك وتبين على اساسها المشاعر . فالغاية ترتبط بالهدف المرتبط بزمن المستقبل وهذا يوصل هذا المستقبل الى الوهم خاصة عند الشخصيات التي تعيش حالة القصور .

6.الأهتمام الاجتماعي :

اعتقد ادلر بأن (الرغبة الاجتماعية او الشعور الاجتماعي هي اهم الاهداف في نمو الشخصية و العلاج النفسي) (م:7،ص 47) . و التي كان يفتقدها ريتشارد حتى من اقرب الناس اليه فها هي امه الدوقة تقول له (انك سفاح محب للدماء وبالدماء ستكون خاتمتك) (م:2،ص317) لقد اتضح سلوكه بانه سلبي و مثير للمشاكل حتى ان الدوقة الام تنبأت بمستقبله ونهايته الدامية ، و تجدر هنا الى الاشارة ان علاقة ريتشارد بامه بعيدة عن الحب و عن كل اشكال التعاطف ، بل الكراهية هي الحالة السائدة و لم يقتصر احتقار وبغض ريتشارد لامه فحسب ، بل امتد الى جميع افراد اسرته ، اذ ان اهله يذكرونه دائماً بتشويهات خلقته و قصوره العضوي فتقول الملكة (مارغريت) ارملة اخيه (هنري السادس) ما يلي :-

(انت ايها المسخ المشؤوم ايها الخنـزير النهم يا من كتب عليه منذ مولده ان يكون وضيع الخلق شريراً ) (م:2، ص180) فهذه النعوت و تلك الالقاب تحسسه دائماً بقصوره و دفعه الى التعويض باي وسيلة فيقول عنه (ريشموند) ابن هنري السادس :-

(رجل يتخذ كل وسيلة للوصول الى ما يريد ثم يقتل كل من كانوا وسيلة غايته) (م:2،ص360).

ان هذه التصورات التي يعكسها محيطه عليها ، جعلته متفرد في سلوكه و شاعراً شعوراً زائداً و (يقول ادلر على العوامل الاجتماعية التي تؤثر في حياة الانسان) (م:1،ص241).

(فالظروف الاجتماعية والعلاقات البشرية التي احاطته بالاعتراضات والرفض كانت عامل منذ ولادته ليكون شخصاً شريراً اولاً ثم منبوذ ثانياً فالمجتمع جعل منه انسان شريراً بعد ان ساعد على تضخيم قصوره ثم نبذه لانه لم يعد يطيعه لان شره بدأ يؤذي الناس الذين ساهموا به سلوكه المناوئ و اللاأنساني خاصة ان البيئة الجاهلة يمكن ان تخلق للولد صعوبات في الحياة و ان تكون خلقاً تنشأ عنه صفات مختلفة تعتبر عصابية او ذهانية) (م:5،ص141)

وهذا ما حدث لريتشارد حيث تضخم عنده القصور وتحول الى عقدة تفرز مشاكلها على من خلقها و ساهم في تكوينها منذ الطفولة . (وعلى أي حال ينشأ عن الشعور بالنقص وعدم الكفاية وعدم الشعور بالامن حافز للتغلب على صعوبات البيئة للحصول على الاطمئنان و الامان و الاتزان الاجتماعي) (م:5،ص144) . وعدم الاتزان هذا هو الدافع لقيام الجريمة لتحقيق و تأكيد الذات التي صارت خلاقة في ايجاد و ابتكار وسائل التنفيس و التعويض الذاتي بالروح العدوانية لا سيما (ان هذه النقائض الخلقية او الصفات الغريبة تثير بعض السخرية و الازدراء وتثير الاسى والعطف لدرجة ان المرء لا يطور شعوراً طبيعياً بالنقص حسب ، و انما يطور في كثير من الاحيان ، عقدة تنقص مرضيته) (م:1،ص244) .

دفعته الى احتقار جميع الناس من حوله ولذا قام بفعل القتل واحتقار النساء و الاطفال بشكل خاص و تمثل هذا الاحتقار بزواجه من الملكة آن زوجة اخيه الذي قتله التي (تدرك ان تشوه ريتشارد علامة لا انسانية وعدم شبهه باي انسان طبيعي والصور المجازية التي تستخدمها حين تتحدث عنه تتراوح بين الشيطان والوحش وهذا ينطبق على اشارات الشخصيات الاخرى ايضاً اليه) (م:6،ص85) . ويعلن احتقاره الى الدوقة والدته وقتله الى ابناء اخيه ايماناً منه (ان الرجال ينتمون الى جنس اعلى ويصبحون رمزاً للقوة و العظمة والامتياز ممَ يجعل الناس الذين هم في مركز اضعف (الاولاد و النساء والعصابيون) يحسدونه ويحولون مناقشتهم والتفوق عليهم . (م:5،ص147) . وترى ريتشارد يندفع الى الزواج من زوجة اخيه الملكة آن وبعد وفاتها يحاول يتزوج احدى بنات الملك هنري على اعتبار ان شعوره بالنقص يدفعه الى جعل المرأة عنصر قاصر هو الاخر وينبغي ان يكون الرجل قوام عليهم (وهذا النوع من الاشخاص يكون علاقات جنسية كي يحكم ويسيطر) (م:5،ص149) .

لذلك كان شعوره بالتفوق الناتج عن شعوره بالقصور يدفعه الى استصغار كل الناس الذين يحيطون به و بشكل خاص النساء والاطفال لانهم يذكرونه بنقصه الذي لا يتيح له ان يكون ملكاً في الاوضاع السياسية الطبيعية.

ان (ريتشارد) يدرك في النهاية ان الروابط والعرى مع الاخرين ، و عزله لنفسه بعناد عنهم قد دمراه، ربما ان رفض حب الاخرين لكيما يحب ذاته وحدها ، فأنه يجد الان انه عاجز عن حب نفسه ويتوق لشيء من الحب و الشفقة من الاخرين) (م:6،ص90) لكنه لم يحصد سوى الموت الزؤام .

النتائج :



1. الحافز الاقوى لسلوك شخصية ريتشارد الثالث تتمثل في عقدة القصور العضلي و التشويهات الخلقية . لذلك انعكست وسائله و غاياته الخسيسة على كل ما يحيطه من بشر

2. ان الشعور بالقصور هو الذي جعل من شخصية خلاقة في طريق الشر .

3. يصح تفسير ادلر ونظريته على هذه الشخصية الشكسبيرية الكبيرة على اساس القصور وانعكاسه على السلوك الشخصية واهدافها .

4. ان ريتشارد الثالث لم تحركه عقدته و شعوره بالقصور فحسب و انما امتلاكه وعياً و اسلوباً سياسياً و له اطلاع وثقافة تاهله لان يحكم و مؤمن بان الغاية تبرر الوسيلة ، شعار ميكافلي .

5. وجود الاخرين من اهله الذين لا يحبونه و يشنعون به و بشكله كان عامل مساعد على تصعيد العقدة عنده و لو احتضنوه بشكل ايجابي ربما لم يتصاعد الشر فيه الى هذه الدرجة فالاخرون كانوا هم العالم الذي تأجج به حقده



المصادر

1. دونسيل ، ج،ف،علم النفس الفلسفي ، ترجمة سعيد الحكيم ، بغداد :دار الحرية للطباعة، 1986.

2. شكسبير، وليم ، ريتشارد الثالث/ ترجمة عبد القادر القط . القاهرة :دار المعارف ،1968.

3. سلتز دوان ، نظريات الشخصية ، ترجمة حمد ولي الكربولي و زميله .بغداد :مطبعة جامعة بغداد، 1983.

4. غنيم ، سعيد محمد ، سيكولوجية الشخصية ، القاهرة: دار النهضة العربية ، 1973.

5. ملاهي .باترك ، عقدة اوديب بين الاسطورة و علم النفس . ترجمة جمبل سعيد : مكتبة المعارف، 1962.

6. ديلون ، جانيت ، شكسبير والانسان المستوحد ، ترجمة جبرا ابراهيم جبرا ، بغداد :دار الحرية للطباعة، 1986.

7. جورارد ، سدني م . اولند زمن تيد، الشخصية السليمة دراسة للشخصية من وجه نظر علم النفس الانساني مطبعة التعليم العالي، 1988.

8. كوت ، يان ، شكسبير معاصرنا ، ترجمة جبرا أبراهيم جبرا ، بغداد:دار الرشيد للنشر 1979

.
.

حسن العلي
29-07-2008, 01:40 AM
.
.

علي الكسّار << أحد رواد المسرح المصري >>


بدأ التمثيل في الموالد عام 1907، كون فرقة مسرحية مع الممثل مصطفي أمين ثم مع أمين صدقي 1920، وعرفت مسرحياتهم باسم الأوبرا كوميك، اشتهر بأداء شخصية البواب عثمان عبدالباسط ولقب ببربري مصر الوحيد، ولكن تكرار اداؤه للشخصية حصره فيها وقصر عمره الفني، وقد عمل في اواخر حياته بالمسرح الشعبي للدولة له 35 فيلما.
وُلد علي خليل سالم الكسار في 13/7/1887، بحي البغالة بالقاهرة، وكان والده سروجي ولم يتعلم علي الكسار حرفة والده، كما لم يتعلم القراءة والكتابة وعمل كمساعد طباخ لخاله وهو في التاسعة من عمره مما أتاح له فرصة الاختلاط مع النوبيين من بوابين وسفرجية وسائقين وتعلم لهجتهم وطريقة كلامهم.
عشق الكسار التمثيل منذ صغره، وبدأ التمثيل من خلال مولد السيدة زينب وفي العام 1907، حيث كون فرقة تمثيلية تحت اسم دار التمثيل الزينبي، وانتقل بعد ذلك للعمل في فرقة دار السلام بحي الحسين الي ان ظهر في شخصية عثمان عبدالباسط الخادم البربري في العام 1917 ، واستطاع بهذه الشخصية ان يكون نداً لشخصية كشكش بك والتي كان يقدمها نجيب الريحاني. انتقل الكسار للعمل على مسرح الماجستيك، وكانت تكتب المسرحيات خصيصاً لهذه الشخصية وقد كان عليه أن يلون وجهه كل يوم باللون الأسود.
ظل الكسار أسير شخصية عثمان عبدالباسط في أكثر من 160 مسرحية حتي عام 1935 ولم يقدم غيرها بأسلوبه الفطري في الأداء والارتجال أحياناً.
في عام 1937 قام برحلات إلى فلسطين وسوريا ولبنان لتقديم مسرحياته، وفي عام 1935 قام علي الكسار بأول أدواره في السينما في فيلم بواب العمارة. وفي نهاية حياته عمل بالمسرح الشعبي التابع للدولة.
أهم الأعمال:
أفلام: "بواب العمارة ، 100 ألف جنيه ، غفير الدرك 1936 ، التلغراف 1938 ، عثمان وعلي ، سلفني 3 جنيهَ 1939 ، علي بابا والأربعين حرامي" إخراج توجو مزراحي. ألف ليلة وليلة 1940 ، محطة الأنس ، ممنوع الحب1942 ، رصاصة في القلب 1944 ، لست ملاكاً 1946 ، ورد شاه 1948، أمير الانتقام 1950 ، خليك مع الله ،1954.
توفي في 15/1/1957.

.
.

</b>

حسن العلي
29-07-2008, 01:44 AM
.
.

سعد الدين وهبة

مؤلف مسرحي متميز وسيناريست قدم للمسرح والسينما عشرات النصوص.

من مواليد 4/2/1925 في قرية دميرة مركز طلخا محافظة الدقهلية وتخرج في كلية الشرطة عام 1949، وعمل ضابطاً بالشرطة، ثم تخرج في كلية الآداب قسم فلسفة عام 1956 من جامعة الإسكندرية.
الوظائف والمناصب التي تقلدها:
عمل بالصحافة من عام 1954 حتى عام 1964، وشغل منصب مدير تحرير جريدة الجمهورية من عام 1958 وحتى عام 1964، وعمل كاتباً غير متفرغ بالأهرام منذ عام 1992.
عمل في وزارة الثقافة من عام 1964 وحتى عام 1980، وشغل منصب رئيس مجلس إدارة الشركة العامة للإنتاج السينمائي العربي، ورئيس مجلس إدارة دار الكتب العربي للطباعة والنشر، ورئيس مجلس إدارة هيئة الفنون، ووكيل وزارة الثقافة للعلاقات الخارجية، ووكيل أول وزارة الثقافة الجماهيرية، وسكرتير المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، ووكيل أول وزارة الثقافة، ونائبا للوزير من عام 1975 وحتى عام 1980، ورئيس مجلس إدارة صندوق رعاية الأدباء والفنانين.
اُنتخب نقيباً للسينمائيين عام 1979، ثم رئيساً لاتحاد النقابات الفنية، ثم اُنتخب رئيساً لاتحاد كتاب مصر عام 1997، كما اُنتخب عضواً لمجلس الشعب.
اُختير رئيساً لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي عام 1985، ورئيساً لمهرجان القاهرة لسينما الأطفال 1990، ورئيساً للاتحاد العام للفنانين العرب.
قام بكتابة السيناريو والحوار والتأليف لعدد من الأفلام السينمائية والأعمال التليفزيونية منها:
زقاق المدق ـ أدهم الشرقاوي ـ الحرام ـ مراتي مدير عام ـ الزوجة رقم 13 ـ أرض النفاق ـ أبي فوق الشجرة ـ أريد حلاً ـ آه يا بلد.
كما قدم للمسرح عدة مسرحيات من أهمها:
المحروسة ـ السبنسة ـ كوبري الناموس ـ سكة السلامة ـ يا سلام سلم وغيرها
الأوسمة التي حصل عليها:
حصل على وسام الجمهورية من الطبقة الثالثة عام 1965، ووسام الشرف الفرنسي من درجة ضابط عام 1976، ووسام سيمون بوليفار من حكومة فنزويلا عام 1979، ووسام الاستحقاق من الطبقة الأولى عام 1985، وجائزة الدولة التقديرية عام 1987، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1988، ووسام الفنون والآداب بدرجة قائد من الحكومة الفرنسية، ووسام الاستحقاق من تونس عام 1991.
توفي في الحادي عشر من نوفمبر 1997.
.
.

</b>

حسن العلي
29-07-2008, 01:49 AM
.
.

محمود ديـاب كاتب مصرى من رواد المسرح و الادب العربى في الستينيات

من مواليد مدينة الإسماعيلية (http://ar.wikipedia.org/wiki/&Ugrave;…&Oslash;¯&Ugrave;Š&Ugrave;†&Oslash;©_&Oslash;§&Ugrave;„&Oslash;¥&Oslash;³&Ugrave;…&Oslash;§&Oslash;¹&Ugrave;Š&Ugrave;„&Ugrave;Š&Oslash;©) - مصر (http://ar.wikipedia.org/wiki/&Ugrave;…&Oslash;µ&Oslash;±)، في اغسطس 1932 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1932).
حصل على شهادة البكالوريا من الإسماعيلية ثم انتقل إلى القاهرة (http://ar.wikipedia.org/wiki/&Oslash;§&Ugrave;„&Ugrave;‚&Oslash;§&Ugrave;‡&Oslash;±&Oslash;©) و التحق بكلية الحقوق جامعة القاهرة (http://ar.wikipedia.org/wiki/&Oslash;¬&Oslash;§&Ugrave;…&Oslash;¹&Oslash;©_&Oslash;§&Ugrave;„&Ugrave;‚&Oslash;§&Ugrave;‡&Oslash;±&Oslash;©) عام 1951 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1951) وحصل على الليسانس في القانون عام 1955 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1955).
عين نائبا بهيئة قضايا الدولة ثم تدرج في الوظائف القضائية بالهيئة حتى وصل إلى درجة المستشار بالهيئة.
أهتم بالأدب و الفكر و قضايا وطنه منذ الصغر و قدم أول اعماله قصة (المعجزة) عام 1960 و حصلت على جائزة مؤسسة المسرح و الموسيقي. تابعها بمجموعة من القصص القصيرة (خطاب من قبلى) حصل بها على جائزة نادى القصة (http://ar.wikipedia.org/wiki/&Ugrave;†&Oslash;§&Oslash;¯&Ugrave;‰_&Oslash;§&Ugrave;„&Ugrave;‚&Oslash;µ&Oslash;©) عام 1961. حمل محمود دياب على عاتقه هموم المواطن العربى البسيط في كتاباته، و في نفس الوقت كانت اعمالة تتضمن تصورات شاملة عن حال العالم العربى و توقعات من الواقع الحاصل في ذلك الوقت. متأثرا بالأدب الروسى ، و مهتما بالقصص التاريخية و كيفية اسقاطها على الواقع العربى، قدّم بذلك محمود دياب مجموعة من الكتابات التى تحمل افكارا قومية خالصة و التى لا يمكن تجاهلها على مر العصور.
و كانت بدايته مع المسرح عندما قدم مسرحية البيت القديم عام 1963 و التى حازت على جائزة المجمع اللغوي المصري (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D9%85%D8%AC%D9%85%D8%B9_%D9%84%D8 %BA%D9%88%D9%8A_%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A&action=edit&redlink=1) و قدمت في القاهرة و الاقاليم و السودان (http://ar.wikipedia.org/wiki/&Oslash;³&Ugrave;ˆ&Oslash;¯&Oslash;§&Ugrave;†) و العراق (http://ar.wikipedia.org/wiki/&Oslash;¹&Oslash;±&Oslash;§&Ugrave;‚) و سوريا (http://ar.wikipedia.org/wiki/&Oslash;³&Ugrave;ˆ&Oslash;±&Ugrave;Š&Oslash;§).
وتتابعت اعمالة المسرحية بمسرحية (الزوبعة) عام 1966 و حاز عليها بجائزة منظمة اليونيسكو لأحسن كاتب مسرحى عربى. و ترجمت إلى الإنجليزية و الفرنسية و الألمانية. و مسرحية (الغريب) ذات الفصل الواحد و قدمها المسرح القومى المصرى و مسرحتا (الضيوف و البيانو) التى قدمتا في مصر و سوريا و بعض الدول العربية.
و مسرحية (ليالى الحصاد) عام 1968 و مسرحية (الهلافيت) عام 1970 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1970) و مسرحية (باب الفتوح) و مسرحية (رسول من قرية تميره) و مسرحية (اهل الكهف (http://ar.wikipedia.org/wiki/&Oslash;§&Ugrave;‡&Ugrave;„_&Oslash;§&Ugrave;„&Ugrave;ƒ&Ugrave;‡&Ugrave;) 74) و مسرحية (الرجل الطيب في ثلاث حكايات) – و هم "رجال لهم رؤوس" ، "الغرباء لا يشربون القهوة" ، " اضبطوا الساعات" – و قد قدمت (الغرباء لا يشربون القهوة) بعد ان ترجمت إلى الإنجليزية على المسرح في لندن.و قدم مسرحية (دنيا البيانولا) الغنائية على مسرح البالون و مسرحية (ارض لا تنبت الزهور) و اوبريت (موال من مصر).
تعددت اعماله الادبية حيث قدم في بداية اعماله قصة (الظلال في الجانب الآخر) التى انتجت فيلما سينمائيا و حازت على جائزة فيلم في دول العالم النامى.و رواية (طفل في الحى العربى) عام 1972 حيث ترجمت إلى الفرنسية و اعدت مسلسلا إذاعيا في مصر.

<LI class=toclevel-1>1 من اعماله (http://ar.wikipedia.org/wiki/&Ugrave;…&Oslash;­&Ugrave;…&Ugrave;ˆ&Oslash;¯_&Oslash;¯&Ugrave;Š&Oslash;§&Oslash;¨#.D9.85.D9.86_.D8.A7.D8.B9.D9.8 5.D8.A7.D9.84.D9.87)<LI class=toclevel-1>2 أعماله السينمائية (http://ar.wikipedia.org/wiki/&Ugrave;…&Oslash;­&Ugrave;…&Ugrave;ˆ&Oslash;¯_&Oslash;¯&Ugrave;Š&Oslash;§&Oslash;¨#.D8.A3.D8.B9.D9.85.D8.A7.D9.84 .D9.87_.D8.A7.D9.84.D8.B3.D9.8A.D9.86.D9.85.D8.A7. D8.A6.D9.8A.D8.A9)<LI class=toclevel-1>3 تكريمه (http://ar.wikipedia.org/wiki/&Ugrave;…&Oslash;­&Ugrave;…&Ugrave;ˆ&Oslash;¯_&Oslash;¯&Ugrave;Š&Oslash;§&Oslash;¨#.D8.AA.D9.83.D8.B1.D9.8A.D9.85 .D9.87)
4 وفاته (http://ar.wikipedia.org/wiki/&Ugrave;…&Oslash;­&Ugrave;…&Ugrave;ˆ&Oslash;¯_&Oslash;¯&Ugrave;Š&Oslash;§&Oslash;¨#.D9.88.D9.81.D8.A7.D8.AA.D9.87 )//

من اعماله

بيت اولادى
الزائدون عن الحاجة
الصيد الاخير
شارع الصمت
عشرة ايام
الحب لا يحترق
قضية عم مسعود
رجل على الحصان
رأس محموم في طائرة سوبرسونك و غيرها من القصص القصيرة اعدت بعضها تمثيليات سهرة –التلفزيون المصرى- مثل (رحلة عم مسعود)، (رأس محموم في طائرة سوبرسونك)، (الرجال لهم رؤوس)، (الزائدون عن الحاجه)، (الغرباء لا يشربون القهوة)، (اضبطوا الساعات) و(السلفة).
قام بكتابة السيناريو و الحوار لأعماله المسرحية (ليالى الحصاد) و (الزوبعة) و (انتقام الملكة الزباء) كمسلسل تليفزيونى في مصر و سوريا. كما قدم (دموع الملائكة) و (إلا الدمعة الحزينة) حيث اخرجها للتليفزيون المخرج حسام الدين مصطفى (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D8%AD%D8%B3%D8%A7%D9%85_%D8%A7%D9 %84%D8%AF%D9%8A%D9%86_%D9%85%D8%B5%D8%B7%D9%81%D9% 89&action=edit&redlink=1).

أعماله السينمائية

سونيا و المجنون – عن قصة الجريمة و العقاب – إخراج حسام الدين المصطفى و حازت على جائزة احسن حوار في مصر عام 1977 و من موسكو (http://ar.wikipedia.org/wiki/&Ugrave;…&Ugrave;ˆ&Oslash;³&Ugrave;ƒ&Ugrave;ˆ) على جائزة احسن فيلم نفذ عن قصة الجريمة و العقاب منافسة مع الفيلم الامريكى و البريطانى لذات القصة.
الأخوة الاعداء (و قد تنازل عن وضع اسمه في مقدمة الفيلم بعد خلافات مع المخرج) و حصلت على جائزة احسن فيلم في مصر.
الشياطين
ابليس في المدينة
تكريمه

كرّم في اليوبيل الفضى للتليفزيون عام 1985 وحصل على وسام اليوبيل.
حصل على وسام القضاء بصفته مستشارا بهيئة قضايا الدولة و شهادة تقدير من الرئيس محمد أنور السادات (http://ar.wikipedia.org/wiki/&Oslash;§&Ugrave;†&Ugrave;ˆ&Oslash;±_&Oslash;§&Ugrave;„&Oslash;³&Oslash;§&Oslash;¯&Oslash;§&Oslash;&ordf;).
رشحته مصر مندوبا عنها لمؤتمر المسرح العربى الذى عقد في بغداد (http://ar.wikipedia.org/wiki/&Oslash;¨&Oslash;&ordm;&Oslash;¯&Oslash;§&Oslash;¯) لتحتفظ مصر بمركز المسرح العربي (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D9%85%D8%B1%D9%83%D8%B2_%D8%A7%D9 %84%D9%85%D8%B3%D8%B1%D8%AD_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8% B1%D8%A8%D9%8A&action=edit&redlink=1) و مقره الدائم بالقاهرة.
حاز على جائزة أحسن كاتب عربى من بغداد.
وفاته

توفى في أكتوبر 1983 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1983) عن عمرا يناهز الخمسين عاما.

.
.

حسن العلي
29-07-2008, 01:51 AM
.
.


<< عن الكاتب المصري سامي خشبة وقد رحل >>
ماجد السامرائي الحياة - 14/07/08//

يوم يكتب مؤرخ أدبي لجيل الستينات في مصر سيحتل اسم سامي خشبة (1939-2008) موقعه المتميز بين أبناء هذا الجيل الذي عرف بغنى عطائه الأدبي والفكري. وسيذكر هذا المؤرخ في تاريخه تعدد مجالات الاهتمام والعطاء الأدبي والفكري في حياة هذا الرجل الذي رحل قبل أن يكمل السبعين. فهو من النقاد الذين تابعوا الحياة الثقافية في مجالات عطائها الأدبي والفني، كتب في الأدب كما كتب في المسرح، متابعاً فيهما الفكر والحركة والتطور... وكان أبرز كتابين له فيهما: «شخصيات من أدب المقاومة» و «المسرح في مفترق الطرق».

ثم توجه من هذين المجالين نحو ما يمكن ان يُعد تأصيلاً فكرياً للاتجاهات والأسماء البارزة فيهما وفي سواهما من وجوه العطاء الأدبي والفكري، وقد تمثل ذلك بكتابيه الموسوعيين: «مفكرون من عصرنا» و «مصطلحات فكرية».

واقترن هذا الإبداع عنده في مجالات الفكر والدراسة والنقد بالترجمة التي ينظر إليها بصفتها عملية إبداع أدبي وفكري آخر، فضلاً عن كونها رافد إبداع وحلقة تواصل بين الثقافات الإنسانية. وعلى هذا النحو من النظر والاهتمام كانت اختياراته لما يترجم... وأتى «معنى الفن» لهربرت ريد (وهي ترجمته الأولى على ما أظن) متزامناً في النظرة والتأثير الفني مع نهضة الفن التشكيلي العربي وحركة نقده، وتطورات هذا الفن وتعدد مجالات الرؤية الفنية لدى الفنان والناقد الفني في تلك المرحلة التي ظهر فيها الكتاب وحظي باهتمام الطرفين: الفنان والناقد.

ثم كان اهتمامه بالرواية دراسة لمكوّناتها الموضوعية وتوجهاتها الفنية متزامناً مع ترجمته عدداً من أهم الأعمال الروائية العالمية، ومن بينها أعمال لكولن ولسن جمعت بين الفكر المحرك لعالم الرواية والرواية فناً خالصاً... فضلاً عن روائيين آخرين من بينهم ألدوس هكسلي. واهتم في الحقبة الأخيرة من حياته بالتراث، وأخذ على بعض «التراثويين» تجاهلهم المفهوم الأوسع للثقافة وهم ينظرون في هذا التراث: قراءة، ودراسة، ونقداً... كاشفاً ما شاب علاقات بعض المجددين لهذا التراث، من ضعف.

وأكد في كثير مما كتب أهمية استعادة العرب دورهم الثقافي في الحياة المعاصرة، ونهوضهم بهذا الدور وسط ما سمّاه: «أخطار العولمة»، مشدداً على الهوية الثقافية العربية وقد وجد أن أكثر ما يهددها هو «الضياع الثقافي»، وعدم تجديد الخطاب الثقافي العربي واقعاً وجوهراً.

وإذا كان المؤرخ الأدبي سيعمد الى تبيّن معالم شخصية سامي خشبة الأدبية والفكرية على نحو اكثر حصراً فسينسبه الى جيل الواقعية في الأدب والنقد، تلك الواقعية التي انطبعت ثقافتنا، في خلال حقبتي الخمسينات والستينات، بطابعها التقدمي الاشتراكي. فقد بدأ سامي خشبة مساره الأدبي والفكري قومياً عربي النزوع والتوجه، ثم ما لبث ان تحوّل، في آخر الخمسينات، الى اليسار الماركسي الذي عرّضه للاعتقال والسجن أعواماً أمضاها... لا في اعادة النظر في ما سلك من طريق، ولكن في أن يجعل منها طريقاً ثقافية، بعيداً من «صراعات السياسة» التي أفسدت، كما تفسد اليوم، العصر وثقافته.
.
.

حسن العلي
29-07-2008, 01:54 AM
.
.

<< مكسيم غوركي في الذاكرة المسرحية >>
تجديد في المسرح الروسي بموازاة الخط الدرامي لتشيخوف -

يعد مكسيم غوركي مؤسس ما سمي في يوم ما بالواقعية الاشتراكية. حيث ظهرت نتاجاته ما يمكن اعتباره بفترة التقاطع بين القرنين التاسع عشر والعشرين. وهو ولد لأب كان يمتهن النجارة، وقد عكس غوركي في أعماله المسرحية، مراحل ماقبل الثورة الروسية وسنوات الثورة وما تبعها.
كسب غوركي شهرته الأدبية بعد قصصه ورواياته الأولي بفضل مسرحياته مثل (في الأعماق) و(البرجوازيون الصغار). ويعتبر الخط المسرحي لغوركي موازيا للخط الدرامي الذي اتبعه تشيخوف. ويعتبر ظهور شخوص شعبية بسمات ايجابية لأول مرة في المسرح الروسي، أول بوادر تجديد غوركي في المسرح.
عرضت مسرحيات غوركي الأولي في مسرح ستانسلافسكي، الذي كان تعرض عليه مسرحيات تشيخوف. وواكبت كتابتة تلك المسرحيات مرحلة مهمة من تاريخ الثورة الروسية، التي انتقد فيها البرجوازية وثقافتها. لذلك قوبلت مسرحياته بالترحاب من قبل المثقفين الروس.
في (البرجوازيين الصغار) انتقد غوركي البرجوازية والليبرالية والفردية والطفولية، من خلال شخصية المناضل (نيل) الذي يسعي إلي التغيير الكثير من المفاهيم والمعتقدات السائدة في المجتمع.
امتازت أولي مسرحياته في 1904 ــ 1905 بأنها تدور في الوسط الثقافي، وهي أعمال تتناول علاقة الشعب بالثوار والثورة بشكل عام. كما عبر في مسرحية (المصيفون) العلاقة بين الليبراليين المنحرفين والمثقفين الديمقراطيين الحقيقيين. ولا يختلف موضوع مسرحية (أطفال الشمس) عن مسرحيات غوركي الأخري، حيث أنها تتناول عدم جدوي قيام باحث بكتابة بحث سياسي، وفي (البرابرة) يطرح بربرية البرجوازية في مجتمع متخلف كالمجتمع الروسي.
أما مسرحية (الأعداء) التي كتبها عام 1905 فهي مسرحية الثورة الروسية، وهي أول مسرحية لمسرح الشغيلة، حيث تم في إخراجها إبراز طابع الصراع الطبقي. كما أن مسرحية (الآخرون) في 1908 تناولت النهاية المحتومة لروسيا القيصرية.. وبحكم إعجاب غوركي بمسرحيات تشيخوف التقليدية، نراه يبدي في مسرحياته نفس الاهتمام بالتفاصيل النفسية والشخصية لأبطال مسرحياته.
شكل 1930 مرحلة جديدة في مسرحيات غوركي. مسرحيتا (ييغور بوليجوف والآخرون) و(دوستغاي والآخرون) التي خطط كتابتها كثلاثية عكست نماذج متعددة من مرحلة ما قبل الثورة.
يختلف مسرح غوركي عن مسرح تشيخوف، في أن الأول يعتمد علي الإثبات أكثر من اكتفائه بالطرح والعرض كما هو الأمر بالنسبة للثاني. أبطال مسرحيات تشيخوف يمثلون الإقطاعيين والبرجوازيين والمثقفين في المجتمع البرجوازي المنخور ، والتيمة الرئيسية لهذه المسرحيات، هي تعرض عواطف وإيديولوجيات هذه الشخصيات إلي الهزيمة. وليس ثمة صراع بين أفكار أبطالها. فلا يمكن تصنيف أبطال مسرحيات تشيخوف إلي ايجابيين وسلبيين. والمسرحية الوحيدة التي وضع فيها تشيخوف خطوطا بارزة وواضحة بين البطلين كانت في مسرحية (بستان الكرز) التي تتعارض فيها بين الطبقتين البرجوازية والارستقراطية.
باختصار يسود مسرح تشيخوف جو من المشاعر والعواطف. أما غوركي فانه يطرح في مسرحياته الصراع الطبقي من خلال شخصيات سلبية وايجابية وبأسلوب الجدال الكلامي بينها. مع عكس تأثيرات أستاذه تشيخوف في عرض تفاصيل حياة شخوص المسرحية. حيث يلج تشيخوف إلي عوالم شخوص مسرحياته النفسية في جو حميم من العواطف والأحاسيس، بينما يسيطر علي مسرحيات غوركي جو من الجدال الكلامي الساخن، وهو ما يميز مسرحياته إلا انه في رسمه لشخوص برجوازية لا يستطيع التحرر من تأثير أستاذه تشيخوف، حيث يستفيد منه في إضفاء نوع من السخرية الخفيفة أو الحادة عليها، وهي عموما الصفة المميزة للأدب الروسي.
.
.

حسن العلي
29-07-2008, 04:00 AM
.
.

الرائد المسرحي جاسم العبودي.. قابلية على الإبداع المتجدد
سعد السعدون 05 فبراير 2008

ونحن نقلب صفحات من تاريخ مسرحنا العراقي الحافل بالعديد من الأسماء التي عبدت الطريق للأجيال المتواترة التي إشتغلت بفضاء الفن المسرحي الرحب لابد لنا وأن نقف عند تجربة أحد رواد الفن المسرحي في العراق ألا وهو الفنان والأكاديمي المسرحي المرحوم جاسم العبودي الذي إكتسب موقعا ً مهما ً في خريطة المسرح العراقي وذلك بسبب عشقه وإهتمامه فضلا ً عن دراسته للمسرح حيث تلقى علومه في مجال المسرح في الولايات المتحدة الأمريكية التي عاد إليها فيما بعد لتقي العلاج بعدما تدهور وضعه الصحي في العراق وقد وافته المنية هنا في أمريكا ليلحق بركب العديد من المبدعين العراقيين الذين دفنوا في المنفى ، مما لاشك فيه أن فناننا العبودي إزداد علما ومعرفة أكاديمية بفنون المسرح بعد أن إطلع على التجارب المسرحية والورش والمختبرات إبان فترة دراسته في أمريكا ، وحينما عاد إلى العراق حاول أن يترجم الكثير مما شاهده من ملامح حداثوية فيما يتعلق بعمل الممثل وأدوات تجسيد الرؤية الفنية الإخراجية ، وقد كان الفنان المرحوم العبودي من العناصر الرائدة التي إنضمت لفرقة المسرح الفني الحديث إلى جانب الكثير من رواد هذا الفن في العراق منهم زميله المرحوم إبراهيم جلال ، ويوسف العاني ، وخليل شوقي وآخرين ، وقد لمس مجايلوه من الفنانين القيمة الفنية التي حملها العبودي من حيث أنه جاءهم بفحوى النظرية الفنية فضلا ً عن أسس تطبيقها ، بمعنى أنه إمتلك ناصية العلم الذي بإمكانه تشذيب وتهذيب وإسباغ العناصر المنطقية على جوهر التجربة الفنية وبهذا يكون قد إمسك بعصا العلم والفن معا ً ، في إيجاد إنتاج فني يساهم في إرساء تقاليد مسرح تجريبي خاضع لشروط فنية ومهنية وفكرية ، وضمن سياق معرفي بعيدا ً عن النمط السائد الذي يرتكز على عنصر الهواية والمحاكاة السائد آنذاك ، ولم يقتصر دور العبودي على مسار عمل الفرقة المسرحية المذكورة بل أن دوره تعدى ذلك من حيث كونه أستاذا ً متمكنا ً في قسم الفنون المسرحية بمعهد الفنون الجميلة إستطاع بخبرته العملية وثقافته العالية أن يرسخ تقاليد البحث والتجريب ، ومن خلال حركته الدائبة بين المعهد والفرقة تمكن من تقديم بعض الأعمال المسرحية التي تمظهرت خلالها أولى بوادر التعامل الحديث مع النص كما أنها عكست نوعا ً من التعاون الفني بينه وبين زملائه في الفرقة ، فقد قدم عمله الأول الذي العنوان { تؤمر بيك } من تأليف الفنان القدير يوسف العاني الذي إشترك مع الفنان شهاب القصاب في تأليف النص المسرحي الثاني الذي قدمه الفنان المرحوم العبودي وكان بعنوان { ماكو شغل } وقد أحدثت هذه العروض حينذاك نقلة نوعية على صعيد التمثيل والإخراج والنص الذي لامس شيئا ً مما كان يسود الواقع المعاش في العراق ، وقد كشفت هذه الأعمال النقاب عن القدرة الإخراجية لفناننا العبودي الذي أثبت أن لديه القابلية على على الإبداع المتجدد والمتمثل في كم الطروحات والأشكال المقترحة للتعبير عن حالة معينة ، وبعد أن تبلورت لديه التجربة المسرحية في بواكير مسيرته الفنية تحرك بإتجاه تأسيس فرقة مسرحية دعا إليها بعض عناصر فرقة المسرح الفني الحديث ، فجاءت فرقته{ بإسم فرقة المسرح الحر } ومع ولادة هذا الرديف الفني بدأت مرحلة فنية جديدة تعاطى من خلالها مع مختلف النصوص وأبدى إهتماما ً في عناصر العرض المختلفة ولاسيما { النص } الذي كان يوليه أهمية قصوى وقداسة معينة فحاول من خلال أسلوبه الإخراجي أن يكون مفسرا ً لمفردات النص أكثر من كونه يجترح نصا ً جديدا ً للعرض وربما يكون ذلك مرتبطا ً بظروف موضوعية معينة كان يراها هو كمخرج دون غيره ، كما أنه ينتمي إلى مدرسة { ستانسلافسكي } للتمثيل المعروفة بولائها للواقعية التي تعتمد على دراسة النص وتحليله وإبراز وجهة النظر الواقعية في التجسيد وعلى الرغم من تقديمه العديد من الأعمال الواقعية إلا أنه لم يقدمها بطريقة تقليدية خالية من آليات التجريب الذي كان يتمظهر في طريقة بناء مكونات العرض وتصوراته الفنية التي تعد من العناصر التي يعمل من خلالها على تعميق القيم الجمالية للعرض ، ويعد فناننا العبودي إلى جانب الفنان المرحوم إبراهيم جلال من أوائل المخرجين الذين حاولوا إيقاظ المعاني المستترة ضمن متون العديد من النصوص العالمية المهمة وقد إعتنى كلاهما بعمل الممثل من حيث دوره في تفعيل الخطاب المسرحي ، وقد كان للعبودي أثر في تطوير وتحديث وتصحيح مسار عمل الممثل وإخراجه من صورته النمطية ليطلق العنان له في عملية التحليق نحو عوالم جديدة في التعبير ، كما أنه حاول إيجاد آليات إشتغال جديدة لعناصر العرض الأخرى كالإضاءة الديكور والإكسسوار وغيره من مكونات العرض الأخرى ، لقد ظل فناننا جاسم العبودي مخلصا ً للمسرح حتى إصابته بالمرض الذي أبعده عن خشبات المسارح العراقية وعلى الرغم من إبتعاده عن وسطه المسرحي العراقي بدافع العلاج الذي تلقاه في مستشفيات أمريكا إلا أن رفاق دربه من المسرحيين العرقيين ظلوا في تلازم روحي وفني معه حتى وافاه الأجل واليوم بعد هذه السنوات على وفاته ينبغي على أي من المهتمين والدارسين والمعنيين بشؤون الفن المسرحي عدم الإغفال عن دور الفنان الرائد جاسم العبودي في مسيرة المسرح العراقي بوصفه أحد أولئك الكبار الذين وضعوا أحدى لبنات هذا المسرح العريق والراقي بتجاربه الرائدة وخطابه الكوني .

سعد السعدون - ديترويت

.
.

حسن العلي
29-07-2008, 04:04 AM
.
.

إدوارد إلبي يسرج حصان العبث من أجل
مسرح قائم على الجدل


بقلم: مريم جمعة فرج


قبل ايام اعلن مسرح «ناشيونال ثيتر» البريطاني عن استعداده لعرض مسرحيتين للكاتب الامريكي ادوارد ألبي ابتداء من 8 مايو المقبل.
ومسرحيتا السعي وراء الشمس ولعبة الحب هما من الاعمال المهمة لمؤلف مسرحية من يخاف فرجينيا ولف؟ الشهيرة.
برز ادوارد البي على خارطة المشهد الثقافي والمسرحي الامريكي على نحو قوي في الخمسينيات من خلال تقدمه لعدد من الاعمال المسرحية المتميزة التي تمتلئ بتفاصيل الصراع العنيف والمعاناة وخيبة الامل التي تميزت بها تلك المرحلة التي شهدت انتقالاً مفاجئاً في حياة المجتمع الامريكي من حالة الهدوء التي شهدتها خلال الفترة التي تولى فيها ايزنهور الرئاسة الى مرحلة الستينيات المضطربة. وفي البداية جرت اعماله المسرحية شديدة الكثافة التي يهتم فيها بمعالجة موضوعات الحداثة جماهير القراء والنقاد في آن واحد وكان واضحاً فيها تأثيره القوي على خارطة الدراما الامريكية مما استحق معه بالاجماع الاقرار بأنه الكاتب المسرحي الذي تمكن مقارنته بـ «ارثر ميلر» وتينس وليامز» و«ايوجين اونيل».
ان اهم اعمال البي الى الان هي مسرحية «من يخاف فرجينيا ولف»؟ التي عرضت للمرة الأولى في نيويورك في سنة 1962 الفائزة بجائزة بولتزر والتي تم تحويلها الى فيلم سينمائي سنة 1966 ولعب دور البطولة فيه «ريتشارد بيرتون» واليزابيث تيلور.
وتدور احداثه حول العلاقة غير العادية بين زوجين يعامل احدهما الاخر بقسوة وضراوة ليستمرا معاً وزوجين اخرين تبدو علاقتهما عادية في الوقت الذي يعيشان حياة تعسة يتستران عليها امام الاخرين. وبهذا العمل المسرحي الذي يمثل نجاحاً حقيقياً رائعاً وعمل اخر كان قد سبقه هو قصة حديقة الحيوان «في سنة 1960 اعلن البي عن نفسه كأحد اهم كتاب الدراما الامريكيين.
لم يعش البي طفولة سعيدة مع والديه بالتبني المليونيرين ريد وفرانسيس البي الذين لم يظهرا اي اهتمام بعواطفه او موهبته وهو ما اضطره الى الخروج على كل ما يمت بصلة الى القيم العائلية والاجتماعية التقليدية السائدة في المجتمع الامريكي خلال مرحلة الخمسينيات وظهر اثر ذلك واضحاً في رؤيته المتشائمة للعلاقات الانسانية وفي تقنياته الابداعية المختلفة ولهجته الساخرة كما تجسدها اعماله المسرحية التي يستلهم فيها تجارب مسرح العبث والمسرح التجريبي.
ورفض البي لهذين الشخصين في الاساس ولقيمهما جعله يسقط ذلك على كل شيء حتى السياسة وتعاطيه مع الحياة السياسية في امريكا الى اليوم. فكل اعماله المسرحية تشكل منظومة واحدة يمكن القول بأنها تعرف بالتفرد وعدم المهادنة وقوة الجدل والايجاز والاستفزازية.
وهو ما يصفه من جانبه بالقول بأنه بحث في المشهد الامريكي او الهجوم الشرس على تلك المبادئ التي تحل الزيف محل القيم الانسانية الحقيقية او ادانة كل اصناف الرضا عن الذات والوحشية والبلاهة والرغبة في استعباد الاخرين ولا غرابة في ان تكون سنوات عمله في المسرح بمثابة المعاناة من الفشل اكثر منها من النجاح على مستوى تسويق اعماله المسرحية تجارياً.
من اعمال البي الاخيرة كتاب من الفكرة الى الموضوع وهو كتاب يشترك في تأليفه مع «هاري راند» من اندرسون جالاري ويسلط الضوء على اعمال تسعة من اشهر النحاتين فهم جون بيتشي وديفيد فولتون وديفيد مكدونالد ويشتمل على مجموعة من الصور لأعمالهم الفنية ومقدمة بقلم البي وحوار بين بينه وبين المؤرخ الفني هاري راند من معهد سمثسونيان للفنون وآراء راند ومناقشاته مع البي حول تلك الاعمال.
وكان البي قد اعتمد في هذا العمل على اسلوب البحث او الزيارات الميدانية للمعارض واستوديوهات الفنانين وبوصفه واحداً من جامعي القطع الفنية على مدى اكثر من اربعين عاماً فقد مكنه ذلك من امتلاك رؤية جمالية شخصية.
اما مسرحية ثلاث نساء فارعات الفائزة بجائزة بولتيرز لسنة 1994 لافضل الاعمال المسرحية بالاضافة الى حصولها على العديد من الجوائز الاخرى فقد اطلق عليها النقاد وصف الانجاز الاكثر دقة وبراعة لادوارد البي وفي هذا العمل على وجه التحديد الذي يعود فيه البي الى خشبات المسرح في نيويورك ولندن تبرز رؤيته للعالم القوية الى جانب رؤيته الاخلاقية على نحو مثير مذهل وعلى نحو لا يكاد يدرك.
يعترف البي انه كتب في ثلاث نساء فارعات عن امه بالتبني وعن استبدادها الذي لم يطقه في يوم من الايام وعلى الرغم من تجسيده صورة قبيحة لها الا انه يعترف في الوقت ذاته بأنها كانت بمثابة التعزية بموتها. وبوجه عام فإن هذا العمل الى جانب اعمال اخرى منها «حديقة الحيوان» يحملان القارئ على التوقف للتفكير في نفسه وفي العالم من حوله ففي هذه المسرحيات يتفوق البي في تصوير مشاعره الحقيقية على نحو استثنائي بالاضافة الى شرح وجهة نظره في الشخصيات التي يقدمها على الخشبة وكلها تبدو من الشخصيات الواقعية حتى تلك التي تنتمي الى العالم على نحو جزئي خيالي.
ويدور موضوع مسرحية «ثلاث نساء فارعات» حول مايمكن ان يلخص في تجربة طويلة لأمرأة يسلط البي فيها الضوء على ثلاث مراحل من حياتها فيبدو وكأنه يتحدث عن ثلاث نساء وفي كل مرحلة يتحدث المؤلف بواقعية يصور من خلالها الاسلوب الذي نتعامل فيه مع مشكلاتنا ومع أنفسنا باستخدام تلك التجربة.
يطلا مسرحية «من يخاف فرجينيا ولف»؟ هما زوجان يمضيان اخر الليل في سهرة مع زوجين اخرين وهما في الوقت ذاته يعبران تماماً عن وجهة نظر البي في امريكا الحديثة واختيار هذا النوع من الدراما الذي يعبر عن فساد الاخلاق كمبدأ. وكانت المسرحية المكونة من ثلاثة فصول قد عرضت لأول مرة في سنة 1972 اما احداثها فتقع في غرفة المعيشة في منزل يقيم فيه زوجان في منتصف العمر هما جورج ومارتا اللذان لا يكفان عن حالة الصراع والعراك وتبادل السباب والشتائم وكل ذلك يحدث على مرأى من صديقيهما الزوجين نيك وهوني اللذين يشاطرانهما السهر في كل ليلة تنشب فيها المعارك بينهما.
ومع انك لا ترى الا هذا الصراع الشرس العنيف بين جورج ومارتا الا ان البي يهدف في الحقيقة الى تحليل ومناقشة موضوع العلاقات الزوجية بوجه عام لا بين هذين الزوجين فقط بل وبين الازواج الاخرين الذين يتعايشون بسلام ظاهرياً.
فالزوجان نيك وهوني اللذان يعيشان حياة زوجية هادئة يكشف النقاب عن انهما يعيشان في حقيقة الامر حياة تملؤها المشاكل.
كما ان البي يستخدم من جانبه حواراً يسحق القلب من شدة الحزن من اجل ايصال صورة صادقة لواقع الحياة الزوجية والحب والصداقة والحميمية. وبينما يتشاجر جورج ومارتا طوال الليل فإن هذا ما تقوله مارتا عن زوجها ان جورج يتواجد الان فيما مكان ما في هذه الساعة من الليل، جورج الذي يعاملني بلطف واشتمه ويفهمني واعرض عنه والذي يضحكني فألجم ضحكتي في حلقي والذي يضمني في الليل حتى اشعر بالدفء فاعضه حتى يدمى جسده والذي يستمر في تعلم لعبتي على نحو سريع والذي يشعرني بالسعادة في الوقت الذي لا ارغب فيه ان اكون كذلك، لكن بلى اتمنى ان اصبح سعيدة جورج ومارتا تعيسان، تعيسان، تعيسان.
في كتابهما كلف نوتس يفرد المؤلفان سنثيا مكجوان وجيمس روبرتس 12 صفحة للحديث عن ادوارد البي تحت عنوان «ادوارد البي ومسرح العبث» حيث يعقدان مقارنة بينه وبين صامويل بكيت، وايوجين اونسكو، وجان جنيه و«آرثر آدموف» وهي من المقارنات الهامة بالنسبة لكل من يقوم بدراسة اوتدريس مسرح العبث. وبوجه عام فإن اراء العديد من النقاد تجمع على ذلك التشابه القوي بين البي في من يخاف فرجينيا دلف وارثر هيلر في موت بائع متجول وتنس وليامز في عربة اسمها اللذة، واونيل اوجين، في رحلة يوم طويل في الليل.
ومما قاله البي ذات يوم انه لا توجد دائماً علاقة وثيقة بين الشهرة وبين التميز وما عليك الا التظاهر بأنك تقوم بعمل جيد وان تستمر في ذلك. ومن الواضح ان مثابرته على التقيد بهذا المثل كانت قد تمخضت عن عدد من الاعمال الريادية في تاريخ الحركة المسرحية في امريكا.
في موضوعه في مسرحية السعي وراء الشمس لا يختلف البي هذه المرة عما كان عليه في مسرحية ثلاث نساء فارعات، وتدور احداثها حول زواج امرأتين شابتين من شابين غنيين يقعان معهما في علاقة غرامية ثم ما يلبثان بعد زواجهما ان يخضعا لضغوط الحياة والمجتمع ليعيشا حياة تقليدية تافهة تفتقر الى الحب. وعلى الرغم من كآبة الموقف الا انه يبدو باعثاً على التفاؤل كلما استعاد كل من الزوجين وعيهما وعلى لسان بطله فيرجس يقول البي «لا يوجد ما هو أسوأ من ان يصل المرء إلى اواخر عمره فيتبين له انه لم يعش حياته كما يجب».
في حين تنتهي مسرحية «لعبة الزواج» إلى نهاية تقول كما يتصورها البي ان بطليها يصلان إلى مرحلة يكتشفان فيها ان العلاقة الأخيرة في حياة الانسان تكون مع الموت. فرغم انه لم يكن زواجاً سيئاً على الاطلاق الا ان نهايته ستكون هي الموت.
ولد ادوارد البي في واشنطن العاصمة وعاش في أسرة ارستقراطية وتلقى تعليمه في المدارس الخاصة.
وبخلاف ما كان يتوقعه له والده بالتبني أظهر البي تمرداً شديداً على التقاليد الاجتماعية السائدة وتوجه إلى دراسة الفنون والأدب وتغلغل في الوسط الثقافي على نحو مصيري.
غادر ألبي منزل والديه إلى نيويورك وهو شاب في العشرين من العمر وخلال تلك الفترة اضطر إلى العمل في بعض المهن المتواضعة حتى سنة 1959 عندما عرضت في أوروبا مسرحيته الشهيرة «قصة حديقة الحيوان» التي بدأ عرضها في برلين ثم نيويورك والتي اتبعها بعرض مسرحيته التالية من يخاف فرجيينا ولف؟ تمثل الأعمال المسرحية لألبي حرصه على تجريب العديد من المدارس المسرحية من الوجودية إلى البعثية إلى الكلاسيكية إلى الاخلاقية والواقعية.
من أهم أعمال البي الاخرى «موت بيسيه سميث» 1959 و«علبة الرمل» 1959 و«موازنة دقيقة»، «مشهد بحري» 1975 حازت على جائزة البوليتزر و«سيدة من دابولو» 1979

.
.

حسن العلي
29-07-2008, 04:07 AM
.
.

إدوارد ألبي : العوة الى حديقة الحيوان .. وكتب أخرى

مسرحية إدوارد ألبي"العنزة أو من هي سيلفيا؟" التي نالت جائزة توني عندما عرضت في برودواي قبل موسمين وأثارت نقداً مختلطاً كالعادة مع أعمال المسرحي الأميركي. " وعرضت على مسرح ألميدا, لندن, :عززت عودة الكاتب الناجحة بعد بضعة أعمال أعجبته هو لا النقاد. في "العنزة" يغرم مهندس ناجح في الخمسين بالحيوان ويحاول أن يفسّر لزوجته كم الأمر خارق ولا تمكن مقارنته بالعلاقات الأخرى, في حين تصدم هي وتريد اعتذاراً.
ألبي يدرّس في جامعة هيوستن حيث يعرف أساتذة نشأوا في مزارع وعرفوا غالباً هذا النوع من "العلاقة". الاعتقاد بكرامة الإنسان السامية مجرد تعصب, وعندما تصف الزوجة زوجها بـ"الحيوان" تعتقد انها تهينه, لكنه يجيب: "كنت أعتقد أننا كلنا حيوانات". أثارت "العنزة أو من هي سيلفيا؟" الغضب والاشمئزاز في أميركا, وترك مشاهدون القاعة في اللحظة نفسها: عندما يقبِّل الابن المثلي أباه في موقف مشحون حسياً. تلقى الممثلون رسائل عدائية وتهديدات بالقتل فاستدعيت الشرطة لحمايتهم.
أنهى ألبي عملاً جديداً يمهد لـ"قصة حديقة الحيوان" التي بدأ بها عمله في آخر الخمسينات, وبعيد كتابة مسرحية عن لوركا. كان عمره ثمانية عشر يوماً عندما تبناه زوجان ثريان, وعندما عرف انهما ليسا أبويه الطبيعيين ارتاح. حرماه عاطفياً ومثّلا, سياسياً وشخصياً, كل ما كرهه. حين بدأ وعيه السياسي والطبقي يتشكل, أدرك انه يعيش مع العدو, وترك البيت بعد شجار صاخب. لم يعد ليرى أمه الا بعد سبعة عشر عاماً, وعندما توفيت تركت له القليل من المال وأكثر مما احتاج اليه من الذكريات المرَّة. انتقم منها بمسرحية "ثلاث نساء طويلات" في أوائل التسعينات التي سجلت عودته الظافرة بعد بضعة أعمال لقيت هجاء النقاد وفتور المشاهدين.
أصيب بالذعر عندما اقترب من الثلاثين من دون أن ينجز شيئاً, وكانت "قصة حديقة الحيوان" هديته لنفسه. يلتقي فيها رجلان على مقعد في سنترال بارك في نيويورك ويكشفان عزلة الفرد في المدينة. في أوائل الستينات كانت "من يخاف من فرجينيا وولف", الكوميديا السوداء عن أمسية شرب وشجار بين زوجين يمزق أحدهما الآخر في حضور زوجين شابين يصيبهما الشجار بالذعر. فقدان السيطرة على الحياة يبدو ارادياً وانتحارياً, وتتكرر مواضيع الخسارة والعزلة وانهيار العلاقة التي يقول ألبي ان الآخرين يرونها في أعماله, في حين يرجو هو أن يكون فنه أكثر فائدة. ما يهمه ألا يخيّب أمل المرء في نفسه وأن يتفحص حياته ويجددها باستمرار. كان مدمناً يبدأ الشرب في العاشرة صباحاً ويذهب الى المسرح ليصرخ ان المسرحية فاشلة وعلى المشاهدين المغادرة. واكب نجاحه في الاقلاع عن الشرب انحدار مهني دام نحو عقدين واحساس بأن نجاح الكتّاب وفشلهم امر يتعلق بالموضة. "تكون على الموضة ثم يأتي شخص آخر يرونه الاعجوبة الجديدة فتصبح قديم الطراز".
في الخامسة والسبعين, ويعيش منذ ثلاثين عاماً مع فنان كندي, لكنه يرفض تصنيفه كاتباً مثلياً, ويثير عداء المثليين الذين يريدون توظيفه لخدمة قضيتهم. فكر بالكتابة عن طبيب يعالج مرض الايدز ويحقن نفسه بالفيروس لكي يختبر عذابهم بنفسه, كان لا يزال يتساءل ما اذا كانت الفكرة مقبولة عندما فوجئ بعرض مسرحية مشابهة. انتقل الى "العنزة" التي تخطت فكرة المقبول الى تحدي المحرمات وإثارة الصدمة بطريقة مختلفة. يفسر ألبي حرب العراق بالنفط, ولا يحتمل وجوده في غرفة واحدة مع جورج بوش: "قابلته مرة ولم أر شيئاً خلف عينيه(...) ليس رئيساً شرعياً. مجلس القضاء الأعلى الذي عيّن والده اعضاءه سمح له يتنفيذ انقلاب".
الرائي:
طمس اسمه لصعوبته واستبدل بجنسيته فبات اليوناني فحسب. وطمس فنه لغرابته وتخلفه فغاب ثلاثة قرون. لكن ناشينال غاليري لندن, تستعيده بدءاً من الحادي عشر من الشهر الجاري حتى الثالث والعشرين من أيار (مايو). كان عاد في أواخر القرن التاسع عشر عندما اكتشف الوطنيون الاسبان ان ضيفهم في القرن السابع عشر سبق زمانه في الواقع. وان اشكاله المشوهة الراجفة تخطت أسلوب عصر النهضة وافتتحت الحداثة. بابلو بيكاسو حسم الأمر عندما استوحى "فتح الختم الخامس" ورسم "آنسات افينيون" التي غيّرت كل شيء وباتت أهم لوحة في الفن الحديث. نرى في "فتح الختم الخامس" شخصاً يبتهل (أو يرقص الباليه؟) ويبدو كأنه ينكمش في ثوب أزرق متهدل. سائر الأشخاص عراة, أجسادهم بيض مهزوزة, يحاول بعضهم جاهداً رفع الأطفال في فضاء قاتم مشحون. قد نعبرها بفتور لأننا لا نفهمها, لكن بيكاسو توقف عندها ملياً حين رآها في مونمارتر لدى مواطنه اغناسيو ثولواغا الذي بات الرسام المفضل لدى الجنرال فرانكو لاحقاً. قال ان "آنسات افينيون" رَاقَته ونسخ فيها شكل اللوحة المربع ووضع العاريات والجو المشحون والكسر التكعيبي للسماء.
ولد دومينيكوس ثيوتوكوبولس (1541 - 1614) في كريت التي كانت احدى مستعمرات البندقية, وبدأ رسام ايقونة تأثر بالأسلوب البيزنطي الحاد الجامد. غادر جزيرته الى الجزيرة المرجع, وفي البندقية تتلمذ على تيتيان, لكنه دان بالكثير لتنتوريتو. في روما صدم زملاءه عندما قال ان باستطاعته رسم "يوم القيامة" بجودة مايكل انجلو مع جعلها أكثر مسيحية. كانت الكنيسة الكاثوليكية تحارب البروتستنتية والإسلام بالثقافة والسلاح, وشاءت تطهير الفن من الأساليب الوثنية واخضاعه للدين. لكن مايكل انجلو رسم العري صريحاً في شلال الأجساد المتدفق على جدار كنيسة سيستين, فرأى كثيرون أفضل عمل له جديراً بحمام عام أو خمارة لا بمكان سام كالكنيسة. كان في مقدور المثقفين رؤية تأثير دانتي في "يوم القيامة", لكن كيف سيفهم الأميون الجهلة رسم الصور المقدسة بهذه الطريقة؟ أتى آل غريكو من خلفية شرقية أكثر ورعاً وصرامة, وقبل بخدمة الفن للدين خلافاً لمايكل انجلو وفناني روما. هجس بتطهير المسيح الهيكل من التجار, ورسمه مراراً جاعلاً مايكل انجلو وتيتيان ورافاييل صرافين في احدى اللوحات, فأوحى رغبة عميقة وصادقة في تطهير الفن وجعله مسيحياً.
هرب آل غريكو من عداء فناني روما الى طلطيلية, اسبانيا, حيث تخلص من عقدة مايكل انجلو ومهد للحداثة. يعزو البعض الاستطالة والالتواء في أشكاله الى تأثره بتنتوريتو وبارميجانينو في حين يربطها آخرون بوجوده في اسبانيا بعيداً من الفنانين وحراً من تأثيرهم. كارافاجو وحده اقترب من منزلة مايكل انجلو, لكن آل غريكو كان فناناً كبيراً فريداً تجاهل الموضوعية في العالم الخارجي وشحنه بعاطفته ورؤيته الذاتية.
لغز:
يعرض المالك الأميركي لرسائل روبرت براوننغ هذه الوثائق الأدبية للبيع في مزاد تجريه دار كريستيز, لندن, الثالث من آذار (مارس) المقبل. يقدّر ثمنها بمليون جنيه استرليني, وتضم سبعين رسالة تبادلها الشاعر الانكليزي مع جوليا ودجوود التي صغرته بواحد وعشرين عاماً بعد وفاة زوجته الشاعرة اليزابيث باريت. عرفت جوليا ككاتبة ومؤرخة وناقدة ومكنها اطلاعها من مناقشة تشارلز داروين الذي كانت زوجته قريبتها. أوقفت المراسلة بعدما خشيت اسرتها ثرثرة الناس, فارتبط براوننغ بصداقات مع اخريات طمأنهن الى صداقتهم الغالية عليه في الوقت الذي قال ان قلبه لا يزال ملك زوجته.
آل غريكو بريشته
يعود الشاعر الى الضوء أيضاً مع كتاب جديد صدر أخيراً عن دار هاربر كولينز لإيان فنليسون, لا يضيف "براوننغ: حياة خاصة" الكثير الى ما يسميه توماس هاردي "أحجية" أدباً وشخصية. الكاتب الأميركي هنري جيمس وسّع فكرة هاردي وتحدث في قصة "الحياة الخاصة" عن ثنائية براوننغ الأساسية. الواجهة العامة لشخص يحب الحفلات ويتكلم بحماسة من دون أن يقول الكثير, والوجه الخاص للشاعر الخفر الذي كان أكثر ارتياحاً للقاءات الصغيرة. "جزءان مستقلان" قال جيمس, لكن فنليسون طمح من دون أن يوفق كثيراً. قبل وفاته بعامين, أحرق براوننغ أوراقاً خاصة ومسودات أعماله, لكنه لم يحرق رسائله الى زوجته وجوليا وردودهما. الحب بين روبرت واليزابيث التي كبرته بستة أعوام وأدمنت المورفين تحول اسطورة في الوسط الأدبي البريطاني, لكن والد اليزابيث رفضه. كان روبرت لا يزال يعتمد مادياً على والديه, وقدمت له فرصة الاعتماد عليها بعدما هربا الى ايطاليا مع خادمتها وكلبها. عادا الى لندن ليتزوجا سراً وعاشا في فلورنسا حيث توفيت اليزابيث عن خمسة وخمسين عاماً مخلفة طفلاً أفسده الدلال.
اشتهر براوننغ (1812 - 1889) بغموض شعره, وعندما سمعه هنري جيمس يقرأ قصائده ارتاح: "إذا كنت لا تفهمها فهو يفهمها أقل منك". تنيسون قال انه فهم السطرين الأول والأخير من قصيدته الروائية "سوديللو", وعندما تزوج اليزابيث بعد تسعة عشر عاماً من المغازلة السرية تمنى وليم وردزورث ان "يفهم احدهما الآخر لأن أحداً لم يفهمهما". جيمس وصف بلؤم كيف يقرأ براوننغ قصائده كأنه يكرهها ويريد ان يقطِّعها بأسنانه, ورأى اودن ان حسنات شعره لا تظهر إلا إذا قرئ بالجملة.
استمد ثقافته الأساسية من مكتبة والده التي ضمت ستة آلاف كتاب, ولأنه كان كوالدته بروتستنتياً يرفض الكنيسة الانغليكانية لم يقبل في جامعتي آوكسفورد وكيمبريدج, فأمضى بضعة أشهر تعيسة في جامعة لندن الجديدة يومها. كانت أسرته تعيله عندما تزوج في الرابعة والثلاثين, وانتقلت المسؤولية الى زوجته ثم ورث صديقاً مشتركاً فحقق استقلاله, على انه لم يعش من شعره الا في الأعوام العشرين الأخيرة من حياته. دعم تفوق زوجته شعراً عليه من دون استياء, وكان هذا الاعتراف وزواجه السري منها الأمرين الوحيدين غير التقليديين في حياته. عندما توفي عن سبعة وسبعين عاماً دفن في كنيسة وستمنستر, لندن, وأنشدت قصيدة زوجته: "ما الذي نعطيه لمن نحبهم؟". كان كتب ان قلبه سيرقد دائماً قرب زوجته التي توفيت قبله بثمانية وعشرين عاماً ودفنت في فلورنسا, وربما عنى ذلك.
.
.

حسن العلي
29-07-2008, 04:10 AM
.
.


مسرحية : صندوق الرمل - 04 أكتوبر 2007 - 03:14
ترجمة: زعيم الطائي *
أدوارد ألبي: بزغ نجم أدوارد ألبي في الخمسينيات كواحد من أشهر قادة الحداثة في المسرح الأمريكي، الى جانب آرثر ميلر وتنيسي ويليامز مكملين مابدأه يوجين أونيل، كتب خمسة وعشرين عملاً مسرحياً، مثيرة للجدل أينما عرضت، منذ أن ترك بيت العائلة الثرية التي تولت تربيته، وأشتغاله في مهن حرة متعددة، يعتبر من أهم أقطاب المسرح الطليعي مع صاموئيل بيكت وهارولد بنتر ويوجين أيونسكو، كما يتوضح من خلال مسرحيته هذه أهتمامه بصيغ التغريب البريختي، مع عودته الى موضوعة الأم المستبدة التي شاهدناها في (ثلاث نساء فارعات)والمشهد البحري، من أشهر مسرحياته (قصةحديقة الحيوان) (سيدة من دابولو)(لعبة الزواج) (من يخاف فرجينا وولف؟)التي مثلها في السينما ريتشارد بيرتون وأليزابيث تيلور، أوسكار 1966. المترجم الشخصيات: الرجل الشاب: 25عاماً، جميل المظهر، جسم جيد البناء، يرتدي بدلة سباحة. مامي: 55، أمرأة بشحصية محترمة، وملبس لائق. دادي:60، صغير الحجم، ضعيف، أشيب. الجدة: 86، ضئيلة، وهي أمرأة حكيمة بعينين لامعتين. الموسيقي: ليس له عمر محدد، يفضل أن يكون شاباً. ملاحظة: أثناء المسرحية، مامي ودادي يتخاطبان بهتين الصفتين، خاليتين من التلميح أو القصد والمناطقية، وهما صفتنان مجردتان، موحيتان وتشيران الى الوقار و أنعدام القصد فيهما الى أية دلالات أخرى للشخصيتين. المشهد: خشبة المسرح خالية، ماعدا الأشياء التالية: قريباً من الأضاءة السفلية، بعيدا يمين الخشبة، كرسيان بسيطان أحدهما يحاذي الآخر، بمواجهة الجمهور، قرب الأضاءة السفلية يساراً، هناك كرسي يواجه يمين الستيج، أمامه حامل النوتة الموسيقية. وفي الخلف بعيداً، تتوسط الستيج، مرتفعة قليلاً حاملة صندوق رملي طويل مع مجرفة بلاستيكية صغيرة للأطفال، لعبة شاحبة اللون ودلو صغير، الخلفية هي السماء، التي تتغير من نهار مشرق الى ليلة حالكة الظلمة. وفي البداية يكون النهار مشمسا براقاً، الرجل الشاب وحيداً على الخشبة خلف الصندوق الرملي، يقوم بتمارين أحماء لما يشارف انتهاء المسرحية، تلك التمارين مختصة بالذراعين فقط، من خفض ورفع كما يشبه الأجنحة المهيئة للطيران، يتبين بعد ذلك أن الرجل الشاب ليس الا ملاك الموت. مامي ودادي يدخلان المسرح من جهة اليسار، مامي أولاً. مامي: (تتجه نحو دادي) حسن، ها نحن هنا الآن، وهذا هو الشاطىء. دادي: (يئن) أنا بردان ! مامي: (منصرفة عنه بضحكة صغيرة) لاتكن أحمق، فالحرارة تكاد تشوينا، أنظر ذلك الشاب الوسيم هناك، فهو لايعبأ بالبرد (تلوح للشاب محيية) هلو... الشاب: (مع أبتسامة محببة) ها ي.. مامي: (ناظرة حولها) سيكون ذلك شيقاً، ألا تعتقد ذلك يا دادي، الرمال من حولنا هنا وهناك المياه، ماذا تظن يادادي؟ دادي: (يرد بأبهام) كما تقولين، مامي. مامي: (بنفس الضحكة السابقة) نعم، بالطبع مثلما أقول، فالأمر محسوم. دادي: (هازاً كتفيه بلا مبالاة) إنها والدتك وليست والدتي. مامي: أعرف أنها والدتي، مالذي تقصده؟ (تصمت) حسناً، ليكن ذلك، (تنادي الى ماخلف الكواليس، يسار المسرح) أنتم يامن هناك، يمنكم الدخول الآن. )يدخل الموسيقي، يتخذ له مكاناً على الكرسي، يسار الخشبة، يضع نوتاته على حامل الموسيقى، متهيئاً للعزف، مامي تهز رأسها بأستحسان). مامي: جيد، جيد جداً، هل أنت جاهز يادادي؟. دادي: صحيح كل ماتقولين يامامي. مامي: (تخطو نحو جهة الخروج الى اليسار) بالتأكيد، صحيح كل ماأقول (الى الموسيقي ) يمكنك البدء الآن. )يبدأ الموسيقي بالعزف، مامي ودادي يغادران، وطوال مدة عزفه يؤدي أنحناءة مستمرة برأسه، محيياً الرجل الشاب ( الشاب: (بنفس الأبتسامة اللطيفة ) هاي... )بعد لحظات، مامي ودادي يعودان، حاملين الجدة، واضعين أذرعهما أسفل أبطيها، وقد بدت منهكة أشد الأنهاك، وقدميها تتأرجحان في الفراغ، دون أن تلمسا الأرض، وظهرت على وجهها العجوز معالم الحيرة والخوف(. دادي: أين نضعها؟ مامي: (بنفس الضحكة القصيرة ) في أي مكان أشاءه أنا، بالطبع، لنر، حسناً، جيد، هناك، في صندوق الرمل، (صمت) حسناً، مالذي تنتظره؟ صندوق الرمل. )يجلبان الجدة العجوز الى الصندوق الرملي، ويلقونها فيه لاأكثر ولا أقل ( الجدة: ( تعدل وضعها متخذة وضع الجلوس، صوتها يشبه ضحكة الطفل وبكاءه معاً) أههههه..جراااا.... دادي: (يعفر جسده بالرمل ) مالذي سنفعله الآن؟ مامي: (الى الموسيقي) تستطيع أن تتوقف الآن (الموسيقي يتوقف عن العزف، فتعود موجهة كلامها الى دادي) ماذا تقصد بما سنفعله الآن؟ سنذهب هناك لكي نجلس بالطبع.(الى الشاب( تحياتي. الشاب: (يبتسم ثانية) هاي. )مامي ودادي، يتخذان طريقهما نحو الكرسيين يمين الخشبة، يجلسان صامتين( الجدة: (كما في السابق ) آههههههه.. جرااااااااا... دادي: أتظنين في أعتقادك أنها مرتاحة؟ مامي: (بفراغ صبر) كيف لي أن أعرف؟ دادي: (بعد فترة صمت) مالذي علينا أن نفعله الآن؟ مامي: (كما لو أنها تذكرت شيئاً).لننتظر، نجلس هنا وننتظر، هذا كل ماعلينا فعله. دادي: (بعد صمت) أيمكننا أن نتحادث؟ مامي: (بضحكتها القصيرة، تلتقط شيئا علق بملابسها) حسن، تقدر أن تتحدث، إن رغبت في ذلك، ولو تعتقد أن هناك مايمكن التحدث بشأنه، إن كان لديك جديدا ً. دادي: (يفكر ) كلا ليس لدي. مامي: (تتضاحك منتصرة ) كلا، بالتأكيد. الجدة: (تضرب الجاروف اللعبة بالدلو) هاههها ها....ههههااااا.. مامي: (تصرخ بمواجهة الجمهور) أهدئي ياجدتي، فقط أهدئي، وأنتظري. )الجدة تقذف الرمل بالمجرفة نحو مامي( مامي: (تواجه الجمهور) تقذف الرمل بأتجاهي، توقفي عن ذلك ياجدتي، توقفي عن رميي بالرمال (لدادي) قذفت الرمل بوجهي. )ينظر دادي الى الجدة، فتصرخ بوجهه( الجدة: جررررررراااا.... مامي: دعك من التطلع اليها، فقط، أجلس عنك، أبق جالساً، وانتظر، (للموسيقي) أنت، أ أ ه، أذهب هناك، وأفعل ماترغب به. )الموسيقي يأخذ بالعزف، مامي ودادي يركزان أنتباههما، يحدقان بأتجاه الجمهور، تنظر اليهما الجدة، وتحول نظرها نحو العازف، ثم الى صندوق الرمل، تلقي من يدها المجرفة الصغيرة( الجدة: أأههها.. جراااا (تنتظر ردة الفعل، لم يحدث شيئ، الآن تتوجه نحو الجمهور،) بأخلاص، كيف نتعامل مع العجائز؟نجرجرها خارج البيت، نحشرها في العربة، نأخذها خارج المدينة، نلقيها في كومة رمل، ثم نتركها حتى الغروب، أنا في الثامنة والستين من عمري، تزوجت وأنا في السابعة عشرة، من مزارع، مات وأنا لم أبلغ الثلاثين، (للموسيقي) أوقف ذلك رجاء، (الموسيقي يتوقف عن العزف، أنني أمرأة واهنة، من يتوقع أن ينتبه أحد لسماعي وسط هذه الوصوصة والزعيق، بيب...بيب..بيب، (لنفسها) لاأحترام هنا، (تخاطب الشاب) لاأحترام لأحد في هذا المكان. الشاب: (بنفس الأبتسامة ) هاي.. الجدة: (بعد فترة توقف، تتوجه بلطف زائد نحو الجمهور، مستمرة في سرد حكايتها) توفي زوجي وأنا في الثلاثين (مشيرة الى مامي) عكفت على تنشئة البقرة الكبيرة التي هناك لوحدي، وحدك تعلم ياإلهي مايعنيه ذلك، (للشاب) كيف عرفوك؟ الشاب: أوه.. أنا هنا منذ فترة الجدة: أراهن أنك كنت هنا، صحيح.؟ يبدو ذلك. الشاب: (يثني عضلاته) أترين؟ (يستمر في تمريناته( الجدة: جميل ياولد، أقول أنه جميل. الشاب: (بلطف) قلت ذلك. الجدة: من أين أنت؟ الشاب: جنوبي كاليفورنيا. الجدة: (وهي تنود) أتخيل ذلك، أتخيله، ماأسمك ياحبيبي؟ الشاب: لاأعلم... الجدة: مشرق وجميل أيضا ً. الشاب: أقصد، أنهم لم يعطوني واحداً لحد الآن، الأستديو... الجدة: (تتغاضى عنه برهة) أنت لم تقل ذلك، لم تقله، حسنا ً..أوه.. يجب أن أحكي شيئاً آخر، لا تبتعد. الشاب: أوه..كلا. الجدة: (تعطي أنتباهها ثانية الى الجمهور) جميل، جميل (بعد ذلك تعود الى الشاب) أنك أحد الممثلين ها؟ الشاب: (وقد أشرق وجهه) نعم، نعم.. الجدة: (تتجه الى الجمهور وهي تهز كتفيها يائسة) فهمتك، على كل حال، قمت لوحدي بتربية التي هنالك تلك، وماذا سأنتظر منها بعد، تلك التي ماذا تزوجت، غنياً؟ أقول لك، نقود...نقود.. أبعدوني عن الحقل، حقاً، الشيء المهذب الذي فعلاه من أجلي حقاً، أنهم نقلوني الى المدينة الكبيرة وآوياني في بيتهم، رتبا لي مكاناً قرب الموقد، أعطياني بطانية عسكرية، وصحني الخاص، الخاص جداً ! لذا فما الداعي لشكواي؟ لاشيء بالطبع، لست أشكو، (تنظر عاليا الى السماء، تصيح بأحدهم خارج الخشبة)الآن عليك أن تظلم المكان ياعزيزي. )يخيم الظلام على المسرح، (دِمْ) كامل، الليل يقبل، الموسيقي يبتدئ العزف، الليل حالك الظلام، الا أن بقع الضوء مسلطة فقط على الممثلين، بما فيهم الشاب الذي مازال مستمراً في تأدية ألعابه الرياضية). دادي: (بأضطراب) لقد أتى الليل. مامي: ششششش.. أبق صامتا، وأنتظر. دادي: (متشكيا) أنها حارة جداً. مامي: ششششش.. أبق منتظراً. الجدة: (لنفسها) الليل، هذا أحسن (للموسيقي) عزيزي، أتستمر بالعزف طوال هذا الفصل؟(يحني العازف رأسه) أذن، أجعله ناعماً، وعذباً، ولد جيد (ينحني العازف مرة ثانية، ويعزف لحنا ً خفيفاً) هذا رائع. )تسمع دمدمة ودوي خارج الخشبة( دادي : (يفز فجأة) ماذا هناك؟ مامي: (تبدأ بالنحيب) أنه لاشيء. دادي: لا، هنالك شيء، رعد، أو تكسر أمواج، أو شيء ما. مامي: (تهمس من خلال الدموع) أنها ضجة خارج الخشبة، وأنت تعرف مايعنيه ذلك. دادي: لقد نسيت. مامي: (بالكاد تستطيع الكلام) معناه أن وقت الجدة المسكينة قد حان، ولم تعد لي قدرة على التحمل دادي: (بصوت خال من العاطفة) أنا.. أعتقدت أنك تملكين شيئاً من شجاعة. الجدة: (بتصنع) حسناً ياأولادي، تشجعوا، يجب أن تتحملوا، أنتم أكبر من ذلك. )صوت دوي آخر يأتي من الخارج، أعلى هذه المرة ( مامي: أووووووووه... جدتي المسكينة، جدتي المسكينة. الجدة: (لمامي) جيد، أنا بخير، لم يحدث بعد.. )عنف الضجة، يطفئ الأنوار، فقط تبقى البقعة الضوئية حول الشاب، يتوقف الموسيقي عن العزف). مامي: أوووووووه...أوووه )صمت( الجدة: لم يحن أطفاء النور بعد، فأنني لست جاهزة، لست جاهزة تماماً (صمت) كل شيء تمام، أنا على وشك الأنتهاء. )يعود الضوء الى المسرح، اليوم مشرق، الموسيقي يعزف من جديد، الجدة مازالت موجودة في صندوق الرمل، جاثمة على جنبها، مستندة على الكوع، نصف مغطاة، تشغل نفسها بذر الرمال حول جسدها بالمجرفة الصغيرة( الجدة: (متمتمة بصوت خفيض) لاأعلم ماذا علي أن أفعل بهذه المجرفة اللعينة؟ دادي: مامي، أنه النهار. مامي: حقا ً ! حسناً، لقد أنقضت ليلتنا الطويلة، يجب أن نكف عن سفح الدموع، لنستقبل الصباح، ونواجه المستقبل، ذلك هو واجبنا. الجدة: (مازالت تجرف الرمل بالشفل الصغير، وهي تقلدهم) خذ صباحنا، ودعنا نواجه المستقبل، ياربي. )مامي ودادي ينهضان وهما يتمغطان، مامي تحيي الشاب ملوحة بذراعها) الشاب: (بنفس الأبتسامة) هاي. )الجدة تفتعل الموت (!) دادي ومامي يهرعان للنظر اليها، وقد تغطت تقريباً الى منتصفها بالرمال، ومازالت المجرفة الصغيرة بين يديها، وضعتها بشكل متقاطع على صدرها) مامي: (تهز رأسها أمام صندوق الرمل) بديع، من الصعب أن نبقي أحزاننا، كم تبدو راضية وفي أتم السعادة (بقناعة وأفتخار) لقد دفعت لكي يتم كل شيء بشكل جيد (للموسيقي) حسن، يمكنك التوقف الآن، لو أردت، أقصد، أذا أردت أن تبقى للسباحة، أو لشيء أخر، كل الأمور مناسبة لنا.(تتنهد بعمق ) حسن يادادي، لنذهب. دادي: تشجعي مامي. مامي: تشجع يادادي. (يغادران من الجهة اليسرى للخشبة( الجدة: (بعد مغادرتهما، تبقى مستلقية في هدوء تام) دفعت من أجل أن تتم الأمور بسهولة، أه ياأولاد (تحاول الجلوس) حسنا ً ياأولاد، (ولكنها تكتشف عدم قدرتها على ذلك)لاأستطيع النهوض، ليست لدي القدرة على الحركة. )يوقف الشاب تمريناته، ينحني للموسيقي ويتمشى ناحية الجدة، يركع عند صندوق الرمل( الجدة: لاأستطيع التحرك. الشاب: أششششش.. أبق عندك هكذا. الجدة: لاأقدر أن أتحرك. الشاب: أوه، أيتها السيدة، أنا متجه اليك، لدي خط أنا سائر عليه. الجدة:أوه آسفة أيها الجميل، توجه الى مقصدك رأساً. الشاب: سأفعل، أه.. الجدة: خذ وقتك ياعزيزي. الشاب: (يحضر نفسه ويتجه نحوها في حركة لاتدل على أحتراف) أنني ملاك الموت، وأنا..آه.. جئت من أجلك. الجدة: ماذا؟ ما... (ترضخ أخيرأً للأمر الواقع) أوووووه.. أوووه، عرفت. )ينحني الشاب، ويقبل الجدة برقة على جبهتها ( الجدة: (مغلقة العينين، يداها متشابكتان حول صدرها مرة أخرى، ومازال الشفل الصغير بين يديها، وأبتسامة لطيفة تعلو محياها) حسن، أنه شيء بالغ الروعة ياعزيزي. الشاب: (مازال راكعا) أششش، أبق هادئة. الجدة: ماقصدته هو، أنك تفعله بشكل جيد، ياعزيزي. الشاب: (خجلاً) أوه.... الجدة: حقا، أقصده، لقد نجحت، لديك الآن خبرة جيدة. الشاب: (بأبتسامته المحببة) أوه، شكراً، أشكرك كثيرا... سيدتي. الجدة: (برقة وهدوء، كرقة الشاب وهو يرفع يده فوقها) على الرحب والسعة ياعزيزي. )الموسيقي يستمر بالعزف، حتى تنزل الستارة الى الأسفل بهدوء(. * كاتب عراقي يقيم في امريكا حالياً .

.
.

حسن العلي
29-07-2008, 04:14 AM
.
.

ألفريد فرج << من أهم رواد المسرح العربي >>


من أهم كتاب المسرح العربي، امتازت رؤاه بالطرح الجاد لقضايا العدل والحرية والتضامن الاجتماعي والهوية الوطنية والبحث عن الحقيقة والدعوة لخلق إرادة قوية فاعلة لدى الفرد لكي يكون قادراً على التغيير والتجديد.
ولد في عام 1926 بمحافظة الشرقية. حصل على الليسانس من كلية الآداب جامعة الإسكندرية عام 1949، عشق المسرح منذ الصغر فقد كان عضواً فى فريق التمثيل بالمدرسة، ولم يقف اهتمامه بالفن عند حد التمثيل بينما كان يمارس الشعر والرسم.
بعد تخرجه من الجامعة عمل صحفياً وناقداً أدبياً بمجلة روزاليوسف ومجلة التحرير وجريدة الجمهورية، إلى أن تفرغ للمسرح خلال أعوام 1964 ـ 1965 ـ 1966 فكانت هذه السنوات من أخصب سنوات عمره المسرحى حيث ظهرت له العديد من المسرحيات التى أثرت على الحركة المسرحية في مصر، ومع انقضاء هذه المرحلة تبلور فكر ألفريد تماماً داخل المسرح كتعبير عن احتياج اجتماعى للحوار بين الافكار والجدل الايدولوجى وللتعبير عن المناقشة الفكرية التي ظهرت على الساحة الاجتماعية والسياسية وكحال المسرح انعكس هذا المبدأ داخل كتاباته المسرحية، فأصبحت تلك الموضوعات هى لبنة مسرح ألفريد فرج.
عقب التغيرات الاجتماعية التي أثرت في المجتمع المصري، بسبب ثورة 1952، ظهر المنهج التعليمي في مسرحيات ألفريد، والتي صبغت نفسها بصبغة المسرح الملحمى لمؤسسة "برتولد بريخت"، حيث أنه أكثر أنواع المدارس المسرحية صلاحية لطبيعة الموضوعات والقضايا الجدلية النقدية التي أثارها ألفريد داخل مسرحه السياسى والاجتماعي.
حصل فى عام 1965 على جائزة الدولة التشجيعية في مجال التأليف المسرحي.
أهم الأعمال:
"سقوط فرعون"، "حلاق بغداد"، "الزير سالم"، "سليمان الحلبي"، "عسكر وحرامية"، "على جناح التبريزي وتابعه قفة"، "النار والزيتون"، "جواز على ورقة طلاق".

يتبع .. .

.
.

حسن العلي
29-07-2008, 04:18 AM
.
.



ألفريد فرج.. شكسبير العرب
19/12/2005
ياسر علام


ما أصعب الحديث عن ألفريد فرج! وقبل أن يتبادر إلى الذهن التساؤل حول مدى صعوبة ذلك، نجيب بأن توترا ما سينشأ إذا ما حاولت تحليل منجزات هذا الكاتب الكبير، سواء على المستوى الفني أو الإنساني أو السياسي.
فقد كان نساجا أحسن نسيجه في غالبية ما قام به، للحد الذي يجعل من محاولة الدخول إلى عالمه الخصب المحكم ضربا من التهور، لكنه تهور ممتع بقدر ما هو مفيد. فعالمه بمثابة مجموعة من الضفائر التي أحسن جدلها للحد الذي يصعب فصمها.

التكوين الفريد..

ولد ألفريد مرقس فرج في قرية "كفر الصيادين"، مركز الزقازيق عاصمة الشرقية عام 1929، ولكن نشأته الحقيقية كطفل كانت في الإسكندرية، والتي ظل بها حتى نهاية دراسته في جامعاتها، حيث تخرج في كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية عام 1949م، حيث عمل مدرسا للغة الإنجليزية بعد تخرجه حوالي ست سنوات.
واللافت أن الطريق ما بين الطفولة والجامعة تخلله عطاء مسرحي على نحو ما؛ فـ"ألفريد" ومنذ المدرسة الابتدائية وهو يمثل مع أقرانه، وكأنه يُعدُّ ويُهيَّأ لما خُلق له، وقد برز في عدد من الأدوار حتى أشاد به معلمه، وعندما انتقل إلى المدرسة الثانوية، أراد أن ينال من المجد ما ناله في المدرسة الابتدائية، ولكنه لم يظفر بمراده، وهنا تمرد على الوضع، وظهرت في شخصيته خاصية يعرفها جيدا من اقترب منه، وهي "التمرد الفني".
والشاهد هنا أن التمرد الفني كان مقاومته للوضع الذي يرفضه، فلم يقف "ألفريد" ليتشابك مع الزملاء بالأيدي، ولم يحاول إقناعهم بموهبته في التمثيل، وإنما انتزع حقه انتزاعا، بأن اقتطع من نصوص درامية عبارات تناسب شخصيته التي يلعبها، ثم أدخلها في دوره في أثناء التمثيل، وهو ما أذهل زملاءه، حيث كان خروجه منسقا للحد الذي شككهم في النسخ التي بين أيديهم، وهم لا يدرون أن ألفريد يشق طريقه إلى عالم التأليف المسرحي.
في الجامعة تخصص ألفريد في اللغة الإنجليزية وآدابها، وهناك تواصل مع وليم شكسبير، وكريستوفر مارلو، وبن جونسون، وتوماس كيد، وبرنارد شو، أوسكار وايلد، وغيرهم من كبار كتاب المسرح الإنجليزي.
ولم يقتصر إيغاله في عالمه على كتاب المسرح فحسب، بل اتسع ليدرس الشعر، وينهل من قصائد كوليردج، وردث ورث، وجون دون، وقل مثل ذلك في الرواية والقصة، في تلك المرحلة يلتهم الفتى الجامعي كل ما نالته يداه، ولم تنقطع علاقته وتواصله مع الخشبة المسرحية بل ازدادت توهجا.
وكان لثقافته الإنجليزية أكبر الأثر في متابعته للأنشطة الفنية والمسرحية والارتباط بالحركات والجماعات الأدبية والمبدعين والمثقفين. كما اقترب من عالم توفيق الحكيم ليقدم أول مسرحياته: "صوت مصر"، ثم "سقوط فرعون".
وقد كان لارتباط ألفريد بإحدى الحركات اليسارية سببا في اعتقاله لأكثر من 5 سنوات (1959- 1964)، وبعد خروجه حصل على منحة تفرغ من وزارة الثقافة، إضافة إلى قيامه بتقديم بعض من أعماله مثل: "حلاق بغداد" و"سليمان الحلبي" و"عسكر وحرامية".
ونظرا لخبرته فقد تقلد في عام 1966 بعض الوظائف من أهمها: مستشار برامج الفرق المسرحية بالثقافة الجماهيرية، ومن ثم مستشار أدبي للهيئة العامة للمسرح والموسيقى، ثم مدير للمسرح الكوميدي.
كما عمل بالجزائر من عام 1973 وحتى 1979 مستشارا لإدارة الثقافة بمدينة وهران ولإدارة الثقافة بوزارة التربية والتعليم العالي. لينتقل بعدها إلى لندن حيث أمضى سنوات عدة محررا ثقافيا في الصحف العربية فيها.
وكانت وفاته في (4 من ديسمبر 2005م) عن عمر يناهز الستة والسبعين عاما.



البعض يضع فن كتابة المسرحية وسط سياق الآداب، ويعتبرونه بذلك عملية أدبية، وكتابة تحمل المعنى الذي ينبغي للأدب حمله، وقولا من القول الأدبي يكون بليغا بقدر تذوقك له، ورغبتك في سماعه وترداده عن بعد، غير أن البعض الآخر يرى أن هذا أبعد عن الفهم الصحيح للكتابة المسرحية التي هي بالأساس كتابة فعل، وكتابة صورة، وكتابة عرض، لا ينبغي لها إلا أن تكون حديث شخصيات حية متفجرة متصارعة، أي همس بلاغي في هذا السياق يخرج عن حدود المشاهدة، ويركز على الكلمة وسماعها واستحسانها، وهو ديوان شعري، وهو قصة ملقاة على جماعة، لكن البعض يرى أن المسرح ليس كذلك.
فهناك من يعتقد أن التوفيق بين النزعتين هو أمر ممكن، فمن الممكن أن تكون كاتبا لفعل حضور حي وحقيقي ومسرحي، وفي الوقت ذاته تكون الكلمة حاضرة وبليغة ومعبرة.
وظروف تكوين ألفريد فرج وميوله أهلته لامتلاك العصا وليس فقط مسكها من النصف، لقد كان ألفريد شاعرا له محاولات مبكرة، وقصاصا ظل ينشر قصصه حتى الستينيات، وكاتبا صحفيا وناقدا ممتلكا لأدواته في الكتابة، كل ذلك يرجحه لأن يكون كاتبا جميل القول وبليغا.
كما كان عالما بالخشبة المسرحية وقادرا على معرفة خصوصية العرض الحي، وصاحب مجسات حساسة تجعله يعلم جيدا طبيعة متلقيه وما الذي يضحكهم بالتحديد، وما الذي يبكيهم، ومتى يمكن الصعود بتوتره وإلى أي درجة ولماذا؟



العمل الفني.. جسد واحد
وجاء العمل السياسي فصقل الكاتب بالقضايا الحقيقة في آتونها الوطني المشتعل. فمرة أخرى تهيئ الظروف لألفريد فرج فرصة استثنائية بألا يكون الكاتب المنعزل المنفصل في برجه العاجي المزعوم، فوسط مناخ تحالف القوى الوطنية قبل الثورة ينضم ألفريد لخلايا اليسار، ويحمل قيمة العدالة الاجتماعية كقيمة يظل يهفو إليها ويحارب في سبيلها، ثم تأتي تجربة الاعتقال لما يزيد عن السنوات الخمس، عرفت فيها معتقلات مصر نصوصا فنية ألفتها زهرة الحركة الوطنية الملقاة في سجون الثورة المجيدة.
وهناك، أي في المعتقل، ظهرت أعمال ألفريد فرج، ولم يكن قد قدم له قبل الاعتقال غير "سقوط فرعون" 1957، ومنذ اللحظة الأولى تذكر هذا الكاتب درسا تعلمه صغيرا أنه إن قبل الدنية فلن ينال سواها.
ندع ضفيرة قابلية العرض الحي وأدبية الكلمات، نجد ضفيرة أخرى من الاعتزاز بالذات لحد التيه والقبول بالآخر لحد التواضع.

الذات.. وحداثة الآخر
نجد حضور الذات الجمعية لدى ألفريد فرج حضورا آسرا، طاغيا، مباهيا، وفرحا بنفسه، مزهوا، فهذا هو تراث ألفريد فرج العربي الشرقي يظهر كما لا يظهر في أعمال مسرحي معاصر آخر، "ألف ليلة وليلة" يستلهمها ألفريد في أعماله "حلاق بغداد"، "علي جناح التبريزي وتابعه قفة"، "رسائل قاضي أشبيلية"، و"الأميرة والصعلوك"، و"بق بق الكسلان"، فإذا ما أضفنا السير مثل "الزير سالم"، والتاريخ مثل "سليمان الحلبي"، لوجدنا أنفسنا في مواجهة مبدئية مع محب لهذا التراث، لكن مواجهة أكثر عمقا مع قراءة هذه الأعمال.
وهنا سنكشف عن غواص في أعماق هذا التراث وعاشق له، ومستخرج منه لآلئ لم يكن لغيره استخراجها، لماذا؟!
لأنه لا يقف عند حدود استحضار التراث فحسب، بل هو يصنعه على نحو ما، إنه لا يضع يده في المادة التراثية، بل يضع يده في الخميرة التراثية ذاتها، ينفتح على جوهر وعمق تكوين هذا التراث.
وألفريد فرج يستخرج من تراثنا بمعاوله مهرجين خفاف الظل، ويمتعك بضفيرة من الجنون والحكمة، تجدها لدى "أبو الفضول" في "حلاق بغداد"، ولدى "علي جناح" في "علي جناح التبريزي وتابعه قفة"، فقد كان الرجل متمكنا من التراث، ومتمكنا في ذات الوقت من المسرح الغربي وآلياته وأدواته.

استحضار للمنجزات العالمية
وتصدى ألفريد لرافضي المنجز الغربي عبر تقديمه المنجزات التقنية الدرامية لأعلام القرن العشرين بروتولد برخت، لويجي براندللو، فريدريش دورنيمات، بيتر فايس لتجدهم حاضرين في أعماله.
ويحار المرء في عرض مثال لاستحضار ألفريد لمنجزات هؤلاء ودون أدنى تماه بل إنه يستحضرهم وكدت أقول يحضرهم فيستضيفهم في بيته، نقف عند مثال بيتر فايس:
يعرف "بيتر فايس" كواحد من مؤسسي ما يعرف بالمسرح التسجيلي، وهو مسرح يقوم على وقائع تاريخية حقيقية واقعية، يستحضرها الكاتب كما هي، وللقارئ هنا التساؤل: وأين الفن في هذا؟
ويرى "ألفريد" أن الفن في الاختيار حيث يقول: إن الواقع متشابك للحد الذي ينبغي عليك كفنان الدخول في حومة اختيارات، تعكس رؤيتك، والفن في جوهره اختيار، أنت تختار من هذا العابر اليومي، ما تريد أن تعممه، أو تصل به للقانون، يمد الفنان يده في تيار الخاص ليستخرج منه العام والجمعي والقيم.
فالمسرح التسجيلي، هو مسرح سياسي يعرض لجمهور ساخن وقائع تمسهم، وهي تكاد تكون وقائع مجردة، هي وقائع وقرائن مؤكدة بفعل وثائق إعلامية، شرائط، وإحصاءات، وجرائد، وصور حقيقة، واعترافات، وغيرها، المهم أن العرض بانوراما سياسية تعبوية، والخيط المشدود الواجب على المبدع مراعاته رغم كل هذه المعلومات المباشرة، ألا يسقط في فخ المباشرة المجانية، أو الخطابية الزاعقة غير الفنية؛ لأننا أولا وأخيرا أمام عمل فني.
وحين تصدى ألفريد للمسرح التسجيلي قام بمعالجة القضية الفلسطينية كإحدى أهم القضايا التي تناولها، فقد أخذ من الآخر ما يشحذ به هممنا، وبماذا؟! بما أبدعه هذا الآخر، في أكثر نتاجه تعبوية وشحنا.
فحين تصدى ألفريد للقضية الفلسطينية استحضر المسرح التسجيلي معه، ولك أن تتساءل هل كان الضمير الفني هو الطاغي، أم الضمير القومي؟.
عايش ألفريد حياة الفدائي الفلسطيني من خلال عدة شهور قضاها في معسكر للفدائيين، وقبض على جوهر لا يمكن لأي منهم القبض عليه ببساطة، وخرج ليكون لسان حالهم إلى العالم، مخاطبا العالم باللغة التي يفهمها، وأخرج بعدها رائعته "الزيتون والنار"، فأفرد خصوصية لعلاقة الفدائي بالأرض؛ فالفدائي يمر متسللا إلى الخط الأخضر، ليفجر قطعة من الأرض، يفجرها وهو يشتاق إليها ويحارب من أجلها، رغم أنه يموت عليها أو بعيدا عنها، فكان الرجل رائعا في حله لإشكالية العلاقة بين الفدائي والأرض.

ضفيرة اللعب بالجد
ضفيرة أخرى تميز خصوصية ألفريد وهي تناوله للأمور بمزيج من الجدية واللعب المدهشين، فبداخله وفي أعماقه تكمن شقاوة تذكرك بالفيلسوف نيتشه الذي يصرح في أكثر من موضع بأنه لا يستطيع أن يؤدي مهمات حقيقية إلا عبر شيء من اللعب.
ألفريد فرج رغم ما أحاط نفسه به دائما من جدية كان في أعماقه مهرجا وساخرا لحد بعيد، وفي الوقت الذي كنت تراه فيه مبتسما تلمح خلف ابتسامته بالفعل ظلال حزن.
أذكر أنني قابلته في الذكرى الألفية "لأبي حيان التوحيدي"، وكان لقاء حاشدا ضم كثيرين من رجال الفكر في الوطن العربي، ورأيت كيف أن الرجل جاء مستمعا، بسنواته السبعين وقتها، وجلس ليستمع ويهز رأسه، يهز رأسه بتفهم.
كان ألفريد محاطا بالأنظار، وفي أثناء خروجه المتعجل لم ينتبه لباب شفاف، فارتطم به، ثم ضحك لارتطامه به، رغم قلق الجميع، فإنه هز رأسه بألا يهم، تقدم منه أحد الشباب ليحدثه عن حبه لكتابة المسرح وخاصة للأطفال، فأسرع الكاتب الكبير للانهماك في دردشة مع الشاب، ناسيا أمر الاحتفالية وما فيها، وفي المحادثة كانت أفكاره عميقة وواضحة ومحددة بشكل واضح.
أذكر مما قاله حينها: "مسرح الطفل يمر بأزمة، المشكلة أنهم يتعاملون مع الطفل في مصر، على أنه رجل صغير، هذا خطأ كبير، الطفل ليس رجلا بمقاس صغير، الطفل عالم مكتمل يجب فهمه للتعامل معه".
وظل يتحدث ويتحدث، وظللت أقارن بين منطق الدولة في التعامل مع مسرح الطفل باعتباره مسرح "عيال"، وأنظر لمن يخوض في أخطر الأمور ببساطة ووضوح وتلقائية وأريحية وخفة ظل، مزيج يحملك دائما في مواجهته على الفهم مستمتعا، ليتحقق لك بذلك شرط الفرجة الجيدة بمزج المتعة بالإفادة.

يتبع أيضاً .. .
.
.

حسن العلي
29-07-2008, 04:27 AM
.
.



الفريد فرج: علينا أن نخلق حوارا مع العالم عبرالمسرح

بقلم : أشرف محمود ([email protected])

الكاتب المسرحى الكبير ألفريد فرج واحد من ألمع كتابالمسرح. شارك فى نهضة المسرح المصرى بأعمال خالدة مثل "حلاق بغداد" و"الزير سالم" و"على جناح التبريزى وتابعه قفة". وعلى مدار أكثر من خمسين عاما هى عمر عطاءهالأدبى كان لا بد ان نلتقى به لنستطلع آراؤه فى بعض القضايا الفنية والأدبية التىتشغلنا.

ديوان العرب: على مدار العديد من الحوارات التى أجريتها مع عدد كبير منالكتاب والفنانين هناك إجماع على أن المسرح المصرى يمر بأزمة. فما هو تعليقك علىذلك؟
الفريد فرج: أظن أننى أتفق مع وجهة النظر هذه. وفى الواقع فإن المسرحالمصرى يواجه جملة من المشاكل التى جعلته يتحول فى اهتماماته ويحصر هذه الاهتماماتفى مجموعة من القضايا الفجة التى لا تعبر عن الواقع المصرى، وعن واقع القضايا التىتعيشها الأمة العربية فى هذه المرحلة التاريخية الهامة من حياة الأمة.
هناك من يشيرون إلى أن الأزمة فى جوهرها أزمة نصوص، والبعضيلقى بالأزمة فى ملعب الجماهير. فكيف ترى أن الأزمة؟
الفريد فرج: حصر الأزمة فى عدم وجود نصوص مناسبة هو تبسيط مخل بالحقيقة،وإجحاف لعدد كبير من الكتب المتميزين الموجودين على الساحة والمتميزين فى أسلوبهمومعالجتهم للقضايا التى يتناولونها. فعلى سبيل المثال هناك يسرى الجندى وأسامة أنورعكاشة وأبو العلا السلامونى ومحمد سلماوى. وغيرهم كثير من الكتاب كلينين الرملىوفاروق جويدة. وهؤلاء يمتلكون مواهب لا تقل عن مواهب كتاب مرحلة الستينيات، بلويتفوقون على عدد من الكتب العالميين.
دائما تتم الإشارة إلى فترة السيتينيات باعتبارها العصرالذهبى للمسرح المصرى. لماذا؟
الفريد فرج: لا يساورنى شك فى هذه الحقيقة. لقد كانت فترة الستينيات منهذا القرن علامة فارقة فى تاريخ المسرح المصرى من حيث كمية ونوعية الكتاباتالمسرحية. وكانت الحركة المسرحية تتمتع بزخم وافر تحظى بدعم كبير من جانب الدولة. وفى بعض الأحيان كنا نرى ما لا يقل عن ثلاثين عرضا مسرحيا فى العام الواحد على مسرحالدولة. وكانت تلك الأعمال تتميز بالجودة، وبتنوع التناول. فكنا نشاهد أعمالا منالمسرح العالمى إلى جانب أعمال الكتاب المصريين. وكان لدينا فى تلك الفترة يوسفإدريس وسعد الدين وهبة وميخائيل رومان ورشاد رشدى ونعمان عاشور وغيرهم. ومن هنافالإشادة بتلك الفترة ليست مجرد إشادة عاطفية بل تعبير عن واقع كنا نعيشه. وأيضاانتقادنا لما يحدث حاليا تعبير عن خوف وقلق على مستقبل المسرح المصرى الذى استطاعأن ينجب فنانين عمالقة من أمثال سميحة أيوب ومحمد عوض ومحمد رضا وأمين الهنيدى.
إذا كنت تنفى التهمة عن الكتاب والفنانون ينفون التهمة عنأنفسهم.. فمن هو المسئول؟ من هو الأب الذى يتحمل مسئولية الأزمة؟
الفريد فرج: مركز الأزمة ليس فى قلة النصوص الجيدة أو عدم وجود فنانينعلى المستوى المناسب. ولكن الواقع الذى نعيشه بشكل عام يعانى من مظاهر سوء التخطيط،وإنعدام الإدارة الناجحة، ونقص الميزانيات المخصصة للنهوض بالحركة المسرحية. ولهذايهرب الممثلون من المسرح لأنه لا يمنحهم سوى قروشا قليلة، فى نفس الوقت الذى تفتحمسارح القطاع الخاص أبوابها لهم، ويوفر لهم التليفزيون والسينما دخولا أعلى. إذاالأزمة الكبرى هى عدم وجود إدراك حقيقى لمشاكل المسرح وإنعدام الإرادة للتدخل لحلهذه الأزمة.
هل يعتبر هذا التفسير تبريرا لسبب هروب الكتاب المسرحيينوالفنانين من المسرح إلى التليفزيون وإلى مسرح القطاع الخاص؟
الفريد فرج: كتاب المسرح بالتحديد بين نارين. بين نار مسرح الدولةالبيروقراطى وبين نار القطاع الخاص الذى يطالبهم بكتابة نصوص دون المستوى بحجة أنلهم جمهور خاصا له احتياجات خاصة. وفى نفس الوقت يقدم لهم التليفزيون عددا منالمميزات. ومن الطبيعى فى هذه الحالة أن يتزايد الإقبال على التعامل معالتليفزيون.
ما هو السبب فى أن المسرح الجاد لا يحظى باقبال جماهيرىكثيف؟ الفريد فرج: هذه المسألة ترجع إلى انعدام الثقافة المسرحية فى الثقافةالعربية. للأسف حتى هذا الوقت لم ينل المسرح الاهتمام الكافى ولا الاحترام الذىيليق بمكانته كفن راق فى مجتمعاتنا. وغالبا ما يتم النظر إلى الثقافة المسرحية علىأنها ثقافة النخبة. ولا يقبل على المسرح الجاد إلا القلة من الجمهور المهتم. وأسهمالدور الذى تلعبه مسارح القطاع الخاص فى تعظيم هذه النظرة السلبية للمسرح الجاد. وبالتالى فمن المفترض أن النهضة المسرحية تستلزم أيضا تدريس مادة المسرح للطلابوتثقيف الشباب بأهمية المسرح ودوره فى تشكيل الوعى والوجدان.
شاهدنا مؤخرا معالجة مسرحية جديدة لمسرحية قديمة من تأليفكهى مسرحية "جواز على ورقة طلاق". فما هى الاعتبارات التى تؤدى إلى إعادة عرض أىمسرحية رغم مرور حوالى ثلاثين عاما على ظهورها لأول مرحة على خشبة المسرح؟
الفريد فرج: أولا لا يوجد فى المسرح مفهوم يسمى مسرحية قديمة وأخرىجديدة. والمسرحية التى أعيد عرضها مؤخرا تتعرض لواقع قديم ما زال ملموسا فى هذهالأيام. وبالتالى لإغن المعالجة المسرحية للقضية التى تتناولها وهى قضية العلاقةالإنسانية.. قضية الحب الذى يواجه العقبات. وعادة ما تقوم المسارح العالميةوالمسارح الكبيرة بمعالجة الأعمال التاريخية لتعيد تقديمها برؤية معاصرة. وعلى سبيلالمثال شاهدنا مؤخرا معالجات لمسرحيات لشكسبير كالملك لير على خشبة المسرح القومىوعولجت مسرحية هاملت عشرات المرات. وفى كل مرة كانت المعالجة تتم بشكل مختلف. إذاالقضية هنا أنه لا يوجد مسرح قديم أو نص قديم ونص جديد. هناك ما يسمى قضايا إنسانيةثابتة لا تتغير ولا تختلف باختلاف العصر ولا الثقافات. وغذا كان العالم يواجه حالةمن الانقسام والقطبية الأحادية فإن مصر كغيرها من دول العالم تواجه نفس الواقع. ومنهنا أقول أن القضايا العالمية صالحة للمسرح المحلى والقضايا المحلية صالحة للمسرحالعالمى. والشرط الوحيد هو أسلوب المعالجة، والتقنيات المستخدمة فى العرض المسرحى. ولا يمكننى أن أعتبر أن إعادة عرض مسرحيات آرثر ميللر أو موليير أو هنى إبسن أوتشيكوف تعنى أزمة فى النصوص المسرحية الجديدة.
هل تعتقد أن إعادة معالجة النصوص المسرحية وتقديمها يمكنان يفيد فى تنمية الثقافة المسرحية؟
الفريد فرج: طبعا يمكن أن تلعب هذه النصوص والإعمال دورا مهما فى تنميةالوعى الإنسانى بالمسرح وبالتاريخ وبالقضايا التى تطرحها تلك الأعمال. وتقديم هذهالأعمال لا يتعارض مع تقديم الجديد لا تناقض فى هذا المجال. ونحن نحتاج إلى كلالجهود المسرحية والفنية لكى نعيد التعريف بأنفسنا وبثقافاتنا وبمفاهيمنا للعالمحتى نجيب على الأسئلة القلقة بشأننا. العالم الآن أصبح يتهمننا بأننا اصحاب ثقافةإرهابية. ويتهموننا بأننا نعتنق أفكارا انتحارية. وأصبحنا نلحظ هذا الانقساموالتفاوت الفكرى والمفاهيمى بشكل كبير. ما نسكيه مقاومة يسمونه إرهابا وما نسميهفوارق طبقية يسمونه حرية التجارة. وهكذا نحن مهددون ولا مجال أمامنا سوى أن نحملرايتنا الثقافية على كل المستويات. علينا أن نخلق حوارا مع العالم عبر المسرح. وأننقدم لهم أنفسنا دون تشنج أو تعصب. ومن خلال مسرحنا سيعرفوننا ويكتشفون أوجهالتشابه بيننا وبينهم. ومن هذه النقطة يمكن أن نبدا البناء نحو التفاهم والتناغمالعالمى.
هل تعتقد أننا ما زلنا بحاجة للجوء للمسرح رغم المنافسةالحادة لهذا الفن من جانب التليفزيون والسينما والقنوات الفضائية؟
الفريد فرج: نعم المسرح سيصمد. قالوا هذا الكلام من قل. قالوا أنالتليفزيون سيقضى على المسرح ولم يحدث. وقالوا أن السينما ستقضى على المسرح ولميحدث. الفنون لا تموت. والتنوع فى أشكال التقديم والعرض مطلوب. والمسرح استطاع أنيطور من أدواته ومن أساليبه ويستفيد من التقدم العلمى والتكنولوجى. وبهذا فالمجالما زال مفتوحا أمام المسرح للتنافس مع بقية الفنون. أنا لا أدعو لسيادة المسرح علىأنواع الفنون الأخرى بل أدعو للتنوع والتنافس بينها.
.
.

حسن العلي
29-07-2008, 04:36 AM
.
.

<< ربع قرن على رحيل شوشو >>

عندما يدور الكلام حول الكوميديا في لبنان, وحول امكانية تأسيس مسرح شعبي, تعود بنا الذاكرة المسرحية اللبنانية الى مسرح شوشو, حسن علاء الدين الذي غالبه اسم شوشو وانتصر وانزرع في السجل المسرحي اللبناني والعربي, وراح يثير تساؤلات المسرحيين اللبنانيين عن العلاقة التي تمكن من اقامتها مع جمهور مسرحي واسع, فيما تعثرت جهود الكثير منهم عندما حاولوا اقامة هذه العلاقة مع الجمهور المسرحي اللبناني.
وبعد مضي خمسة وعشرين عاما على رحيل شوشو المسرحي الكبير, يستفزنا حال المسرح في لبنان, فنحاول البحث في الاسباب التي تساهم في تطوير المسرح وتعزيزه, ومن هذه الاسباب تلك التي تتعلق بتأثير مسرح شوشو, والتي نبلورها من خلال التساؤلات التالية: هل رحل مسرح شوشو؟ ام هل استطاع ان يشكل محطة يمكن الانطلاق منها وتطويرها لتشكل مسرحا شعبيا كوميديا لبنانيا؟ كيف انبنت علاقته مع الجمهور, هل يمكن اقامة مسرح شعبي يومي كالذي اقامه شوشو؟
للاجابة على هذه الاسئلة, ننطلق من هذا الرأي الذي اطلقه شوشو, حيث يختصر فيه هدف مسرحه, والسياق العام الذي انبنى فيه هذا المسرح: (بعد الظروف الاليمة التي مرت على لبنان تساءل البعض عن سبب استمراري في العمل على تقديم مسرحية كوميدية جديدة, وكان الجواب بأنني املك مسرحا يوميا, وان المسرح للتسلية والترفيه واضحاك الجمهور, وان استمرار المسرح ضروري بصرف النظر عن عدد الحضور, والا تحول الامر الى مسرح موسمي).
قال هذا الكلام الفتى حسن علاء الدين الذي عرف فيما بعد بشوشو, والذي كا بعيدا عن الدراسة المسرحية وفذلكاتها الاكاديمية, ومعتمدا فقط على موهبة مميزة وعلى عشق كبير للمسرح.. كان صغير الحجم, رسمت حياته المسرحية جملة صغيرة في تمثيلية اذاعية اخرجها المخرج المسرحي محمد كريم في العام 1959، وارتقت به الى مرحلة تأسيس المسرح الوطني الشعبي, والى مرحلة التعاون مع كبار المسرحيين اللبنانيين والعرب: روجيه عساف ونييللي وسناء جميل ومحمود المليجي, وصنف فيما بعد ممثلا ذا طبيعة خاصة وموهبة لافتة واداء مميز, كما صنفه روجيه عساف بأنه مهرج بالمعنى النبيل للكلمة.. والمقصود بالمهرج هنا, هذا الفنان الموجود في كل تراثات العالم الفنية, حيث تتسم اعمال المهرجين وتشترك فيما بينها بصناعة الاضحاك من خلال المبالغة في الاداء بالحركة او بالكلام, او من خلال ابراز صفات معينة مثل السذاجة والبلاهة والغباء, او تكريس شخصيات نمطية مضحكة التي عرفت في المسرح الالماني, والكوميديا ديلا آرتي .. وفيما بعد تحولت صفة المضحك الى مفهوم جمالي يعني في بعض الاحيان الكوميدي, وليس دائما, لأن دراسة الضحك تدخل في اختصاصات متنوعة تعالجه كتأثير على المتلقي, او كظاهرة تتجذر اجتماعيا وتاريخيا في حضارة ما.. واختار شوشو الكوميديا لالتصاقها بالواقع اليومي, ولارتباطها بالحياة المادية, وكان دائما جمهورها اوسع واكثر تنوعا من جمهور التراجيديا او جمهور مسرح النخبة, لأنها غالبا ما تعكس واقع الجمهور, واستعان شوشو بأنواع مسرحية اخرى تحتوي مواقف مضحكة وعناصر اضحاك, كما يوجد في بعض عروض الفودفيل والفارس وفي مسرحيات لا يمكن تصنيفها بشكل واضح, واعتمد شوشو على نصوصها وعلى بنيتها, الدرامية: كنصوص جولدوني, ولابيش, وسينج.
لم يكتف شوشو باختيار هذه النصوص التي تنتمي الى نوع مسرحي كوميدي سواء صنف فودفيلا ام فارسا, يظل مسرحا اضحاكيا يحاكي الناس من خلال طرح قضاياهم للتعبير عنها, كممثل يتمتع بامكانية تحويل الكلام الى مشهد وفرجة, والذي يتمتع بالقدرة على استلهام الواقع, بل عمل بكل صدق وجهد لتأسيس مسرح وطني شعبي بصيغة كوميدية اسست للحالة المسرحية الكوميدية في لبنان, في سياق زمني يوازي فيه ظهور المسرح النخبوي في لبنان, المسرح الذي توجه الى جمهور المثقفين العارفين بمسرح بريشت, وبمسرح العبث واللامعقول, وبمسرح جان بول سارتر, وبمسرح الحركة الجسدية لجروتفسكي.
وعلى الضفة الاخرى من هذه الحركة المسرحية التي انتعشت وازدهرت في مرحلة الستينيات, والتي شغل حيزا كبيرا منها هذا المسرح النخبوي, قام شوشو بتأسيس المسرح الوطني الشعبي تمثلا بالمسرح الوطني الشعبي الذي اسسه المخرج الفرنسي جان فيلار الذي اجرى تغييرا جذريا في بنية المسرح انطلاقا من رغبته في الوصول الى اكبر عدد ممكن من الناس من خلال تغيير شروط العرض والاخراج, وتقديم شيء مختلف للجمهور الشعبي.. وتوافق هدف شوشو مع هدف فيلار بشأن العلاقة مع الجمهور, هذه العلاقة التي لفتت بعض المسرحيين اللبنانيين ومنهم المخرج المسرحي روجيه عساف, الذي انجذب الى تجربة شوشو التي بنيت على علاقة سليمة مع الجمهور اللبناني, وخاض معه تجربة عمل مسرحي هو (آخ يا بلدنا) المقتبسة عن مسرحية اوبرا القروش الثلاثة لبريشت, ولاقت هذه المسرحية نجاحا كبيرا.
وانضمت هذه المسرحية الى ريبرتوار مسرحي كبير, غير ان الحرب الاهلية اللبنانية اتت على هذا الريبرتوار, ودمرت احلام هذا الرجل المسرحي المميز, وانهت اول تجربة للمسرح اليومي في لبنان, هذه التجربة التي لم يتمكن المسرح اللبناني بعد وفاة شوشو, وحتى اليوم من القيام بتجربة مماثلة لها, لا على مستوى المسرح الكوميدي, ولا المسرح الشعبي, ولا المسرح اليومي.
وعلى الرغم من جدية هذه التجربة وضرورتها في الحياة المسرحية اللبنانية, الا انها لم تتمكن من غرس بذور يحتمل ان تنمو, وتنبت مسرحا شعبيا يعبر عن حاجات الناس وقضاياهم, وانحصر المسرح اللبناني اليوم بالمسرح الجامعي الذي يقيمه المسرحيون الجامعيون, والذي يقدم على خشبة الجامعة, وبمسرح الشانسونييه, او احيانا الفودفيل الذي يفتقد الى ممثل قادر مثل شوشو, وهنا يبرز سؤال جوهري يحثنا عليه افتقارنا الى ممثل, تخرج على يد شوشو, أستثني في هذا المجال الممثل المسرحي والتلفزيوني اللبناني احمد الزين الذي تدرب على شوشو, وتأثر به كثيرا, وفيما عدا ذلك لا نعثر على ممثل كوميدي مماثل لشوشو, على المستوى الابداعي, لذلك نتساءل, مرتابين!.. هل يعقل الا يظهر ممثل يتمتع بامكانات تشبه تلك التي تمتع بها شوشو؟؟ لا سيما انه يتخرج سنويا من اكاديميات الفنون حوالي الخمسين ممثلا, ان لم يكن هناك تجاوز لهذا العدد.
ونحن لا نقصد بذلك ان نخلق شوشو, النسخة, ولكننا نلفت الى ضرورة الاستعانة بقدرة شوشو التمثيلية وتلقينها الى الطلاب الذين يطورونها بدورهم, ثم يضيفون اليها من ابداعهم الذاتي, ونعزو ذلك الى واقع الحالة المسرحية في لبنان الذي يشكو من افتقارنا الى الصالة المسرحية, والى الخشبة الدائمة, والى الريبرتار المرسحي الذي لم يستطع المسرحيون اللبنانيون حتى اليوم من اقامته لعدة اسباب منها: الاقتصادية, والمادية, عدم وجود البنية التحتية للمسرح, الصالات, والتجهيزات.. التي ينتج منها وتحديدا في هذه المرحلة استحالة وجود مثل شوشو, يستدين المال ليؤسس مسرحا وطنيا شعبيا يقدم يوميا العروض المسرحية, في زمن لا يجد المسرح اللبناني من يدعمه او يموله, فيما تمول الحكومات والمؤسسات الثقافية الحركة الثقافية عامة والمسرحية خاصة, في مختلف البلاد العربية.
هذا على المستوى المادي والاقتصادي, اما على مستوى العلاقة المتفاعلة مع الجمهور, وبتأسيس مسرح يقصده الناس برغبة وشغف لحضور اعمال المسرح الوطني الشعبي, لأن هذا المسرح يجسد حالهم ويصور معاناتهم في سياق كوميدي مضحك وموجع في آن, ونحن اذ نسوق هذا الكلام, لا نقصد به ان المسرح اللبناني الجاد الذي يقدم اليوم على منصة الخشبة اللبنانية, لا يهتم بالجمهور, ولا يطرح قضاياه, ولكننا نقصد القيام بدراسة الاسباب التي تعيق اقامة هذه العلاقة, لاسيما وان السياق الجاد لتأسيس علاقة مع الجمهور, يخضع اليوم لعدة اعتبارات منها وبالدرجة الاولى:
دراسة واقع الجمهور وحاله, وفئاته ومستواه الاجتماعي والثقافي والمادي والاقتصادي, واحواله البيئية, والجغرافية, ومدى علاقته بالمسرح, اي مدى اهتمامه بالمسرح كوسيلة للمتعة وللتعبير وللتسلية, خاصة في هذا الزمن الذي تتعقد فيه وسائل التعبير بسبب التطورات التكنولوجية التي اثرت في صناعة الصورة فقربتها من المشاهد, وساهمت احيانا في ابعاد هذا المشاهد او الجمهور عن الخشبة المسرحية, لذلك بات من الضروري القيام بقراءة نقدية جديدة تضع في الحسبان آلية اعادة بناء علاقة جادة مع الجمهور المسرحي, واذا تيسر فلتكن علاقة تقوم من خلال مسرح يومي, تساهم فيه المؤسسات الثقافية والرسمية, وتقترب اكثر من الناس وتبوح وتفجر مكنوناتهم

.
.

حسن العلي
29-07-2008, 04:45 AM
.
.

الاسم الكامل: بهيجة عبد الله مصري إدلبي
http://www.diwanalarab.com/local/cache-vignettes/L8xH11/puce_rtl-470e9.gif اسم الشهرة: بهيجة مصري إدلبي
http://www.diwanalarab.com/local/cache-vignettes/L8xH11/puce_rtl-470e9.gif مكان وتاريخ الميلاد الكامل حسب التقويم الشمسي: سورية ـ حلب ـ 1 / 8 / 1965
http://www.diwanalarab.com/local/cache-vignettes/L8xH11/puce_rtl-470e9.gif البلد الأصلي (للتعريف): سورية
http://www.diwanalarab.com/local/cache-vignettes/L8xH11/puce_rtl-470e9.gif التخصص الجامعي إن وجد: لغة عربية،
http://www.diwanalarab.com/local/cache-vignettes/L8xH11/puce_rtl-470e9.gif الشهادة الجامعية والجامعة إن كنت جامعيا: ، ليسانس آداب قسم اللغة العربية ـ دبلوم تربية وعلم نفس ـ جامعة حلب
http://www.diwanalarab.com/local/cache-vignettes/L8xH11/puce_rtl-470e9.gif التخصص الأدبي (شاعرة وروائية وناقدة )
http://www.diwanalarab.com/local/cache-vignettes/L8xH11/puce_rtl-470e9.gif البريد الألكتروني:[email protected]
http://www.diwanalarab.com/local/cache-vignettes/L8xH11/puce_rtl-470e9.gif رقم الهاتف : جوال / 0933555481
http://www.diwanalarab.com/local/cache-vignettes/L8xH11/puce_rtl-470e9.gif عنوان موقعها الشخصي على النت
http://www.arab-ewriters.com/baheega
http://www.diwanalarab.com/local/cache-vignettes/L8xH11/puce_rtl-470e9.gif مدونتان فيها أشعارها المختلفة
http://baheega.maktoobblog.com
http://masrieidilbi.maktoobblog.com
http://www.diwanalarab.com/local/cache-vignettes/L350xH263/BaheejatMaxre-SOR_3_-02a88.jpg
المؤلفات وتشمل قائمة بالمؤلفات كالتالي:
في الشعر المجموعات التالية :

في ساعة متأخرة من الحلم ـ طبعة ثالثة / 2005 / دار عبد المنعم ناشرون ـ حلب أبحث عنكَ فأجدني / طبعة ثالثة / 2005 / دار عبد المنعم ناشرون ـ حلب
على عتبات قلبكِ اصلّي / طبعة ثالثة / 2005 / دار عبد المنعم ناشرون ـ حلب
خدعة المرايا/ طبعة ثالثة / 2005 / دار عبد المنعم ناشرون ـ حلب
قالت لي السمراء < السمراء في برج الحداد ( إلى الشاعر نزار قباني) وقد أصدرت فيما بعد المجموعتين في مجموعة واحدة بعنوان / قالت لي السمراء في برج الحداد / صادر عن دار عبد المنعم ناشرون ـ حلب / 2001 / نهر الكلام يعبر من دمي
رحلة الفينيق / طبعة ثالثة / 2005 / دار عبد المنعم ناشرون ـ حلب
تقاسيم حلبية / صادر عن الأمانة العامة لحلب عاصمة للثقافة الإسلامية طبعة أولى عام / 2006 /http://www.diwanalarab.com/local/cache-vignettes/L350xH263/BaheejatMaxre-SOR_2_-2-cf95f.jpg
في الرواية :

رحلة في الزمن العمودي / دار عبد المنعم ناشرون / حلب / عام 2001 / ألواح من ذاكرة النسيان / حائزة على جائزة دار الفكر عام 1998 / حيث صدرت عن دار الفكر المعاصر في بيروت 2002
الغاوي / منشورات دار كنعان / 2003 /http://www.diwanalarab.com/local/cache-vignettes/L350xH232/Baheejat_Shariqat-673f0.jpg
في أدب الأطفال :

الضاد تغني " أناشيد للأطفال "( صياغة قواعد اللغة العربية الصادر عن المجلس الأعلى للطفولة في الشارقة 2001 الضاد تغني تتمة أجزاء السلسلة للأطفال دار عبد المنعم ناشرون حلب ـ 2001 مغامرات صائل قصة دار عبد المنعم ناشرون حلب ـ 2001
مملكة اللغة مسرحية دار عبد المنعم ناشرون حلب ـ 2001
الضاد تحكي أربعة أجزاء قصص دار عبد المنعم ناشرون حلب ـ 2004
حجر بيد ودم بيد شعر دار عبد المنعم ناشرون حلب ـ 2001http://www.diwanalarab.com/local/cache-vignettes/L350xH263/BaheejatMaxre-SOR_1_-b2a9b.jpg
في النقد

القصيدة الحديثة بين الغنائية والغموض / دائرة الثقافة والإعلام الشارقة 2005
وأنجزت جنوني
قراءات في الشعر العالمي / نيرودا ـ ألبرتي ـ لوركا /http://www.diwanalarab.com/local/cache-vignettes/L350xH263/Baheejat_TV-38df3.jpg
الجوائز التي حصلت عليها

جائزة عكاظ للشعر للعام 1998 جائزة دار الفكر للرواية العربية للعام 1998
جائزة طنجة في المغرب العربي للعام 2000
جائزة الشيخ بدر الدين نعساني للشعر للعام 2000
جائزة الصدى للرواية العربية دبي للعام 2001
جائزة المزرعة للقصة القصيرة للعام 2002
جائزة أفضل نص مسرحي السعودية للعام 2003
جائزة ناجي نعمان الأدبية. لبنان للعام 2003
جائزة الإبداع في الشارقة للعام 2004
جائزة صلاح فضل في الشعر ـ أبو ظبي 2007 http://www.diwanalarab.com/local/cache-vignettes/L350xH286/BaheejatMaxre-SOR-cf234.jpgالاتحادات الأدبية والفكرية التي شاركت أو تشارك فيها.

عضو اتحاد الكتاب العرب
عضو اتحاد كتاب بلا حدود ألمانيا
عضو اتحاد كتاب الإنترنت العرب
عضو نادي التمثيل العربي بحلب
عضو جمعية العاديات بحلب
عضو نادي شباب العروبة للآداب والفنون
عضو الهيئة العليا في منتديات من المحيط للخليج
عضو دائم في دار نعمان للآداب.
.

حسن العلي
29-07-2008, 05:08 AM
.
.

هارولد بنتر (10 أكتوبر (http://ar.wikipedia.org/wiki/10_%D8%A3%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%A8%D8%B1)1930 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1930) م)

كاتب مسرحي بريطاني (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7) ولد في لندن (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86) لأبوين يهوديين (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%8A%D9%87%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9) من الطبقة العاملة. بدأ حياته المهنية كممثل. ومسرحيته الأولى "الغرفة" قُدمت في جامعة بريستول (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AC%D8%A7%D9%85%D8%B9%D8%A9_%D8%A8%D8%B1%D9%8A% D8%B3%D8%AA%D9%88%D9%84) عام 1957 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1957) م. عمله المسرحي الثاني والذي يعدّ الآن من أفضل أعماله، حفلة عيد الميلاد، قُدم في عام 1958 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1958) م، وواجه فشلاً تجاريًا رغم ترحيب النقاد بها. لكنها قدمت مرة أخرى بعد نجاح مسرحيته الناظر 1960 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1960) م، والتي جعلته مسرحيا مهما، وهذه المرة استقبلت بشكل جيد.
مسرحياته الثلاثة الأولى وعمل آخر له، وهو "العودة إلى البيت" في عام 1964 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1964) م، جعلت عمله يصنف على أنه من كوميديا التهديد (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D9%83%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%AF%D9% 8A%D8%A7_%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%87%D8%AF%D9%8A%D8%A F&action=edit&redlink=1). حيث تبدأ المواقف بشكل برئ جدًا ثم تتطور بطريقة عبثية لأن الشخصيات في المسرحية تتصرف بطريقة غير مفهومة، لا للجمهور ولا حتى لبقية الشخصيات. اعتبر هذا الأمر تأثيرا واضحا لصموئيل بيكيت (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B5%D9%85%D9%88%D8%A6%D9%8A%D9%84_%D8%A8%D9%8A% D9%83%D9%8A%D8%AA) على بنتر، وقد صار الرجلان صديقين من يومها.
في عقد السبعينات تفرغ بنتر للإخراج أكثر، وعمل كمساعد مخرج في المسرح الوطني عام 1973 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1973) مم وأصبحت مسرحياته أكثر قصرا و محملة بصور الاضطهاد والقمع. وفي عام 2005 (http://ar.wikipedia.org/wiki/2005) م أعلن بنتر اعتزاله الكتابة و تفرغه للحملات السياسية.
لبنتر نشاط سياسي مميز دفاعا عن الحقوق و الحريات بغض النظر عن المواقف الرسمية لبلاده. في عام 1985 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1985) م كان مع المسرحي الامريكي (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7) آرثر ميللر (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A2%D8%B1%D8%AB%D8%B1_%D9%85%D9%8A%D9%84%D9%84% D8%B1) في زيارة إلى تركيا، وهناك تعرّف على أنواع التعذيب والقمع التي يتعرض لها المعارضون، و في حفل رسمي في السفارة الأمريكية أقيم على شرف ميللر ، تقدم بنتر ليلقي كلمة عن أنواع التعذيب والإذلال الجسدي التي يتعرض لها المعرضون للنظام الذي كانت الحكومة الامريكية تدعمه. أدى الأمر إلى طرده من الحفل وخرج ميللر متضامنا معه من الحفل الذي أقيم على شرفه. وظهر أثر زيارته لتركيا في مسرحية "لغة الجبل" 1988 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1988) م.
عارض بنتر مشاركة بلاده لغزو أفغانستان (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D8%BA%D8%B2%D9%88_%D8%A3%D9%81%D8 %BA%D8%A7%D9%86%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86&action=edit&redlink=1) كما عارض حرب العراق (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AD%D8%B1%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7% D9%82)، و نعت الرئيس الأمريكي جورج بوش (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AC%D9%88%D8%B1%D8%AC_%D8%A8%D9%88%D8%B4) بالمجرم الجماعي و قارن بينه و بين هتلر (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%87%D8%AA%D9%84%D8%B1)، ووصف رئيس الوزراء البريطاني توني بلير (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AA%D9%88%D9%86%D9%8A_%D8%A8%D9%84%D9%8A%D8%B1) بالأبله.
في 13 أكتوبر (http://ar.wikipedia.org/wiki/13_%D8%A3%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%A8%D8%B1) عام 2005 (http://ar.wikipedia.org/wiki/2005) م، أعلنت الأكاديمية السويدية (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%83%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D9%85%D 9%8A%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF%D9 %8A%D8%A9) فوز هارولد بنتر بجائزة نوبل (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AC%D8%A7%D8%A6%D8%B2%D8%A9_%D9%86%D9%88%D8%A8% D9%84) للأداب لعام 2005 م، معللة ذلك "بأن أعماله تكشف الهاوية الموجودة خلف قوى الاظطهاد في غرف التعذيب المغلقة".

.
.

حسن العلي
29-07-2008, 05:11 AM
.
.

هارولد بنتر دخل المسرح من نافذة شكبير وغادره من بوابة العبث واللامعقول!
سعد السعدون 19 نوفمبر 2007

تزدهي حقول الأدب المسرحي بالكثير مما أبدعه الفكر الإنساني من ثمار أضافت لمسيرة ذلك الفن مزيدا ً من التنويع على مستوى الشكل والمضمون، في محاولات مستمرة وجادة تتماهى مع روح العصر للوقوف عند أعتاب جديدة في محاكاة الواقع الإنساني وفق نظرة فلسفية تنتمي لإتجاه فكري ما، ولم يكن من قبيل الصدفة ما أفرزته مسيرة الأدب المسرحي من إتجاهات ومدارس ومذاهب حملت كل منها معايير وسمات شكلت الأرضية التي بموجبها تتم عملية البحث عن المعنى الكامن للكيان الإبداعي، وتبقى حاجة المجتمع الإنساني لأي إطار معرفي يصنف المنجز الإبداعي، هارولد أحد أهم رواد مسرح العبث واللامعقول المنحدر من بيئة إنجليزية لم يكن يشكل له المسرح هاجسا ً أساسيا ً في بواكير حياته على الرغم من تردده على قاعات المسارح لمشاهدة عرض ما، بل أن ذهابه الأول إلى المسرح كان بقصد مشاهدة الممثل الإنجليزي (دونالد رولفت) وهو يؤدي دورا ً في إحدى مسرحيات شكسبير، ولإعجابه الشديد بالممثل المدذكور ظل يتردد بنتر على ذات العرض لمشاهدة ممثله المفضل حتى وصل الحال به إلى مشاركته بتأدية أحد الأدوار وبالفعل قام هرولد بنتر بتمثيل أحد الأدوار الثانوية من ذلك العرض الشكسبيري، وبعد بلوغه سن العشرين بدأ هارولد بنتر بتبني المسرح بوصفه هما ً إبداعيا ً، ففي تلك الفترة طلب معونة مالية بهدف دراسة الفنون المسرحية في الأكاديمية وقد درس لمدة فصلين دراسيين بعدها ترك الدراسة، الأمر الذي فرض عليه الالتحاق بالخدمة العسكرية لاسيما في تلك الفترة التي كان العالم يشهد أحداث الحرب العالمية الثانية بيد أنه رفض الالتحاق إلى الخدمة مما عرضه إلى المحاكمة كمعارض للخدمة العسكرية، وكانت معارضته لأسباب إنسانية محضة للتعبير عن رفضه المطلق لفكرة الحروب، وبعد تلك الفترة عمل بنتر مع فرقة مسرحية متنقلة إسمها (ماك ماستر) وجال معها آيرلندا على مدى عدة شهور حيث كان يعمل بإسم مستعار هو (ديفيد مارون) وظل يحمل ذلك الإسم لمدة تسع سنوات كما عمل ممثلا ً مع فرقة السير (دونالد رولفت) وإلى جانب إهتماماته المسرحية نظم بنتر الشعر وكتب النثر، كما أنه خاض غمار الفن الروائي عندما كتب رواية تحمل سمات السيرة الذاتية لكنه سرعان ما أقر بعدم رضاه عنها كرواية، لقد تميز هارولد بنتر عن سواه من كتاب العبث أنه كان يحب التمثيل كثيرا ً بالرغم من كونه يؤلف المسرحيات فقد قدم دورا ً في مسرحية (حفل عيد ميلاد) التي كانت من تأليفه وفي فترة لاحقة كلف بكتابة مسرحية لقسم الدراما بجامعة بريستول وكتب باكورة أعماله (الغرفة) وتعد هذه المسرحية بدايته على طريق النجاح وقد أتبعها بمسرحيته (الحارس الليلي) التي حققت نجاحا ً باهرا ً كما أنه كتب للإذاعة والتلفزيون البريطاني فكتب مسرحيته (الخادم)، (أكل القرع العسلي)، (الحادث)، (الوسيط)، (المجموعة) أن نظرة عميقة لنصوص هارولد بنتر كفيلة لتظهر لنا مدى ثورة هذا الأديب على النهج الواقعي أو الطبيعي للمسرح الحديث خاصة وأن الواقعية أصبحت في تلك الفترة على نطاق أوربا السمة أو الموجة التي ركبها أغلب كتاب الدراما المسرحية في القارة المذكورة، حتى وصل الحال أن بعض الكتاب جنحوا إلى الواقعية بعد أن كتبوا في التعبيرية كما هو الحال مع الكاتب السويدي (أوغست ستريندبرغ) ومع كل تجارب الواقعية وإنتشارها فإن ذلك لم يمنع من ظهور تيار العبثيين من الكتاب الذين جاءوا نتيجة الإنطباع الذي تولد لديهم في أعقاب الحرب العالمية الثانية وما خلفته من دمار على المجتمعات والبنى المختلفة لها لذلك فقد ضرب بعرض الحائط كتاب العبث بمن فيهم هارولد بنتر كل المفاهيم والمعايير التي كانت تقاس عليها الدراما فقد حاولوا إيجاد أطر جديدة لنظرية أرسطو للدراما ولاسيما فيما يتعلق في الصراع وتمظهرات المكان والزمان وذلك ما تجلى في أعمالهم فالمتتبع لبناء وصيرورة النص العبثي يلاحظ جليا ً الآلية الجديدة التي تظهر عليها عناصر كالعقدة والصراع فلم تظهر العقدة بقالبها التقليدي بل أستبدلت بالحوار المبتور التلغرافي الذي تغلب عليه اللهجة العامية أو السوقية أحيانا ً كما أن بناء الشخصيات وفق المنطق الأرسطي يختلف تماما ً عما هو في النص العبثي، وكذلك عنصر المكان الذي جعله العبثيون محدودا ً للغاية كما في مسرحية (الغرفة) أما عامل الزمن فقد تحول وفق المنظور العبثي إلى عنصر غير ذي أهمية، ومع كل تلك المدارس المسرحية التي إزدهرت في القرن العشرين يبقى مسرح العبث مهما ً للغاية لاسيما عند الأوربيين الذين إبتكروه لأنه يعكس واقعهم المؤلم المتمثل في طبيعة المجتمع الذين يعيشون والعلاقات الإنسانية الهشة التي تغلفه، ومازال العديد من النقاد يعتقدون أن مسرح اللامعقول أو العبث لم يتجه نحو وجهة واضحة المعالم فهو وعاء عائم يتيح المجال للإجتهاد، وتلك سمته الأساسية التي إذا ما تغيرت فإنه سينتهي كفكرة ومضمون ومغزى وبالإضافة إلى هارولد بنتر الذي دخل المسرح عبر نصوص شكسبير كممثل واجترح مع رعيل من الكتاب الأوربيين هذا الاتجاه المسرحي فإن هناك نخبة من أهم الكتاب الذين كتبوا روائع مسرحية أمثال صموئيل بيكيت، ويونسكو، وسارتر، آخرين

وتوج هارولد بنتر مسيرة عطائه بحصوله على جائزة نوبل في العام 2005، بيد أن بعد ذلك الحين آثر الابتعاد عن كتابة النص المسرحي وظل يكتب المقالة السياسية بعد أن أصبح شاهدا ً على ما يمر به المجتمع الإنساني من الحروب المتكررة والاجتياحات، ولم يتوان بنتر عن رفضه للحرب ضد العراق وعلى ما يجري في فلسطين وغيرها من أماكن التوتر في العالم .
.
.

حسن العلي
29-07-2008, 05:15 AM
.
.

<< هارولد بنتر من الغضب إلى الإرتجال الكتابي >>

كان إعلان جائزة نوبل في السنوات الماضية مناسبة للتعرّف على كتاب غير معروفين عالمياً وإكتشاف عوالم أدبهم . أما هذا العام ، فشكل هذا الإعلان مناسبة لإعادة إكتشاف واحد من أهم كتاب المسرح في النصف الثاني من القرن العشرين وهو " هارولد بنتر " ، المدافع العنيد عن حقوق الإنسان والشعوب وقيم الحرية ، والحلقة الأهم بين الكلاسيكية و الحداثة في المسرح الحديث . لقد اختار هذا الشاعر والمسرحي أصعب موقع داخل الثقافة الأوروبية المعاصرة ، وهو الغضب والصمت معاً . ففيما اتجهت التيارات العبثية والغاضبة في كل من باريس ولندن نحو التركيز على الحركة والعنف اللفظي في تحديهم لمأسسة المأساة الإنسانية التي تركتها الحربين الكونيتين بالإضافة إلى الأسئلة الوجودية التي كانوا يطرحونها ، خص بنتر نصوصه بالثرثرة والصمت واللاإتصال ،وخبأ غضبه في دهاليز لغة نثرية متقطعة أدهشت الكثير من المخرجين المسرحيين . فهي ( النصوص ) طالما جمعت بين السكون والحركة الموقعية للممثل تركت فضاءاً يسع للغة والأنين الداخلي أكثر من الحركة الفيزكية .
هناك بدايات كثيرة للحديث عن هارولد بنتر وحياته الموزعة بين المسرح والشعر والسياسة ، فهو جزء من ظاهرة مسرح الغضب الذي أطلقه كل من ( جون أُزبورن و جون آردن ) وآخرين في الحياة الثقافية البريطانية أواسط القرن الماضي . لكن بنتر لم يمش مع التيار بأن نحت عالماً خاصاً به ، اتجه فيه نحو التشخيص الشعري للحالة المسرحية ، ابتعد بالتالي من " الديالوغ " وسيطر " المونولوغ " السردي على أجواء نصوصه ضمن غرف مغلقة .
كان تفرّد الإنسان بذاته وابتعاده عن بيئته الإجتماعية والتاريخية هو الميزة الأساسية في نصوص بنتر المسرحية ، ومن هنا ظهر الماضي مستبداً بشخصياته واصبح عاملاً مهماً في تكوينها النفسي ، ذلك انها – الشخصيات – تخاف الحاضر وتخضع نفسها إلى خبث لغوي مقتضب ،تتملك فيه المرء رغبة في الإنتقام من الخارج طالما شكل مصدر التهديد لها .
وفي الغالب ترمز الشخصية عند بنتر إلى حالة أو زمن او تاريخ ما ، ولايمكن إكتشاف العلاقة الداخلية في نصه بالتالي دون البحث عن مصادر لغته المكثفة ، المقتضبة ، المتقطعة . ذلك ان ابعاد الشخصية البسيكولوجية لديه ترتسم وفق البعد الرمزي للماضي في حياتها . ولو رجعنا إلى مسرحيته الشهيرة " الحارس " التي كتبها عام 1959 ، أي بعد عامين من مسرحيته الأُولى "الغرفة " ، نرى دخول شخصية العجوز إلى منزل أخوين واختراق علاقتهما " الهشة " يتحول إلى السيطرة على البيت . وليس للعجوز الغريب ماض في حياة الأخوين اللذين فقدا حضورهما بعد ظهوره ،لا بل هو قوة لامرئية أوجدتها العلاقة ذاتها ، ذلك انها ضبابية وهشة في جوهرها .
في مسرحية " الأيام الخوالي " تتكرر ثيمة " الحارس " على نحو آخر وبين زوجين اكتشفا بعضهما بعد عشرين عاماً من الحياة الزوجية . في يوم هادئ وعادي يعيشه الزوجان تزورهما صديقة قديمة وتقلب حياتهما الهادئة رأساً على عقب . بعد دخولها تدخل الزوجة إلى الحمام وتبدأ الضيفة بحوار مع الزوج حول زيف علاقته بزوجته وان هناك خيانة بينهما تستمر منذ عشرين عاماً . عندما تخرج الزوجة من الحمام تنتهي " كذبة " البيت الزوجي الهادئ وينكشف ظلم الماضي عليهما . تبدو الفكرة هنا قاسية وفيها قدر كاف من العنف اللفظي والجسدي ، لأن الخيانة الزوجية هي في الأساس إشتراط مألوف للإنفعال والصراخ والبكاء إلخ .. من أدوات العنف . لكن بنتر كعادته استخدم لغة الصمت بين الشخصيات الثلاث
( الزوج ، الزوجة ، الصديقة ) التي بدت وكأنها تخص بكلامها أناس آخرون وليست ذواتها . رغم ان الكاتب اعتمد مونولوغات طويلة في هذا النص وأننا لم نلحظها في مسرحياتها الأُخرى ، لكن فترات الصمت التي تتخللها تقتضب الجمل والأفكار ويعود الكاتب بالتالي إلى اسلوبه الشائع في استراتيجية تشخيص اللغة الدرامية المسماة اليوم بـ " البنترية " ، وهي لغة سهلة ، كلماتها قليلة ، وجملها قصيرة ، ونعثر عنده أيضاً على بساطة لفظية . اعتبر نقاد مسرح بنتر في تحليلهم لهذا النص بأن الشخصية الثالثة " الصديقة " ، هي الزمن الواقع بين الخيانة ولحظة اكتشافها ، أي انها بعد رمزي اقتضته نهاية حياة زوجية مزيفة .
في مسرحية " الصمت " تواجه ثلاث شخصيات أُخرى ماضيها عبر لقاء غير حميمي . يبدأ الحوار بينهم في مكان غير محدد ، وتتكلم كل شخصية عن ذاتها عبر جمل غير مفهومة ووصف شعري أحياناً ، لكن في سياق أحاديث إنفرادية يبدو انها كلام إرتجالي من عمل الممثل ذاته . وظهرت " البنترية " من خلال أسلبة هذه التقنية الكتابية لدى بنتر في جميع مسرحياته التي اعتمد فيها على الكلام أكثر من اللغة . الأحساس الغالب لدى المتلقي في المسرح البنتري هو ان الممثلين يتكلمون وتتضمن حواراتهم العفوية والصمت والسهولة والضبابية احياناً . فمثلما نقول في حياتنا العادية ( لم أقدرأن افهم عليك ) لا نفهم على الشخصية البنترية أحياناً ،لأنها ترتجل وتقطع الكلام في اعالي الغضب صمتاً كما في مسرحية " لغة الجبل " التي نأتي إلى ذكرها أيضاً.
إذاً ، هناك وراء " البنترية " ظاهرة إرتجال الكلام في النص وفق ميكانيزم التغيير الموضعي له ، أو تبديل مساحاته المحسوسة . ويأتي إستقدام النص الخلفي " الباغراوند " وإعلانه في متن النص المقروء ، ضمن التبديل ذاته وجسد دافع كامن لبقاء اللغة كشيء غير مكتمل . لذا حاول المخرجون والنقاد والممثلون قراءة نصه وفق آلية النص ذاته وليس وفق ثقافتهم المسرحية والموسوعية ، لأن التتمة الموضوعية للحدث أو التحول الدرامي ، طالما اصبحت تراثاً مسرحياً درامياً ، اختفت لديه وأصبح قول شيء في بداية النص مثلاً ، لا يعني إلا تلك البداية ؛ أي تلاشي التسلسل المنطقي للأشياء . وقد تميز بنتر في هذا السياق بنحت لغة تصلح للصمت والعزلة ، ذلك انها ليست لغة حوارية وأن فيها إسترسال متقطع يشبه الهذيان في أعلى درجات الضجر .هذا ما نلاحظه في "الأيام الخوالي " إذ تسترسل الشخصيات الثلاث حوارها وصمتها دون الإستماع للآخر ، وكأن كل واحدة منها تريد إعلان شيء عن ماضيها لإلغاء حاضرها .
تجدر الإشارة هنا إلى ان حركة الممثل في جميع نصوصه باستثناء " لغة الجبل " محدودة ،لا تتجاوز موقعه الفيزيكي ، وللسبب ذاته تبقى حركة موضعية ولا تتداخل مع حركة الممثلين الآخرين . ففي "الصمت" كما في "الأيام الخوالي" و"الحارس " يجلس الممثل على كرسيه أو يتحرك في دائرة محدودة . نفهم من هذا السكون أو " التحرك الموقعي " الذي تقتضيه حالة الشخصية الداخلية ولغتها ، ان هناك ثنائيات لصيقة ببعضها في البنترية وهي : الصمت والكلام ، الظل والضوء ، الإقتضاب والإسترسال . وهي بالتالي شكل من أشكال الإرتجال الكتابي لديه . يمكنني القول في هذا السياق وبعد تجربة إخراجية لي عام 1989 لمسرحية " الصمت " في مدينة السليمانية في كردستان العراق وقراءة نصوص أُخرى مسرحية وشعرية له ، ان " البنترية " هي الإرتجال الكتابي . وفي هذا المنحى الكتابي الذي تتميز فيه اللغة بأجواء " كلامية " تتذاهن الشخصية المسرحية مع شروده ومقتضيات حالة نفسية تفرض طقساً " تشيخوفياً " من حيث الهدوء والغضب الداخلي . لكن مقاربة كهذه ، لايمكَّننا التشبث إلاّ بإستعارة إيحائية بين لغة تشيخوف المحبوكة وفق تشخيص درامي اعتبره نقاد المسرح البذور الأُولى للمسرح اللامعقول وبين اللغة البنترية التي تعتمد السردية المقتضبة . رغم ان نقاد مسرح بنتر لم يشيروا إلى تأثر البنترية
بـمسرج تشيخوف الذي أرسى مع كل من أُوغست ستريندبرغ وهنريك ابسن معالم مسرح العبث في أوروبا ، إلا ان هناك تأثيراً واضحاً من حيث بناء الشخصية وعوالمها المسكونة في الصمت . فتلك " الحوارات الذاتية " الطويلة التي تتميز بها الشخصية التشيخوفية وتمنحها صورة " المرتجل " على الخشبة ، نلاحظها لدى بنتر في " حوار إنفرادي " مقتصرعلى تصورات ممكنة للإرتجال ،لكنه حوار مقتضب كما أشرت .
في عام 1985 قام بنتر مع المسرحي الأمريكي الشهير " آرثر ميللر " بزيارة إلى تركيا وتعرّف هناك على مأساة الشعب الكردي المحروم من التكلم بلغته الأم والذي تمنع عليه ثقافته الموروثة الشفاهية والكتابية . كان للزيارة اثر خاص عليه ،دفعه لكتابة نص مسرحي عام 1988 بعنوان " لغة الجبل " ، يتناول فيها حيثيات محاكمة عسكرية تركية ذعنت لها إمرأة كردية بعد أن عضها كلب " الجندرمة " وهي في طريقها للمدينة كي تزور إبنها في السجن . ولأن القانون المديني التركي لا يقبل أية شكوى إلاّ باللغة التركية يقول لها الضابط ( أنت لا تجيدين لغة المدينة وتتكلمين بلغة لا نفهمها ، إنها لغة الجبل . لا يمكن محاكمة كلبنا قبل أن نسمع مالديك بلغتنا نحن ) لكن الأُم لم تسمع في حياتها غير لغتها التي تغني بها لإبنها عندما كان صغيراً . والآن تتحرق لرؤيته ، ما لها بهذه المصيبة .انها تريد ان تلتقي بولدها وحسب، وهذا الكلب الذي يرجع لهم عضها ، فيجب عقابه . ترفض المحكمة العسكرية طلب الأُم بمعاقبة الكلب ، ولكنها تسمح لها بزيارة السجن مع خطيبة إبنها للقاء ه ، شرط ان لا تتكلما غير التركية . ولا تتكلم الأُم ولا الخطيبة غير الكردية فيفرض الصمت بالتالي شروط اللقاء .

.
.

حسن العلي
29-07-2008, 05:20 AM
.
.

<< هارولد بنتر أوصل رسالة >>

جائزة نوبل للآداب هذه السنة (2005) كانت من نصيب الكاتب المسرحي البريطاني هارولد بنتر. ومع ان لجنة جائزة نوبل تؤكد غياب الطابع السياسي عن جوائزها إلا ان الكثيرين يربطون خياراتها بظرف سياسي محدد.
لا يستطيع المراقب الا ان يكتشف سمة مشتركة بين محمد البرادعي الذي فاز بجائزة نوبل للسلام وهارولد بنتر الذي فاز بجائزة نوبل للأدب.


البرادعي أغضب الولايات المتحدة بسبب التقرير الذي رفعه للأمم المتحدة وخلص فيه إلى عدم وجود أسلحة دمار شامل في العراق، وهو الذريعة التي استندت عليها الولايات المتحدة في شنها للحرب واحتلالها للعراق.
ومن بين الأسماء التي تداولتها وسائل الإعلام العالمية في تقييمها للفائز بجائزة الأدب، وبينها اسما أدونيس ومحمود درويش، اختارت لجنة جائزة نوبل هارولد بنتر بالذات، وهو الناشط السياسي في مجال حقوق الإنسان الذي كثيرا ما شارك في الفعاليات المناهضة للحرب على العراق.
الا ان الحرب على العراق لم تكن المجال الأول للصدام بين بنتر والسياسة الأمريكية، فقد سبق ان طرد من احتفال في السفارة الأمريكية في تركيا أقيم على شرف الكاتب أرثر ميلر، وكان بنتر يرافق الأخير في جولة في تركيا قبل نحو عشرين عاماً للتحقق من انتهاكات حقوق الإنسان.
وفي أثناء الحفل بدأ بنتر بالحديث عن ما سمعه من تعذيب المعتقلين السياسيين، فما كان من السفير الأمريكي إلا ان أمر بطرده، فرافقه ميلر تضامنا.

عالم بنتر
كانت مسرحية "حفل عيد الميلاد" أولى مسرحيات بنتر الطويلة، وقد كتبها عام 1957.
هذه المسرحية والعديد غيرها التي كتبها لاحقا، مثل "العودة إلى البيت" و"الخيانة" وغيرها، تنتمي الى ما يسمى بمسرح العبث، وهي مدرسة مسرحية انطلقت في أوروبا في منتصف الخمسينات ومن أهم أعلامها بالإضافة إلى هارولد بنتر يوجين يونسكو وصاموئيل بيكيت وادوارد أولبي وغيرهم.
في مسرح العبث "عبث" المؤلفون بكل المقومات التقليدية للعمل المسرحي، فلم نعد هناك بداية ووسط ونهاية، كما لا يمكن الحديث عن حبكة درامية، والحوار هو العبث بعينه وكأنه تجسيد لما نسميه "حوار الطرشان"فليس صالحا للتواصل أو الإيصال المباشر لأي مضمون للطرف الآخر.



الأحداث في مسرح العبث تتطور بالتداعي كما في الأحلام وليس وفقا لأي منطق سائد.

هل من رسالة ؟
من يؤمنون باضطلاع الأدب بوظيفة اجتماعية يقولون ان كل عمل أدبي يريد إيصال رسالة محددة للقارئ، فهل يمكن أن نتصور أية رسالة يضطلع بها مسرح العبث ؟
أليس في ذلك تناقض مع الاسم والمضمون ؟
ليس بالضرورة، فالحركة التي قادها هؤلاء الكتاب في مجال الأدب كانت حركة رفض وغضب.
في بداية الخمسينات من القرن الماضي كانت الشعوب الأوروبية لا تزال تلعق جراحها التي خلفتها حربان عالميتان نشبتا في أقل من ريع قرن، ونشأ جيل فقد ثقته بكل القيم الأخلاقية والأنظمة السياسية السائدة، جيل عدمي لم يعد يؤمن لا بالدين ولا بالايديولوجيا ولا بأخلاقيات المجتمع بسبب فشلها في منع نشوب الحربين التين أودتا بحياة الملايين وخلفتا أجزاء من أوروبا ركاما.
من بين هؤلاء نشأ الكتاب الغاضبون من أمثال جون أوزبورن مؤلف مسرحية "أنظر وراءك بغضب" ، ومن أوساطهم أيضا نشأ جيل مسرح العبث ومنهم هارولد بنتر الذي ولد عام 1930 أي كان في منتصف العقد الثالث حين كتب مسرحية "حفلة عيد الميلاد".

أجواء بنتر
يطغى الغموض على مسرحيات بنتر، فالقارئ أو المشاهد لا يجد تفسيرا معقولا للشخصيات ولا للأحداث وأحيانا يكون ظهور الشخصيات في الزمان والمكان المحدد اعتباطيا، أو هكذا يبدو.
الجو العام في المسرحيات مجازي ان صح التعبير، فيه نوع من المحاكاة للواقع، ولكن ليس بالمفهوم التقليدي. الواقع السائد في مسرح العبث هو أشبه بالكاريكاتير في مبالغاته، ولكنه كاريكاتير مخيف وغامض بدل أن يكون طريفا ومسليا.
الحوار أو غياب الحوار بمفهومه المألوف هو رمز للاغتراب والوحدة اللذان يعاني منهما إنسان ما بعد الحرب العالمية الثانية، الذي نجا من براثن الحرب ليقع في براثن غول أفظع: المجتمع الاستهلاكي في سباقه الفظيع من أجل مراكمة المزيد من السلع التي تمنح المستهلك وهم الاكتفاء والاستغناء عن الآخر، وبالتالي الاستغناء عن التواصل معه والتحدث إليه.
إذن الحوار التقليدي معدوم بين الشخصيات وان وجد فهو لا بعكس اهتماما بالأخر بل انفصاما عنه وعجزا عن فهمه أو إيصال أي مضمون إلى مداركه.
إذن، هارولد بنتر قام بإيصال رسالة من خلال أعماله المسرحية وان كانت غير مباشرة، فهل كان في فوزه بجائزة نوبل للأدب هذا العام رسالة ما ؟

وختامها مسك ،،
استودعكم الله
.
.

حسن العلي
29-07-2008, 06:00 AM
.
.

<< الحائز على نوبل: هارولد بنتر خارج السياسة داخل الفن>>
فاطمة المحسن
احتفل مسرح (آلمايدا) قبل خمس سنوات بالضبط بعيد ميلاد هارولد بنتر السبعين، ومسرح آلمايدا الصغير سبق ان أسسه الممثل والمخرج والمؤلف البريطاني، الحائز على جائزة نوبل لهذا العام. كان الاحتفال عبارة عن عرض لأول وآخر عمل مسرحي له، وتولى هو الاخراج.
عنوان النص الأول (الغرفة) الذي وضعه العام 1957، أما النص الأخير فعنوانه (الاحتفال).
المسرح الصغير الذي واضب على عروض بنتر، كان يوحي بالتقشف،فهو عبارة عن خشبة صغيرة، وصفوف من الكراسي الطويلة التي يقترب فيها المشاهد من الديكور والممثلين.لعل هذا المسرح يناسب أعمال بنتر من حيث اللغة والصياغات المسرحية، فالغرف العائلية وأبعادها الاجتماعية هي أحد أهم مختبرات قوله المسرحي.
النصان يختصران اتجاهات فكر بنتر الأساسية، وطرق الإعراب عنها فنيا، فالاولى كتبها في عشرينياته، والثانية في السبعين من عمره. كانت فرصة ثمينة شعر فيه المشاهد وكأنه على موعد مع إطلالة وجيزة، ولكنها جد ثمينة لمعرفة جهد أحد معلمي الدراما الكبار في بريطانيا. المسرحية الاولى تخوض في موضوع يمكن ان ندرك جانبين منه : بعده الاجتماعي ومسراه الوجودي، البعد الاجتماعي الذي يلامس موضوع البؤس العائلي أو تفكك العلاقة الزوجية، والبعد الآخر الذي يتبلور حول شعور الكائن بالعزلة والخوف والشك بوجوده وبالاشياء المبهمة التي ينتظرها.
الزوج سائق شاحنة وزوجته ربة بيت، تضمهما غرفة هي كل ما يحتويه المكان. تقدم الزوجة له الطعام وهو يطالع مجلة تنشر قصص الكارتون المسلية، بين آن واخر يرفع رأسه ليصغي الى بعض أقوالها، ولكنه يبدو في عالم آخر. هي تعرف انها تحاور نفسها، ولكنها تواصل الحوار لأنه الدليل الوحيد على وجودها العقيم. ذلك الحوار يعيد الى الذاكرة أجواء بيكت في (تلك الايام السعيدة) على وجه التحديد: عالم موحش يستبشر البشر كل يوم فيه استمرار حياتهم التي لاتعني سوى الخواء. روز التي مثلت دورها لينزي دانكن،تخاطب زوجها:
«أنا جد سعيدة في مكاني هذا، حيث الهدوء،وحيث كل شيء على مايرام، لانعبأ بأحد ولا يعبأ بنا أحد.». المرأة تدور حول فكرة القناعة،حيث تستخدمها تعويذة تطرد عبرها خوف الوحدة والهجران والحياة الشحيحة التي تعيشها.
يمكن ان يستمر حوار المرأة مع نفسها الى ما لانهاية، لأنها تستنبط من كل الأشياء مادة للحديث، ولكن تلك الحياة تهتز على نحو مباغت بقدوم الغرباء، وهم لفرط غرابتهم، يبدون أقرب الى الشخصيات المتوهمة،وهي جميعها تحقق شراكة التواصل الذي لايراه بنتر سوى حوار مع النفس. من هنا ندخل الى عالم التغريب من دون أن يقذف بنا بعيدا عن الواقع. أربع شخصيات تفزع المرأة عندما تدق الباب وبينها صاحب النزل المفترض، وهو شخصية كاريكاتورية، يبدو ان بينه وبين الزوجة حوارات متقطعة، ولكن الزوج لايقيم له اعتبارا، بل لايرد على سلامه وتعليقاته. حديث هذا الرجل يظهر نبرة الافتخار بالنفس أمام روز الشخصية المذعورة، وهي نموذج يتكرر في بعض أعمال بنتر.
عندما يحل المساء والوحدة بالمرأة، بعد أن يمضي الزوج بشاحنته، يقرع الباب غرباء جدد، ولكنهما هذه المرة زوج وزوجته الشابة يبحثان عن غرفة في النزل ذاته،يطلبان المشورة ويلتمسان الراحة ويخاطبان الزوجة بلطف في البداية، ثم يتحول كلامهما الى تهديد حيث تصبح غرفة روز موضع مساومة. عندئذ يصدق حدس المرأة في ذعرها المشروع من الاخر، ولكنهما يتشاتمان أيضا ليكرسا ما يسميه هارولد بنتر فظاظة وصفاقة العالم الخارجي.
في معظم مسرحيات بنتر،هناك من يقتحم عالم الأبطال من دون إذن ليعيث به فسادا، ولكن النص في تأكيد انعطافه على مسرح بيكيت، يمضي بشخصياته الى مدخل آخر للتغريب،حيث يدخل زنجي أعمى يقول للمرأة أنه يحمل رسالة من أبيها. يبدو هذا الرجل وكأنه قادم من عالم آخر، عالم روحاني غامض. بعد أن تفرغ المرأة حقدها عليه من طول فزعها من الاخرين، تكتشف انها أمام قوة مبهمة تشدها الى هذا الرجل، ربما يكون عالمها القديم،ذكرياتها، أصداء محبة وألفة كانت تغمرها. من هنا يتوضح الموقف الدرامي في لحظة مليئة بالشعر والعاطفة،فتلامس المرأة كف الأعمى،ليعود الزوج فيلقيه أرضا. أول مرة تتوضح كلمات الزوج الفظ الصموت الذي يستنكف الحديث معها، لينتهي الصراع وروز تخفي عينيها، كي لاتشهد هزيمتها الاخيرة.
مسرحية (الاحتفال) كانت أقرب الى النص الاجتماعي الساخر الذي يحفل به المسرح البريطاني. ولعل الجديد فيها، مواصلة بنتر حالة من الافتراق عن واقعية البريطانيين المسرفة. يتناول في هذا العمل النزعة النفّاجة للأثرياء. الاحداث تجري في مطعم هو الأرقى في المدينة وبين طاولتين،الاولى لزوجين شابين أحدهما مصرفي فخور بنفسه، والزوجة بين السخرية منه ومسايرته،تنفخ في صورته. الطاولة الثانية يحتفل فيها زوجان بزواجهما مع أقرب الناس اليهما: اخت الزوجة واخ الزوج، والاثنان في ورطة الزواج ذاته،فهما مرآة حياة المحتفى بهما وذاكرتهما. الزوج المحتفي بزواجه غير عابىء في الاصل بزوجته المتانقة التي تشرك نفسها عبثا في لحظاته الفالتة بين السكر والانتشاء ببطولة البذخ. يقتحم عالم المجموعتين نُدل المطعم وصاحبه، وهم لشدة حرصهم على أداء خدمة متكاملة، يتدخلون في حوارات زبائنهم، وكل نادل حفظ الطرائف التي تسر هؤلاء. نادلة تتغنج بصوتها لتثير الرجال وتسعدهم، وزميلها الذي حفظ وصايا جده، يردد أسماء المشاهير من الأدباء الذي التقاهم في مسرى حياته العجائبية. ينتهي الاحتفال مثلما بدأ، على ثرثرة غير مجدية، غير ان الحوار الذكي لايبقي شيئا بعيدا عن أعين النقد : الحياة الزوجية أولا،ثم التفاهة والعادات المشوهة للأغنياء، وغرور الرجال وعنجهيتهم، وغنج النساء وبلاهتهن. بنتر يقوم بعملية تعرية في حوار ضاحك ذكي ومرّكز، بين طياته تنبثق جمله الشاعرية.
على تباعد الأزمنة بين النصين، غير ان المسار واحد،فليس هناك كبير اختلاف في الثيمة الأساسية، فسواء أظهر بنتر غرفة للفقراء،أو مطعما للأغنياء، يبقى البشر أنفسهم،يعيشون عبث وجودهم ولا جدواه،مثلما يتحملون عناء الاصغاء الى فظاظة الاخر وفضوله.
لعل بنتر أراد فيما ظن خاتمة المطاف في حياته، أن يقدم تحية أخيرة الى جمهوره عبر مسرحه الصغير التجريبي، ففي ذلك الوقت، بعد ان اكتشف إصابته بسرطان المعدة، وصل حافة الاحساس بالنهاية، وما كان يدري أن الزمن سيمتد به ليغدو الاحتفاء به عالميا.
من يقرأ اليوم مايكتب عنه في الصحافة البريطانية ومن قبل النقاد والأدباء والمسرحين، تتبادر الى ذهنه تلك الخاتمة الفقيرة التي قدم بها نفسه الى جمهوره المحدود، فيتبادر الى ذهنه السؤال: أين كانوا منه قبل أن تتذكره الأكاديمية السويدية؟.
والحق ان اسم هارولد بنتر بقي يتردد على لسان البريطانيين فترة طويلة،وقد منح لقب الفارس الملكي ولكنه رفضه،و في غضون السنتين المنصرمتين، منح وسام الأدب البريطاني الملكي الحديث،فقبله، وهاجم في الحفل السياسية البريطانية بقسوة.
قاربت أعمال بنتر الثلاثين نصا مسرحيا،معظمها قصيرة، إضافة الى كتابته سيناريوهات الافلام، والأعمال التلفزيونية وتعاونه مع السينمائين العالميين وإصراره على كتابة الشعر..
ولكن،ومثلما يحدث كل عام مع نوبل؟، يسأل الناس : هل يستحق بنتر هذه الجائزة؟
لم يجرؤ أي ناقد اليوم على طرح هذا السؤال، فالكل منغمر بهذا الاحتفاء، ولكن الذي يتفهم نوبل في سياقها الغربي، سيثني على خيارها. فهارولد بنتر ابن اليهودي الفقير المهاجر الى بريطانيا، يمثل كل تقاطعات الحداثة الستينية البريطانية، وفي المسرح على وجه التحديد. فهو يساري بامتياز، وليس لنا أن نقدم نشاطاته المعروفة على أكثر من صعيد في خدمة قضايا السلام والشعوب المضطهدة،وبينها موقفه الحماسي ضد حرب العراق، فهذه المواقف دفعته الى واجهة الاحداث، وعرفها القاصي والداني، ولكن بنتر بدا في آخر ما قدمه من عروض سياسية،أقل من مثقف مهموم بمادة الفكر، يكتب شعرا ساذجا عن الحرب ويقود الجماهير في التظاهرات.انه يستعيد حماس الستينات بقضه وقضيضه، وكأنه يحارب على جبهة سقطت من روزنامة أيامه الثقافية.
يعد هارولد بنتر مع جون أوزبون وآردن، من متمردي الحركة الفنية البريطانية سواء على مستوى الفرجة أو الافكار، اولئك الذين خلفوا وراءهم عبقرية شكسبير ومسرح إليوت الفكري، ليعدوا العدة لمسرح جديد يواجه مشاكل الحياة الراهنة والعصر وأزماته. كتب هارولد بنتر مرات عن مغزى أعماله التي ينظر فيها الى معضلة التواصل والحوار الانساني، فالبشر كما يقول، يتحاورون من وراء أقنعة،تخفي أكثر مما تظهر ذواتهم الحقيقية. من خلال تلك النقائص والعيوب، عيوب التحاور المقنع، ينبثق التجاوز في الكلام أو جدل الدراما. ولا يحتاج القارىء او المتفرج الى عناء كبير، كي يكتشف تأثيرات صموئيل بيكت عليه،وكل مسرح العبث الفرنسي. والحق أن الدراما الانكليزية قد وصلت الى طريقها المسدود، بعد أن أنجبت جيل الستينات، ولعلهم هم قد أسهموا في منع الجديد فيها الى يومنا هذا. فبنتر لم يخرج عن بريطانيا، ولكنه حاول أن يستجلب فكر المسرح الفرنسي التجريبي، كي يحبسه في البيئة البريطانية، وهي بيئة خطابية بامتياز. في حين خرج بيتر بروك من هذه الدائرة، كي يجد العالم ملعبا رحبا، متنقلا بين تراث الهند وإيران ومسرح النو الياباني وعروض الفرجة الافريقية والآسيوية. أعاد كتابة الاساطير والملاحم الشعبية، ومضى الى تكوين فرقته العالمية، وجرّب كل أساليب الحداثة، وكان منظّرا تعد أفكاره إضافة مهمة الى التراث المسرحي المعاصر. كان بيتر بروك لايؤمن بالمسرح البريطاني، ويرفض ان يقدم عروضه الاولى في بلده، فهو يطوف مسارح العالم ويستكمل حديث النقد عن مسرحياته في فرنسا حاضنته المسرحية،ثم يعرض في بلده.
ربما يشكل نموذج بيتر بروك مناسبة للمقارنة بين المسرحين، الفرنسي والبريطاني، فالفرنسيون تجريبيون، يتميزون بالجرأة والشاعرية والقدرة على الابتكار، ولكن ورثة شكسبير، بقوا متحفظين، يخافون الخروج عن الواقعية ومسرح الحوار وتصارع الافكار، لا مسرح الحركة وعروض الجسد والميزانسين المتغير والخيال المبتكر. ويشكو الجيل الجديد من هيمنة الأجيال القديمة على المسرح البريطاني، ومعظمهم يجد في أميركا وفرنسا ملاذات لايجدها في بلده.
حاول هارولد بنتر ان يكون خليطا من المدرستين الفرنسية والبريطانية، ولكنه كان أكثر انتسابا الى ما يسمى بمسرح الغرفة المغلقة، حيث الفعل المسرحي صغير ولكنه يحمل بسبب دالته الانسانية على رحابة عالمية،فقد ترجمت أعماله لهذا السبب الى لغات مختلفة،بينها العربية. جائزة نوبل هذه المرة،كانت على موعد مع نفي كل ماتردد عنها سياسيا، فجاءت ضربة الحظ لصالح هارولد بنتر، ولعلها أصابت في هدفها،فهو من أكبر أعداء أميركا وسياسة بوش وبلير والغرب الرأسمالي عموما. ولكن على الأكاديمية السويدية في المرة القادمة ان تزيل تهمة التقصير بعد الاشاعات التي ترددت هذه الايام عن تحيزها لأدباء الغرب، فهي قد منحت الجائزة خلال عشر سنوات لتسعة من الغربيين، وبعضهم لايستحقها، مقابل واحد من الأجناس الاخرى. فهل تقف مرة أخرى، لتفكر في تصحيح الأخطاء السياسية بأخطاء أدبية؟

وختامها مسك ،،
استودعكم الله
.
.

حسن العلي
01-08-2008, 04:23 AM
.
.

روافد: الطيّب الصديقي (الكاتب والمسرحي المغربي)
اسم البرنامج: روافد، مقدم البرنامج: أحمد علي الزين، تاريخ الحلقة: الجمعة 18/3/2005


أحمد علي الزين: يعلو المزاج كالسحاب هنا في المسافات التي تربط بين مدن المغرب، ويعلو أيضاً مزاج الكلام أمام تنوّع المشهد وتعدّده، فحين تطلّ على مدينة مطمئنة إلى عراقتها كـ "فاس" مثلاً لكأنك تفتح كتاباً في التاريخ خطّه رحالة شغوف بتقصّي أخبار البلاد وأحوال أهلها، وحين تلوح من بعيد طنجا عند التقاء المحيط بالمتوسط تشعر بسطوة الحنين، لكل مدينة مزاج وحكاية وصورة خاصة بها تكتمل بذاتها وتتكامل مع المدن المتباعدة، في الطريق إلى الدار البيضاء تتداخل الصور والأسئلة يبدو أن الأمر يتطلّب إقامة تطول كي تكتمل ملامح المشهد نسبياً، فهبوب الحمام في ساحة من ساحات الدار البيضاء ربما يذكر بحكاية الزاجل من بين بغداد وقرطبة في سالف العصور، أما الرحلة الآن ليست لغاية التاريخ فهي زيارة بيت مغربي قائم في ضاحية من ضواحي الدار البيضاء، وصاحب البيت كما يُروى مضيافٌ، يفتح غير الباب الذي يطرقه الزائر ليخلق منذ البداية شيئاً من الالتباس الممتع، ربما هذه حال المتهكمين حتى من أنفسهم أمام المرآة، يلبسون شخصيات وأقنعة بهدف إسعاد الآخرين ونقد أحوالهم في إعادة تأليف حياتهم وتشكيلها على منصة لغرض احتمالها أحياناً أو لدفعها إلى بعد أو امتداد آخر، ولغرض انتقادها أيضاً والتدليل على ما يسبب الشقاء فيها.[لقطة من إحدى مسرحياته]"الطيب الصديقي: الكلمة مفتاح الجنة، وقضاء الله هو الكلمات، الكلمة نور وبعض الكلمات قبور، الكلمة لو تُعرف حرمة، بعض الكلمات قلاع شامخة يعتصم بها النبل البشري، ليس ما كان سوى كلمة أضاءت دنياه بالكلمات وعلّمها للصيادين فسيرويها دون العالم، الكلمة حصن الحرية، الكلمة زلزلة الظلام، الكلمة شرف، شرف الرجل هو الكلمة، وشرف الله هو الكلمة".

سيرة حياة على الجدران
أحمد علي الزين: البيت مغربي وصاحب الدار يضيّفك منذ الخطوة الأولى ألبوماً مفتوحاً على الجدار وهذا كرم من نوع خاص أن يضيف المرء بعض صور حياته المتقاطعة مع مئات الوجوه والشخصيات والأصدقاء لزائريه، إذاً هذا الرجل ليس من سر في حياته غامض، حياته بمراحلها تملأ جدران المنزل ليس من مساحة خالية حتى في الحمام حيث يبدو خصّص جدرانه للأصدقاء للمزيد من الأصدقاء، ليس من بياض على الجدار ولا من سرٍّ في حياته سوى سرّه المشهدي، وهذا أيضاً شاع منذ زمن يوم جاء إلى المسرح ليؤلف 50 سنة من عمره على الخشبة، ويصبح الشخصية الإشكالية المتدفقة الحضور عربياً وعالمياً، يسمونه في المغرب بشيخ المسرح المغربي، أما هو فيسمي نفسه كما سماه والده: "الطيب الصديقي".أحمد علي الزين: الزائر إلى بيت الطيب الصديقي أول ما يلفت نظره هذا الكم الهائل من الصور الموزعة على الجدران والصور والتحف إلى ما هنالك، يعني ماذا تعني لك الصورة؟ يعني هل هي نوع من التعويض عن الغياب؟ أم تأكيد عن حضور ترغب في تأبيده؟ أم تبحث عن ملامح الآخرين في تلك الصور؟الطيب الصديقي: أنت يعني تريد أن تحلل كما يحلل فرويد، المهم الصور.. أنت ملاحظ أن الصور اللي عندي بالبيت ما في ولا صورة وحدة على المسرح، كلهم صور عائلية أو صور أصدقاء والسلام، الصورة بالنسبة إلي: أولاً أنا لا أحب الجدران اللي ما فيها أي شيء، أحب لما نشوف أي حاجة تفكرني في مسائل خاصة بي أو خاصة بعائلتي أو أحياناً هناك بعض المسائل المكتوبة من بعض الأصدقاء اللي كانوا من أقرب الناس ثم غادروا الحياة وللأسف، وهذا شيء مهم بالنسبة إلي أن أعيش مع ذكريات حية ولو كانوا أصحابها من الموتى.أحمد علي الزين: يعني هوّ متل ما قلت في بداية السؤال: هذه الصور في بعضها تعويض عن غيابات معينة؟الطيب الصديقي: إي طبعاً، ثم إنني أعاني من مرض يسمى الكسل، أنا كسول، فعوض أن يكون عندي مثلاً..أحمد علي الزين: لا يبدو عليك الكسل.الطيب الصديقي: يعني بعض الناس عندهم ما يسمى بالألبوم لما يتذكر يفتح الألبوم ويشوف.. أنا الألبوم عندي على الجدران ما محتاج أن نقلب على الألبوم ونفتحه..أحمد علي الزين: مفتوح على كل صفحاته.الطيب الصديقي: مفتوح تماماً، مش مفتوح إلي.. مفتوح للزائرين أنت زرتني تشوف الألبوم بدون ما أعطيك ألبوم تفتحه.أحمد علي الزين: لاحظت على طاولة الكتابة عند الطيب الصديقي نص ليونيسكو هو "الكراسي" تقوم بترجمته وربما أنهيت الترجمة، يعني لماذا "الكراسي" الآن عم تترجم هذا النص؟ هل تجد أن العالم يعني ازداد عبثية؟الطيب الصديقي: والله أنا الفكرة كانت تخامرني من على الأقل خمس سنوات، لكنها في الحقيقة هذه المسرحية من أصعب المسرحيات بالنسبة إلي، أنا كنت ترجمت مسرحيات "كيف الخلاص منه" لإجين يونسكو، وتعرفت على إجين يونسكو سنتين أو ثلاث سنوات قبل مماته - الله يرحمه - تعرفت عليه كتير وكان فخوراً نسبياً بما قمت به، لأننا مسرحنا مثلنا هذه المسرحية "كيف الخلاص منه" أكثر من 300 مرة، وقال لي هو بأنه ما في في العالم واحد أو فرقة مثّلت أي مسرحية إله أكتر من 100 أو 150 مرة، فهو كان فخوراً نسبياً بهذا العمل، ثمّ نرجع لقضية الكراسي يعني هي كوميديا ولكن مأساة في آن واحد، فمن خمس سنوات كما قلت لك كان عندي نية يعني نترجم مسرحية، ولكن حسيت بأنني غير مؤهل وغير موجود مشان نعمل هذه المسرحية، كما أنني في المسرح العالمي يعني ترجمت الكثير من المسرح الفرنسي والإنجليزي والإيطالي والإسباني ولكن لحدّ الآن ولا قدرت ولا أستطيع أن أترجم ولا أن أمثل مسرحية لشكسبير لأن شكسبير كبير عليّ كتير.أحمد علي الزين: من موقع الطيب الصديقي كمبدع، صاحب تجربة غنية في الثقافة العربية، الآن يعني أنت من موقعك كيف تقرأ المشهد السياسي العربي؟ يعني هذه المرحلة من حياتنا ومن صراعنا إذا بدك مع الآخر.

فرقة مسرح عربية تمثل التمزق العربي
الطيب الصديقي: هو في الحقيقة من تقريباً عشرين سنة قمت بالتجربة مع الأخت نضال الأشقر - وأحييك يا نضال إذا كنت بتشوفي البرنامج - مع نضال الأشقر يعني كمجانين، يعني اخترنا أن نؤسس فرقة أسميناها "الممثلون العرب" فطلبنا من بعض الممثلين من دول عربية تقريباً كلها، يعني كانت فكرة من أجمل الأفكار ولكن كيف يمكن أن نطبق هذه الفكرة على عالم عربي ممزق؟ اتضح أن هذه الفرقة عالم صغير يمثل هذا العالم الكبير الشاسع اللي هو العالم العربي، فالمشكلة عندنا اللي كان المشكل أن السوريين مستحيل يمثلوا في العراق، والعكس بالعكس صعب العراقيين يمثلوا في سوريا، فطبعاً اتضح لنا أننا نعاني داخل الفرقة ما يعانيه العالم العربي، والحمد لله كيف ما كان الأمر ولو أن التجربة ما دامت إلا سنة ولكن أعطت الكثير، وآخر عرض عملناه في الألبيرتون وهو أكبر مسرح في أوروبا في لندن وكان لفائدة اليتامى الأطفال وقتها ضحية الحرب في لبنان.أحمد علي الزين: خلال عملك على هذا المشروع تحديداً واجهت مشكلة مع بعض الممثلين العراقيين نتيجة عدم تمكنهم من مزاولة التمارين معك بشكل دائم لأنه بدهن إذن من القيادة لو تروي لنا أول شي الحادثة.الطيب الصديقي: كان العراقيون..أحمد علي الزين: ويوميتها التقيت بصدام حسين..الطيب الصديقي: أيوة هذا كنا بالعراق مثّلنا أكثر من خمسين عرضاً خصوصاً في الموصل، لما كنا في العراق عدي ابن صدام حسين أخذني على أبوه، قلت له: يا سيدي الرئيس الله يخليك هذا الأستاذ قاسم محمد ممثل عراقي ومخرج الآن بالإمارات [يلوح بيده مسلماً عليه إن كان يرى البرنامج] وكذلك سامي قفطان الممثل الكبير المعروف المشهور العزيز سامي قفطان وقاسم محمد يعني لما نحتاجهم يوصلوا علينا لتونس ولاّ لندن ولاّ للمغرب يعني صعب جداً يجب أن يوقّع كما قلت لك صدام حسين، لكن كانت الحرب مع إيران فالرئيس أربعة أيام بالأسبوع دائماً بالفاو، الفاو منطقة..أحمد علي الزين: على الحدود.الطيب الصديقي: على حدود إيران بلاد فارس والعراق، فننتظر أن يوقع لنا الرئيس، فقلت له: يا سيدي الرئيس الله يخليك عندي ليك طلب، قال لي: أي طلب؟ قلت له: الله يخليك هذول ممثلين عراقيين يلزمهم دائماً تصريح أعطيهم رخصة ستة شهور سنة، قال لي: ممنوع، قلت له: كيف ممنوع؟ قال لي: عندنا قانون، شو هو القانون سيدي الرئيس؟ قال لي: القانون يقول ممنوع تصدير الأدمغة للخارج!!أحمد علي الزين: [يضحك]الطيب الصديقي: قلت له: سيدي الرئيس أكبر دليل على أن هؤلاء الناس هؤلاء الممثلين العراقيين وحتى الممثلين العرب كلهم لا يتوفّرون على دماغ, قلت له: أكبر دليل لا يتوفر على دماغ، من اختار المسرح هل عنده دماغ هذا؟ فضحك, قلت له: أنا كمان أنا كذلك..أحمد علي الزين: لو كان عندي..الطيب الصديقي: لو كان عندي دماغ قلت له: أنا أعمل مسرح؟ عيب.أحمد علي الزين [ضحك]: نعم, نعم على كل حال هوّ ما صدّر الأدمغة للخارج هو هجّرها!! الطيب الصديقي: يمكن, هجّرها لإنقاذها.[لقطة من مسرحية للطيب الصديقي]امرأة منقبة: كيف تستأذن علي وقد قتلت ولدي وهو في حرمة مكة المكرمة؟الحجاج بن يوسف الثقفي: لقد قتلته كافراً ملحداً.المرأة: كذبت يا عدو الله وعدو المسلمين، والله قد قتلت صوّاماً قوّاماً باراً بوالديه حافظاً لهذا الدين، ولأن أفسدت عليه دنياه لقد أفسد عليك آخرتك.الحجاج بن يوسف الثقفي [صارخاً]: لما أخطأ آدم أخرجه الله من الجنة، وآدم أكرم من ابنك والجنة.. الجنة أعظم حرمة من مكة.الخلفية الصوتية: اللهم ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.[فاصل إعلاني][لقطة من مسرحية للطيب الصديقي]الحجاج بن يوسف الثقفي: أنت أعرف الناس، كيف ترى قبتي هذه؟غضبان: أصلح الله الأمير.الحجاج بن يوسف الثقفي: وبناءها؟غضبان: أصلح الله الحجاج بن يوسف الثقفي، بنيتها في غير بلدك، لا لك ولا لولدك، لا تدوم لك ولا يسكنها ولدك.الحجاج بن يوسف الثقفي: صدقت.غضبان: لا تبقى لك وما أنت لها بباقٍ.الحجاج بن يوسف الثقفي: صدقت يا غضبان صدقت، أرجعوه إلى الحبس. غضبان: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين.الحجاج بن يوسف الثقفي: أنزلوه.غضبان: رب أنزلني منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين.الحجاج بن يوسف الثقفي: جرّوه.غضبان: بسم الله مجراها ومرساها.الحجاج بن يوسف الثقفي: كبّوه على الأرض.غضبان: منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى.الحجاج بن يوسف الثقفي: اتركوه.. اتركوه..غضبان: هذا هو الحجاج بن يوسف الثقفي الذي يحكم العراق. الحجاج بن يوسف الثقفي: أمّا أنت يا غضبان لقد عفونا عنك، والله لقد هممت أن أقطع لسانك وألصقه على ظهرك..غضبان: يا حجاج إن كذّبناك أغضبناك، وإن صدّقناك أغضبنا الله.الحجاج بن يوسف الثقفي: عليك لعائن الله..غضبان: فغضب الأمير أهون علينا من غضب الله.الحجاج بن يوسف الثقفي[ساخراً]: عليك لعائن الله والتهلكة.. أحمد علي الزين: غزير مشهده ومصادره متنوّعة، كسول هكذا يسمي نفسه, ولكن هذا الكسول يبدو من أكثر المبدعين تنظيماً وانهماكاً بمهنته وشغوفاً بها, ليس من وقت لديه سوى للعمل, للبحث عن مصادر لمشهده وحكاياته, ترجم واقتبس عشرات الأعمال وألف العديد الآخر للمسرح وللتلفزيون وللسينما, مشحون برغبة الكشف عن جديد ليتواصل من خلاله مع جمهوره وبالتالي مع ذاته, يراكم التجارب والمشهد تلو الآخر, ويوثق لذلك لكأنه يرسم خطاً بيانياً لمسار حياته وتجربته ليصبح الزائر لبيته في موقع الزائر لما يشبه المتحف المتعدد الأجنحة, وزواره كُثُرٌ وغايتهم أرشيف الصديقي ذاكرة الصديقي الموثقة والشفوية وبالطبع حوارٌ بشؤون الحياة والثقافة والسياسة, وله في هذا الفضاء زاويته الخاصة وكرسيه وسيجاره، يتابع أحوال العالم على الشاشة ويتابع شعاب نص جديد، وعلى الطاولة أيضاً ما ينتظر المعالجة للأرشيف للكتابة للتأليف أفكار وأوراق وبجواره على الكنبة ابنته تضفي عليه نعمة الحياة وعباءة الأبوة, تشاغب بعمرها ويشاغب بنصه وبمشهده.

معمار المسرح أدى إلى التمثيل
الطيب الصديقي أنت متحدّر يعني من عائلة فقه ودين، الوالد أبو محمد سعيد الصديقي كان مفتي الديار الإسلامية وقاضي ومؤرخ, يعني كيف خرجت من تلك العباءة إلى المسرح؟الطيب الصديقي: والله بالصدفة, أنا كانت نيتي أن أكون مهندساً معمارياً وكنت بقسم البكالوريوس ما زال ما عنديش 16 سنة, فأيام الفرنسيين سنة قبل استقلال المغرب عملوا لنا Test يعني نوع من امتحان بس يشوفوا المؤهلات فوجدوا عندي أنا مؤهلات إني كون أشتغل بالبريد.أحمد علي الزين: بالبريد؟الطيب الصديقي: بالبريد, لما قلت لأبي: بريد؟ قال: لعنة الله عليهم, أعطاني سنة إجازة، قال لي: كيف ولدي أنا يكون ساعي البريد؟ بالآخر اتضح لي أنه يقال في المسرح أنك حامل الرسالة, فكيفما كان الأمر دخلت المسرح لأحمل رسالة كساعي البريد المهم قال لي: عندك إجازة سنة, أنا طلّعت في الجرائد وشفت بأنه فيه نوع من تدريب على الفنون الدرامية من خلال المواد التي كانت تُدرَس المعمار في المسرح، قلت أنا: بما أنني سأكون إن شاء الله مهندساً معمارياً نبتدئ بالمعمار في المسرح، فطلعت يعني بالصدفة فدخلت للتدريب مدة ستة أشهر اشتغلت هكذا على الديكور وأشياء من هالقبيل يعني كله بالصدفة.أحمد علي الزين: طيب، الطيّب الصديقي يعني هذا الخيار للمسرح يعني هل كنت تراهن من خلال هذا الخيار عبر المسرح على يعني تطوير حالة اجتماعية، تطوير الوعي الجماعي عند الناس يعني كان عندك هاجس سياسي معيّن اخترت..؟الطيب الصديقي: نعم، طبعاً كأي واحد أنا ابتديت المسرح كان عندي 16 سنة, فطبعاً في البداية في البداية كنت أولاً تلميذ جون فيلار في المسرح القومي الوطني الفرنسي "لتينبي", فأيام جيرار فيليب وأيام فيليب نواريه هذي كلهم أيام جان مورو هذول كلهم ممثلين معروفين عالميين عند جون فيلار، فقلت لك يا سيدي الكريم هذا جون فيلار أول من فتح المسرح للجمهور الطويل العريض المسرح الشعبي وهو يسمى مسرح شعبي، فهذه الفكرة خامرتني لما رجعت المغرب أسست داخل النقابة لأن أخي - الله يرحمه - الشاعر محمد سعيد الصديقي كان من مؤسسي هذه النقابة الاتحاد المغربي للشغل، فأسسنا المسرح العمالي, وكنا نعتقد بأن المسرح يجب أن يكون شعبياً ويجب أن يخاطب الناس ويجب أن..أحمد علي الزين: تحريضي..الطيب الصديقي: إي في طبعاً ويجب أن يكون يعني فيه بعض الشعارات وأشياء من هالقبيل، شوية شوية ولو أنني كنت صغير السن بعد سنة أو سنتين فهمت بأنّي كنت بيد أناس يريدون أن يتلاعبوا بي، أن يسخروني، أن أقول أشياء على المسرح لا يستطيعون هم أن يقولوها لا في كتابة ولا في يعني مباشرة..أحمد علي الزين: يعني ناس أرادوا أن يستغلوا الطيب الصديقي لغايات أيديولوجية سياسية؟الطيب الصديقي: يسخروه.. يسخروه..أحمد علي الزين: اكتشفت هذا الشيء؟الطيب الصديقي: اكتشفته طبعاً.أحمد علي الزين: من هم هؤلاء الناس؟الطيب الصديقي: بعطيك الأسماء؟أحمد علي الزين: إذا بتحب.الطيب الصديقي: خليهم همّ عارفين أنفسهم.أحمد علي الزين: عارفين أنفسهم, الطيب الصديقي يعني طالما تقول أنت تردد القضية الفلسطينية هي قضية مقدسة تعيش في وجدانك..الطيب الصديقي: طبعاً.

شمعون بيريز في بيت الصديقي
أحمد علي الزين: ولكن هناك مفارقة حدثت معك بحياتك إنك استضفت في هذا البيت بيريز..الطيب الصديقي: شمعون بيريز.. أحمد علي الزين: شمعون بيريز شو كان الدافع؟ يعني شو الغاية من تلك الزيارة آنذاك؟ شو الدافع من هذا اللقاء اللي حدث؟الطيب الصديقي: هو يعني بحكم أن الفلسطينيين أنفسهم بيحاوروا الإسرائيليين يعني ليش أنا ما حاورش إسرائيلي؟ أنا لست متشدداً، أنا أعرف بأن الصهيوني عدو، أعرف بأن الإسرائيليين محتلين فلسطين، ولكن لا يمكن أن أساعد إذا ما حاورت الناس لدرجة أنني تعلمت العبري ليش ما نتعلمش العبري؟ فاهم يا سيدي، ثم أنا اكتشفت عرب 48، مسرح الكرمة المدير قاسم شعبان.. قاسم شعبان فاهم يا سيدي؟ فاشتغلت معهم إجو المغرب كانوا يجوا المغرب اشتغلت معهم أربع مسرحيات ونعمل لهم مسرح.. مسرحيات، إجا لي واحد مصري قال: يا سيد طيب كلنا نحترمك يعني ما بقاش احترام لكن التطبيع مع إسرائيل, قلت له: أولاً ما فيش تطبيع, أنا شخصياً لم أقم بإخراج في إسرائيل, لم أمثل في إسرائيل, لم.. ولا محاضرة في إسرائيل, قلت له: أنا أتعامل مع عرب 48 إجوا المغرب أعمل لهم إخراج ويروحون بلادهم، فهمت يا سيدي؟ ولا يمكن أن أتخلى عن هؤلاء الناس، إسرائيل تعتبر هؤلاء الناس من الدرجة الثانية، يتألمون ويعانون ما يعانون، كيف لا أكون أنا..؟ أحمد علي الزين: متعاطف مع .. .

مصر تصنع حصاراً على الثقافة العربية
الطيب الصديقي: معلوم متعاطف معهم؟ فقلت له: يا سيدي - هذا المصري - قلت له: الله يخليك أنا أطلب أولاً وقبل كل شيء التطبيع مع مصر، قلت له: إنتو في مصر في التلفزيون عمركم ما عملتوا فيلم مغاربي ولا مسرحية ولا شيء من هذا القبيل, أقولها للمصريين وللتلفزيون والمسؤولين عن التلفزيون في مصر: الحصار ضد الثقافة العربية هي مصر, وأتحمل مسؤولية ما أقوله، تفضل يا سيدي الكريم.أحمد علي الزين: هيدي الزيارة انتهت؟ الزيارة اليتيمة كانت ما كان فيها غاية معينة آنذاك زيارة بيريز لبيتك؟الطيب الصديقي: لا هوّ لما جاء جاء بدعوة من الحسن الثاني، فطلب أن يجي عندي بالبيت بما أننا تعرفنا في القدس جاء لي للبيت والسلام كأي ناس، ولكن لما دخل حكومة شارون قطعت العلاقات معه.أحمد علي الزين: نعم.
الطيب الصديقي: طبعاً

.
.

حسن العلي
01-08-2008, 04:29 AM
.
.

اسم البرنامج: روافد / مقدم البرنامج : أحمد علي الزين، تاريخ الحلقة: الجمعة 22-12-2006، ضيف الحلقة: قاسم محمد (مسرحي)
قاسم محمد: ما فيه عراقي كبير بالسن أروح لموسكو أشوفها أروح لمصر أشوفها, أجي لهنا أشوفها حقيقة.. كتبت عنها مقهى الغرباء وشعبية هي, فيها مقطع طويل جداً, من ضمنها يقول: يا أبواب يا مغلقه بوجهي وبآلاف الأسباب.. يا أبواب يالخلفش دفو وملاغط أحباب يا أبواب.. يا باب أبشر.. وعلى يا باب تعب كل هذا العمر أمشي.. وعلى يا باب أن عن عشق الصبا أحكي..

رحلة بين ذاكرتين
أحمد علي الزين: ونتابع مع المسرحي قاسم محمد جولتنا في فضاءه, نفتح باباً في الذاكرة وآخر في الحياة, ونمضي بين منصتين خشبة المسرح ومنصة الخيال, الخيال المبدع المدفوع بمعرفة وتجربة وزمن طويل من الاشتغال, الاشتغال في البيئة المسرحية الخاصة وهو أول من اهتم بهذه البيئة عراقياً بعد عودته من موسكو سنة 1969, فانصرف آنذاك إلى الموروث الكلاسيكي والشعبي لصياغة مشهده وهو ابن البيئة الشعبية ابن حارات المدينة, فلم يكتفي من هذا الموروث كي لا تقع التجربة في ملل بل وظف العقل في إيجاد أبعاد جديدة ومبتكرة لرفد التجربة, وهو القائل "لأن الحقائق في إيداعية الفنون نسبية فلا شيء فيها دائم الصواب, من هذه النقطة بالذات ومن أجل إبقاء فن المسرح وحركته التجديدية في مسرحنا العربي في دوام حراك وتغيير يتطلب الأمر تغيير البحث السائد لا عن الفنون فقط, بل عن العلوم البحثية المجاورة والمحاورة التي ترفد فنون المسرح ومناهجه التأهيلية.بداية الستينات إذا قلنا ونهاية السبعينات كان فيه حضور هيك بارز للمسرح العربي بشكل عام والثقافة والبيولوجية والسجال الفكري والإبداعي بالعالم كله ربما ولكن على مستوى المسرح نلاحظ إنه بلش هيك وهجه ينوص أو يخفض, بتقديرك هل هذا الفن يعني قد تُسدل عليه الستارة ذات يوم؟قاسم محمد: لا أظن هذا الظن بأن.. كم تعرّض المسرح في تاريخه منذ ما قبل المسرح أي التكوين الرسمي للمسرح في أثينا, منذ ما قبل كانت هناك مسارح.. أحمد علي الزين: طقوسية وطقوسية.. قاسم محمد: لا حتى نصوص وملاحظات إخراج في نص مرثات أور من الأدب السومري حتى ملاحظات مخرج وحتى نصوص متشابهة مع نصوص تجدها عند يوري بيدس تجدها عند أسخيلوس وعند سوفوكليس متشابهة إلى حد التطابق, علماً أن ما أتحدث عنه في سومر هو بحوالي عشرة قرون قبل ظهور المسرح الإغريقي, لا أريد أن أصادر إن نشأة المسرح في أثينا لصالح نشأة مسرح في العراق لأ, ولكن التداعيات الإنسانية الإبداعية الفكرية الإنسان في حومة السعي إلى الأفضل إلى تغيير الحياة تغيير اليوم تغيير المكان تغيير الإنسان يبدع, لذلك ليس غريباً أن نجد هذا التطابق لأن البحر كان سيد الانتصارات في تلك الفترة, فلم تعمل أي كبوة من الكبوات الإنسانية الكبرى على أن يضمحل لأن ما دام هناك واحد يعرض وواحد يشاهد هناك مسرح..أحمد علي الزين: طيب مثل ما ذكرنا في بدايتك قريباً حوالي يعني مائة عمل, وكان لك تجربة بفرقة المسرح العربي على ما أظن.. فرقة الممثلون العرب, كانت تجربة جميلة كان فيها الطيب الصديقي.. قاسم محمد: كنا من أقول لك الأقطار الأردن، سوريا، تونس، الجزئر، المغرب، العراق، بيروت طبعاً رفيق علي أحمد.. شايف يعني شي 7 أو 8 أقطار عربية..أحمد علي الزين: ,ليش انتهت هي التجربة ما كملت ما قدروا يعني العرب لم يتوحدوا سياسياً ما قدروا يتوحدوا بس هيك شوي؟قاسم محمد: توحدنا بالعكس.. يعني أنا كنت أترك عائلتي أشهر لأذهب للعرض في تونس وفي القيروان وفي أصيلة وفي جرش وفي الموصل وفي..أحمد علي الزين: ذكرتني بحادثة خبرني عنها الطيب الصديقي إنه ذات يوم كان مفروض تأخذ إذن من السلطة..قاسم محمد: أنا والفنان سامي قفطان فنان عراقي كبير تحية لسامي قفطان.. أحمد علي الزين: خبرني إنه كان منعكم الرئيس آنذاك صدام حسين من الخروج, فراح لعنده ربما حسب ما روى هو وطلب منه إنه يعمل لكم إذن..قاسم محمد: يعني نضال الأشقر ذهب.. أحمد علي الزين: فقال نحنا ما منصدر أدمغة أو شيء, ما منصدر أدمغة إلى الخارج.. ليش اللي بيشتغلوا بالمسرح عندهن دماغ..قاسم محمد: إيه الطيب الصديقي أجاب إنه عندهم دماغ اللي يشتغلون في المسرح عشان تمنعوهن, طبعاً هو كان المنع ساري على كل الشعب العراقي..أحمد علي الزين: هي طريفة بحد ذاتها..قاسم محمد: هي طرفة من طرائف الطيب ونضال هم الاثنين شيطانان جميلان نضال والطيب الصديقي..أحمد علي الزين: نحنا عم نحكي هي التجربة ما استمرت كثير..قاسم محمد: تحية للطيب الصديقي وتمنياتي له بكل خير..أحمد علي الزين: العودة للمسرح..قاسم محمد: العودة إلى الحياة والمسرح..أحمد علي الزين: إن شاء الله يشوفنا.. قلنا هاي التجربة ما استمرت طبعاً في أسباب كثيرة مادية بالأساس.. طيب لو أردنا التحدث عن محطاتك أنت محطات التجربة تجربة قاسم محمد أين تتجلى أكثر؟ يعني إذا بدنا نحكي عن أعمال أم مراحل؟ أين تتجلى يعني دائماً بس نقول قاسم محمد يقولوا النخلة والجيران طبعاً..

تجربة قاسم محمد أين تتجلى؟
قاسم محمد: أو بغداد الأزل بين الجد والهزل.. أو الوجود المفقود والأمل المنشود, أو طال حزني وسروري في مقامات الحريري أو كان يا مكان أو أو إلى آخره..أحمد علي الزين: أنت اشتغلت أيضاً على الشعر ما فقط على التراث؟قاسم محمد: اشتغلت أول عمل في 72 عرضته في مهرجان دمشق, قصائد لخمس شعراء بيتر فايس برشت توفيق زيات محمو درويش وسميح القاسم, عملت عرض اسمه "أنا ضمير المتكلم الذي التحم بالفعل الماضي الناقص" وبقية العنوان العنوان للشاعر الكبير وأيضاً أحييه سميح القاسم, أشتغل عليه وأحبه أحب الدرامية اللي في شعره, واشتغلت على عبد الرزاق عبد الواحد الشاعر العراقي الكبير جداً, عنده ديوانان ديوان اسمه "خيمة على مشارف الأربعين".. عنوان شاعر, والديوان الثاني "الخيمة الثانية" يأخذ شهداء مصريين استشهدوا في سيناء, وهم في قبورهم أحسوا إيقاع الأقدام قد تغير ليس هي إيقاع الأهل, فتشمت الرصاصات الخمس في صدر محمود فيشق القبر مع ألف شهيد وينهض, فيرى الدبابات الإسرائيلية في سيناء قبل ما ترجع سيناء فيأتي إلى الحدود فيطالبه رجل الحدود بالباسبورت, أنا الشهيد محمود عبد الرزاق يكتب يقول: إن دبابة أدارت مدفعها وانتحرت.. يعني فكانت تجذبني هذه صور ونصوص محمود درويش عندما يقول يقوم الباب والشباك والاسمنت.. تقوم مرة ثانية القيامة, وهذه الصورة يعني تدفعك توهجك, وتدفعك أن تتوغل أبعد فأبعد أعمق فأعمق وأعمق فتصور وتعبر وتبني وتقودك إلى بناء مشهدية مغايرة.كل هذا مسرح كل هذا العقل هو عقل دراماترجي ممسرح, صراع كامن في جملة هذا جناه أبي عليّ, جنا فعلاً لغة وفعلاً..أحمد علي الزين: طيب خلينا نرجع لقاسم محمد الصغير مثل ما عرفنا بائع الخبز ابن السبع سنوات..قاسم محمد: مو بائع كنت أشتغل في مخبز..أحمد علي الزين: بائع الخبز جميل كمان..قاسم محمد: مرة بعت خبز..أحمد علي الزين: اللي ببيع الخبز يشتري الحب..قاسم محمد: وأنا صغير جداً..أحمد علي الزين: ماذا زرع فيك ذلك الطفل العامل الصغير في المخبز؟ شو زرع بقاسم محمد؟قاسم محمد: أنا أقول لك الجحيم اللي رميت فيه من قبل الحياة بأن أشتغل ليلاً وأنا صغير المفروض أنام يعني جنب أمي, كنت أخرج في المطر وفي البرد وأشتغل في مخبز من الحادية عشرة إلى السابعة صباحاً, لكي أحصل على خمس أرغفة خبز في زمن الحرب العالمية الثانية, اللي أعطاني هذا وأنا يعني أفخر به وسعيد به وأوليه احتراماً وإجلال كبيراً هذا الصغير هو تعرف على الألم الإنساني لأنه كان معي عشرات من الناس, تحس بالغربة وأنت في محل قربك, غريب في محل القرب مش بعيد المخبز عن البيت, لكن هذه مسافة الغربة كانت وأجد أطفالاً آخرين مثلي ينتظرون في البرد في المطر في.. هذا كله يعني شوف يعني مكان زمان حدث بشر وصراع كان مسرح فعلاً كان مسرح..أحمد علي الزين: عبرت عن هالتجربة في كتابة ولا هي توزعت في العمل الفني..قاسم محمد: في النخلة والجيران هذا مليء من هذا العالم, وروعة النخلة والجيران إن مساهمة هذا الصغير كانت كبيرة مع قاسم الكبير.أحمد علي الزين: مين من الممثلين كان معك؟قاسم محمد: ناهدة الرماح الكبيرة رائعة تحياتي لناهدة الرماح, فقدت بصرها على المسرح في مسرحية أخرى..أحمد علي الزين: مش في المسرح؟قاسم محمد: في منتصف السبعينات كنت أنا آنذاك.. أحمد علي الزين: المسرحية اللي فقدت فيها بصرها؟قاسم محمد: إي أنا كنت ممثل معاها.[فاصل إعلاني]قاسم محمد: يتفق الجاحظ مع بروك في الصواب فيقول: "الصواب اليوم قليل وصاحبه مجهول".أحمد علي الزين: طيب مثل ما عرفنا أستاذ محمد.. أستاذ قاسم إن الأهل ما عندهن علاقة مباشرة بالثقافة بالفن بالإبداع إنه..قاسم محمد: سوى إني أعطيك إضاءة جميلة إن جدتي لأمي كانت شاعرة حسينية ترتجل الشعر وتقول.. أحمد علي الزين: يمكن أنت ورثت جينات الشعر من جدتك..قاسم محمد: يعني منحدرها من منطقة قريبة على كربلاء الحسينية, البيت كان يعني والدي حكواتي ممتاز وهو رجل لا يقرأ ولا يكتب, لكنه حافظ لمئات الصفحات من التراث الشعبي العراقي, وكان مؤثر كان في ليالي الشتاء يجمع في البيت في حدود 40 - 50 إنسان من الجيران ويتلذذ بصوته وملامح وجهه..أحمد علي الزين: يمكن هذه اللي أثرت فيك؟قاسم محمد: كثير طبعاً..أحمد علي الزين: كيف تكونت على مستوى الفكر السياسي يعني بمين تأثرت بمين تمثلت مين عجبك آنذاك يعني؟قاسم محمد: كان يعجبني كل الناس اللي يدافعون عن الفقير عن العدالة عن الحق, وأنا صغير حولي مجموعة من الناس يعني شديدي العمق هؤلاء الفقراء لذلك أنا مسكون بهم, ودائماً عندما أكتب أنا مسكون بالفقراء..أحمد علي الزين: يقول عنهم المطران جورج خضر هؤلاء أحباء الله.. قاسم محمد: شايف فكل إنسان كان يُعنى بهؤلاء كان قدوة لي ويعني يثير ليس فقط مشاعري إنما ينزل دمعي يعني وأنا صغير..أحمد علي الزين: وأنت حساس يعني واضح؟قاسم محمد: ما أعرف الله أعلم.. أحمد علي الزين: طيب شو هي الأفكار اللي هيك زعزعت عندك بعض اليقين بعض الثوابت بعض القيم إذا كان؟قاسم محمد: ربما الخدعات الكبيرة..أحمد علي الزين: الخدع الكبيرة؟قاسم محمد: الخدائع.. يعني كل السر هو في الإنسان حتى في القرآن الكريم خيره وشره من الله, يعني لذلك عندما تزداد كفة الشر أمام كفة الخير يحدث أيضاً فقدان التوازن فتحدث.. يعني أنت طيب النية ومندفع وكذا وفجأة تُخدع..أحمد علي الزين: وتسعى إلى الاختلاف..قاسم محمد: وتسعى إلى الاختلاف وإلى تجميل ما حولك تجميله فعلاً, يعني تضع قصيدة عن الخشبة أو لوحة أو فكرة جميلة..أحمد علي الزين: الإسهاب في بناء العالم جميل..قاسم محمد: الجمال هذا همي أنا الآن في المسرح حقيقة, يعني لا أريد أن أعمل إلا إذا تلمست مادة تبني جمالاً جديداً على الخشبة.أحمد علي الزين: ما عم تحس حالك إنه صرت أكثر تأملي من ذي قبل يعني عم تغوص أكثر في ذاتك؟ لأسباب العمر أم التجربة دفعتك..قاسم محمد: العمر والقراءة, يعني قراءاتي يعني تنوعت وازدادت.. تنوعت تماماً يعني انفرشت يعني أنا أقرأ في الفضاء كما أقرا في التصوف في نفس اللحظة..أحمد علي الزين: من ابن الفارض لتحولات اوفيد اللي عم تشتغل عليها.قاسم محمد: مثلاً وأجد وشائج فيها, ربما الوشائج هي في وليست في الأثرين..أحمد علي الزين: شو القصيدة اللي حافظها لابن الفارض؟قاسم محمد: لا هو أنا اشتغل على الحروف, فلما تشوف هذه اللوحة فهنا أيضاً أظن من كازنزاكي أخذت كلمة, بس خلطتها يعني عملت تركيبة هو سأل في العودة إلى كريغو عندما قال: "سألت شجرة اللوز عن الله! فأزهرت.. ما تعرفها هذه أنت.. كثير روعة.. سألت شجرة اللوز عن الله فأزهرت..أحمد علي الزين: أزهرت أحلى..قاسم محمد: أزهرت.. أنا أخذت هذا عجبني كثير, فقلت سألت شجرة عن الله سبحانه فأثمرت.. أثمرت 99 اسم.. الخالق المصور البديع الصبور الرحمن الرحيم الملك القدوس أسماء الله الحسنى هذا دخول صوفي وأنا ممتلئ به شايف, ومسرحي هو هذا..

الحواري البغدادية أنتجت كبار الشعراء
أحمد علي الزين: من بقي من أصدقاء الحارة مثلاً أنا على ما أظن كنت على ود مع مظفر النواب.. قاسم محمد: أنا طبعاً مظفر هو مو من أصدقاء الحارة بالحقيقة إنما هو صديق كان..أحمد علي الزين: ضياء العزاوي..قاسم محمد: ضياء من أصدقاء الحارة ضياء في محلة إحنا في البارودية هم كانوا في قمر الدين محله حارة بغدادية, هذه الحواري أنتجت كبار المبدعين العراقيين على المستويات السياسية النضالية والشعرية والقصصية والمسرحية والسينمائية حقيقة, يعني يكفي أن منهم ضياء العزاوي وقاسم محمد فمظفر النواب كان أنا أعمل كنت في فرقة المسرح الحديث بعدين تطورت صارت الفن الحديث في الستينات يعني سنة 60 - 59 أنا رحت إلى هذه الفرصة 60 فمظفر كان من أصدقاء الفرقة..أحمد علي الزين: هي كان فيها العاني وما العاني..قاسم محمد: يوسف العاني وسامي عبد الحميد وإبراهيم جلال وخليل شوقي والمرحومة الكبيرة الرائعة زينب وناهدة الرماح, وكثير.. يعني صلاح القصب كان فيها فاضل خليل كان فيها روميو يوسف واحد من الفنانين الرائعين في الحقيقة..أحمد علي الزين: المهم عن مظفر..قاسم محمد: مظفر كان يحضر إلى الفرقة وكان يقوم بمهام فنية, مثلاً رسم لنا عندما أنتجنا الخالفانيا لأنطون جيجف وأنا مثلت الخالفانيا وأنا في السادسة والعشرين من عمري, صغير نحيل كيف؟ المهم تمرنا سنة عليها, فالمظفر رسم البوستر الذي وزعناه في الشوارع, رسام مظفر, والخميسات كان رائعة كان أولى القصائد التي يكتبها في تلك الفترة يقرأها أولاً في فرقة المسرح الحديث ويغنيها بصوته البالغ الروعة, فسمعنا منه قبل ما تنشر للريل وحمد مثلاً.. مرينا بكم حمد وإحنا بغبار الليل.. وسمعنا دق بهوا وشمينا ريح هيل. يا ريل صيح بقحر مو قهر.. قحر أثقل من القهر.. يا ريل صيحة عشق يا ريل هودر هواهم ولك حد السنابل قطع..أحمد علي الزين: طيب عندما تشعر بالحزن.. عندما يهب الحزن على قاسم محمد كيف تعالجه؟قاسم محمد: أشتغل أعمل.. أشتغل.. أحمد علي الزين: تهرب إلى العمل..قاسم محمد: اي اكتب..أحمد علي الزين: وبس تشتاق لأحد كمان شو بتعمل؟قاسم محمد: أكتب..أحمد علي الزين: تكتب عن شوقك؟قاسم محمد: عن شوقي عن فكرة..أحمد علي الزين: طيب زوجتك كانت طالبة عندك وأصبحت زوجة لاحقاً, ما المشهد الذي جعلها يعني تغرم بقاسم محمد أو العكس ما المشهد اللي خلاك تغرم بها؟ شو حدث؟قاسم محمد: طالبة وكانت نشطة في المعهد, يعني نشطة في الشغل المسرحي, ويعني كانت متنوعة الأداءات ومساهمة كبيرة في أعمال الطلبة وفي العروض وفي.. وجاءت لتشتغل معي في الفترة القومية مساعد مخرج هي, فبالتأكيد يعني تم نوع من تشخيص المصلحة في هذا الاقتران وأقول المصلحة بالمعنى الجيد للكلمة, هناك مصلحة في أن تقترن به..زوجة قاسم محمد: المشهد ان إنه هو المعلم والمدد الروحي والصديق والأب والأخ وآخر شيء هو الحبيب وقبل الأخير هو أصبح أب أولادي يعاملني كواحدة من المتتلمذين حديثاً إلى حد يعني هذا الأمر اللي قضيناه سوا, المتتلمذين حديثاً على يده ويقسو علي أكثر من جميع الممثلين, وفي كثير من الأحيان يعاملني بقسوة, يعني أسأله ليش يقولي بعدين تكبرين تعرفين ليش يعني..قاسم محمد: هي يعني كامرأة هي كامرأة هي المرأة التي أريد, يعني هذا الشيء الآخر وربما الأهم..أحمد علي الزين: طيب, أستاذ قاسم بعد كل هالجولة بالتجربة وبالحياة برمت العالم مشاهداً ومخرجاً وممثلاً شو استنتجت؟ على ماذا عثرت؟قاسم محمد: عثرت على قوة الإنسان على ذكائه العظيم الذي يمكن أن يعوض فقدان أي خسارات مهما كانت وفي أي مجال كانت, عثرت على ضرورة ترسيخ هذا الإنسان الذي هو بناء الله على هذه الأرض, والذي ملعون من هدمه, وملعون من تستر.. أحمد علي الزين: كلام كثير يحوم في فضاءات قاسم محمد مشحون بالحزن وبالقهر وبرغبة الخلاص, كلام وصور كثيرة وأحلام مستديمة الحضور في يقظاته وذكريات, ذكريات بغداد بقسوتها بمراراتها وبأفراحها من حارة الفقراء إلى الجامعة طالباً ثم أستاذاً بعد سنوات موسكو في عزها ستينات القرن الماضي, أسدل ستارته في بغداد على مئة عرض وجال على عواصم ومجالات عربية ودولية ونال الجوائز, وترأس لجان تحكيم, وكُرم في أكثر من عاصمة, وفي النهاية كرمه مسبحه وعمله الدؤوب وأبحاثه العديدة في كيفية المضي إلى أبعاد جديدة في اللعبة المسرحية, وكرمه التصاقه ببيئته وبإنسانه العراقي وبالإنسان عامة الذي ملعون من قتله كما قال, قاسم محمد هنا في الشارقة منذ حوالي عشر سنوات منذ عام 97 يعمل رئيساً لقسم المسرح في دائرة الثقافة والإعلام, لم يستقل من مشروعه وأحلامه بل حقق أكثر من عشرة أعمال أخرى إضافية على مكتبه ابن الفارض وتحولات أوفيد, قاسم محمد ما أن يُسدل ستارته على عرض حتى يفتحها على آخر, وأبوابه دائماً تُفتح على ما هو أبعد وأعمق وأشف.

.
.

حسن العلي
01-08-2008, 04:34 AM
.
.

أساطير معاصـرة لمحمــــد الكغاط : بين الأسطورة وثنائية الخير والشر

يعتبر محمد الكغاط من أبرز رواد المسرح المغربي إلى جانب الطيب الصديقي وعبد الكريم برشيد ومحمد تيمد. وقد ولد بمدينة فاس سنة 1942م، وبها تلقى تعليمه حتى حصل على دكتوراه الدولة في المسرح، وعين أستاذا جامعيا يحاضر بكلية الآداب بجامعة محمد بن عبد الله. وقد مارس المسرح مبكرا وتلقى فيه تدريبات وتكوينات ممنهجة وخاصة بمركز الشباب بالمعمورة والمركز المغربي للأبحاث المسرحية. كما اهتم بالتمثيل السينمائي والتنشيط الإذاعي. وقد مارس الإخراج المسرحي والسينمائي. وشارك محمد الكغاط في عدة ملتقيات ومهرجانات وندوات ومناظرات مسرحية وطنية وعربية وأجنبية. وساهم بقسط وافر من إبداعه المسرحي: تأليفا وإخراجا في إثراء مسرح الهواة وتأسيس المسرح الجامعي ولاسيما بمرتجلاته الفاسية. وأشرف الكغاط على تأطير طلبة الجامعات والإشراف على العديد من الرسائل والأطروحات التي تهتم بفن المسرح والتمثيل الدرامي. وكان الكغاط يهتم بالمقاربة الدراماتورجية التي تجمع بين مقاربة النص الدرامي والعرض الفرجوي، أي كانت منهجيته التحليلية شاملة تجمع بين مكونات النص الموازي وقراءة النص ودراسة المكونات السيميائية للعرض.ولم يكتف بالمسرح الجامعي فقط، بل اهتم بالمسرح الإذاعي ،وأنتج فيه الكثير من الأعمال كروائع المسرح العالمي وآفاق فنية والحل الصائب ودنيا المسرح وأعد للإذاعة المركزية رواية دفنا الماضي لعبد الكريم غلاب في عشرين حلقة سنة 1979م.
وقد نشر محمد الكغاط كثيرا من المقالات والدراسات في مجلات مغربية وعربية مثل مجلة الفصول الأربعة ومجلة الثقافة المغربية ومجلة مجرة ومجلة خطوة ومجلة ندوة ومجلات كليات الآداب(فاس- الدار البيضاء- المحمدية).
وتوفي محمد الكغاط سنة م بعد أن حصل على عدة جوائز تقديرية وتكريمية كجائزة المغرب للكتاب سنة1996م عن كتابه" المسرح وفضاءاته"، وجائزة أحسن نص مسرحي بمسرحية " أساطير معاصرة" في المهرجان الوطني للمسرح الجامعي بمكناس، وجائزة البحث التقني بمسرحية " بشار الخير" في المهرجان الوطني للمسرح الجامعي بمكناس. كما كرم في الدورة التاسعة للمهرجان الدولي للمسرح التجريبي بالقاهرة سنة 1997م.
ومن أعماله نجد:
المؤلفات جنسها التأليف تاريخ الإصدار أو الإخراج الإخراج ملاحظات
النواعير مسرحية محمد الكغاط أكتوبر1970م محمد الكغاط ----------
بغال الطاحونة مسرحية محمد الكغاط ماي 1974م محمد الكغاط ----------
الحقارة مسرحية محمد الكغاط يناير1975م محمد الكغاط ----------
زهرة مسرحية محمد الكغاط 1977م محمد الكغاط ----------
بشار الخير مسرحية محمد الكغاط 1978م محمد الكغاط مجلة الفنون المغربية العدد1، السنة6، 1979
مثل دورك مسرحية محمد الكغاط 1979 أو 1980م محمد الكغاط ----------
ميت العصر مسرحية محمد الكغاط يونيو1981م محمد الكغاط ----------
فلاش باك مسرحية محمد الكغاط فبراير 1980م محمد الكغاط ----------
منزلة بين الهزيمتين مسرحية محمد الكغاط ماي 1984م محمد الكغاط ----------
1-2-3 مسرحية محمد الكغاط 1984م محمد الكغاط ----------
تيكابوم مسرحية محمد الكغاط غشت1980م محمد الكغاط ----------
أبوالهول الجديد مسرحية محمد الكغاط ماي 1985م لم تعرض مجلة آفاق المغرب، العدد3، السنة 1989
فلان...فلان الفلاني..فلتان مسرحية محمد الكغاط ماي 1981م محمد الكغاط ----------
ذكريات من المستقبل مسرحية محمد الكغاط ماي1990م محمد الكغاط منشورات جمعية محمد الكغاط لهواة المسرح الوطني، طبعة2002
المرتجلة الجديدة مسرحية محمد الكغاط ماي 1987م محمد الكغاط مطبعة سبو 1991م
مرتجلة فاس مسرحية محمد الكغاط 1988 محمد الكغاط مطبعة سبو 1991م
أساطير معاصرة مسرحية محمد الكغاط يونيو1992م محمد الكغاط منشورات كلية الآداب فاس1993
مدينة بلا مسرح مسرحية محمد الكغاط ------------- محمد الكغاط مجلة دراما، المغرب، العدد1، أبريل 1992، ص:4
مرتجلة شميشا للا مسرحية محمد الكغاط 1995م محمد الكغاط منشورات جمعية محمد الكغاط لهواة المسرح الوطني، ط1 الدار البيضاء2003
برميثيوس91 أوبغداديات مسرحية محمد الكغاط 1991م حسن علوي العلم الثقافي، الأعداد:826- 828-830-833-836-742-745
النبي المقنع ترجمة عبد الكبير الخطيبي 1993م، العدد262، الكويت -------- ترجمة محمد الكغاط
بنية التاليف المسرحي بالمغرب من البداية إلى الثمانيثيات دراسة محمد الكغاط 1986م عن دار الثقافة بالبيضاء -------- كان في الأصل رسالته الجامعية
المسرح وفضاءاته دراسة محمد الكغاط 1996، مطبعة دار البوكيلي بالقنيطرة -------- كان في الأصل أطروحة جامعية
الممثل وآلته: تأملات في جسد الممثل وروحه دراسة محمد الكغاط 2002، وزارة الثقافة والاتصال الرباط -------- ----------
صوت سيدها مسرحية محمد الكغاط 1999م محمد الكغاط ----------
أنتيجونا تتذكر مسرحية محمد الكغاط 2000م لم تعرض مسرحية للأطفال
جحا المحامي مسرحية محمد الكغاط 2000م أحمد جهيد مسرحية للأطفال
ماتش مسرحية محمد الكغاط 1993م لم تعرض تأليف مشترك
المقامة القردية مسرحية محمد الكغاط ------------- لم تعرض بيان اليوم 12 يوليوز 2001 العدد3413
الشجرة الناطقة مسرحية محمد الكغاط ------------- أحمد جهيد أنوال 4 يونيو 1993م
اللي كذب على الملائكة مسرحية اقتباس الحسين المريني 1969م محمد الكغاط اقتباس عن الكاتب المصري علي سالم/ أول إخراج للكاتب/
رجل ورجل مسرحية محمد تيمد 1977م محمد الكغاط التاريخ المشار إليه هو تاريخ عرض المسرحية
إلكترا مسرحية سوفكليس ------------- محمد الكغاط ----------
وجدتك في هذا الأرخبيل مسرحية محمد السرغيني 1994م محمد الكغاط ديوان السرغيني " وجدتك في هذا الأرخبيل"
الوقوف في مرتفعات الصحو مسرحية أحمد مفدي ----------- محمد الكغاط عن ديوان الشاعر احمد مفدي" الوقوف في مرتفعات الصحو"

ومن أعماله الجديرة بالدرس والبحث مسرحيته "أساطيرمعاصرة" التي يتبنى فيها الكاتب قالبا أسطوريا معاصرا يستوحي فيها التراجيديا اليونانية في ثوب معاصر للتنديد ببطش قوى الشر والدول المتغطرسة التي تعتدي على الشعوب الضعيفة وتحاول ابتزازها مستخدمة في ذلك أنيابها ومخالبها وأسلحتها الفتاكة، وهي تدعي أنها دول الحريات وحقوق الإنسان، كما هو مثال الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة التي حاولت جاهدة أن تعتدي على العراق وأن تدمر بغداد الحضارة والتاريخ.
تستند هذه المسرحية الميثولوجية المعاصرة إلى تراجيديات إغريقية وأبطال أنصاف آلهة، وتتمحور حول شخصيات تركت بصمات درامية في تاريخ الإنسانية، وهي: أنتيغون وإيو وإلكترا وبروميثيوس، لذلك سنحاول توضيح هذه الشخوص- المفاهيم لمعرفة دلالات المسرحية:

1- أنتيغــــــون:

مسرحية يونانية استوحاها سوفكلوس قديما وكوكتو وجان أنويل وبرخت حديثا.وهي تشخص الصراع ضد الاستبداد والطغيان قصد تحقيق الحرية والانعتاق من الظلم والتسلطن والجبروت.
أنتيغون بنت أوديب إلى جانب إزمين، قررت دفن أخيها بولينيس الذي تصارع مع أخيه إيتيوكل حول الحكم بعد وفاة أبيهما أوديب وأمهما جوكاست. لكن خالهما كريون استغل الفرصة وتولى الحكم واعتبر بولينيس خائنا لوطنه عندما استنجد بالأعداء الأجانب لمواجهة أخيه، لذلك قرر عدم دفن هذا الخائن المارق, وأعطى أوامره الصارمة لأهل طيبة لكي لا يدفن هذا العاق و ينبغي أن يترك خارج التراب لتنهشه الحيوانات والطيور الكاسرة. بيد أن أنتيغون تحدت الملك وقامت بمحاولة لدفن أخيها لأن من حقه أن يستريح في قبره كالآخرين. لكن الملك كريون منعها من ذلك وطلب منها ألا تعود إلى فعلتها ثانية وإلا نالت منه ما لا يحمد عقباه ،ونصحها كذلك بتنفيذ أوامر الملك وأن تكون هي النموذج الذي يقتدي به شعب طيبة. لكن أنتيغون سخرت من ملك كريون وأهانته كثيرا وأكدت له بأنها تريد الموت من أجل راحة أخيها، وأن الحياة بدون كرامة وبدون حرية مذلة لا تحتمل. وأمام هذا الإصرار والتحدي أصدر الملك كريون قرار الإعدام في حقها.

2- إلكتـــــــــرا:

هي مسرحية تراجيدية استلهمها كل من سوفوكلوس وإيسخيلوس ويوربيديس وجيرودو.وتجسد هذه المسرحية عقدة نفسية ألا وهي حب البنت لأبيها وكراهيتها لأمها على عكس عقدة أوديب التي تشير إلى حب الإبن لأمه وكراهيته لأبيه.
إلكترا بنت أجمامنون وكلمنسترا، أرادت الانتقام من أمها كلمنسترا الجميلة الشريرة والخائنة لزوجها أجمامنون بطل طروادة التي اختارت الزواج بإيجيست؛ لذلك دفعت أخاها أورست الذي تعرفت عليه عند قبر أبيها أجمامنون، بعد أن كانت تعتقد أنه قد مات منذ سنين عدة على إثر طرد العاشقين الخائنين لهما عقب تآمرهما على قتل أبيه، فكان هذا التعارف البداية الحقيقية للتعاون والاشتراك بين الأخت إلكترا وأورست في الانتقام لأبيهما من أمهما الخائنة وعشيقها المذنب الآثم ثأرا وعقابا.
ففي هذه الماساة "صورة صراع عام بين الخير والشر في العالم، تضؤل فيه مسؤولية الفرد، فالدم دم، والجرائم تقود إلى الجرائم، حتى ينتصر الخير أخيرا، فيقف سيل الدماء."

3- بروميثيوس:

يعد بروميثيوس بطلا تراجيديا يونانيا ورمزا للتضحية والشهادة والاستشهاد وجد البشر وصانع الحضارة كما تعبر عن ذلك مسرحية" بروميثيوس موثقا" لإسخيلوس. أراد بروميثيوس أن ينقذ الشعب اليوناني من الجهل والظلمة وشر الآلهة زيوس، فسرق مشعل الحضارة أو نار السماء رمز المعرفة وبدء الحضارة ليقدم ذلك للناس، بيد أن زيوس إله الشمس والنار والضوء ثار ضده، فعاقبه عقابا شديدا وقيده فوق جبل القوقاز بعد أن أرسل إليه أحد أتباعه وهو هيفايستوس إله الحدادين ومعه بعض الزبانية ليصلبوا بروميثيوس ويكبلوه بالأغلال حتى ينهش النسر الكاسر كبده بالنهار ثم يتركه بالليل، فيتجدد الكبد ليستكمل النسر نهشه.وظل بروميثيوس موثقا ومعذبا بهذه الطريقة السيزيفية إلى أن ظهر أحد العمالقة الأبطال ألا وهو هرقل فأنقذ بروميثيوس من وضعه التراجيدي وذلك عندما صوب سهمه إلى النسر فأرداه قتيلا، وبذلك أنقذ بروميثيوس الأسير من محنته المأساوية وعذابه الوجودي.وفي هذه المسرحية" بروميثيوس موثقا" نجد الصراع الدرامي " عنيفا بين كبرياء بروميثيوس الشريفة وبين ظلم زيوس وغطرسته، حيث يرفض بروميثيوس الخضوع على الرغم من عذابه الفظيع، وعلى الرغم مما سمعه من نصائح الضعفاء الذين يرون من الحكمة مصانعة الظلم أو الاستسلام له".

4- إيـــــــو:

تصور هذه المأساة التي كتبها سوفوكلوس صراع الإنسان ضد الشر والظلم، إذ كانت إيو جميلة حسناء. ومرة خرجت إلى بحيرة، فرآها الإله زيوس الذي كان متزوجا من الآلهة هيرا رمز الشر والتميز والأنا فعشقها حبا وشغفا. فقرر بعد ذلك أن يتزوجها سرا لكي لا تكشف هيرا خيانته وعدم إخلاصه لها فحولها إلى عجلة شديدة البياض لكي يتأتى له الاتصال بها بينما هو يتحول إلى ثور. لكن هيرا ستكشف العلاقة الموجودة بينهما، وستدفعها الغيرة والرغبة في الحفاظ على زوجها أن تحطم إيو وأن تعذبها عذابا سرمديا فكلفت أرغوس صاحب مائة عين أن يراقبهما وأن يقيد إيو السجينة إلى شجرة الزيتون وأن يحرسها.لكن زيوس طلب من ابنه هرميس أن ينقذ هذه الأسيرة وذلك بالتخلص من أرغوس. وفعلا قتله هرميس شر قتلة. لكن إيو لم تنعم بهذه الحرية المؤقتة، إذ سرعان ما سلطت عليها هيرا ذبابة قوية تلتصق بها ألما وعذابا؛ مما جعل إيو شديدة الغضب من هيرا التي بدأت تطاردها في كل مكان تحل به إيو، فتاهت الأخيرة في أصقاع الخليج والبوسفور وعبرت جبال القوقاز، وهناك رأت بروميثيوس مقيدا وتنبأت له بقدر طيب وسعيد، وبعد ذلك التجأت إلى مصر فتحولت إلى طبيعتها الإنسانية، وأنجبت ابنها الذي سيصبح إله أوزيريس. وبعد وفاتها تحولت إلى مجموعة من النجوم.
ينطلق محمد الكغاط في مقدمته الاستهلالية للمسرحية/ برولوج/ من تقديم الصراع الدرامي في لوحاته المسرحية التي لها استقلالية نسبية إلى حد ما. فإيو المعذبة تواجه هيرا التي مسختها غيرة منها لذلك تشيد ببروميثيوس التي أرشدها إلى طريق الخلاص من الحقد والشر. كما أن أنتيغون وقفت في وجه كريون فصاحت في وجه بكل شجاعة وجراة وقالت: لا..لا....للاستبداد والظلم! وحتى إلكترا تنتظر أخاها أورسطس لينقذها من أمها الخائنة وسلطة عشيقها إيجيستوس.وأمكنة هذه المآسي( طيبة وأرجوس وموكينيا) مشابهة لبغداد المعاصرة التي تصارع الشر والموت والطغيان والاستبداد ومكائد الأعداء وظلمة الموت والإفناء.
وبعد هذا الاستهلال، ينتقل المبدع إلى لوحاته الثلاث:
1- عيون أرجوس ماتزال حاقدة
2- أنتيجون تواجه قانون الأرض
3- إلكترا تتحول إلى أورست.
في اللوحة الأولى، ينطلق الكاتب من فضاء درامي معاصر يصور فيه الصراع بين شخصيتين تلعبان الكارطة، شخصية قوية تستطيع أن تحقق النصر لها وشخصية ضعيفة تختار الهزيمة والاستسلام. ويستخدم الكاتب الدارجة المغربية والفصحى لخلق السخرية والتهجين الاجتماعي وتشخيص التناقضات والصراعات المأساوية ليدخل بعد ذلك الحاضر في الماضي في بوتقة فنية واحدة قوامها الظالم والمقاومة.
يلتجىء الكاتب إلى تقطيع كل لوحة درامية إلى مستويات سينوغرافية وحركية لمسرحة الأحداث بطريقة دراماتورجية وإخراجية رائعة قابلة للعرض والتمسرح. تبدأ اللوحة بتقييد أرغوس لإيو المعذبة الأسيرة التي أرادها زوس إله أولمب متعة وإشباعا لغرائزه وشهواته، فاستسلمت له إيو مكرهة. وعندما تمردت عليه أجبرها على العذاب والمعاناة كل يوم. فأصبحت مثل بروميثيوس تقاوم الشر ومسخ هيرا الشريرة الحاقدة التي مسختها إلى بقرة وأرسلت إليها ذبابة الألم والموت والجوع. فأصبحت إيو وحيدة محرومة من العلم والذكاء والغذاء بسبب غطرسة هيرا وتجبر زوس الحاقد على بروميثيوس الذي أراد أن ينقذ الناس من ظلمة الجهل والأمية و يقول له: لا للظلم والاستبداد!.وما زاد من عناء إيو أن غادرها أهلها وابتعد عنها أصدقاؤها وبقيت وحيدة؛ وذلك بسبب خوفهم من بطش زوس الحاقد.
وفي اللوحة الثانية، يستحضر الكاتب أسطورة أنتيغون وقصة أوديب الذي قتل أباه وتزوج من أمه ولما عرف الحقيقة فقأ عينيه وساعدته انتيغون في غربته وشيخوخته إلى أن مات موتة الأبطال القديسين في مدينة كولونا, وبعد ذلك تقاتل أبناؤه حول العرش. وبعد مقتلهما تولى كريون سلطة الحكم وأصدر قراره بعدم دفن بولينيس ولو كانت أخته أنتيغون. وفي مونودراما مؤثرة موجهة إلى الجمهور بطريقة مسرحية تشبه الحوار الداخلي ترفض أنتيغون الانصياع لأوامر كريون وتسخر من قانونه الجائر الذي يمنعها من الحرية والإرادة في تشييع أخيها ودفنه ليلتحق بأفراد أسرة أوديب الشقية. وبعد ذلك، تعلن أنتيغون وقوعها في الأسر بعد أن رفضت التسلط والقهر والظلم وبطش الأقوياء، وتبدي رغبتها في اللحاق بأسرتها التي ظلمها القدر للتزوج بالموت وراحة القبر.
وفي اللوحة الثالثة والأخيرة، يستحضر الكاتب تجربة إلكترا في المقاومة والتصدي للتسلط والظلم. فتغرق إلكترا نفسها في الدموع والبكاء والنحيب بعد وفاة أبيها البطل أجمامنون الذي انتصر في معركة طروادة وحقق لليونانيين مجدا كبيرا. وعند عودته بالظفر والمجد استقبلته كليمنترا زوجته وعشيقها الخائن إيجيستوس بالغدر والقتل والموت، وطرد أوريست ابنهما أرسطس خارج القصر فتسلمه المربي بالرعاية والتهذيب والتعليم. أما إلكترا فكانت تندب وضعها المأساوي وتشتكي في خطاباتها المنودرامية ومناجاتها الدرامية قساوة أمها وتجبر إيجيستوس الذي كان يعاملها معاملة سيئة وفظيعة. لكن إلكترا كانت تكن لها الحقد والكراهية وتنتظر عودة أخيها أورست للتخلص من هذين الخائنين الآثمين. وتعاتب أختها وأصدقاءها وأقرباءها الذين تخلوا عنها نظرا لخوفهم من قوة إيجيستوس وبطشه الشديد حتى أصبحت القوة هي أساس الحياة والبقاء والامتياز الاجتماعي. وبينما كانت إلكترا مستسلمة في شكواها وبكائها ظهر أخوها أورسطس الذي تعرفت عليه بسرعة، فأعطى لها الضوء الأخضر للثأر من أمها وقتل عشيقها المتكبر الغادر.
وتنتهي المسرحية ببرولوج في شكل إيبيلوغ نهائي يعلن أن هذه المآسي تشبه أسطورة بغداد المعاصرة التي يعايشها كل إنسان عربي:
" الممثلة: نعود إلى أسطورة بغداد...
لن أحكيها لكم
أنتم تعيشونها
بغداد..."
في هذه اللوحات المسرحية يندد الكاتب بالنظام العالمي الجديد الذي يقوم على القوة والسيطرة والاحتلال والتغريب والعسكرة والبطش والاستبداد. وهذا ما نلاحظه جليا في اعتداء قوى الشر على العراق والذي يجسد صراعا حضاريا ودينيا. والكاتب لما كتب هذه المسرحية أو الأساطير المعاصرة كان يستحضر هذا السياق التاريخي، إذقال في مقدمة الكتاب:"
بغداد...كانت بغداد تملأ ذهني وأنا أكتب" أساطير معاصرة". بغداد التي تنتمي إلى إحدى أعرق الحضارات الإنسانية... بغداد مدينة السلام في العصر العباسي... بغداد مدينة التراث الإسلامي... بغداد هارون الرشيد وألف ليلة وليلة؛ بغداد التي عرفت القوة في تاريخها القديم... بغداد التي هاجمت وهوجمت قبل أن تتعرض لهجمة المغول والتتر وتسقط... لكنها نهضت من جديد.
وأنا افكر في بغداد، ثار في ذهني مقاومة بروميثيوس لزوس ووقوف أنتيغون ضد القانون الذي فرضه كريون وتحدي إلكترا لسلطة إيجيستوس.
انتقيت من الميثولوجيا اليونانية هذه الأساطير الثلاث لأجسد من خلالها ما يعرف ب"النظام العالمي" الذي قام دائما على القوة!"
يلاحظ على أساطير معاصرة أنها مسرحية ميثولوجية معاصرة تتحدث عن الإنسان العربي المعاصر المغرق في المآسي والهزائم والنكبات يتعرض للعذابات السيزيفية المتكررة من قبل قوى الشر والطغيان. وكل ذلك بسبب التشرذم العربي وتمزق الوحدة العربية وتكالب الاستعمار على الدول العربية وطمع الدول القوية في ثرواتها ومحاولاتها لمحاصرة القوى والشعوب العربية عن طريق الحفاظ على الأنظمة المستبدة التابعة لمراكز القرار الغربي. وهذه المسرحية تأكيد لهذا الوضع التراجيدي العربي في زمنه المعاصر.
كما نلاحظ أيضا أن الكاتب كتب مسرحيته الجديدة هاته من رؤية إخراجية مادام الكغاط له تجربة كبيرة في ميدان التمثيل الدرامي والسينمائي والإذاعي مما أهل له أن يكتب هذه المسرحية من زاوية العرض الدراماتورجي وأن يوظف عنصر التمسرح فيها عبر تقسيمها إلى لوحات ومستويات سينوغرافية وحركات تمثيلية قابلة للتشخيص الفضائي والدرامي على خشبة الركح. بل كان يرسم بدقة حلبة التمثيل وأبعادها بكل دقة ويحدد أماكن التواصل السيميائي ومراكز الحوار تقابلا وتماثلا في علاقة مع الجمهور.
وسنحدد الآن بعض المقومات الفنية لهذه المسرحية قصد فهم الطرائق الموظفة لبنائها وتركيبها:

العناصراللوحات اللوحة الأولى اللوحة الثانية اللوحة الثالثة
الحدث الدرامي صراع بروميثيوس
وإيوضد زوس
وزوجته هيرا صراع أنتيغون
ضد كريون
الذي منع دفن
أخيها بولينيس انتقام إلكترا من
أمها الخائنة
وعشيقها الآثم
الصراع الدرامي صراع الخير ضد
الشر صراع الإرادة
ضد التسلط الصراع ضد
الشر والغدر
العوامل الدرامية إيو وبروميثيوس 1
و2 والذبابة كريون- أانتيغون-
بولينيس-
إيتيوكل- الحرس إلكترا -
المربي-
أورستس-

أطراف الصراع إيو/ بروميثيوس≠
زوس/زوجته أنتيغون≠كريون إلكترا≠ الأم
والعشيق
المكان الدرامي سكثيا- شارع
معاصر- مدينة من
مدن العالم الثالث مدينة طيبة-
مكان معاصر ساحة مقاومة-
ساحات مدينة
موكينيا- أمام
قصر الملك

زمان الأحداث الزمن الأسطوري-
الزمن المعاصر-
التداخل الزمني يوم مطلق تداخل الأزمنة
التقنيات المسرحية البرولوج- تقنية
السارد- مسرح
المقهى- تقنية اللعب
-القناع- عامل الإضاءة
يقرأ الخلفية
الدرامية- تقنية القناع "إيو-
أنتيغون"-
البرولوج النهائي-
تقسيم المسرحية المستويات والمشاهد
- 4 مستويات- الحركة المشهدية مشاهد حركية
دلالية داخلية
اللغـــــــــــة الدارجة المغربية-
الفصحى- اللغة
الرقمية الفصحى الفصحى
طبيعة الحوار الحوار السردي
البرولوجي- الديالوغ
الحوار الخطابي
الديالوغ- الحوار
الخطابي
المنودرامي - الديالوج-
البرولوج-
المنودراما
الخطابية
الإرشادات الركحية الخلفية الدرامية-
إرشادات سوداء
بارزة توضع بين
قوسين الخلفية الدرامية
الطويلة-
إرشادات ركحية
بارزة السواد بين
قوسين الخلفية الدرامية-
أقواس سوداء
بارزة
الأزياء زي الأميرة
الأسطورية- لباس محارب
يوناني بسلاحه- --------------
الأصوات صوت صاروخي-
صوت الرعد –
صوت الذباب-
تغيير إيقاع
الصوت- صوت الصياح-
الأنين والبكاء-
الموسيقى موسيقى كمطارق
الحدادين- الخفوت-
نغمات الشباب
والحياة- الأزيز طبول الحرب- ---------------
الإكسسوارات الطاولة- الكارطة-
القيود- الورقة- الحبل
لجام- القلة-المرآة-
قناع البقرة-
القيد- الإكسسوارات
السابقة- الفأس-
الديكـــــــــور طاولة المقهى- شجرة
الصليب- الستائر
الشفافة- خشبة بخلفيتين:
أمامية وخلفية-
ستاران: داخلي
أسود وستار
فاصل بين
الخلفيتين- الجثة
فوق التراب- الديكورات
السابقة- ديكور
القصر
الإضــــــــاءة ألوان حالمة- وميض
البرق- بقعة ضوئية
خافتة- بقع ضوئية
خافتة- بداية
النهار

ونستنتج من خلال هذه الخطاطة، أن مسرحية" أساطير معاصرة" لمحمد الكغاط غنية بالمقومات السينوغرافية القابلة للإخراج الدرامي وفعل التمسرح، والدليل على ذلك كثرة الخلفيات الدرامية والإرشادات الركحية ومستويات التقطيع البصري والدلالي والحركي والمشهدي ومسرحة الصراع الذهني خشبيا وحركيا.
ويلاحظ كذلك أن هذه المسرحيات ذات البناء الأسطوري المعاصر تجسد كلها صراع الخير مع الشر في ثوب سياسي وحضاري وإنساني .
.
.

حسن العلي
01-08-2008, 04:38 AM
.
.

<< الدكتور فواز الساجر* حياته ملامح من تجربته المسرحية >>

المقدمة :
((إن عصرنا هذا هو عصر الضيق , أكلنا ضيق , شرابنا ضيق , زيُّناً ضيق , مسكننا ضيق , مرتبنا ضيق , تفكيرنا ضيق , قبرنا ضيق , مطمعنا ضيق أفقنا ضيق , عدلنا ضيق , عالمنا ضيق , مصيرنا ضيق , موتنا ضيق , قبرنا ضيق , الضيق , الضيق ! افتحوا الأبواب والنوافذ 00 سيقتلنا الضيق !
افتحوا الأرض والسماء 00 سيقتلنا الضيق !
افتحوا الكون 00 سيقتلنا الضيق !
الضيق 00 الضيق )) !


* قصاصة عثر عليها بين أوراق المخرج الراحل
فواز الساجر 1 نيسان 1948- 16 أيار 1988

قبل الدخول في المعطيات والمسوغات لهذا البحث لا بد لي أن أشير إلى نقطة جد هامة , هذه النقطة تتعلق بألوان الطيف الثقافي والفكري والتي تشكل في مجملها تكاملاً يوصل في النهاية إلى تأصيل الهوية الثقافية لدينا , ومن هذا المنطلق وجدت لزاماً عليّ , ووفاء مني لأحد أعلام المسرح العربي أن أقدم تعريفاً به رغم أن ((المعروف لا يعرف)) هذا من ناحية , أما من الناحية الأخرى والأهم تسجيل اعتراف وعرفان لعلم رحل لا أبغي منه لا زلفى ولا ملقا على حد قول الراحل الجواهري في عصر صار فيه التزلف و النفاق والصعود على الجثث أمراً عادياً لمن يريد " وردها الطرقا " كما يقول الجواهري رحمه الله أيضاً 0
وقبل التوغل في دفء ومرارة التفاصيل لا بد لي أيضاً من أزجي عبارة في الريح للراحل الثاني سعد الله ونوس وممدوح عدوان و محمد الماغوط وعبد السلام العجيلي الذين لحقوا بفواز الساجر وقال ونوس قبل رحيله في الكلمة التي ألقاها عبر الشاشة الصغيرة بمناسبة يوم المسرح العالمي حينذاك قال من جملة ما قال " فن المسرح فن مدون على الريح " وأجدني مقارباً هذه الرواية من رواية أطلقها الراحل جبران خليل جبران في قصيدة المواكب والتي دونها لكن ليس على صفحات الريح وإنما على صفحات الماء حين قال :
ــ أعطني الناي وغنِ وانس داء ودواء
ــ إنما الناس سطـــور كتـبت لكن بمــاء
وهذه يقودني بالتداعي أيضاً إلى الراحل عاصي الرحباني وما عندلته فيروز من بوح جبران في مراقي فن الألق الغنائي العربي وهنا لا بد من تسجيل نقطة عتاب ومحطة عتب بل أجدني أقف على مشارف الجحود حين تطوي موجة الأيام في دورتها عقداً وبعض شهور على رحيل فواز الساجر دون أن نضع وباسم الوفاء وحب المكان زهرة على ضريحه تحمل في عبقها تحية التواصل ومع طعم المرارة جاءت البارقة رغم أنها تأخرت كثيراً لكنها لمعت أخيراً وهي هذه السطور الراعشة التي تقدم الراحل العربي الكبير الدكتور فواز الساجر تقدمه تعريفاً وتوصيفاً رغم أن بارقة الإشارة تغني عن مكاشفة العبارة ومن سطور بذرها سعد الله ونوس في ذاكرة الريح لتصل لمعاً إلى روح فواز الساجر حاملة معها هماً وفجيعة أودت به هو الآخر هذه الجملة تميط اللثام عن الحقيقة بين المحيط وبين الإحاطة 00000 " ما أفجع أن يحاصر الجهلة عمل المبدعين بصغارهم وتفاهات أحكامهم الأمية " !
إذا كان هذا التوصيف بحد ذاته علة العلل فلا مناص من القول فإن أحد انكسارات الأمة أورثت سعد الله ونوس ذلك الداء الذي أحرقه دون دخان كثير من الجهلة يطلقون أحكامهم المسبقة وفق أبجدية مترعة بالجهل حيناً وبغيره أحياناً على كثير من التجارب الإبداعية من منظور شوفيني أو إلغائي أو يجعلون من المثاقفة الايجابية ببعدها الإنساني خضوعا لثقافة الآخر أو تقليلا من أهميتها باسم الحافظ على الهوية وهذا جعل من الأعراض أو التعارض سمة من سمات التجاهل ولما لا يكون في خاتمة المطاف إطلاق سهم النسيان في بقايا بوارق الذاكرة لقتل التوهج وبعد هذه المقدمة التي رغبت أن تكون مفتاح الدخول إلى قاعة مسرح كبير تمتد جدرانه بين سوا جير منبج
كما يقول البحتري وموسكو ودمشق وكانت رحلة عودة فواز الساجر الذي عاد محملاً بالعلم والمعرفة فمن هو الراحل فواز الساجر ؟!
ــ بطاقة التعريف:
ــ فواز الساجر0
ــ ولد في أحدى قرى منبج ناحية أبو قلقل عام 1948 0
ــ حصل على الشهادة الثانوية ( الفرع الأدبي بتفوق عام 1965) من محافظة الرقة بمجموع قدره /49/ من /50/ 0
وقبل أن استعرض حياة الراحل فواز الساجر لابد من الوقوف على ملاحظة هامة وطريفة في حياته الثقافية خاصة اندفاعه نحو القراءة والمطالعة وقد روتها زوجته السيدة فاطمة ضميراوي في معرض حديثها عنه بعد رحيله وهذه الملاحظة أو الحادثة ذات مدلول عميق أما أبطالها فهم القارئ فواز الساجر وهاكم ما جرى تقول السيدة فاطمة :
" في إحدى المرات ذهب إلى المركز الثقافي في منبج ولكن المسؤول قال له :
أيها الفتى النحيل لقد قرأت كل الكتب لدينا فحمل نفسه ورحل "
هذه الحادثة تدل على التكوين الثقافي الشامل والمتنوع لان الكتب التي كان المركز الثقافي يحفل بها متنوعة المشارب ويبدو أن المسؤول في المركز الثقافي في منبج آنذاك كان متابعا ومراقبا لهذا القارئ الاستثنائي وحين أدرك أن هذا القارئ لم يترك كتاباً في المكتبة إلا وقرأه أبلغه ما سبق أن وصل إلى المسامع وهذا يجعل من التأسيس الثقافي الأول لدى الراحل فواز الساجر منطلقاً لقوله " أريد أن أصبح فناناً " وأصبح بالفعل فناناً لمعرفته الحقيقية بذاته وما تختزنه هذه الذات من إمكانات أهلته للوصول إلى ما وصل إليه فهو العارف بما لديه وما يريد ومن هنا بدأت رحلة فواز الساجر حيث أوفدته وزارة الثقافة لدراسة الإخراج المسرحي في موسكو عام /1966/ حيث كان أستاذه الفنان (( يوري زافانسكي )) تلميذ ستانسلافسكي وهو مدرسة مسرحية عالمية ومن أهم وجوه المسرح السوفيتي 0
- تخرج من معهد " غيتس " المعهد الحكومي للفنون المسرحية(( كلية الإخراج ))عام /1972/ 0
وتقول عنه السيدة فاطمة ضميراوي عن مرحلة موسكو :
" وعاد , ومنذ الخطوات الأولى تجلت موهبته وقدرته على العطاء ورغم الصعوبات كان مصراً على العمل والاستمرار , أذكر أنني كتبت له يوماً وبعد عودته من موسكو :
/ هنا أنوه على هذه العودة الثانية قبل الدكتوراه /
(( قليلاً من الهدوء يا رجل فالزمن صعب )) لكنه أجابني " هل نسيت ما قاله برشت : لن يقولوا كانت أزمنة صعبة بل سيقولون لقد صمت الشعراء "
ألتقيت به صدفة بعد شهرين من عودته من موسكو في مسرح الشعب بحلب ثم عملت معه في مسرحية" مأساة جيفارا للمسرح الجامعي ودعاني بعدها لنحتفل بعيد ميلاده وبعد خمس سنوات دعاني أيضاً لنتزوج في يوم ميلاده لو سألتم فواز هل هذه صدفة لأجابكم بابتسامته الخبيثة الجميلة :
" لقد أردت أن أجمع المصائب كلها في يوم واحد " ورسم الحلم في إحدى رسائله صورة كبيرة بألوان لزوجين سعيدين على طبق من البرغل 0
هذا ما قالته السيدة فاطمة زوجته على رحلة خمسة عشر عاماً من الحياة الزوجية من فواز الساجر ويدرك الملاحظ عبارة / على طبق من البرغل / أن منبج ما غدرته لا في موسكو ولا في دمشق بل ظلت فيه وشماً عصياً على المحو 0
وفي العام /1975/ عمل مع المسرح الجامعي في دمشق وقدم ثلاثية بعنوان (( أن نكون أو لا نكون )) على نصوص لأوزوالددراكون وممدوح عدوان ورياض عصمت شارك في هذا العرض باسم سوريا في مهرجان دمشق السادس للفنون المسرحية 0
وفي عام /1977/ أسس مع سعد الله ونوس المسرح التجريبي وقدم (( يوميات مجنون )) عن نص نيكولاي غوغول وعن هذه المرحلة يتحدث الراحل سعد الله ونوس فيقول :
" جلست وفواز في أحد المطاعم القريبة من المسرح والآن !! قالها وهو يغص بالبكاء أجبت :
ألن نعمل في التجريب ! المسرح مازال فكرة في أذهاننا والجميع ينتظرون الكيفية التي سنحقق بها فكرتنا0
ومن يضمن أن عرضنا القادم لن يطوى
لا أحد
وإذن
لا شيء 00 قدرنا أن نعمل بلا ضمانات 00
بعد قليل كفكف دمعته وانغمسنا في حلم جديد 0
ويقول أيضاً سعد الله ونوس على كيفية تعامل الإخراجي من النص كيف فعل في نص يوميات مجنون 00 وحين كان يهيئ لعرض يوميات مجنون ألم يدرس أو يعيد دراسة تاريخ روسيا في النصف الأول من القرن التاسع عشر 000 ألم يزر المصلحة العقلية الكائنة قرب في إحدى ضواحي دمشق ويسجل الكثير من الملاحظات والانطباعات فعل الساجر كل هذا 00 وهنا نلاحظ أن هذا المبدع لا يترك في عمله شيئاً للصدفة 00 المس
وفي عام /1978/ أوفد إلى اليابان لمدة ستة أشهر للإطلاع على المسرح الياباني وأنجز عرض (( توراندوت )) الذي لم يعرض بسبب الرقابة
-ساهم فواز الساجر في تأسيس المعهد العالي للفنون المسرحية في سوريا وعمل مدرساً فيه 0
وفي عام /1979/ عاد إلى المسرح التجريبي وقدم مسرحية (( رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة )) من اقتباس سعد الله ونوس وقد عرضت هذه المسرحية في الكويت وألمانيا 0
وفي العام /1980/ قدم (( ثلاث حكايات )) عن ثلاثية الكاتب أوزوالددراكون وهي :
" ضربة شمس - حكاية صديقنا بانشو - والرجل الذي صار كلباً عرضت في تونس وفي العام /1981/ قدم عرض التخرج لطلبة الدفعة الأولى من قسم التمثيل وهو (( سهرة مع أبي خليل القباني )) لسعد الله ونوس " 0
وسافر من جديد إلى موسكو لدراسة الدكتوراه عام /1982/ وعاد بها عام /1986/ وأصبح في العام /1987/ مدرساً لمادة التمثيل في المعهد العالي للفنون المسرحية وقدم في العام /1988/ مسرحية ((سكان الكهف )) للمسرح القومي عن مسرحية ويلم سارويان 0
وعن هذه المسرحية وعن العبقرية الإخراجية فيها يتحدث الدكتور نديم معلا محمد فيقول :
" نص سارويان مليء بالتفاصيل ولكن إزاء امتلاك التفاصيل وتوجيهها وتكاملها لم يعر المخرج كبير اهتمام (( للمسرح داخل المسرح )) النهاية تشيخ فيه فرغم الانكسار والخبيثة والهم والقلق الذي يسكن الشخصيات ورغم الدموع يطل الأمل بحياة أفضل كقمر يهتك حجب الظلام , يوزع الساجر شخصيات سكان الكهف على شكل ثنائيات ربطها الحب ذلكم هو المسرح في سكان الكهف الحب بكل ما نختزنه وما توحي به هذه الكلمة من معانٍ 0
وعن الحالة الفكرية للدكتور فواز يقولون الدكتور معلآ:
" كان فواز يملك الوعي الفكري ، يملك البصيرة النافذة التي تشق طريقها إلى الجوهري والأساسي مخترقة حجب الأوهام وركام التفاصيل "
وهنا لابد منن القول بعد هذا الذي سمعنا أن الدكتور معلا غرف من معين الحكمة أو المثل الصيني الذي يقول: ((الكبار يتناقشون في الأفكار والصغار يتناقشون في الأشياء ))
ولم يقف الدكتور معلا عند هذا الحد فقدا استطاع قراءة فواز الساجر قراءة اختراقية حين قال :
" كان فواز القادم من ريف حلب وتحديدا من مجتمع بدوي يختزن داخله تعدداً حضارياً مدهشاً وهو يتذوق ــ بل ويذهب إلى ما هو أبعد من التذوق ــ موسيقى بيتهوفن وباخ وموزارت وتشايكو فسكي وخاشدوريان
والمدهش بالقدر نفسه فهمه للموسيقى العربية من المقام إلى الدور إلى ربع الصوت "
ولكن ما الذي أحدثه الدكتور فواز الساجر في المسرح السوري ؟!
يجيب عن هذا السؤال الدكتور محمد نديم معللاً بقوله :
" لا أبالغ حين أقول لقد أحدث فيه خلخلة سمها ما شئت تجديداً 00 قلباً للأوضاع 00 إلا أنها حقيقة لا أظن أن بوسع المتابع للحركة المسرحية أن ينكرها " 0
ويضيف الدكتور معللاً قائلاً :
" وأثر فواز الساجر في جيل من الممثلين تاركاً فيهم بعضاً منه بل إنه قدم للمسرح والسينما والتلفزيون وجوهاً جديدة خرجت من معطفه وإن كانت قد سلكت دروباً أخرى " 0
ولكن هل خرج فواز الساجر المخرج من معطف واحد ؟!
مرة أخرى يجيب عن هذا السؤال الدكتور معللاً بقوله :
" كان فواز الساجر مبدعاً حقيقياً باحثاً عما يعتقد أنه الحقيقي والجميل في هذا العام كان فواز فناناً قلقاً , عصبياً , ساخراً , ساخناً , رغم الهدوء الذي كان يبدو عليه أحياناً " 0
والآن سنا خذ فواز الساجر المخرج العربي الكبير كما رآه بعض المفكرين النقاد العرب :
قال عنه بول شاؤول في مجلة الموقف العربي :
" فواز الساجر ابن القلقين :القلق الإنساني والقلق الفني وبوفاته خسر المسرح السوري قامة عالية من الصعب أن تعوض ، نل أنه خسر المخرج الأكثر موهبة الأكثر قطعاً الأكثر التزاما 000
وقال عنه يعقوب شدراوي زميله في موسكو :
" مات فواز عن عمر يناهز الأربعين لماذا ؟َََ! ربما قهراً، ترك براءته ومشى 00انني احضر عملاً مهدى إلى روح فواز الساجر بعد تغير الاسم "عيد ميلاد بعد الموت "
وفي الربيع الماضي كنت معه نمشي على ضفة بردى قلت له : يبدو
أننا سنموت مثلما يموت رائد الفضاء شردت مركبته وضاع 0
ــ ويرى الدكتور نبيل حفار فيه :
" امتدت يد الموت هذه المرة لتختطف من بيننا فواز الساجر 000 جاءت ضربته موجعة حتى اليأس ومؤسية حتى القهر 000 ترى ما لذي جعل القامة الإنسانية الشامخة تهوي وهي المفعمة بالتفاؤل وحب الحياة ؟!
أهو الإنهاك أم الخذلان والحصار أم كل ذلك معاً ؟!
لقد ذهب فواز الساجر كما ذهب من قبله زملاؤه العمالقة نجيب سرور و ومحمود دياب وصقر الرشود وغيرهم وغيرهم000 سيبقى فواز علامة بارزة ومضيئة في مسيرة الفن المسرحي العربي 0
ــ أما الدكتور جواد الأسدي فيعيش معه هاجس الموت في البروفة الأخيرة والتي يصفه فيها بالساحر والمسحور ويقول :
" الحياة تبدو شحيحة جداً ، ليس هنا ما يستر العربي 000 القحط ينخز العظم والتقشف يتدحرج ليشمل كل مفاصل الحياة اليومية 00 يسحب رفيف / رفيف هي طفلة فواز الساجر / يسحب رفيف على الأرصفة ويكلمها عن حبة الطماطم المعروضة في متاحف السوق 000 يمد يده على حقيبته كعادته إلتي رافقته فلا يجد ما يسد به خجله !! يعدها بواحدة في مساكن برزة تهطل مع دنو شمس الغروب 00 ينسيها الطماطم وهو ينسى 00 من أين زحام سيلتقط ربطة الخبز وفي أي زحام سيندس 00 بقي قمر فواز الساجر مجروحاً لمدة ثلاث سنوات وقبلها سنوات طويلة 000 أتى إلى دمشق بسلة مملوءة بالعنب الطازج كلما عرضت سلته المعتقة الطازجة على الفنانين يخيب مسعاه 00 إنه يدفن حسرته المذبوحة بصدر يكتظ بالحيرة وقلب تضيق حدوده 00 وقد ترافقت مع عزنه على مسرحيته الأولى " القرى تصعد إلى القمر " حيث أوقفها بعد بروفات طويلة ومخاض طويل 00 خذله هذه المرة طلابه المنشغلون بالمسلسلات البدوية وسببوا اغتيال القمر في القرى تصعد إلى 00
فواز نضج 00 ألان فقط سيتنفس المسرح العربي على مدى العشر سنوات القادمة أثر من 20 مسرحية لفواز الساجر 000 الصباح لما يزال يفتل ضفيرته والأسرة هاجعة والكتب مستسلمة للنعاس 00 وعنبر تشيخوف يدخل إلى الجنون الساجر 00 مملكة رائعة لملائكة من زمرد وياقوت يدخلون حلم رجل المسرح اليافع 00 هذا عمر الأعمار 00 هذا نضوج الطلع 00 فاقترب يا صباح 000
هاذ ا ما قاله جواد الأسدي 000 الذي أختزل مأساة برمتها لهذا الذي كان ينظر إلى الحياة من علٍ 00 لم تجرفه الموجة 00 ولم ينحدر إلى ورد التفاهة وهو المثقف المفكر الذي يجوع ولا يساوم على النقاء 00 ويقول الدكتور الراحل فواز الساجر في حوار أجرته معه صحيفة السفير اللبنانية ونشر بتاريخ 3/1/1982 حول روايته للتراث العربي :
" نحن مطالبون عند تناولنا للتراث أن نتسلح بمنهج يعيننا على فهمه ، فليس جديداً القول أن تراثنا يزخر بصفحات مضيئة تستوجب الأحياء 00 علينا أن ننبش في صفحات تراثنا ما هو ملح وحيوي وملائم للاستفادة منه في معركتنا الضارية في سبيل تحديد لهويتنا "" وظاهرة الاستفادة من التراث إلتي عمت المسرح العربي لفترة ليست بالقصيرة بحد ذاتها تضع لأكثر من تقسيم 00 فبعضها تعامل مع التراث بتناول غربي الطابع ورغم استقلال بلادنا سياسياً لإنزال نرزح تحت وطأة الاحتلال الثقافي " ونقف مع الكاتب والشاعر بندر عبد الحميد في توصيف الراحل فواز الساجر :
" سفراً طيباً
هل أقول : إلى أين ؟!
هذا الصباح تسافر
كان اللقاء قصيراً
صامت يتنفس
يعطيكم الحب والفن
عطر الحياة "
من صرخة الولادة إلى رعشة الموت تظل " سيمي " تفني في عمرها القصير بين الأشجار فراشة تبث أجمل صوت في العالم وتموت 00
الآن نتذكر فواز الساجر ونتذكر سيمي التي تركت في النفوس لذعة الأسى المرّ وتنثر الأسئلة الصعبة عن جمال الحياة وقسوتها 00 وتعزي البائسين وهي تسافر 00 تغادر الحياة 00 غنية بالحب والفن والجمال 0
ربما كان الكثيرون من الذين يعرفون فواز لا يعرفون أنه مات فقيراً 00
وهذه مآثر خاصة بالفنانين المناضلين في حياتنا إلتي تتصحر كثيراً
أما صديقه مانويل جيجي فيقول :
من سجايا فواز الساجر أنه كان يكتب بلا كتب , ويوافق بلا موافقة لم يكن باحثاً عن مال أو شهرة , بل إني أقول أنه كان هو الذي أعطى الشهرة لأعماله 00 في اللقاء الأخير قبل موته بيوم تحدثنا عن روح سارويان عن الحب الذي أوصله فواز إلى متفرجيه وعن رائحته التي عانق الوجوه والأنوف هذا ما قاله بعض زملائه ولكن ماذا قال عنه بعض طلابه ؟!
سأكتفي بشهادة اثنين من طلاب الراحل فواز الساجر وهم الآن من كبار الفنانين في القطر العربي السوري وهما : أيمن زيدان وغسان مسعود 000
يقول عنه الفنان أيمن زيدان :
" فواز لم يمت ولم ينته , بدأ العمل معنا بحماس واندفع حين كنا (26) طالباً كان همه الأساسي أن تنصهر الذات على بوتقة الجماعة وأن تتحول الأنا إلى النحن في هذا الزمن المسرحي الصعب علمنا كيف نقراً الحياة قراءة إبداعية كتب لي رسالة يوم سافر إلى موسكو قال فيها " طوبى لمن ربح نفسه وخسر العالم "
علمنا هناك العتمة تكمن الحقيقة 000 هكذا كان فواز"
أما الفنان غسان مسعود ( الممثل والمعيد في المعهد العالي للفنون المسرحية فقال :
" كان ما يدور مبين وبين فواز نقاش دائم حول " الأدلجة " في الفن ، كنت أقول مزحاً " أنا احيي النقاد الذين قالوا :
ــ لو لم يكن ابن زيدون يعمل في السياسة لكان إبداعه أكثراً 00
الفن فوق كل أشكال التنظير ، مفتوح الأفق ، وهذا لا يتعارض مع الايدولوجيا بل ينجم معها بفهم أوسع 00 رفض فواز " الدوغما " فالفكر ليس " قمقما " وهذا السبب في أن فواز أعاد نظرة في الحياة الإنسان00 وأخيراً أود القول أن فواز ومن خلال نظرته هذه للفنان كانت التجربة له العنبر " رقم 6" قائمة على الارتجال وكان يريد تمسية العرض: " تنويعات ارتجالية على العنبر رقم 6"
وبعد هاتين الشهادتين لابد لي من استعراض بعض الأسماء المعروفة إلتي كتبت عن الراحل فواز الساجر من باب التذكر والتذكير لأغير :
أبرز من كتب عن تجربة الدكتور فواز الساجر الراحل سعد الله ونوس ، والسيدة فاطمة ضميراوي ، ونصر الدين البحرة والدكتور نديم معلا محمد ، والأستاذ جان الكسان ، وفاضل الربيعي وسعيد مراد وفرحان بلبل وطلال الحلبي ونعمان جود والدكتور جواد الأسدي ويعقوب الشدراوي وبول شاؤول والدكتور نبيل الحفار والياس شاكر0
ومسك الختام الذي أود أن أورده ما قاله فيه سعد الله ونوس راصد مناخات النهاية وأطرها وبه أبدأ:
بشعة هي بيوتنا
بشعة هذه الأحياء التي ارتجلها الجشع
وخواء الروح
بشعة هذه الألوان الترابية الذابلة
بشعة وجوه الناس المقهورة والمهمومة
بشعة هذه المشية المطأطئة هذه الطاعة الذليلة
هذه النظرات الخائفة الرخيصة 0
والآن كيف أوقف هذا النشيج ! نعم
" وما أجمل عزف الموسيقا " إنهم يرحلون عنا 0
أحدهم رحل نهائياً , رحل إلى الأبد وسنبقى وحدنا 0
لكي نبدأ حياتنا من جديد
ينبغي أن نعيش
مازال في الصدر كلام كثير
وما زال عليّ أن أكتب الكثير
إلى هنا وينتهي كلام الراحل أيضاً سعد الله ونوس الذي طحنه القهر بدوره ورحل مهروعاً وراح يسبح في فضاءات الزمرد باحثاً عن محمود دياب وفواز الساجر أما السيدة فاطمة ضميراوي فهي التي ستختم هذا الحوار :
ــ ليغمرنا نور الهي
وتربت بيدك الحنونة على كتفي وتقول :
اخلعي ثوب الحزن يا امرأتي ونامي بهدوء فقد انتهت المسرحية الكابوس أيها السادة :
هلا أسدلتم الستار وكتبتم غداً في كل الصحف :
فواز الساجر يتألق مرة أخرى فقد خلق للألق وليس لظلام القبور هلا احتفلتم به حياً في قلوبكم فرحاً حقيقياً على مسارحكم 000 ودماً حاراً في عروقكم 00 يناضل من أجل الخير والحب والجمال 00
هلا كنتم أقوى من الموت فقلتم له :
إليك بالجسد النحيل فقد تعب 000 أما الروح المبدعة فهي بالحياة أحق وبالخلود أولى 00
أما أنا فلست أدري لماذا ساعة الفجر حين خارت قواي لم أمت بل رأيت بهاءك وتوسلت قتل
العزاء 0
أيها الحبيب الجميل , أيها الصديق الطيب لتأونا رحابك اللانهائية
كيف السبيل إلى الحياة والبكاء بدونك ؟!
هذه كلمات الشريكة التي لم تدع لدمع الحبر والدم ولا لخدود الورق قدرة على ترجمة المعاني 00
ألست محقاً في عتابي علينا منذ البداية ؟! قرير النفس أجدني الآن وقد زرعت في ذاكرة النسيان وردة عطرة فوق صهوة الريح تحمل اسم الراحل الدكتور فواز الساجر الذي سكت قلبه عام /1988/ في السادس عشر من أيار 00 وقد رافقه في رحلة النهاية الأهل والأحبة والطلاب والكتاب والعاملين في الثقافة والفن ومن أبرز الذين شاركوا في تشييعه بعد الأهل :
أحبته في المسرح الحلبي مثل جوزيف ناشف , عبد الوهاب الجراح , وغيرهم ومن دمشق شارك :
غسان مسعود , رشيد عساف , أمانة والي , عارف الطويل , نضال السيجري , ومن الكتاب :
محمد كامل الخطيب , نهاد سيريس , نبيل سليمان , والشاعر الكبير نزيه أبو عفش الذي رثاه في قصيدة رائعة في ذكرى أربعينه بقوله :
فواز يعود إلى كوكبه
لم يعد بيننا
ليس من مقعد شاغر في الزحام لنجلسه
ليس من مسند لنقول : أتكىء يا رفيق
ليس من فسحة للرضى غير هذا الحريق
وهو ماض إليه
يعد خطاه فيبصرنا في ختام الطريق
لم يعد بيننا؟؟؟؟
ربما هو هناك
دقيقة واحدة من الصمت
وعشرون 00 ثلاثون دقيقة من الكلام
كأنه بيننا

من كانت لديه وردة فليذهب بها إلى من طواهم النسيان في زحام هذه الحياة البشعة 0
ذلكم هو الدكتور فواز الساجر الذي ولد علماً ورحل علماً وظل في ذاكرة الأوفياء علماً

27/4/2006
حسين علي البكار

.
.

حسن العلي
01-08-2008, 04:44 AM
.
.



فواز الساجر والمسرح السوري: تحليل وذكريات (1 4)
فرحان بلبل

توفي فواز الساجر فجأة عام 1988 وهو في قمة الأربعين من العمر، بعد أن التمعت حياته الفنية كالشهاب. وكان قد عاد من موسكو بعد أن تخرج من معهدها المسرحي مخرجاً عام 1972. ثم سافر إليها مرة ثانية لنيل شهادة الدكتوراه في الإخراج المسرحي عام1982 . وعاد بعد أربع سنوات. وقدم آخر عروضه المسرحية (سكان الكهف)، وتوفي بعدها بعدة أشهر.
بعد وفاته أصدر الصديق الدكتور نديم محمد معلاّ كراسة صغيرة عنه. وكنا نتوقع أن تصدر عنه دراسات كثيرة. لكن ذلك لم يحدث، وكأن ثمة اتفاقاً حتى بين أقرب الناس إليه من الأصدقاء والزملاء على نسيانه وطيِّ الأثر الفني الكبير الذي تركه على العرض المسرحي. وأعترف أنني رجوتُ عدداً من المجلات التخصصية في المسرح أو الأدب أو الثقافة عامة أن تصدر ملفاً عنه. لكن الجهات التي دعوتها إلى إصدار هذا الملف كانت تتكاسل أو تتلقى الدعوة بإهمال مهذب. وكنت أقول للمشرفين على هذه المجلات: إن فوازاً مازال حاضراً في ذاكرتنا. وسوف يغيب في زوايا النسيان إذا لم نبادر إلى الكتابة عنه. وقديماً قال المعري:
وسوف نُنسى فـنـُمسي عند ذاكِرِنا وما لنـا في أقاصي الوهمِ أشبـاحُ

لكن أحداً لم يستجب لهذا الطلب.
وفي هذا البحث سوف أستعيد بعضاً من ذكرياتي عنه فيما يخصه فناناً وإنساناً. خاصة أن المخرج المسرحي على عكس الكاتب. فالكاتب تبقى نصوصه التي تتدارسها الأجيال، وتظل على معرفة به مهما تطاول الزمن لأنها أثر مكتوب باقٍ. أما المخرج والممثل فتزول آثارهما بمجرد الانتهاء من العرض المسرحي لأن العرض المسرحي حياة تعيش أياماً تقل أو تكثر ثم تموت. فلا يبقى منه إلا ما يذكره عنه المشاهدون الذين سرعان ما يطويهم الزمن. حتى لو صُوِّرت أعماله على أفلام تلفزيونية فإنها لا تحافظ على حرارة العرض الحي ولا تترك في المشاهد ما يتركه العرض المسرحي على المتفرج. وإذا تجاهلنا مخرجينا وممثلينا ولم نذكر لهم فضائل تطويرهم لفن العرض فسوف يحدث انقطاع بين الأجيال. وهذا الانقطاع لا يكون في افتقاد الجيل الجديد لتعليمية مَن سبقه فحسب، بل يكون الانقطاع أيضاً في اعتراف اللاحق بفضل السابق. ودليل ذلك أن كثيرين من شباب المسرح اليوم يقولون بشيء من استهانة واستهجان: لماذا تهتمون كثيراً بهذا الرجل؟ ومن هو هذا الرجل؟ وأعترف أيضاً أنني كثيراً ما تألمت من مثل هذا الكلام.
وهذا الجهل بفواز الساجر وبما قدمه للمسرح السوري، يدعوني إلى الحديث عنه لعلي أوفِّيه بعضَ حقه على المسرح السوري. وإذا تأخر هذا البحث عنه عشرين عاماً حتى جاءت ذكرى وفاته، فإن جريدة (النور) فتحت لي صدرها الآن بالكتابة عنه، وما أسعدني بالكتابة عنه. لكني لن أقف عند ما قدمه على صعيد الفن، بل إني سأوغل معه في الذكريات الشخصية التي تكشف عن الجانب الإنساني فيه. وهذا الجانب فيه من الدروس والعبر الحياتية قدر ما فيه من الدروس الفنية لمن أراد أن يترك أثراً في حياة مجتمعه بفنه وإبداعه.


***
تعرفت إلى فواز الساجر أول مرة صيف عام 1973. كنت قد سمعت عنه من قبل، وأنه أخرج لمسرح الشعب في حلب مسرحية (حليب الضيوف) من تأليف الكاتب المغربي الطيب العلج. وسمعت أنه كان عرضاً جميلاً وهاماً. واقتصر الأمر على هذا الخبر.
وفي يوم من ذات الأيام -كما يبدؤون الحكايات القديمة- طرق بابَ بيتي شاب. كان معتدلَ الطول أشقرَ وسيمَ المحيا وقال: أنا (فواز الساجر). يومئذ كنا نتدرب على مسرحية (مأساة الحلاج) التي سنشارك بها في مهرجان الهواة المسرحي الثالث بدمشق. وسرعان ما غاص معنا الشاب الوسيم في مناقشات عن المسرح كانت تمتد حتى الصباح. وكان فواز يكشف عن نفسه النبيلة في هذه الحوارات التي كانت مادةَ سهراتنا في الأسبوع الذي أقامه في حمص. وكان ذلك بداية لصداقة طويلة عميقة استمرت حتى موته بعد خمسة عشر عاماً. وزاد من عمق هذه الصداقة أنه خطب فاطمة ضميراوي ابنة فرقتنا بعدما تعرَّف عليها في حلب عندما كانت تدرس في كلية الطب. فكأننا كنا (بيت حميه)، وكأنني كنت عمه والدَ التي ستكون زوجته.
كان فواز أيامئذ يستعد لتقديم عرضه المسرحي في المسرح الجامعي (نكون أو لا نكون) المؤلَّف من ثلاثة نصوص. واحد لرياض عصمت. وآخر لممدوح عدوان وثالث لأوزوالد دراكون. وسرعان أيضاً ما صرت أحضر تدريباته على العرض المسرحي كلما نـزلت إلى دمشق. وبما أنني كنت أمارس النقد المسرحي إضافة إلى الكتابة والإخراج، فقد تحرك في داخلي شيطان النقد وأنا أراقب تدريباته وطريقته في الإخراج، كما أخذت أتلمس أسلوبه في بناء العرض المسرحي. وكان أسلوباً جديداً في الساحة المسرحية السورية.
كان الأسلوب العام في العروض المسرحية السورية هو إقامة التوازن بين أهمية الكلمة وأهمية الفعل بحيث يأتي العرض المسرحي حاملاً للنص المسرحي ومبرزاً لأفكاره وهدفه الأعلى. ولذلك كانت النصوص المسرحية تُنتَقى من روائع المسرح العالمي أو من النصوص العربية القوية في بنائها الدرامي. وكان هذا الأسلوب مجدِّداً لما كان عليه المسرح في النصف الأول من القرن العشرين، كما كان يشكل خطوة هامة في ترسيخ المسرح بتحويله من أدب إلى فن. ففي النصف الأول من القرن العشرين كانت الأهميةُ للكلمة في الدرجة الأولى. وكانت الخطابيةُ في العرض المسرحي طاغيةً على الفعل. ومن هنا نفهم حكاية عبد الوهاب أبو السعود -الذي ملأ خشبات المسارح بعروضه الهامة في دمشق منذ عشرينيات القرن العشرين حتى ما بعد منتصفه وعلَّم أجيالاً من المسرحيين- مع مدير المدرسة الثانوية الذي طلب منه تقديم عرض مسرحي لمدرسته. فقد قال له عبد الوهاب: (أحضِرْ لي عدداً من الطلاب الذين يجيدون الخطابة وسوف أقدم لك المسرحية).
وهذا الأسلوب الذي كان شائعاً في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين كان مناسباً للواقع الاجتماعي والسياسي الذي كان قائماً في سورية وفي الوطن العربي يومذاك. فبين محاربة المستعمر وبين الدفاع عن تطور المجتمع وتخليصه من كثير من موروثاته البالية، كانت النبرة الخطابية محرِّضةً على الأمرين معاً. والنبرة الخطابية تعتمد في الدرجة الأولى على إبراز الكلمة على المسرح بحيث تهزُّ مشاعر شعب ورِثَ فنَّ الخطابة وعدَّ الخطباءَ سادةَ الكلام. فلما جاءت ستينيات القرن العشرين، كان المجتمع بحاجة إلى نبرة أهدأ كما كان المسرح بحاجة إلى تحويله من حفل خطابي إلى عرض مسرحي. ومن هنا نشأت تلك الموازنة بين أهمية الكلمة وأهمية الفعل. وكان أن قدَّم المسرحُ السوري حتى الثلث الأول من ثمانينيات القرن العشرين تلك العروض الرائعة التي كان المسرح القومي في طليعة من يقدمها. وكان المسرح في مصر يقوم على الأسس نفسها التي قام عليها المسرح السوري ويتطور مثل تطوره. فكأنهما صنوان متلازمان في صناعة المسرح وفي دوره الاجتماعي والسياسي. فمدرسة يوسف وهبي وجورج أبيض وأقرانهما تقوم على مهابة الخطابة في العرض المسرحي، وهو ما سماه زكي طليمات (مدرسة الصوت). ثم ظهرت بعد هذا الجيل مدرسة جديدة تقوم على إقامة التوازن بين الكلمة والفعل تماماً كما حدث في سورية.
لكن هذا التوازن بين الكلمة والفعل الذي كان جديداً مجدِّداً في ستينيات ذلك القرن الحافل بالتغييرات العربية والعالمية، صار بحاجة إلى تطوير، لا لأنه صار قديماً، بل لأنه جديد يحتاج إلى تجديد. وكان هذا التجديد يقوم على شيئين: أولهما إعطاءُ الفعل أهمية أكبر بقليل من أهمية الكلمة. وثانيهما دخولُ منهج بريخت الملحمي التغريبي إلى العروض المسرحية.
أما زيادة أهمية الفعل فلكي يتحول العرض المسرحي إلى مشهد بصري أكثر جمالية وأكثر إتقاناً لاستخدام تقنيات المسرح التي بدأ المسرح الرسمي يستورد أجهزتَها. وأما منهج بريخت فلأن ثورة تموز/ يوليو في مصر وثورة آذار في سورية قد دفعتا المجتمع المصري والسوري إلى طريق التغيير الاجتماعي والاقتصادي، مما يجعل المسرح يقوم بمهمة التحريض على هذا التغيير. ولم يكن شأن المسرح في العراق يختلف كثيراً عن موقف المسرح في مصر وسورية. كما كان المسرح في تونس والمغرب والجزائر يقترب منهما مع اختلافات كثيرة عنهما بسبب التصاق المسرح المغربي والتونسي والجزائري بتجديدات المسرح الفرنسي. فكان مسرحهما شبيهاً بالمسرح في مصر وسورية والعراق ومختلفاً عنه في هذه الأقطار في الوقت نفسه.
وكان إبرازُ أهمية الفعل ممكناً وقادراً على الرسوخ والتمكُّن خاصة بعد عودة عددٍ كبير من المخرجين من الاتحاد السوفييتي ومن دول المنظومة الاشتراكية، وعددٍ قليل من المخرجين من غير المنظومة الاشتراكية. لكن التعامل مع منهج بريخت كان محفوفاً بالمخاطر، لأننا عرفنا هذا المنهج عن طريق القراءة لا عن طريق المشاهدة. والقراءةُ، إن كانت تعني الثقافة والتثقف، فهي تعني في الوقت نفسه فهماً متناقضاً لهذا المنهج. وتعني أيضاً شيئاً أخطر وأدهى. فالقارئ يمكن أن يكون سطحيَّ الفهم والتفكير. فيأخذ القشورَ من المنهج ويعدّها أصلاً فيه. ويمكن أن يكون القارئ عميق الفهم فيدرك جوهر المنهج وغاياته الفكرية والفنية فينفذ إلى معاني أساليبه وأدواته. وبين هذين الفهمين درجاتٌ ودرجات من الفهم. وينتج عن ذلك تعددٌ في توصيفات المنهج وتعددٌ في طرق استخدامه. وهو ليس التعددَ المحمود المطلوب في الفن والفكر، بل هو التعدد الضارُّ الآتي من التناقض بين قصور الفهم وبين عمق الإدراك. وهذا الفهم المتعارض لمنهج بريخت وقع فيه المسرحيون والنقاد وكثير من الجمهور. فأدى ذلك إلى اختلاطات كثيرة في المفاهيم المسرحية والنقدية. وكان ذلك وبالاً على هذا المنهج أدى إلى إخراجه من الساحة المسرحية السورية بعد أقل من خمسة عشر عاماً وقبل أن يستنفد أغراضَه ودون أن يترك آثارَه الطيبة كاملةً مع أنه ترك في الضمير العربي الكثير من هذه الآثار.
إن زيادة كمية (الفعل) في بناء العرض المسرحي عما كان سائداً بين المخرجين هي المفتاح لأسلوب فواز الساجر، وهي جوهر أسلوبه، وهي التجديد في المسرح السوري يومذاك.
وكانت هذه الزيادةُ السمةَ الأولى من أسلوبه.

حسن العلي
01-08-2008, 04:47 AM
.
.

فواز الساجر والمسرح السوري.. (تحليل وذكريات) (2-4) (javascript:void(0)) (javascript:void(0))
بقلم: فرحان بلبل
انتهينا في الجزء الأول من حديثنا عن حالة المسرح السوري والعربي عندما بدأ فواز الساجر عمله المسرحي، إلى أن منهج بريخت في المسرح كان قد شاع في مصر وسورية مع تفاوت في فهمه. لأننا عرفنا هذا المنهج عن طريق القراءة أكثر مما عرفناه عن طريق المشاهدة التطبيقية له.

ومع أن هذا المنهج شاع في مصر وسورية في آن واحد، فإن مصر كانت أحكم وأبرع في التمهيد للمسرحيين بالتعامل معه، لأنها حاولت أن تقرِنَ الثقافة النظرية حوله بالتطبيق العملي. فاستقدمت واحداً من تلاميذ بريخت ليقوم بإخراج مسرحية (الإنسان الطيب) بالتعاون مع مخرج مصري. وعُرِضت المسرحيةُ طويلاً في القاهرة. وشاهدناها في سورية عبر التلفزيون الذي صورها. ثم وقفنا عند السمة الأولى من أسلوبه، وهي زيادة كمية (الفعل) في بناء العرض المسرحي عما كان سائداً بين المخرجين.
أما السمة الثانية فقامت على إدخال أفعال (غرائبية) تُدهِش المتفرج باستثنائيتها كفعل مسرحي. وغالباً ما تكون هذه الغرائبية قاسية أو مصادمة للعرف السائد في المسرح، مما جعل معنى (الحشمة) عنده يتجاوز حدودَه عند غيره. فلأول مرة يتجرأ مخرج على جعل أحد الأشخاص (يبول) على المسرح. وكان ذلك في عرض (نكون أو لا نكون). وكانت أكثر الأفعال في العرض - مما تلا ذلك الفعل - خشنةً حادة تفتقد الليونة السائدة.
وكانت السمة الثالثة عنده هي استخدام أساليب منهج بريخت بإيجاز وفي حدود ضيقة، لكنها حاسمة. فالراوي وانفصالُ الممثل عن دوره للحظات - وهو أمر شاق عسير ويحتاج إلى فهم عميق للمنهج - كانا أبرز وسائله. لكنه كان يستخدمهما في هذا العرض بمقدار. أما الاستغناء عن ستارة المسرح الذي بدا في عام 1971 عملاً خطيراً ومفاجئاً، فصار منذ العام الذي يليه أمراً عادياً لا يعلِّق عليه أحد. ولعل فوازاً - رحمه اللـه - كان يدرك أنه بحاجة إلى التعمق في فهم هذا المنهج، كما أن الممثلين كانوا بحاجة إلى هذا التعمق أيضاً.
وكان فواز يُخضع هذه السمات الثلاث لإيقاع منضبط صارم يجعلها تتألق معه، ويتحول العمل المسرحي به وبها إلى عرض مشوّق.
إن الإيقاع المسرحي هو السر الأكبر في نجاح العروض. ومهما جهدت الأكاديميات والجامعات في تعليم طلاب الإخراج معنى الإيقاع المسرحي وأدواته، فإن شيئاً ذاتياً مخلوقاً مع الإنسان هو الموهبة التي تقف وراء تعلُّم هذا الإيقاع. فكأنه ضبطُ الوزن في الأذن الموسيقية. فالموسيقيُّ الذي لا تولد معه موهبةُ ضبط الوزن لن ينفعه تعلُّمُ ضروب الوزن الموسيقي. فإذا وجِدتْ عنده هذه الموهبة فسوف تسمع من بين يديه العجبَ العُجابَ عازفاً، وتسمع من حنجرته الفتنةَ والسحر مطرباً. ألا ترى الموسيقيين وعشاق الموسيقا يُفتَنون بما يسمى في الموسيقا (السَّنْكوب)؟ وهو تلاعبٌ في تقديم الكلمة وتأخيرها أو الحرف الذي تنـزل أو ينـزل مع (الدُّم) الذي يلي (التكّات) التي تشكل بعددها نوعَ الضرب الموسيقي، والتي يكون (الدم) الكبير محطّاً لها؟ وليس هذا (السنكوب) إلا موهبةً فطرية في ضبط الوزن وخبرةً رفيعة في الموسيقا تأتي مع العلم والتمرس. وكذلك الإيقاع المسرحي، فهو موهبة. وإذا لم تكن هذه الموهبة مخلوقة مع المخرج فلن تستطيع جامعات العالم كلها تعليمَه سرَّها. فإذا وُجِدتْ هذه الموهبة الفطرية، فسوف يأتي العلم والثقافة ليجعلها تبرز وتحوِّل العرض المسرحي بها إلى شيء متألق.
وقد ولد فواز الساجر وهو يملك هذه الموهبة الإيقاعية في مستوى عال. ثم صقلها العلم والإدمانُ على سماع الموسيقا. فإن هذين العنصرين - العلم وسماع الموسيقا - يجعلان موهبة ضبط الإيقاع المسرحي أداةً طيعة في يد المخرج يتلاعب بها كما يتلاعب الموسيقيون بالسنكوب. وأحب أن أضيف هنا أن سماع الموسيقا العربية وتعلم أوزانها وضروبها وكيفية تلاعب الموسيقيين بهذه الأوزان يعطي المخرج العربي حساسيةَ الإيقاع المسرحي أكثر مما تعطيه إياه الموسيقا الغربية رغم أهميتها في تعليمه الإيقاع وصقله عنده. وسببُ ذلك أن أوزان الموسيقا العربية تلامس الذوق العربي الجمالي الذي يباين - في كثير من الجوانب أو قليلها - الذوقَ الجمالي الغربي. فإذا كان المخرج عارفاً بهذه الأوزان فسوف يُخضِع إيقاعَه المسرحي لبوتقة الذائقة الجمالية العربية فيحقق النجاح الكبير. ولعل المثال يوضح المقصود. فإن أحد العرب المغرمين بالموسيقا الغربية كان يتحدث عن إعجابه بهذه الموسيقا. فلما انتهى من تبيان خصائصها قال للحاضرين معه: (رغم ذلك كله فلن يستطيع أحد أن يخرج العود والناي من صدري لأنهما مولودان فيه معي).
وكان في سورية يومذاك مخرجٌ آخر يملك هذه الموهبة الفطرية التي صقلها العلم والخبرة وهو علي عقلة عرسان. فقد كان في عروضه المسرحية سيدَ الإيقاع المسرحي دون منازع. ومع أن المخرجين الآخرين في سورية كانوا يضبطون إيقاع عروضهم المسرحية بتفاوتٍ بين الجودة والرداءة، فإنهم لم يصلوا إلى المرتبة الرفيعة التي وصل إليها علي عقلة عرسان. وكان عرسان قد احتنك في بداية سبعينات القرن العشرين بعد عمله في ستينياته. وها هو ذا فواز الساجر يبدأ طريقه المسرحي بعد عشر سنوات من بداية علي عقلة عرسان بموهبة ضبط الإيقاع، مما يبشِّر بمخرج سوف يحتنك في السنوات التالية.
إضافة إلى السمات الثلاث وضبط الإيقاع، كان فواز يدرك وينفِّذ ما يسميه المسرحيون - نقلاً عن ستانسلافسكي - (خط الفعل المتصل). ولا شك أنه تعلم إدراكَ هذا الخط المتصل وتنفيذه في موسكو، بلد المخرج العبقري وبلد المدرسة التي تسير على منواله. لكن الذين ذهبوا إلى هناك قبله والذين ذهبوا بعده - وهم كثيرون - درسوا أيضاً هذا المنهج الروسي الذي يهتم بتواصل خط الأفعال والأقوال. لكن الذين كانوا قادرين على تنفيذه قلةٌ قليلة جداً، كان فواز واحداً منهم. وخطُّ الفعل المتصل هذا بسيطٌ بمقدار ما هو صعب. ومثالُه كالسيارة التي يذهب بها صاحبُها من دمشق إلى حلب. فهو لا بد أن يمرَّ على عدة مدن وقرى نعرفها جميعاً حين نسافر، لأنها تقع على الطريق. فإذا تابع طريقَه منها دون خروج عن مسارها، كان خط فعله متصلاً متواصلاً. أما إن عرَّج في سفره على يبرود مثلاً، وتنـزَّه في تدمر، وتلبّث في بلدة إدلب، فإنه يفقد مساره الصحيح كما يفقد خطه المتصل. صحيح أنه يصل إلى غايته النهائية وهي حلب. لكنه يكون قد ضيّع وحدة العمل وتشتَّتَ وضيَّع وقتاً ثميناً يصبح الوصول معه كريهاً مرهقاً. فإذا ضبط سيارته على سرعة معينة لا هي من (اللهوجة) السريعة ولا هي من البطء الممل، فإنه يحقق الإيقاعَ المسرحي المنضبط. أما إذا جعل السيارة تنتقل بين سرعات مختلفة تنتقل بينها بشكل مفاجئ، فسوف يضطرب سيره ويختلُّ إيقاعه ويفقد خطه المتصل المتواصل.
وخط الفعل المتصل يكون في الإخراج. وهو مستمد من الهدف الأعلى الذي يستخلصه المخرج من النص المسرحي ويحدده لنفسه في بناء العرض. وبعد تحديد الهدف الأعلى يبني عمل الممثلين في أقوالهم وأفعالهم ليوصل ذلك كلُّه إلى الهدف الأعلى. وعليه أن يُبعِد كل فعل أو نبرة قول تُخِلُّ بالوصول إلى الهدف الأعلى. فإذا فعل ذلك، حافظ على خط الفعل المتصل. ولا يظنن أحد أن ضبط خط الفعل المتصل هذا أمر سهل. فهو جوهر الإخراج المسرحي. وهو العنصر الذي كثيراً ما يغيب عن العروض المسرحية. فإن أغلب المخرجين يُغريهم فعلٌ مبتكَر جميل من الممثل أو نبرةٌ مثيرة في إلقائه دون أن يكون الفعل أو النبرة داخلين في خط الفعل المتصل. وهذا هو تضييع مسار السيارة الذي ضربناه مثلاً. وفواز كان صارماً في ضبط أفعال الممثلين ونبرات أقوالهم دون أن تغريه جماليات فعل أو نبرات صوت تخرج بسياق المسرحية التي يجب أن تتجه بصرامة وحِدَّة نحو الهدف الأعلى.
هذا البناء الصحيح للعرض المسرحي عند فواز الساجر برز في عرض المسرح الجامعي (أن نكون أو لا نكون). ومن الطريف أن نذكر أن الممثلين الذين شاركوا فيه أو في عروض المسرح الجامعي التالية أصبحوا نجوماً لوامع في المسرح والتلفزيون فيما بعد. منهم سلوم حداد ورشيد عساف وفيلدا سمور وعباس النوري وغيرهم.
هذا العرض كان ينبئ عن مخرج متمكن سوف يترك أثراً في المسرح السوري. لكنه كان موضوعاً في أسلوب فجٍّ رغم كل جمالياته. ولا لوم على فواز في ذلك. فلم يكن قد بلغ الخامسة والعشرين يوم قدَّم عرضَه ذاك. فكان العرض بحاجة إلى لمسة أخيرة من الصقل والتغليف بالحنكة التي لا تأتي إلا مع الزمن. وسوف تظهر حاجته إلى تلك اللمسة الصاقلة في العرض الثاني الذي قدمه للمسرح الجامعي أيضاً وهو (رسول من قرية تميرا) رغم أنه كان واحداً من أهم العروض المسرحية التي قدمت في سورية عام 1974، والذي شارك في مهرجان دمشق للفنون المسرحية في ذلك العام. وسوف تظهر الحاجة إلى تلك اللمسة أيضاً في العرض الأول لمسرحية (رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة) التي قدمها في المسرح التجريبي. ثم تبدأ هذه اللمسة بالظهور في العرض الثاني لهذه المسرحية. ثم تتجلى بوضوح في (ثلاث حكايات) التي كانت آخر أعماله في المسرح التجريبي. وبعدئذ ذهب إلى موسكو لاستكمال الدراسة ونيل شهادة الدكتوراه. فلما عاد وقدم (سكان الكهف) كان السنُّ قد تقدم به قليلاً وكانت الخبرة قد فعلت فعلها السحري فيه. فجاءت المسرحية مغلَّفة بالعذوبة والتمكُّن. وبدا واضحاً أن إخراج فواز قد بدأ يهدأ دون أن تهدأ مشاعره أو أحاسيسه المتوترة العنيفة. وكانت هذه الأحاسيس المتوفزة تُلهبُ عرضَ (سكان الكهف) الهادئ. وبدا واضحاً أيضاً أن فوازاً يشق طريقاً جديدة في الإخراج المسرحي سوف يجني منه المسرح السوري خيراً كثيراً. لكن الموت عاجله فانقطع ذلك التدفق الحار الذي سار في طريق التمكن والحنكة والخبرة.
وأسلوب فواز الساجر الذي يقوم على زيادة كمية الأفعال وغرابتها وغرائبيتها، فتن المثقفين من الجمهور السوري وأصحابَ المعرفة بالمسرح والداعين إلى التجديد فيه. وإذا كان قد ترك أثراً محدوداً في عرض (أن نكون أو لا نكون)، فإنه ترك أثراً طاغياً في العرض الثاني (رسول من قرية تميرا). وسرعان ما أصبح أسلوباً لدى الكثيرين من المخرجين المحترفين والهواة. فإذا كان المخرج ممن درس في الاتحاد السوفييتي فقد تمسك به لأن فوازاً تعلَّمه هناك. وإذا كان المخرج من الهواة فقد وجد في هذا الأسلوب الوجهَ الجديد للمسرح في سورية. وإذا بأسلوب فواز يصبح أسلوباً سائداً. وهذا هو الأثر الكبير الذي تركه فواز في المسرح السوري.
إلا أن حرباً ضروساً نشأت بيني وبينه حول أسلوبه ذاك، رغم تأييدي له. وسوف يأتي الحديث عن هذه الحرب بيني وبينه في موضعه من الكلام.
ولكن.. إذا كان مقلّدو فواز في أسلوبه الحي المثير كثيرين، فإن المجيدين له كانوا قلة. فزيادة كمية الفعل تحولت عند كثير من المخرجين إلى ابتكارات وإضافات في بناء المشهد بعد المشهد. لكنهم لم يستطيعوا أن يضعوها في سياق العرض المسرحي بشكل صحيح يدخل ضمن خط الفعل المتصل فبدت زائدة. فكان حالهم كحال الذي سافر من دمشق إلى حلب ووجد من الحلاوة والإبداع أن يعرِّج لا على يبرود وتدمر وإدلب فحسب، بل تلبَّث أيضاً في عدرا وباب الهوى وجسر الشغور. ومن الجميل أن يخطف رجله إلى الرقة رغم بعد المسافة. وفي النهاية قد يصل إلى حلب بعد طول تمزُّق في بنية العرض وربما وجد نفسه في القامشلي في نهاية السفرة.

.
.

حسن العلي
01-08-2008, 04:50 AM
.
.

فواز الساجر انفجر قلبه فرحل
فرحان الخليل
" عصرنا هذا عصر الضيق ، أكلنا ضيق ، شرابنا ضيق ، زيتنا ضيق ، مسكننا ضيق ، مرتبنا ضيق ، تفكيرنا ضيق ، قبرنا ضيق ، الضيق ... الضيق !
افتحوا الأبواب والنوافذ .... سيقتلنا الضيق !
افتحوا الكون ....... سيقتلنا الضيق !
الضيق .. الضيق "
" من قصاص عثُر عليها بين أوراق المخرج فواز الساجر بعد رحيله "
لمحة عن فواز الساجر :
ولد عام 1948 في إحدى قرى منبج شمال حلب, عام 1965 حصل على الثانوية العامة الفرع الأدبي ،في العام الذي يليه سافر إلى موسكو ليدرس الإخراج المسرحي , كان أستاذه حينها الفنان ( يوري زافادسكي ) تلميذ ستانسلافسكي , في عام 1972 تخرج من المعهد الحكومي للفنون المسرحية ( معهد غيتس ) قسم الإخراج , في العام التالي كان في حلب وقدم عرضا مسرحيا بعنوان ( الضيوف لا يحبون الإقامة في هذا البلد ) عن مسرحية الشاعر ( معين بسيسو) غيفارا, وفي العام نفسه قدم مسرحية ( حليب الضيوف ) للكاتب المغربي الطيب العلج في مسرح الشعب بمدينة حلب . عام 1975 عمل للمسرح الجامعي في دمشق وقدم ثلاثية بعنوان ( أن نكون أو لا نكون ) عن نصوص لأوزووالد دراكون وممدوح عدوان ورياض عصمت . شارك بهذا العرض باسم سوريا في مهرجان دمشق السادس للفنون المسرحية , وفي عام 1976 قدم مع فرق المسرح الجامعي (رسول من قرية تاميرا للاستفهام عن مسألة الحرب والسلم ) عن مسرحية محمود دياب . نقلها من العامية المصرية إلى الفصحى الكاتب والناقد بندر عبد الحميد , عام 1977 أسس مع سعد الله ونوس المسرح التجريبي لأول مرة في سورية وقدم مسرحية ( يوميات مجنون ) عن نص نيكولاي غوغول , كما شارك في العام نفسه في مهرجان دمشق السابع للفنون المسرحية بثلاثة عروض وهي : رسول من قرية تاميرا ويوميات مجنون و مؤسسة الجنون . أوفد إلى اليابان عام 1978 للاطلاع على المسرح الشرقي وأنجز عرض ( تورنادوت ) لكنه لم يعرض , في نفس العام ساهم في تأسيس المعهد العالي للفنون المسرحية وعمل مدرسا فيه , وفي 1979 قدم باسم المسرح التجريبي مسرحي ( رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة ) والتي اقتبسها سعد الله ونوس عن مسرحية ( كيف تخلص السيد موكينبوت من آلامه ) لبيتر فايس وعرضت هذه المسرحية في الكويت وفي ألمانيا . وفي 1980 قدم مسرحية ( ثلاث حكايات ) للكاتب دراكون وهي ضربة شمس – حكاية صديقنا بانشو – الرجل الذي صار كلبا , وعرضت هذه المسرحية في تونس , وكان عرض التخرج للدفعة الأولى للمعهد العالي للفنون المسرحية من إخراجه وهو ( سهرة مع أبي خليل القباني ) لسعد الله ونوس , وفي العام الذي يليه سافر إلى موسكو لدراسة الدكتوراه , وفي عام 1986 تخرج بعد أن قدم أطروحة الدكتوراه بعنوان ( حول إشكالية تدريب الممثل على ضوء منهج ستانسلافسكي , ودرس بعدها بعام مادة التمثيل ومادة المختبر المسرحي والمسرح الشرقي في المعهد العالي بدمشق , وفي 1988 قدم مسرحية ( سكان الكهف ) لوليم ساروليان وكانت المسرحية الوحيدة التي أنتجها المسرح القومي لفواز الساجر , وفي نفس العام ... في السادس عشر من شهر أيار توقف القلب الذي كان صاحبه فواز الساجر عن النبض .
هذه رحلة الساجر فواز منذ ميلاده في عام النكبة الفلسطينية وتوقف قلبه في اليوم التالي من ذكرى نكبة فلسطين !!!!
هذا هو المخرج المبدع فواز الذي عرف كيف يمسك تفاصيل العرض المسرحي كلها , ثم يعيد خلقها نسيجا متوازنا عبر قدرته عبر التشكيل المشهدي ذو الإيقاع السريع والمتواتر والذي يكرس دوره كمخرج أولا حيث يتراجع دور الممثل إلى النسق الثاني وهذا إبداع حقيقي للرؤية الإخراجية المدروسة بعناية وفن .
لقد علمنا المخرج فواز الساجر كيف أن المسرح لا يتنفس خارج الحياة , وأن المسرح هو الوحيد الذي يستطيع أن يقبض على هذا النبض .
عبر أعماله استطاع المخرج فواز الساجر أن يعزف بعروضه على وتر شاعري رقيق مركزا مهاراته على نقطة التماوج الداخلي للمشاعر التي تحملها شخوصه المسرحية , فيحيلها لممثليه حركات تحمل الكثير من التفصيلات المدروسة بعناية , فالفضاء المسرحي عنده منفتح تتغلغل الموسيقى في جوانبه حتى تدخل الموسيقى في تكوين العرض المسرحي لأنه لا يعتبر الموسيقى مجرد حالة تزينية أو محاولة تطريب ضرورية كما بفعل أغلب المخرجين .
هذا هو فواز الساجر ... هذا هو المبدع القادم من ريف حلب ... من مجتمع بدوي يختزن داخله تعددا حضاريا مدهشا . كان مدهشا وهو يتذوق موسيقى بيتهوفن وباخ وموزارت وتشايكوفسكي وخشادوريان وهايدن , ومدهشا أيضا وبالقدر نفسه بفهمه للموسيقى العربية , من المقام إلى الدور .. إلى ربع الصوت .
لقد كان مثالا حيا لصورة المخرج ذي الثقافة الموسوعية الذي يبدع عرضا مسرحيا متكاملا , تنصهر فيه مكونات العرض لتلتحم وتشكل نسيجا متوازنا , لحنا مركبا , لا يتسر إليه النشاز .
كان يعلن حماسه لستانسلافسكي لكنه لم يكن ميكانيكيا مع منهجه ولا متزمتا لتعاليمه .
كثير من يتقولون عن فواز الساجر بأنه : ديكتاتورا وهو يتعامل مع ممثليه , ولا يمنحهم القدر الكافي من حرية الحركة , وإنه يملأ خشبة المسرح ضجيجا . نعم كان يملأ خشبة المسرح , ولكن ليس ضجيجا بل حركة . صحيح أنه كان يريد ممثليه منضبطين , لكنه لم يكن ديكتاتورا بل كان يوصل لكل ممثليه أن للمخرج دورا تعليميا , وتنظيميا , يضاف إلى دوره كفنان , وهذا الانضباط لا بد منه لتحقيق الإبداع .
هذا بعض من المخرج المبدع فواز الساجر , ولا أزعم أنني استطعت في هذه المقالة أن أمسك بالمفاصل الأساسية لمسرح فواز الساجر , فهو غني ومشبع بالكشف عن التفاصيل , وحسبي أنني في إضاءة جوانب من حياته الإبداعية .
وسأكتب تباعا وعبر مقالات قادمة عن تفاصيل فواز الساجر كمخرج متميز , على النحو التالي :
1 – علاقة فواز الساجر بالنص المسرحي الذي يريد إخراجه
2 – علاقة فواز الساجر مع الممثلين على خشبة المسرح
3 – كيف كان فواز الساجر يدير البروفات المسرحية
4 – فواز الساجر والتجريب المسرحي
5 – منهج فواز الساجر المسرحي كمخرج
6 – دراسة كل عرض أخرجه فواز الساجر كمنهج تعليمي للإخراج المسرحي .
وأختم هذه العرض السريع عن مبدع رحل سريعا بشهادة بعض من معاصريه :
- المخرج جواد الأسدي
" فواز الساجر يمتلك قوة ضد التخريب الذي كان يفتك بالمسرح , رغم أن حياته كانت شحيحة جدا , ليس هنا ما يستر العري , القحط ينخر العظام والتقشف يتدحرج ليشمل كل مفاصل الحياة اليومية , يسحب رفيف على الأرصفة – رفيف ابنته – ويكلمها عن حبة الفاكهة المعروضة في متاحف السوق , تقف على مقربة من جمرة الحمرة للتفاحة , يمد يده إلى حقيبته التي ترافقه , فلا يجد ما يسد به خجله , يعدها بواحدة فينسيها وهو ينسى .
من أي مكان سيلتقط ربطة الخبز ... إنه متعب من البروفة وليس لديه طاقة على مشاهدة مسرحية البصل واللحم المستحيل والباص مكتظ , وروحه أيضا , رفيف نامت على يديه , وأفكار تنازعه عن صراع الطبقات في مسرحية سكان الكهف ! بعد مرار وعذاب طويل وبروفات شاقة , أتاه السيد الطبقي وقال له بالحرف الواحد : ( يا أستاذ فواز نأسف لرفض عملك سكان الكهف لعدم توفر الصراع الطبقي فيها !!!! ) اجتمع مع ممثليه وأخبرهم بالرفض , دمعت عيونهم , وتكسر قلبه , ثم غادروا بعضهم بالحسرة . "
- نعمان جود ( مهندس ديكور )
" قبل أن أعمل مع فواز كان الديكور في المسرح السوري عملا للزينة . كنت قد تورطت أكثر من مرة في أعمال خائبة في المسرح القومي , لكن في عملي مع فواز كانت الفائدة والمتعة مستمرة , كنا نتعامل مع النص المسرحي بالطريقة العلمية السليمة لإيصاله إلى الجمهور ...... حتى تعمقت تجربتنا المشتركة في البحث عن صيغ جديدة للعرض المسرحي .... كانت أحلامنا كبيرة وكان أكبرها المسرح التجريبي الذي يعتمد على كاتب كسعد الله ونوس ومخرج كفواز الساجر , ولكن هذا الحلم لم يعش طويلا ..... "
- المخرج مانويل جيجي
" كان فواز صديقي وصديقنا كلنا وصديق الطيور والسماء الصافية ... فصداقتنا لم تكن شخصية فحسب وإنما كانت عامة , تنهض على الاحترام المتبادل وتناغم المواقف والرؤى .
ترك فواز على الطاولة خططا ومشاريع وأحلام كثيرة , ناقشناها وتحدثنا فيها كثيرا .
كان فواز يتألم وكنت أرى ذلك لكن لألمه طعما آخر , فهو ألم المبدع الذي يمنحه السعادة حتى وهو يتألم .... فهو يعرف كل شيء ولا يهمل أي شيء مهما كان صغيرا وهامشيا , وفي كل الأوقات كان في قمة التركيز والانضباط ... لكن الخسارة جسيمه ... فقد خسرت صديقا في الحياة وزميلا في المهنة ... فقد بكتك الخشبة يا فواز . "
- بندر عبد الحميد ( كاتب وناقد )
كان فواز يفضل العمل مع الهواة الموهوبين الذين لم تفسدهم التقاليد الموروثة اليابسة , ومن هنا كان سباقا باكتشاف المواهب الأصيلة الجديدة ويبرزها .
لا يقف فواز بثقافته عند حد يقرأ في كل الفنون والآداب , والفكر والعلوم , ولن هاجسه الأول همه الكبير , العرض المسرحي , في أي مسرح , في مسرح الهواة , في المسرح التجريبي , في المسرح المحلي , في المسرح العربي , في مسرح الأمم ....
وقبل أن يتوقف قلبه عن الضخ في الشرايين والأوردة الحية , كان عرضه الأخير احتفالا بالوفاء والحب للمسرح الذي يشبه المعبد .
سفرا طيبا
هل أقول : إلى أين ؟
هذا الصباح تسافر
كان اللقاء قصيرا
صامت يتنفس
يعطيكم الحب والفن
عطر الحياة . "
- بول شاؤول ( شاعر وناقد )
" جلس في كرسيه , استقر جيدا , وهو الذي لم يستقر أبدا , نظر أمامه . ربما , أو إلى يديه , أو في كتاب قربه , أو في مشروع عمل ! أو ربما , كان يفكر هو ابن الأربعين , بكل هذه الهزائم الثقافية وغير السياسية التي رافقت جيله منذ ولا ولادته , أو ربما كان يحلم , وإن بصمت أو على مهل , بعالم آخر , عالم جديد , فيه حد أدنى من العدالة والحب ! جلس في كرسيه , هكذا , في منتصف أشياءه كما لو أنه جالس في منتصف العمر , وبقي جالسا . ربما بقيت يداه على ركبته , أو بقيت السيجارة مشتعلة بين أصابعه , أو بقيت عيناه مفتوحتين , أو مغمضتين نصف إغماض , أو ربما بقيت السيجارة في المنفضة ولم يكملها , أو الجريدة في يديه ولم يكملها , أو مسرحية مفتوحة على أحد الفصول , أو ربما بقي فنجان القهوة ساخنا ولم يرشفه , هكذا جلس فواز الساجر , أهم مخرج مسرحي سوري , في كرسيه , وأغمض الروح , انطفأ في عز ظهيرته , ذهب في عز مجيئه . ربما من الانقهار . أو من ازدحام الزمان عليه بسواده أو برماده أو بالتباساته . مات في الأربعين , وترك بصمة على الحركة المسرحية السورية والعربية . "
.
.

حسن العلي
01-08-2008, 04:53 AM
.
.


زيناتي قدسية: المسرح قضية كبرى تحتاج إلى رجال على مقاسها
بعد 40 عاما من الكدّ على الخشبة
دمشق: حسن سلمان


بعد دخوله ميدان العمل المسرحي عام 1967 في الأردن، انتقل زيناتي قدسية للعمل في المسرح السوري منذ 1971، غير أن قدسية – فلسطيني المولد - بقي مخلصا لقضيته حيث عمل في المسرح المقاوم حوالي 15 عاما، ساهم خلالها في تأسيس المسرح التجريبي في سورية، بالتعاون مع المسرحيين الراحلين، سعد الله ونوس وفواز الساجر عام 1977، ليؤسس بعدها بالتعاون مع الكاتب الراحل ممدوح عدوان فرقة "مسرح أحوال"، حيث شكلت مسرحية "حال الدنيا" التي كتبها عدوان، وقدمها قدسية (مخرجا وممثلا) ولادة حقيقية للمسرح الفردي (المونودراما) في المشرق العربي. لم تقتصر إنجازات قدسية عند ذلك، حيث أسس "فرقة القدس" المسرحية عام 1988، كما تعاقد بصفة خبير لشؤون المسرح مع وزارة الثقافة السورية، إضافة إلى ترؤسه لعدد من المهرجانات المسرحية وعمله في المسرح القومي منذ عام 1980 وحتى الآن.


يقول زيناتي قدسية عن تجربته المسرحية: "أربعون عاما حاولت خلالها أن أمسك بتلابيب هذا الفن الصعب والمعقد. وبعد كل هذه السنوات لا أستطيع الادعاء بأني أفلحت في تحقيق هذا الهدف، ولكني ومنذ وقت مبكر أدركت أني مقبل على خوض معركة استثنائية قد تطول. ومع مرور الزمن أدركت أكثر أن المسرح قضية كبرى وتحتاج إلى رجال على مقاسها".
لكن قدسية بقي مخلصا لتجربته الطويلة مع ممدوح عدوان التي بدأت عام 1972 في المسرح الجامعي في سورية واستمرت 33 عاما، مرورا بالمسرحين، الفلسطيني والقومي، وانتهاء بفرقة "أحوال" التي أسست لفن المونودراما، عشقُ قدسية المستمر. تجربة يعتبرها قدسية من أجمل وأنضج التجارب التي عاشها مع رفيقه الكاتب الكبير، ممدوح عدوان الذي "يعبر في كثير من رؤاه الإنسانية والشعرية والجمالية عن أدق الخلجات في نفسي. إنه كاتب متجدد يتعامل مع بشر من لحم ودم، لا يتصيد مواضيعه من السماء، بل يلتقطها من على أرصفة الشوارع وأزقة الحارات وزوايا البيوت، ويكشف ما وراء الجدران بمجهر قلاب". غير أن قدسية خلال حديثه عن رفيق دربه (عدوان) الذي تركه وحيدا يواجه الوحشة بالإبداع، لا ينسى ذكر تجربته مع رائدي المسرح السوري، سعد الله ونوس وفواز الساجر، اللذين أسس معهما المسرح التجريبي في سورية، لكنه يفصح عن شعوره بالخوف والارتباك، كلما تحدث عن هذه التجربة التي أنتجت عددا كبيرا من العروض والحوارات العميقة في شؤون المسرح والفن عامة، ويكتفي بوصفها بـ"الأكاديمية المزدوجة".
ينصرف قدسية عن سرد ذكرياته مع رفاق الدرب الذين رحلوا ليسرد قصة راحل آخر أسس لوعيه الفكري والفني، إنه غسان كنفاني الأديب الفلسطيني الكبير الذي شكل أدبه مرآة صادقة للواقع الفلسطيني البائس بدءا بالنكبة وانتهاء بالشتات.
يقول قدسية: "كنت أقرأ قصة قصيرة لغسان فأتعرف على جزء من نفسي والمحيط الذي أعيش فيه. كل قصة لغسان كانت تشكل بالنسبة لي إجابة عن سؤال كبير وصعب. كل رواية من روايات غسان، كانت ولم تزل تفتح أمامي أبوابا مستعصية، وتدخلني في عوالم كنت أعتقد باستحالة اكتشافها. غسان هو الذي جعلني أدرك الأسباب الحقيقية الكامنة وراء تلك الهزيمة الكبرى. باختصار هو معلمي الأول، فاتحة إدراكي لهذا العالم".
من جانب آخر يقدم قدسية تصورا مختلفا عن المسرح المقاوم الذي يرى فيه شرطا أساسيا للدفاع عن حرية الإنسان وكرامته في الحرب والسلم، مشيرا إلى أن "المفكرين والمثقفين والعلماء والشعراء ورجال المسرح في مختلف أنحاء العالم، حين ينتصرون للإنسان من أجل حريته وكرامته الإنسانية وحقه في الطعام والماء والصحة والتعليم والحب وإبداء الرأي والدفاع عن حقه في الوجود، إنما هم ينتمون بشكل أو بآخر إلى الثقافة المقاومة، العلوم المقاومة، الشعر المقاوم، المسرح المقاوم، وإن لم يضعوا إنجازاتهم العلمية والثقافية والإبداعية تحت هذا العنوان المباشر". وحول مفهوم المسرح التجريبي يؤكد قدسية أن التجريب في المسرح يعني "هضم واستيعاب كل تجارب الماضي، وبهذا المعنى يصبح التجريب الحقيقي نقيضا للتبعية والتقليد والنسخ". وينتقد قدسية محاولات المخرجين العرب المبهورين ببعض النزعات الغربية لجهة التعاطي مع مفردات تجريبية غريبة، ليس لها علاقة بالابتكار، إضافة إلى محاولتهم "هتك النص وإزاحته كما حدث في أوروبا وأميركا". لكنه يؤكد بالمقابل على أهمية النص في العرض المسرحي ويعتبره في موقع القلب من الجسد، مشيرا إلى أن كبار المخرجين المسرحيين التجريبيين الذين قدموا إضافات مهمة في مجال المسرح، لم يفكروا بإزاحة النص أو نفيه. وهنا يقول قدسية: "لو تذكرنا شكسبير أحد عمالقة التجريب في العالم، فإن ذاكرتنا ستمضي حتما باتجاه نصوصه العظيمة التي ورثها للبشرية والتي حملت في ثناياها كل إنجازاته التجريبية. وهذا ينطبق على ستانسلافسكي التجريبي الفريد والذي خلّف لنا منهجا خلاّقا ما زلنا وسنبقى ننهل من كنوزه ونكتشف أسراره يوما إثر يوم. وكذلك الأمر بالنسبة لبريشت كواحد من عباقرة التجريب في القرن العشرين، والذي ولدت في زمنه أعظم النصوص المسرحية".
ويحدثنا قدسية عن أهمية لغة الجسد في العرض المسرحي، مشيرا إلى محاولات بعض المسرحيين الغربيين لجهة تمجيد عنصر النص المكتوب على حساب عناصر العرض الأخرى، خاصة لغة الجسد بما لها من أهمية قصوى في التعبير عن مكنونات النفس البشرية. ويشير إلى ظهور دعوات من بعض المسرحيين في ثلاثينات القرن الماضي للاهتمام بلغة الجسد وعدم إهمالها كي لا يفقد المسرح حيويته وسحره، لكنه يؤكد أن هذه الدعوات أخذت منحى مغايرا لدى بعض المسرحيين العرب الذين أوغلوا في تمجيدهم لغة الجسد على حساب النص تحت شعار التجريبية والحداثة.
ويخلص إلى المزاوجة بين المفهومين لنجاح العرض المسرحي، معتبراً أن التقليل من أهمية النص المسرحي هو "تقليل من هيبة المسرح وفرادته وسطوته"، كما أن الإهمال المطلق للغة الجسد التعبيرية هو"نيل من عنفوان الحياة في المسرح".
وفي ذات السياق يشير قدسية إلى دعوة أطلقها بعض المسرحيين الجادين في الغرب وتعتمد على "تحرير وتفجير الجسد"، لافتا في الوقت نفسه إلى أن بعض الباحثين والنقاد العرب التقطوا هذا المفهوم وطبقوه بشكل خاطىء ومتطرف لدرجة تحولت معها العروض المسرحية إلى انتهاك لحرية الجسد وكرامته. وهنا يقول قدسية شارحاً: "المسرح يحتاج إلى لغة جسدية تعمل على صيانة هذه الكرامة، لغة تعمل على تفجير الجسد بهدف بناء منظومة أفعال جديدة ومبتكرة تعبر عن كوامن هذا الجسد بأدق وأصدق ما يكون التعبير. لغة قادرة على استحضار القصي والنائي والمسكوت عنه، لغة تحرر الجسد من خجله وعجزه عن الاستجابات لمتطلبات النفس والروح الإنسانية".
أما النقد المسرحي بالنسبة لقدسية، فهو مرتبط جدليا بالفعل المسرحي لأن النقد عامة هو "نتيجة لقاء ذهنية الناقد بذهنية المبدع، لا كما هي في ذاتها بل كما تحققت في المنتج الإبداعي. بتعبير آخر، لا يجوز لناقد مهما علا شأنه أن يُلبس المنتج الإبداعي رداءه الفضفاض، ثم ينعته بالهزل، وشتان بين أحجام هزيلة تتعامل مع النقد بهذه الرداءة وبين القامات الشامخة للمبدعين الحقيقيين".
ويرى أن واقع النقد المسرحي في العالم العربي ما زال يسبح في بحيرة المتاهات العجولة والتعليقات الهشة والباهتة والهامشية، وليس له أي أثر أو انعكاس في الواقع الاجتماعي بمعنى أنه لم يحقق شيئا على الإطلاق، مبررا ذلك بكون تجربة المسرح في العالم العربي ما زالت دون المستوى المطلوب. بالنسبة لقدسية أهمية المسرح ودوره يتجلى في "إنعاش الذاكرة وتنشيطها وتحريك الوجدان واستنهاض الذائقة الجمالية والمعرفية، وبالتالي تحضير المجموعات البشرية للدخول الواعي في قابليات الازدهار الإنساني." ولهذا فإن المسرح خصوصا والفن عموما هو الإمكانية الوحيدة للتعويض عن انعدام التوازن بين ما نعيشه وما ينبغي أن نكون عليه.
.
.

حسن العلي
01-08-2008, 04:58 AM
.
.

زيناتي قدسية : المسرح والفن يملكان أهلية كشف الحقيقة

شؤون ثقا فية
الأحد 25 /3/2007
آنا عزيز الخضر

على المسرح ان يطرح اسئلة حقيقية كي يقف عند مسائل لها وجود على ارض الواقع من هذه المقولة انطلق عرض ( كأس سقراط الاخيرة)
والذي عرض على صالة مسرح القباني بدمشق عائداً بذاكرته نحو لحظات ما قبل الموت ينشىء عالما تواصليا بدأه بالحاضر متجليا بشخصية من لحم ودم في مقابل اعمدة تراثية تجسد افلاطون وكريتون وقد شغل الفضاء المسرحي دلالات اخرى استكملت الشروط التاريخية لعالم العرض المفترض الذي أرسى خطوطه الاساسية بين ايدينا وعاد حيث اغتيل المنهج العقلاني الانساني منذ ذاك الزمن فصاعدا بعد محاكمة سقراط واجباره على تجرع السم بتهمة تحريض شباب اثينا على السؤال الذي يعني عند هؤلاء الحكام المعارضة ويعني الكشف عن ظلمهم وادانتهم فالسؤال محكوم عليه ابدا ان يبقى سجينا وقد دفع سقراط ضريبة ثقافة السؤال منذ الزمن السحيق والتي تستبطن حالة الحرية والجمال بامتياز بعيدا عن الاستكانة ومداهنة الطغاة والحكام الظالمين في عرض (كأس سقراط الاخيرة) قدم المسرح حقائق يفك طوقها بجرأة تصرح عن نفسها على لسان سقراط عندما يعلن عن تنازل افلاطون لارضاء الحكام على حساب المبادئ والقيم الانسانية الحقيقية والمنطق العقلاني السليم, كي تبدو كل تلك المنجزات الفكرية اللاحقة قد بنت نفسها على تلك الجريمة.‏

لون (زيناتي قدسية) عبر ( مونودراماه ) الجديدة في حالات ادائىة متنوعة مظهرا لحظات انسانية كثيرة في الاكتشاف الى التحدي البحث والحزن وغيرها بحيوية منقطعة النظير اذ حمل اعباء عرض بأكمله ورغم ذهنية الطرح والصراعات الفكرية الدائرة والحاضرة في فضاء العرض إلا انه ربطها بحالات انسانية وحياتية عبر تلك التجليات الفاصلة بين الحياة والموت ليكون الطرح معيارا ابديا يتغنى بأهمية السؤال من اجل الحقيقة والحرية والمعرفة للبشرية جمعاء للتاريخ وللحاضر ايضاً.‏

حول العرض واسلوبيته قال الممثل والمخرج زيناتي قدسية وان تحدثنا عبر العرض عن مشكلة وقع فيها سقراط الفيلسوف فمن الممكن انه قد اوقع البشرية كلها في مشكلة كبيرة اذ يحاول العرض ان يسبر اغوار هذا التاريخ الذي وردنا مستنبطا بعض الاستقراءات والتي تولد اسئلة مشروعة وباعتقادي ان خشبة المسرح او الفن والدراما يملكون الاهلية لتوليد مثل هذه الاسئلة للكشف عن الحقائق او ما نعتقدها حقائق في الواقع على الرغم ما يكتنفها من الريب والشكوك فالعرض دعوة لاعادة قراءة التاريخ لنا ولغيرنا وندقق في قضية الديمقراطية وهذا الاستبداد الذي تنتهجه دول المركز, ولهذه النتائج التي نشهدها عالمياً مقولات لها مقدمات في دول أوروبا وأمريكا وهذه المقدمات لها جذورها التاريخية العميقة وعلى رأسها ديمقراطية ( أثينا ) من هنا نريد ان نطرح الاسئلة لكل الناس وفي مناطق مختلفة من العالم, فإلى أين توصلنا هذه الانماط الديمقراطية..?‏

وعن الناحية الفنية والرؤية الاخراجية أكد الفنان قدسيه في مسيرة متابعته فن المونودراما بمشاركة الكاتب موفق مسعود منوهاً أن الرؤية الاخراجية في العرض هي مساندة المادة النصية في البحث والكشف والتطويع لتقنيات فنية لتقديم المتعة والجمال وكل ما يمكن ايصاله عبر تلك الصيغة الفنية الخاصة.‏

وتابع الفنان قائلاً:إن الاخراج كشف المخبوء في النص وتطويع اللغة الفنية وعناصر العرض كافة لكشف المساحات الصعبة منه, إذ انني لا أحب النصوص السهلة, وفي اعتباري لا قيمة للنص في عالم الفن ما لم يكن صعب المراس.‏

وحول المعاصرة وراهنية المقولة قال كاتب النص الاستاذ موفق مسعود: هواجس هذا العمل هي هواجس معاصرة بامتياز , ومن البديهي أن تكون الاسئلة معاصرة, خصوصاً أننا نرى كل هذا الخراب في عالمنا الروحي والانساني ومحيطنا أجمع,حيث نعود من حاضرنا إلى افلاطون الذي أخذ عن روح سقراط الذي عشق أثينا والجمال والتقدم,كي يصوغ مدينته الفاضلة ذات الفكر السلطوي الواحد - المغطى بفكرة تعددية,لنتأكد ان كل التشريعات الحالية بنيت على جذور ينخر فيه السوس, والكشف عن حقيقة كل ديمقراطيات الحاضر استندت إلى النتاج الفكري لهزيمة ديمقراطية أثينا ومدينة أفلاطون الفاضلة فسؤال الحرية هو سؤال دائم والفن حقيقة هو من يملك المقدرة على صوغ التاريخ الحقيقي لكن اشكالية واضحة في ثقافتنا العربية تمنع هذه الآلية الناضجة, فالمقاربة محظورة إلا من التاريخ الرسمي في الوقت الذي نحن فيه بأمس الحاجة إلى المبادرات الاكثر عمقاً في قراءة الواقع.‏

ويمكنني القول من جهة أخرى بأن العرض المسرحي (كأس سقراط الاخيرة) يطرح أسئلة مهمة بعيداً عن دغدغة المشاعر السطحية للمتلقي, ومعتمداً على متعة التفكير ومتعة السؤال.‏
.
.

حسن العلي
01-08-2008, 05:03 AM
.
.

زيناتي قدسية: دون مراجعة تجربتنا المسرحية كيف نستمر؟ [/URL] (http://www.baladnaonline.net/ar/index2.php?option=com_content&task=view&id=7173&pop=1&page=0&Itemid=64)[U]المصدر : سونيا سفر 11/05/2008


"المسرح والانقطاع عن المسرح" من هنا بدأ السيد عجاج سليم مديرُ المسارح بداية الحوار المفتوح مع الفنان زيناتي قدسية، حيث أشار إلى أنَّ "كل من يعمل بالمسرح يرتبط بالناس ويعبّر عن آمالهم وأحلامهم"، مرجعاً أسباب الانقطاع عن الاهتمام بالمسرح لـ"الانقطاع عن دورات المهرجانات والمسرح"، مشيراً إلى "الحاجة إلى شخص بخبرة وذكاء وموهبة زيناتي قدسية"، لافتاً إلى أهمية إعادة الاعتبار للفرق المسرحية وشعورها من جديد بأنَّ هناك من يحميها. بعدها وجَّه الدكتور عجاج حديثه إلى الفنان زيناتي قدسية، قائلا: "أنت أعرف من أن تعرَّف، وفنان نعتزُّ به سورياً وعربياً ونموذج يحتذى به.. الفنان قدسية يعمل في التلفزيون يكتب ويخرج ويمثل ويدير مهرجانات". ثم ترك الحديث لزيناتي قدسية، ليقول بدوره: "أريد اليوم أن أتحدث عن طفل صغير، وليس عن شيء في المسرح العربي أو السوري. وبشكل مختصر مر بالحياة 58 عاماً ومازلت صغيراً، وقد أصبح من الواضح تماماً أنه من الصعب أن نمتلك القدرة على احترام الرأي الآخر. وإذا أبدى أحد ما ملاحظة أو مقترحاً على أيّ إنتاج إبداعي ومسرحي، يتحوَّل إلى عدو لصاحب الإبداع بشكل أو بآخر".
وأضاف قدسية: "من هنا أقول من الأفضل أن أبقى في شرنقتي أتحدث عن طفل على يدي أمه والقصف وراء والديه.. طفل لم يرَ سوى أرض محروقة وشجر مكسر يشبه السكاكين وأقدام مجرحة من كثرة الصعود على هذا الشجر، وقد انتقل على أجنحة الشياطين إلى مخيم عين شمس، ثم إلى إربد، وقد انفتحت الدنيا أمامه، وكلُّ الأسئلة مغلقة، وهو لا يفقه شيئاً، إلا أنَّ تسرب ورقة فيها قصة لغسان كنفاني فتحت أول المغاليق، حيث معها ومع القصص التالية بدأ يدرك بأنه ينحدر من عائلة فلسطينية هجرت تحت وقع الحديد والنار. ومن موهبة الرسم راح يرسم بعض المناظر المسرحية، وفي الـ67 جاءت النكسة، وطلب منه أحد الشباب الموهوبين في المسرح أن يمثل معهم في مسرحية اسمها "متى تضاء الشموع"، وقد أقسم بعدها أن لا يمثل. وبعد نحو أسبوع طرق باب هذا الشاب الموهوب مجدداً، وسأله إن كان يريد أن يعمل مسرحية أخرى، فضحك وقال له: يبدو أنَّ الوسواس بدأ ينخر فيك". وعندها يقول زيناتي، خاتماً حكايته: "ومن يومها لم أغادر خشبة المسرح".
وأكد زيناتي قدسية أنَّ تجربته انطلقت في أحداث نكسة 67، حيث كانت كلُّ العروض تناقش هذه القضية، ثم بعد ذلك انتقل إلى سورية بعد تجربة دامت 5 سنوات، وكان أول من تعرَّف عليهم هو ممدوح عدوان رحمه الله، حيث شعر من خلال معرفته به أنَّ الأمر مختلف وأنَّ المسرح ليس كما يذكر.
ذاكرة زيناتي لا تحمل سوى أنه طالب مدرسي وأوراق تقول إنه يحمل شهادة ذهبت مع ما احترق في بيته أثناء الحرب.. يقول: "وصلت إلى وزارة الثقافة، عبر مهرجان الهواة. وقد شاركت في عدة دورات وحصلت على ثلاث جوائز متتالية كأفضل ممثل. ومن حسن حظي أنَّ السيدة نجاح العطار كانت وزيرة آنذاك، حيث دعمت موهبتي كثيراً". ومن هنا شارك قدسية في تأسيس المسرح مع سعد الله ونوس، وساهم في مسرح الهواة والمسرح العمالي ومسرح الشبيبة، وعمل مع الأستاذ ممدوح عدوان في المونودراما.
ولفت زيناتي إلى أنه "ليس هناك أكبر من كارثة أن يمضي عمر كامل وتنظر خلفك وتجد كأنك لم تفعل شيئاً"، واصفاً الحالة بأنها أصعب من الموت، مؤكداً أنه عندما يتحدث عن التجارب التي عاشها يشمل كل التجارب التي تشبه تجربته، ليخرج من الفردي إلى الجماعي، مضيفاً: "يبدو أننا بحاجة إلى مراجعة هذه التجربة التي عمرها 160 عاماً كما تقول كتب التاريخ ودون مراجعة كيف نستمر".
أسئلة زيناتي عن عدم المراجعة من قبل القائمين على ذلك، سبَّبت له بعض العدائيات بينه وبين كثيرين من المشتغلين في المسرح العربي.
ووصف زيناتي تجربة المسرح العربي بأنها في قلب الهوة، لافتاً إلى أنَّ التجربة السورية ليست ضمن هذه الهوة، مضيفاً: "بالتأكيد عندنا تجارب مسرحية مهمة، لكنني أتكلم عن ظاهرة عامة، عن بدن بأكمله.. كيف لي أن أبصم بالعشرة على شيء لا أعرفه"، داعياً إلى التعرف على رواد المسرح، وماذا فعلوا من أجلنا.
أهم الأعمال التي شارك فيها زيناتي قدسية : في المسـرح: الملك هو الملك - حكاية بلا نهاية - حرم سعادة الوزير - دونكيشوت - جويا - زيارة الملكة - نبوخذنصر - حلاق بغداد - إخراجاً :سيف اليزن - الهلافيت - التحقيق
في السـينما: الأبطال يولدون مرتين
في التلفزيون: أبو دلامة - أبو ريحانة - الراية و الغيث - أيام أبوالمنقذ - رمح النار - البواسل - الوسيط - أسماء الله الحسنى- الأعلام - قناديل رمضان - جواد الليل - و العديد من الأعمال.
.
.

حسن العلي
01-08-2008, 05:06 AM
.
.

مسرحية رأس الغول.. لزيناتي قدسية
الخروج عن المألوف وكسر قوالبه في إدهاش مشهدي
نشر في الثلثاء ٣١ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٠٦



قليلاً من الهواء..قليلاً من الحرية..قليلاً من الحب المغمس بالخوف وأعود إليك بكل ملامحي البشرية عليَّ أجد بعض الكلمات لأبوح لك فيها في لحظة سرية بعيداً عن العيون المتربصة بي..؛أني أحبك في هذا العالم الذي لايشبهني بشيء..وأنت مازلتِ تصرين أنني ( أبو زيد الهلالي).. أفتش عنك في الطرقات في ملامح خوفي..في كل همسة غادرتني وقت نكرني الأصدقاء..لكنني لم أزل أنا منذ ولدتني أمي أحمل دفاتري وفسحة ضوء تنبعث من عيون القمر قبل أن ينام في صحراء الغربة. في حقل الكلمات المتناثرة الأطراف..والعيون المدهوشة في لحظة اللقاء يأخذنا الكاتب الكبير محمد الماغوط إلى مرايا الذات نبصر فيها صراخنا المكلوم والمغتال علنا نستعيد بقايا الروح فيلوح له زكريا تامر أننا مازلنا في ارتجافنا جسدان معلقان بين السماء والأرض نعيد ترتيب الحكايات.

(فرعي ) رأس الغول إدهاش اللحظة
عودنا المخرج المبدع الفنان زيناتي قدسية على الإدهاش في التقاط الزمن الهارب من بين أيدينا..ليسجل دائماً بالفعل أن المسرح هو فسحة الروح لحكايا الوجع المتأصل فينا..هذا ما كان في إعداده المتميز لبعض كتابات المبدع الكبير محمد الماغوط والمبدع زكريا تامر.
رأس الغول العمل الذي حمل توقيع زيناتي قدسية وقُدم على مسرح الحمراء- دمشق- ضمن عوض المسرح القومي هو محاولة جادة لاستعادة محبي المسرح الذين ضيعهم شتات النصوص ونزق المخرجين والممثلين الباحثين عن ضوء الكاميرات..،شارك في العرض فنانون كرسوا جلَ وقتهم للمسرح وعشقوا الخشبة في زمن ابتعد فيه الكثيرون عن المسرح لأسباب لن ندخل في تفاصيلها.
في النصوص التي عمل عليها المخرج زيناتي قدسية وقدمها في هرمونيا منتظمة الأبعاد وروح متمردة جُمعت أطرفها لتنشد لحناً إنسانياً غطاه غبار الزمن المتكسر على أعتاب البحث المضني عن الحياة وسر الغناء في ليل الهزيمة..، تظهر تلك المفارقة الصارخة التي تقول إنه بالإمكان أن نعيد ألق المسرح بقليل من الانتباه للغزالات المقيمة في حدقات العيون.. فقط قليلاً من الحب للمسرح..أبدع زيناتي في رؤية إخراجية غير متكلفة ليدخلنا إلى عوالم الماغوط وتامر في رؤية بصرية مدهشة إحياناً في إلتقاطات ذكية للمقولة الشعرية التي تترأى واقعاً مجسداً في تفصيلها.
رأس الغول عمل مسرحي يتميز ودون الخوض في المفردات النقدية الجاهزة والمبسترة يتميز بالفرجة والمتعة والمادة الفكرية المطروحة..أنا لم أشعر بمضي الوقت الذي تسارعت فيه عقارب الساعة في أداء راق للفنانين الذين شاركوا في العرض وهذا التنوع في التلوين الذي شدني في ماقدمه الفنان محمود خليلي حيث استطاع أن يدخل إلى عمق الشخصيات التي لعبها رغم صعوبة الانتقالات السريعة..فالممثل هنا يبدع حقاً في هرمونيا التكامل الإخراجي والميز نسين المدروس بعناية وحرفية لاستحضار قدراته في تجربة تعتمد إلى حد كبير على فهم النص ودلالاته لتدخل في عمق الفكرة وصميم المغزى..وهنا تجلى أيضاً الفنان يوسف المقبل في أدائه للشخصيات وما أضفاه من تجاربه السابقة لتكتمل دائرة الفرجة وهذا ماعمل عليه الفنانون الآخرون جمال العلي علي القاسم رنا شميس محمود المحمد قصي قدسيه نضال صواف.
ليس من السهل الإحاطة بالعذابات البشرية في عمل واحد فهذا يحتاج إلى بحث مضن ودؤوب لمن تعلق قلبه بالمسرح.. ولكن مجرد الدخول إلى التجربة يعني شجاعة التجريب ..لذا لم يخل العمل من التزاحم في اللوحات التي عمل عليها المخرج زيناتي قدسية ذاك التزاحم الذي أرهق الممثلين - في جزء منه- في حين أن القطع المتوازي لبعض اللوحات سهل من وصول المقولة ونأى عن بعض الارتباكات. لكن الجماليات المشهدية ..جماليات استحضار الخوف في سينوغرافيا محترفة وفضاء مسرحي مدروس بعناية تمنح العمل بطاقة عبور إلى أن المسرح القومي برجالات مسرحية متميزة يملك الكثير من الطاقات الجميلة والمبدعة تعيد للمسرح اعتباره.
وحين نتحدث عن المسرح علينا دائماً أن نكون منصفين للفريق الذي يجهد لتقديم جماليات في العرض تمنحه فضاء أكثر رحابة حين نذكر مصمم الإضاءة بسام حميدي والتوليف للمقطوعات الموسيقية المختارة بحرفية عالية من قبل قصي قدسية.
جهود متميزة في عمل متميز..والكثير يمكن أن يكتب عن هذه التجربة التي اعتمدت على كتابات لمبدعين سوريين مفندة مقولة المشكلة في النصوص..المشكلة ليست في النصوص بل في العقول المتبلدة..ولنُذكر هنا فقط أن المسرحيين البولنديين يبحثون بالدرجة الأولى عن نصوص محلية..والفرنسيين والبريطانيين..أما نحن فدائماً نبحث عن إبداع الآخر وكأن خزان الإبداع العربي قد نضب.
رأس الغول..يقدم نفسه بنفسه لمخرج متميز يعرف ماذا يريد في وقت يبتعد فيه المشاهد لأنه يفقد الثقة…لكن الروح التواقة لشقائق النعمان تفرد ظلها لجمهور يتوق لرائحة الورد في زمن الجفاف.

بطاقة العمل:
رأس الغول للمخرج زيناتي قدسية من كتابات محمد الماغوط وزكريا تامر.
الممثلون محمود خليلي- يوسف المقبل- جمال العلي- علي القاسم- محمود المحمد- رنا شميس- قصي قدسية- نضال صواف.
مساعد الإخراج: سهيل برهوم.
تصميم ديكور وأزياء: نعمان عيسى.
تصميم وتنفيذ إضاءة وتقنيات: بسام حميدي.
التوليف الموسيقي: قصي قدسية.
الماكياج: منور عقاد .

.
.

حسن العلي
01-08-2008, 05:11 AM
.
.حر

حرحركات التجديد في المسرح العالمي الحديث << سينج ومسرح الإنسان والطبيعة والقدر >>

يعتبر الشاعر المسرحي جون ميلنجتون سينج John Milington «18711909م» احد ثلاثة اعمدة كان لها الدور الاساسي في حركة النهضة الادبية الايرلندية في العصر الحديث وفي احياء الروح القومية والثقافة السلفية في المسرح في وطنه، فهو الثالث مع ييتس Yeats والسيدة جريجوري Lady Gregory الذين عملوا على ادارة مسرح Abbey Thatrst المسرح القومي الايرلندي واثروه باعمالهم الفنية على ان نجم سينج كان اكثر لمعاناً من اقرانه لعمق التجربة الانسانية التي عالجها وتميزت هذه التجربة بالصدق والواقعية ومعايشة الفنان الحقيقية لابطاله في بيئتهم الطبيعية، ولكن لييتس فضل كبير في ذلك فهو الذي اكتشف موهبة سينج، وهو الذي وجهها وجهتها الصحيحة في تصوير قضايا الانسان والطبيعة والقدر.

نصحية ييتس
ينحدر سينج من أسرة بروتستانتية Protestant شديدة التعصب لعقيدة «المتطهرين» Puritanical «وهم جماعة ظهرت في القرن 17 ودعت الى تبسيط طقوس العبادة والتمسك الشديد بأهداب الدين والاخلاق والفضيلة» ولهذا ظلت اسرته ممتنعة عن الذهاب الى المسرح حتى بعد أن اصبح سنيج مديراً لمسرح آبي وكاتباً مشهوراً. تلقى سينج تعليمه في كلية مسيحية Trinity Colleage ودرس الموسيقى قبل ان يذهب الى باريس سنة 1894م ليلتحق بجامعة السوربون ويقوم بتدريس الانجليزية في نفس الوقت وقد قادته دراسته في فرنسا الى اكتشاف اهمية دراسة تاريخ وطنه ايرلندا ودراسة لغتها بعد ان استمع الى محاضرات عنها في السوربون. ثم كان ان تعرف على ييتس في باريس وكان بينهما اللقاء التاريخي 1897 الذي غير فحوى حياة سينج الفنية، فقد اكتشف ييتس حقيقة مواهب الشاعر الشاب وقال له نصيحته المشهورة:
عليك ان تغادر باريس لانك لن تستطيع ان تقدم جديداً من خلال دراسة راسين وآرثر سيمونز، وان كنت شيئا فلن تكون اكثر من ناقد للادب الفرنسي، عد الى وطنك واذهب الى جزر الآران Aran Islands. عش هناك كما لو كنت واحداً من اهلها، واكتب عن حياة اناس لم يعبر احد عن مشاعرهم من قبل.
وبالفعل استجاب سينج لنصيحة ييتس المخلصة وعاد الى ايرلندا وابتداء من سنة 1898م ظل سينج يتردد على جزر الآران في زيارات مطولة لعدة مرات حتى استوعب تجربة الحياة هناك والتي انعكست على كل مسرحياته وفلسفتها ولغتها المتميزة، فقد كتب سينج مسرحياته بلغة نثرية تقترب من لغة العصر الاليزابيثي التي وجدها لاتزال مستعملة في بعض اجزاء ايرلندا، وقد انعكست شاعريته وتجربته الخاصة على لغته فأكسبتها ثراءً وتميزاً لم يعرفه غيره، ويفسر تي.اس اليوت T.S.Eliot هذه الظاهرة فيقول:
تعتبر لغة مسرحيات سينج حالة خاصة لانها تعتمد اساساً على لغة أهل الريف الشاعرية في صورها وايقاعاتها.
واعتبر ان سينج قد ادخل في حوار مسرحياته الكثير من التعبيرات التي سمعها من اهل الريف الايرلندي. ان لغة سينج لا تصلح الا لمسرحيات تدور احداثها في نفس بيئة هؤلاء الناس الذين كانت لغتهم شاعرية ولهذا يظل ابطال سينج دائماً شخصيات حقيقية.

السعي إلى المجهول
كتب سينج أولى مسرحياته سنة 1910 بعنوان «عندما يغيب القمر» When The Moon Has Set» ولكنها لم تمثل ولا يعتد بها في أعماله المهمة. والحقيقة ان مسرحية «في ظلال الوادي» In The Shadow of the Glen «1907» اولى مسرحياته التي عرضت على خشبة المسرح. ومثل معظم مسرحيات سينج فإن قصة هذه المسرحية تقوم على احداث وقعت بالفعل أو عاشها الشاعر نفسه من جزر الآران. وعقدة المسرحية تصور فلاحا فقيراً يريد ان يعاقب زوجته لشكه في سلوكها المشين ومغازلتها لرجل غريب جوال، فيدعي الزوج الموت وتبدأ المسرحية بالزوج ممداً في غرفة كوفه الصغير على ذلك الوادي المنقطع ولا حو له احد الا زوجته، فتشعر الزوجة بالامان وتبدأ تدبر خطط المستقبل مع عشيقها وفي النهاية ينهض الزوج ويطرد زوجته خارج الكوخ فتخرج غير آسفة معتقدةً ان الرجل الغريب ينتظرها عند منحدر الطريق لتهرب معه.
مسرحية قصيرة وعقدة بسيطة عبرت عن نزعة الخروج على المألوف في النفس التي ان لم تلزم نفسها بقيم الخير والفضيلة تاهت في عمى الضلال، فما كان الرجل الغريب بالنسبة لزوجة الفلاح الا الوسيلة التي اعتقدت انها ستقودها الى العالم المجهول خارج كوفها الصغير وعالمه الفقير، وقد قوبلت هذه المسرحية باستياء من كثير من مواطنيه الذين يعتقدون ان المرأة الايرلندية ابعد ما تكون عن الخيانة!

الإيمان بالقدر
اما مسرحية «الراكبون» الى البحر The Riders to the Sea» التي عرضت سنة «1904» فقد نالت شهرة كبيرة واعتبرها النقاد افضل مسرحية قصيرة في الادب المكتوب بالانجليزية، وهي خير نموذج لصراع الانسان مع الطبيعة وتسليمه بالقدر. تدور احداثها في مطبخ احد الاكواخ بجزر الآران. وتصوره مأساة امرأة عجوز، موريا، التي فقدت زوجها وخمسة من ابنائها في البحر ويبدأ المشهد بالاختين كاثلين ونورا تتحاوران حول قطعة من الثياب الممزقة جلبها لهما القسيس للتعرف عليها ان كانت لأخيهما مايكل الذي ابتلعه البحر منذ تسعة ايام مضت. تدخل عليها الام في الوقت الذي يصل فيه الابن الاخير بارتلي معلناً بأنه قدر ان يركب البحر تحاول امه ان تثنيه عن عزمه مذكرة اياه بأبيه واخوته الخمسة وان عليه ان ينتظر على الاقل حتى تظهر جثة مايكل ليشرف على دفنها.
ويصمم بارتلي على الذهاب محتجاً بان هناك سفينة قادمة وسوقاً للخيل لابد ان يحضره. تطلب كاثلين من امها ان لا تدع بارتلي يسافر بدون دعواتها فترجوها ان تلحق به لتعطيه بعض الخبز وتباركه برضاها حتى لا يموت وهي غاضبة عليه. وفي هذه الاثناء تتعرف نور على خياطة يدها في قطعة الملابس وتتأكد انها لأخيها مايكل وانه كما قال القسيس قد دفن دفناً كريماً في الشمال، وهذا خبر سيريح الام على أية حال. ولا يمر وقت طويل حتى يعود بارتلي الى امه جثة هامدة، لقد اوقعه المهر الاشهب في البحر. وتستقبل الام نبأ موت آخر اولادها برباطة جأش وصبر وايمان واستسلام للقضاء والقدر، وتستنزل الرحمة على روح زوجها واولادها ثم تقول:« لقد دفن مايكل مدفناً كريماً في الشمال ببركة من الله، وسيكون لبارتلي تابوت جيد من الالواح البيض ومدفن عميق بكل تأكيد. اي شى نريد اكثر من هذا. لن يعيش انسان الى الابد وعلينا ان نقنع بذلك». وقد اعتبر الاستاذ محمد قطب في كتابه «منهج الفن الاسلامي» هذه المسرحية من الاعمال التي تتفق مع التصور الاسلامي للادب للقيم الانسانية التي تعبر عنها.
وقد كتب سينج مسرحيات اخرى مثل «بئر القديسين» The well of Saints «1905»، «فتى الغرب المدلل» The Playboy of the Western World «1907 ، «زفاف السمكري»The Tinkers Wedding «1909»، و«ديردرا فتاة الاحزان» Dierdra of the Sorrows «1910». ولعل «فتى الغرب المدلل» و «ديردرا فتاة الاحزان» أفضل هؤلاء وأكثرها شهرةً.

أوهام إنسان
فعقدة مسرحية «فتى الغرب المدلل» تدور حول فتى خجول ضعيف يدعى كريستي ماهون يصل به الخيال لدرجة الاعتقاد بأنه قتل والده، فيهرب الى قرية بعيدة، ويبالغ في تصوير ما قام به حتى يكتسب اعجاب اهل القرية فينظرون الى جريمته من قتل والده بأنها عمل بطولي، ويكتسب نتيجةً لذلك قلب الفتاة بيجين التي كانت مخطوبة لغيره ، وفجأة يظهر والد كريستس فيكتشف القرويون كذبه، ومع انه يحاول ان يقتل والده حقيقةً هذه المرة الا انه يفشل في اكتساب اعجاب اهل القرية، وكأن غشاوةً قد زالت عن اعينهم ينظرون اليه الآن كمجرم لا كبطل. ويجر الوالد ابنه الخائب عائداً به الى قريته تاركاً فتاته تندب حظها الكسيح على فقدان فتى الغرب المدلل!
وقد لقيت هذه المسرحية عاصفةً كبيرة من اعتراض الجمهور الايرلندي، وكان كل عرض بمثابة زوبعة ليلية، ولقيت عروضها في امريكا نفس الضجة حين قدمها مسرح آبي في احدى جولاته. لقد فهمت المسرحية بأنها هجوم على تقاليد القرية الايرلندية وعلى الفتاة الايرلندية ولم تؤخذ على انها نقد اجتماعي ساخر وتصوير كاريكاتيري للمجتمع الريفي الايرلندي. وقد دافع ييتس عن سينج باقتناع كما دافعت عنه السيدة جريجوري رغم انها لم تكن معجبةً بالمسرحية!

الحب والموت
اما مسرحية «ديردا فتاة الأحزان» آخر أعمال سينج فلم يكتب له ان يراها على خشبة المسرح. فقد اعدها للعرض كل من ييتس والسيدة جريجوري والممثلة مولي اولقود Molly Allgood الفتاة التي احبها وخطبها سينج ومات قبل ان يتزوجها. وقصة المسرحية مأخوذة عن اسطورة ايرلندية قديمة تروي بأن الفتاة ديردا المخطوبة للملك كونشبر تهرب مع فتى تحبه ا سمه ناسي، وبعد سبع سنوات امضياها معاً يعودان الي ايرلندا بعد ان وعدهما الملك بالعفو، ولكنه ينكث بوعوده فيقتل ناسي ويأخذ الفتاة التي تفضل ان تقتل نفسها. وقد صور التوتر الدرامي في هذه المسرحية المفارقة بين ايمان ديردرا العميق بخلود حبها لفتاها وبين شكوك ناسي من استمرارية هذا الحب طويلاً. ورغم معرفة ديردرا بأن الموت ينتظرها عند العودة الى ايرلندا فانها قد آثرت العودة والموت على المخاطرة بحبها لزوجها.

سينج وييتس
ولقد كان اختلاف المنهج والفلسفة في العمل الدرامي لكل من سينج وييتس قد جعل من سينج كاتباً في المقام الاول وشاعراً في المقام الثاني بينما اشتهر سينج بأخذ موضوعاته من الواقع الايرلندي المعاصر ثم يضعه في نسيج اسطوري ويضفي عليه ملامح انسانية عامة لايحدها زمان ولا مكان. وكان ييتس علي العكس منه يأخذ موضوعات اسطورية ويحاول ان يعكس خلالها على الواقع المعاصر مما يجعل اعماله تكتسب جلال الاسطورة لكنها تبقى غامضة في صلتها بالواقع.
وقياساً الى العمر القصير الذي عاشه والمسرحيات القليلة التي كتبها فان سينج قد حقق نجاحاً كبيراً فقد ظلت شهرته، تنمو و مكانته تعلو من بعده وهو يعتبر اليوم باعتراف معظم النقاد افضل كاتب مسرحي انجبته حركة النهضة الايرلندية، فقد كانت اعماله من اهم الاعمال التي اعطت للمسرح القومي الايرلندي شخصيته الوطنية وسماته الانسانية، وبعد وفاته سنة 1909، بدأ مسرح آبي Abbey Theatre يخسر اعلامه، فقد كف ييتس 1910 عن الكتابة له على وجه الخصوص، واعتلت السيدة جريجوري الكتابة المسرحية سنة 1912 ولكن بعد ان اعطوا للمسرح الايرلندي هوية وأقاموا له أسساً وارسوا له تقاليد.

المصادر
1 Boyrgeois, mauriece, synge and the lrish Theatre new york, 1950
2 Byrne,dawson,the Story of Irelands Natimed Theatre,Dublin,1929
3 EllisFermor, The lrish Dramatic Movement, London 1939
4 Grene, David H.,and Stephens,E.M. J.M.synge,1871 1909, new York,1959
5 Skelton, Eobin. J.M.synge and His world, London, 1971


.

.

حسن العلي
01-08-2008, 05:17 AM
.
.

المخرج الفرنسي << جان فيلار >>
أ. د. عقيل مهدي يوسف
ان فن التعامل مع الكلمة ومع الصورة لا يتعل - فقط - بفنون الادب، والمسرح، بل يذهب الى الاطار الاكبر الذي يتعلق بحياة المواطنين انفسهم. ولو نظرنا الى هموم العراقي اليومية، لوجدناها تشكو من تعثر الخدمات الامنية والخدمية واحتقانات المواقف السياسية العفوية والمصطنعة، الحاملة أجندة وطنية، وتلك الخاضعة لاهداف سرية خاصة، تجرب مخططاتها على ارض الواقع العراقي للوصول الى مآربها المبيتة، بغض النظر عن مدى اقترابها او ابتعادها عن الصالح العام، او فتح آفاق جديدة للاختناقات القاتلة التي تثقل حياة المواطن العادي وهو يبحث عن فرص عمل كريمة في وطنه الام.
اقترن المسرح في مراحل تاريخية عديدة بآمال الناس، وتطلعاتهم للعيش المعقول بعيداً عن الاستغلال، والبطش، والتحقير.
يذكرنا الكاتب المسرحي الفرنسي رومان رولان بهذا المنهج الشعبي الذي كرسته تجربته الابداعية، وهو القائل ان "الشعب كعادته لا يتكلم الا نادراً، والجميع يتكلم نيابة عنه".
ومن الجدير ان يتطوع المثقف، ومن بينهم فنان المسرح، لان يكون اول المتكلمين، لكي لا يفسح المجال طيعاً للمتاجرين بثروة الوطن وقوت الناس، بل يخطو خطوات منسجمة مع فكر سياسي حر، يدنو بجدية ونبل الى مستقبل كريم للوطن.
ولكن ينبغي التريث للتمييز بين خطاب السياسي، وخطاب المسرحي ولكم تداخلت الاوراق فوق خشبات مسارحنا فخسرنا السياسة والفن معاً!!. اننا حين نريد ازدهار المسرح، فعلينا الحفاظ على قوانين المسرح الابداعية والمتفتحة على جدية تقنية وفكرية متضافرة المخرج الفرنسي (جان فيلار) اسس لعرض مسرحي شعبي بحفاظه على التقاليد الابداعية المسرحية التي قام هو ايضاً بتطويرها، وتجديد رؤاها الجمعية القيمة.
قد تختلف تجربتنا المسرحية من حيث الجدوى مع تجارب مسرحية عالمية راسخة، ومنها تجربة المسرح الفرنسي.
تعرف الجمهور الفرنسي على لافتة تقول:
"بفضل الله، ما زال هناك ناس يعتبرون المسرح غذاء ضرورياً للحياة، مثل الخبز والماء. ان المسرح القومي (الشعبي) يتوجه الى هؤلاء بالدرجة الاولى، انه اذن خدمة عامة في المقام الاول، مثل الغاز، والماء، والكهرباء".
هكذا هو الحال، المسرح مثل الغاز والماء والكهرباء من حيث ضرورته للمواطن، ولو حاولنا ان نقارن الامر مع تجربتنا الملموسة في مسارحنا الشعبية، لسخر المواطن العراقي بمرارة، لانه يعتقد بان لا وجه للمقارنة ما بين حاجته للكهرباء وحاجته للمسرح!! وربما نجد له الاعذار في موقفه السلبي هذا، وواحدة من هذه الاعذار، ان كثيراً من العاملين لا يفقهون من المسرح سوى ارخص الاساليب واكثرها تفاهة في البحث عن الارتزاق وتشويه ارفع مهنة، واكثرها تماساً مع الوجدان الجمعي والفكر الفلسفي الراقي، الذي لا يمكن ان تتوافر عليه امثال هذه الكائنات البسيطة التي لا تجيد سوى البلاهة او التي، باحسن احوالها تحركها نوايا بريئة لا تصمد امام تحديات هذه المهنة الخلاقة التي ترتعد امامها فرائص اكثر المفكرين فلسفة في خوض تجاربها المركبة، ان لم يتوفر على موهبة ابداعية من نمط رفيع، وشخصية مقدامة فذة.
قال نابليون عن المسرح الفرنسي وبالذات عن فرقة (الكوميدي فرانسيس) بانه يمثل: "كبرياء فرنسا".
نعم قالها، وبثقة عالية، لانه وجدها فرقة امينة على الارث الوطني الفرنسي، وهي تعيد انتاج امجاد هذه العقول المسرحية الملهمة من فوق خشبات مسارحها.
نابليون وجد على خشبات المسرح الفرنسي، اساطين المؤلفين منذ اليونان والرومان ومروراً بالقرون الوسطى، وعصر النهضة، والمرحلة البرجوازية التنويرية، من ديدرو وقبله راسين وكورني وموليير وسواه من كبار الكتاب الدراميين، المعاصرين لفترته التاريخية! وجد نصوصهم متألقة على الخشبة. والسؤال بأية لغة فنية قدمت تلك النصوص؟ كيف عالج الكاتب، وبالتالي المخرج قضايا العصر، والتحديات الخاصة بمجتمعاتهم؟
بات من المؤكد، ان نوايا النص، مهما كانت خالصة النية لوجه الوطن، فهذا لا يشفع لها ان لم تكن مكتوبة بلغة ابداعية مؤثرة في وجدان المواطن، ومغنية أفكاره وتطلعاته، ومرسخة ثقته بنفسه، وبارادته على التغيير.
جان فيلار هذا المخرج المجدد، كان يخاطب الناس المتجمهرين في مسرحه المكشوف والذي يسع المئات منهم بقوله: "اني اجمعكم" ويردفها "اني اوحدكم". هذا البحث عن الهوية الوطنية الموحدة يمكن للمسرح ان يؤديه بكفاءة عالية، ان استطاع التخلص من الذين لا يمتلكون الوعي الحقيقي لقضايا المسرح الابداعية، ولقضايا الوطن العليا، وهموم ابن الشعب الحقيقية.
(جاك كوبو) مخرج فرنسي اراد ان يزيل الغبار عن نصوص فرنسية كلاسيكية اراد ان يخلص لعمله المسرح ليطبع عمله بطابع عصره وليعزز من اخلاقيات جديدة يقترحها على ممثليه، وتوصل الى منصة مسرحية عارية وهو الذي طالب: (ليعطونا منصة عارية من اجل العمل الجديد) وكانت متطلباته هذه خاضعة لنغمات روحية ابداعية ومتساوقة مع تطورات العصر ومقتضيات الحضارة الجديدة.
هذا التضافر ما بين المسرح وحاجات المجتمع، وصفه جان فيلار ادق وصف، حين قال: (من بين كل الفنون يظل المسرح وحده غير قادر على الابتعاد "دون ان يفقر ويفقد حدته" عن المآسي، والاضطرابات، والقلاقل الاخلاقية، والسياسية والاجتماعية لعصره) ذلك لان هذه المادة الخصبة من مشكلات المجتمع، تصبح شيقة وذات جدوى للجمهور الذي يبحث عن خلاص من خلال مقترحات ذكية مثقفة يغذيها فيه الفن، والمسرح احد هذه المصادر المهمة والشيقة.
ما زال مسرحنا يحظى بمبدعين جادين، يمتلكون ناصية الفن الاحترافي الاصيل، وبروح هواية تجريبية تبحث عن الجديد والمبتكر، وكذلك يصدرون عن وعي والتزام جاد بقضايانا الوطنية، وتحديات العصر.
على الرغم من عرقلة الفهم الخاطئ الذي اشاعه نفر ساذج بعروض تلفيقية غير مسرحية، وجدها البعض من المشاهدين ذريعته المتناقضة في الارتماء الجنوني باحضان هذا المسرح التجاري، او التعالي على المسرح بروح فوقية زائفة، لانها تنظر لتجارب مرذولة من قبل المسرحيين الجادين انفسهم، ولا تنظر للعروض المسرحية الكبيرة المطورة لتقاليد الرؤية الجمالية والباحثة عن ارقى الاساليب واكثرها بهجة وخيالاً. ولكن مهما كانت المصاعب، ما زال مسرحنا الجاد يمثل (كبرياء الوطن).
ايمانويل لواييه/ جان فيلارد والمسرح المواطن
ترجمة/ نورا امين/ وزارة الثقافة – القاهرة/ 2000

.
.

حسن العلي
01-08-2008, 05:23 AM
.
.

الكاتب المسرحي الإيطالي << كارلو جولدوني >>

تحتفل الأوساط الثقافية والمسرحية بالذكرى المئوية الثالثة لولادة الكاتب المسرحي الإيطالي كارلو جولدوني (1707 - 1793) رائد الكوميديا الإيطالية المرتجلة، الذي ترك إرثاً غنياً متنوعاً ومتجدداً ألقى بظلاله على التيارات المسرحية التي جاءت بعده.

ظلت تجربة جولدوني مثيرة للجدل على مدى أكثر من قرنين، ومع أن أعماله المسرحية تنتمي إلى الكوميديا المرتجلة فإنها كانت مختلفة وغنية بمفاهيم وأفكار وجدت طريقها إلى المسرح الحديث، ولم تكتمل إعادة اكتشاف هذا المبدع، الذي عاش في القرن الثامن عشر، إلا في النصف الثاني من القرن العشرين، مع أن صديقه الفيلسوف الفرنسي فولتير أطلق عليه لقب «موليير الإيطالي»، بينما أطلق عليه نقاد آخرون لقب «شكسبير إيطاليا».


كان أبوه يعمل في مجال الفيزياء، لكن جولدوني ورث اهتمامه بالمسرح عن جده، وكان من الممكن أن تنحرف حياته في اتجاه آخر، بعيداً عن المسرح فقد دفعته رغبته بالعمل الدبلوماسي إلى وظيفة قنصل لجمهورية جنوا في فينيسيا، ولكنه انسحب في الوقت المناسب، حينما وجد نفسه مضطراً إلى استئجار سفاح مغامر لتنفيذ جريمة سياسية.

كتب جولدوني أول مسرحياته وهو في الثامنة عشرة من عمره، وبعدها صار المسرح يشكل له كل أحلام الحياة، فكان مولعاً بالممثلات اللواتي يحملن معهن عبق المسرح، فهرب من مدرسة الدومينيكان في ريميني ليرافق مجموعة من الممثلين والممثلات إلى مدينة كيوجيا التي كتب عنها مسرحية فيما بعد، وهذه الحادثة تذكرنا بحادثة أخرى جرت بعد قرنين من الزمن، في مدينة ريميني نفسها، حيث هرب فدريكو فيليني من المنزل في طفولته، ليرافق فرقة السيرك التي كانت تمر في المدينة.


الحياة في المسرح

يقول جولدوني: يا له من إطار جميل وغريب وجديد، بالنسبة إلي من الشخصيات الأصلية والحقيقية التي أدرسها بعناية، وأحاول أن أجعل منها مادة من مواد عملي العادي.

ويقول في مسرحية «ذكريات»: «لقد طورت هواية مراقبة الرجال في الأحياء القريبة مني، وأنا مقتنع بأنني أحترم جمهوري من خلال تقديم الحقيقة العارية خالية من الزخرفة»، ويضيف إلى مزاياه الخاصة استمتاعه بالشغل في كل شيء وعدم إصدار أية أحكام مسبقة.

تشكل التجديدات التي وضعها جولدوني نقطة انطلاق للمسرح العالمي الحديث، ومنها حبه الفضولي للمراقبة، وترسيم الحالات النفسية لشخوصه واستقراء الدوافع الكامنة وراء سلوكهم، في واقعهم الاجتماعي والثقافي، والمستويات والاتجاهات الفكرية التي يعيشونها، وهذا يحتاج إلى المزاوجة بين المسرح والحياة، أو ما يمكن أن نسميه «فن الحياة مسرحياً»، أو الحياة في المسرح بمعنى «مسرحة الحياة».

تعرض جولدوني لحملات عنيفة متواصلة من منافسه كارلو غوتسي الذي استعدى عليه الأكاديمية الأدبية، حيث اتهمه بخيانة تقاليد الكوميديا المرتجلة في إيطاليا. والابتعاد عن الشعر والخيال، فاضطر جولدوني إلى الهجرة إلى باريس ليعيش فيها ثلاثين عاماً، لكنه عانى في سنواته الأخيرة ضعف البصر والفقر، بعد أن قطعت الثورة الفرنسية عنه مورده.

كانت فينيسيا هي المدينة الرمز لدى جولدوني، بكل ما فيها من أوهام وأقنعة وتعويذات سحرية، فهي مدينة خاصة جداً، بشوارعها المائية التي تعطيها صفة المدينة البحرية المختلفة، فهي تتواصل مع نفسها ومع العالم عن طريق البحر، وهذا ما انعكس على الحياة الاجتماعية واللهجة والتقاليد اليومية والاحتفالية فيها. فاللهجة الفينيسية مشحونة بطاقة تعبيرية عالية، وهذا ما ساهم في انتعاش مسرح «خيال الظل» الذي يرفد جذور الواقعية في المسرح العالمي، ويلتقي مع واقعية جولدوني الذي يعتبره دعاة الحركات التنويرية في القرن الثامن عشر رائداً لمسرح الطبيعة، كما يشير فولتير في إطرائه لمسرح جولدوني: «إن الطبيعة عالمية وهي أرضية صلبة لأولئك الذين يرصدونها، ومن هنا فإن هذا الفن الشعري المسرحي العظيم متمسك بالطبيعة ولا يمكن أن يرخي قبضته عنها..». ومع العواطف الحقيقية، وفي لغة يفهمها كل الناس ويدركونها، لم يكن جولدوني يبتعد عن الحقيقة، ولم يتخل عن الطبيعة أبداً، فالصيادون والنساء الشعبيات هم جزء حي من هذه الطبيعة التي تحمل معها العادات والتقاليد والحس النقدي الاجتماعي.

وإذا كانت الكوميديا المرتجلة توصف بأنها مسرح التسلية فإن أعمال جولدوني تتميز بتحليل الشخصيات وتحليل الأحداث معاًَ، والقدرة على إمتاع القارئ والمتفرج معاً.

يقول مارك توين عن جولدوني: إنه الإنسان الذي يتمنى كل شخص أن يكون قارئاً لأعماله، ولكن القلائل هم الذين قرأوه فعلاً.


غرائب جولدوني

وقد نتساءل: كيف استطاع جولدوني كتابة نحو مئتين وخمسين من الأعمال المسرحية المختلفة، من الكوميديا والتراجيديا والأوبرا إلى الأعمال الغنائية والمذكرات..؟! وكيف كان يعمل محامياً في النهار ويكتب فناً في الليل، أو يتسرب من الأبواب الخلفية للمسرح ويسهر في قاع المدينة حتى الفجر، ثم يكتب نصوصه ومواعظه الحكيمة إلى جمهوره وقرائه في مطالع مسرحياته كأنه ناسك ورع وحكيم؟

إن تجديداته الذكية تشبه الإضافات الشعبية إلى السيرة الذاتية للأبطال، حينما تتجاوز المألوف، وتضع الناس أمام إرباك في بحثهم عن الحقيقة.

إذا كانت أهم أعمال جولدوني وأكثرها شيوعاً هي المسرحيات الكوميدية، فإنه لم يبتعد عن كتابة المسرحيات التراجيدية والميلودرامية والشعر والأغاني والنصوص الأوبرالية والمذكرات، وجاءت هذه الأعمال باللغة التوسكانية، وهي أصل اللغة الإيطالية، بينما جاء بعضها الآخر بلهجة فينيسيا المتميزة. وفي السنوات الثلاثين التي قضاها في فرنسا كتب بعض أعماله باللغة الفرنسية، ويبدو أن عدداً من أعمال جولدوني ومشروعاته غير المكتملة ضاعت لكن أهم أعماله المعروفة هي: الرجل المكتمل، المسرف، الإفلاس، ابن أرلوكان المفقود والمستعاد، خادم سيدين، النساء المرحات، ضجة في كيوجيا، الأرملة الماكرة، الجمال الوحشي، المضيفة الجميلة، ضيف من حجر، أرلوكان ساحراً، صاحبة الفندق، الغلظاء، رجل العالم، ترويض الأرملة، الشاعر الخيالي، مدرسة الرقص، فيلسوف البلدة، الكونتيسة الصغيرة، مدير مسرح في أزمير، الفتاة الفاضلة، المروحة، الإقطاعي، الجندي العاشق، الفيلسوف الإنجليزي، ثلاثية المصيف (حمى الاصطياف - مغامرة الاصطياف - العودة من الاصطياف)، مذكرات المقهى، الزوجة الصالحة.. وكان التنوع في موضوعات هذه الأعمال يوازي التنوع في موضوعات الحياة اليومية خارج المسرح.

مائة وجه للحياة

كان جولدوني صديقاً لعدد كبير من الموسيقيين مثل فيفالدي وغالوبي وعدد آخر من الكتاب والفلاسفة أمثال فولتير وجان جاك روسو، وشهد عصر العظمة والمهانة لقصر فرساي في عهد لويس الخامس عشر ولويس السادس عشر، وتعرض لأذى كبير بعد أن كسب رهاناً وتحدياً بكتابة ست عشرة مسرحية في عام واحد، وكانت تنتابه نوبات من الكآبة التي لا يعلم بها أحد، أو تمر به فترات من الكسل واللامبالاة وعندما تقدم به العمر عاش مكرّماً ومدمراً في الوقت نفسه، فقد عاش مائة وجه لحياته التي امتزجت بالمسرح، ويمكننا أن نقتبس عبارة جاءت على لسان أحد شخوصه «جوليمو» في مسرحية «المغامر الذي استحق التكريم»، يقول فيها: «أريد أن أمتع نفسي، لا أريد أن أعاني المتاعب، أريد أن أكون قادراً على الضحك من كل شيء، وأتذكر فوق هذا حكمة معروفة تقول: إن الإنسان الروحاني يجب أن يرتفع فوق كل ضربات القدر».

نشر الشاعر الإيطالي روفيلي كتاباً موثقاً مثيرا بعنوان: «حياة وحب وغرائب كارلو جولدوني» يؤكد فيه أن جولدوني كان يتعلم بسرعة البرق، وبالإضافة إلى شغفه بالمسرح كان مشدوداً إلى علاقات غرامية بسيطة وبريئة، لكنه ظل طيلة حياته مخلصاً لزوجته نيكوليتا التي شاركته المتاعب: «لم يكن جولدوني أنيقاً، وهذا ما تذكره جميع النساء اللواتي عرفنه بكثير من الرقة والامتنان، ومنهن كونتيسات وخادمات وفتيات يافعات».

آخر الكتب التي صدرت عن جولدوني كان للكاتب ادواردو بيرتاني وهو يلخص حياته، وأعماله بشكل دقيق: «إنه رجل محب ومبدئي، ولكنه ببساطة ليس ابن عصره، إنه متلهف للجاذبية الأنثوية والأطعمة الجيدة، ويتوخى الدقة في عمله، إنه مغامر نبيل، عاش بسرعة، وكتب بسرعة، وكان مضطراً أن يحترم عقوداً غير محترمة، بسبب حاجته إلى الكتابة والمال، إنه رحالة يحب السفر منذ الخامسة عشرة من عمره، عندما اتجه إلى روما مع والده جيوليو الذي كان طبيباً دون شهادة رسمية».


اكتشاف المتخفي

بدأت الخطوات الأولى لإعادة اكتشاف جولدوني في نهاية الخمسينيات من القرن العشرين، مع صعود الواقعية الجديدة، في السينما والمسرح في إيطاليا، ولكنها أخذت شكلاً أكثر عمقاً واتساعاً في الاحتفالات بالمئوية الثانية لوفاة جولدوني، والتي تركزت في فينيسيا وروما في شتاء عام 1993، وانتشرت في أكثر الدول الأوربية والعواصم العالمية، وضمت مؤتمراً لوزراء الثقافة الأوربيين ونشاطات مسرحية وسينمائية وموسيقية، وقرارات بإعادة ترجمة وطباعة أعمال جولدوني والدراسات المستجدة عنها، مع إصدار مطبوعة شهرية على مدى عشر سنوات، خاصة بأعمال جولدوني، وتشكلت لجنة في فرنسا لترجمة أربعين مسرحية مختارة من مسرحياته. وقال الكاتب المسرحي والناقد الإيطالي أوغور أنفاني السكرتير الفني العام للاحتفال: في هذا اليوم بالذات تم الكشف عن «جولدوني المتخفي» ومعرفة أعماله بحيوية بالغة وتذوق جديد.

.
.

حسن العلي
01-08-2008, 05:29 AM
.
.

الكاتب المسرحي الإيطالي العالمي << داريو فو >>
داريو فو ، الحائز على جائزة نوبل في الأدب(1997) ، هو قبل كل شيء رجل مسرح قبل أن يكون كاتبا. لايمكن فصل كلمته عن جسده ، عن إيمائيته وعن صوته. قبل فترة أعاد ،للمرة الثالثة ،لدى دار إيناودي، نشر كتابه الشهير ” الكتاب الأساسي للممثل ” (الترجمة الحرفية ستكون كتاب الحد الأدنى للممثل ، في حين أن الترجمة الفرنسية كانت “العلم المرح للممثل “ دارلارش للنشر(1990) الذي ظهر في العام(1987) يتعلق الأمر بطبعة مزيدة ومنقحة ، لكن فقرة ما بقيت كما هي دون أن تتغير ، “ثمة نقيصة في هذا الكتاب :
إنه جميل عند القراءة!! وحتى لانخرج عن الموضوع يمكننا أن نذكر بعض الجمل ــ المفاتيح : ” منذ بضع سنوات وأنا أكرر، بشكل متناقظ وبطريقة مثيرة بعض الشيء أن الطريقة الوحيدة لحل مشكلة المسرح هي إرغام الممثلين والممثلات على كتابة مسرحياتهم الهزلية …و التراجيديا إذا أرادوا …بشكل شخصي ..على الممثلين تعلم صناعة مسرحهم الخاص بهم !!” ثم يضيف : ” يجب عليهم الخروج من الفكرة الخاطئة و الخطيرة .. القائلة بأن المسر ح ليس إلا أدبا يتم إخراجه ،لعبه واقتنباسه بدل قرائته ببساطة ..” حين تم منح داريو فو جائزة نوبل في الأدب امتعض الكثير من رجال الأدب في بلاده من ذلك ، و لكن ما علاقة داريو فو بالأدب ؟!! كانوا يتساءلون . الشيء المضمر هنا أن الأربعين مسرحية التي كتبها هذا الخلاق الذي لايتعب ليست جميلة عند القراءة ، البعض تحدث دون مواربة عن ” كتابة مهملة تقترب من حدود الخطأ النحوي “ ليس لإيطاليا القرن العشرون إلا أربعة كتاب دراما عظام ، أولهم رجل أدب و الثلا ثة اللآ خرون ممثلون : لويجي بيرانديللو ، رفائيل فيفياني ، إدواردو دي فيليبو و داريو فو . إن من السابق لأوانه القول بانه، ربما ،لن يبقى من بيرانديللو إلا أربع أو خمس مسرحيات مهمة ، بحيث أن البقية أثرت عليها كتابة” أدبية “شديدة تغص بأشكال دارجية محكية تندمج بصعوبة في اللغة الإيطالية الكلاسيكية ، و بالكثير من الأطروحات شبه فلسفية . رفائيل فيفياني ، شبه مجهول للأسف الشديد ، استطاع أن يصل إلى التأسيس ، في لغة نابولي القديمة ، للكلمة الأدبية و الكلمة المشهدية واجدا توازنا حالصا بينهما . لكن كلمة دي فيليبو و داريو فو تبقى مشهدية وحسب. و على هذا الأ ساس يجب الإستماع إليهما دون الطموح العبثي لإفاضتهما على أ راضي أخرى !!
كلمة داريو فو ، هي قبل كل شيء جسد . الطبيعة منحته جسدا قليل الرشا قة : إنه كبير، ضخم و سميك مثلما يقال في محاضر الشرطة .نحن بالضبط في الجهة المعاكسة للتوازن الكامل للجسد الصغير والرياضي للتوسكاني (من منطقة توسكانا وسط إيطاليا ) فيروتتشو سوليري الذي أرغمه” القدر” المسرحي ،منذ أربعين عاما أن يكون أرلوكان الأكثر بندقية (من مدينة البندقية ) و الأكثر جاذبية في حقبتنا هذه ، الذي يعود لستريلر (مخرج مسرحي شهير هو مؤسس مسرح البيكولو تيايرو في ميلانو ). رغم ذلك ، لجسد داريو ،نتائج تصل إلى حد الكمال ، الإنفصالات الميكانيكية المثالية للجسد ـ الماريونيت ، التي كان يحلم بها مايرهود في نظريته البيو ميكانيكية .فو يدخل الخشبة من جهة اليسار ، برجليه الطويلتين و الضخمتين ، يسحب قدمه ، القدم اليمنى ، على طول مقدمة الخشبة ، كما لو أنها منفصلة عن بقية جسده ( هذه القدم “تتحدث ” سلفا إلى الجمهور بلغتها العبثية )في أن رأسه المندفعة إلى الأمام ، تبدأ مسبقا ، من جانبها حوارا آخر مدهشا مع االمتفرجين.
و نصل إلى عنصر آخر أساسي في كتابة داريو فو : الإيمائية . حبن نقرأ نصوصه ، بعيدا عن النقد الأحادي النظر ، نلاحظ أن عددا كبيرا من الكلمات المنسوبة إلى شخصياته هي عبارة عن كلمات ـ تعابير ، كلمات ـ حركات . تلك الكلمات هي هناك ، جامدة فوق الورقة بالنسبة لنا نحن القراء الشكاكون و غير المنتبهون : و لكن بالنسبة إليه هو ، هي مثل صواعق ، مثل التماعات مشهدية . ليس لداريو فو وجه جميل , لكن له الشكل الخالص ل”جاني”، للمهرج ، القسمات السميكة للقروي اللومباردي (من لومبارديا في شمال إيطاليا) الماكرأو خادم وديان الشمال . من هذا الكم الغير المتناسق من الثنايا اللحيمة تخرج عينان جاحظتان : أعبن الذهول ، النقمة ، الغضب . هذه الأعبن المنذهلة ،الساخطة أو المذعورة ـ كتب البعض ـ هي كافية لتجعل تعقيبه على القضايا الأكثر سهولة محمل بنظرة أخلاقية و سياسية .
وأخيرا ، هناك الصوت ، الصوت الخاص جدا لداريو فو. بهذا الخصوص ـ ولدينا المتفرجون المسنون وهم مستعدون للشهادة على ذلك ـ فو وفيفياني الأول من لومبارديا والثاني من كامبانيا (إقليم في جنوب إيطاليا عاصمته نابولي)يستعملان الأداة نفسها,في الأداء المنفرد ، وبتقشف يحادي بساطة دي فيليبو ـ ممثل لعب دائما بشكل رائع و بنفس المقام الصوتي مع بعض التغييرات الخفيفة ـ داريو فو (وكما أسلفنا رفائيل فيفياني )يتوفر على سلم صوتي باتساع مدهش من الصوت الأبح الذي يميز البريىء الأعزل إلى الصوت الحلقي الحاد للمتسلط المسيطر .من وجهة النظر هذه ، كان قد شبه ، في إحدى الدراسات الجامعية المخصصة له ، بشعراء العصور الوسطى الذين كانوا ، كما يفسر بول زيمتور ، يعتبرون الصوت الغنى الحقيقي لمهنتهم. أعتقد أن فو لن يلومني إذا كتبت ان صوته هو صوت مشعوذ مثالي . هذا الإسم ، كما نعلم ، يعود إلى بلد في أومبريا ، شرتو (نحن لسنا بعيدين عن سبوليتو مدينة المسرح)التي شهدت ولادة وانتشار ،في أوروبا كلها ، المروجون الأوائل لأساليب” الإقناع الخفي ” في العصورالحديثة , هؤلاء كانوا موضوع دراسات معمقة عديدة في السنوات الثلاثين الأخيرة في إيطاليا ، من طرف اختصاصيين في المخيال الأدبي مثل المرحوم بييرو كامبيريزي ، أو من طرف مؤرخين للطب مثل جورجو كزمسيني . لقد تم اكتشاف ان بعض هؤلاء الأشخاص كانوا من العارفين في مختلف مجالات العلم (أحدهم ،بونفيدي فيتالي ، المعروف بالمجهول،الذي التقى بكولدوني الشاب و أدهشه كان يشفي مدنا كاملة من الوباء الذي كان منتشرا في تلك الحقبة )من جهة أخرى ، هؤلاء الأشخاص كانوا يستعملون بشكل مثالي الأدوات البلاغية المسرحية ، محتقرين بذلك مهنة الممثلين ، ليس لانها كانت وضيعة ومحتقرة (أي مهنة التمثيل )لكن سهلة جدا في نظرهم , داريو فو لحسن حظنا لم يحتقرالمهنة
نحن مدينون له كثيرا لأنه قام بهذا الإختيار .

ترجمه عن الإيطالية : عبدالإله غاوش
كويدو دفيسو بونينو أستاذ تاريخ المسرح في جامعة تورينو
.
.

حسن العلي
01-08-2008, 05:32 AM
.
.

<< سنواتي السبع الأولى / تأليف : داريو فو >>
فيما يتلهف القارئ للتعرف إلى جديد الكاتب المسرحي الإيطالي العالمي «داريو فو» فوجئت الأوساط الثقافية بروايته «سنواتي السبع الأولى» التي دشنت فعاليات معرض أدنبرة الدولي للكتاب، والتي يصفها النقاد بأنها أحد أكثر الأعمال التي كتبها داريو فو نضجاً والأكثر تأثراً بالموروث الثقافي الإيطالي، القصصي على وجه التحديد. عمل مليء بالحكايات والشخصيات والمشاهد والصور الوصفية التي يتعرف من خلالها القارئ على بداياته الإبداعية.

«لا تهمني السياسة، قضيتي هي العدالة» تلقي هذه العبارة الضوء على شخصية داريو فو وفكره الإنساني رغم أنه معروف، على نطاق واسع، كناشط سياسي . إلا أن شهرته كمسرحي تعود في الأساس إلى مسرحيته الهزلية الشهيرة «يوميات فوضوي مات صدفة» (1970) ترجمها إلى العربية، توفيق الأسدي، وهي كوميديا عميقة تلقي الضوء على مأساة عامل فوضوي تقع أثناء أحداث العنف التي كانت قد شهدتها إيطاليا في تلك الفترة، يهاجم فيها النظام السياسي الإيطالي والحكومات الرأسمالية. كما يتذكر العالم لهذا الكاتب حصوله على جائزة نوبل للآداب لسنة 1997.

تأثر فو بالأدب الشعبي وهو أدب معروف في إيطاليا منذ عصر النهضة، مميز بانتقاداته اللاذعة وقدرة مؤلفيه على الارتجال».

في تصريح خاص . . . استرجع فو ذكرياته عن جده، ويعرف عن هذا الرجل أنه من رواة القصة الماهرين في سرد القصص والأخبار حسب تقاليد القص الإيطالية التقليدية، إذ كان يمارس هوايته أثناء تجواله من قرية إلى أخرى».

ولد فو سنة 1926 في قرية سانجا بنو فاريزي الصغيرة التابعة لسويسرا، على الحدود الإيطالية السويسرية، ونشأ في الحقبة الموسولينية أما عائلته فقد اشتهرت بتهريب الفارين من النظام الفاشي وهو ما كان يبدو مناسباً لتعزيز تجربته الاستثنائية التي نقلته في سن الطفولة المبكرة، الخامسة من عمره في رحلة طويلة على بساط سحري من المغامرات. تلك المغامرات كما يعبر عنها في، سنواتي السبع الأولى، تبدأ بمشاركته بعض أفراد العائلة ثم تنتهي بتفرده في اختراع الوسائل الكفيلة بعبور اللاجئين الحدود الإيطالية.

غير أن هذه الأحداث المهمة المرتبطة بالوعي السياسي المبكر لدى فو سرعان ما تحولت إلى حكايات رائعة بعضها يلقي الضوء على عالم طفولي مليء باللهو والمرح بينما يلقي الآخر الضوء على عالم أكثر تعقيداً يرتبط لدى فو بمغامرات مرحلة المراهقة والقلق النفسي والحلم.

غير أن أهم ما أراد أن يقوله لنا فو في «سنواتي السبع الأولى» هو ما يأتي في تصديره لإحدى القصص التي تدور أحداثها في سنة 1945 «هنالك فترات في حياة المرء. . . تترك وراءها تأثيراً قوياً في الذاكرة، بتحريضها كل لحظة من لحظات الحياة على التحول إلى ذكرى منحوتة في شيء يشبه الصخر».

وبقدر ما هي تعبير عن الموقف الرافض للفاشية الإيطالية تأتي هذه الرواية تضامناً مع أعراف القص التقليدية وملفقي القصص من العمال والفلاحين. يثير كتاب فو لاسيما هذه الجزئية السؤال حول المصادر التي استقى منها تقاليد كل من المسرح الشعبي والقصة في صورتهما التجريبية

فقد ألهمه هؤلاء القدرة على تكريس حياته من أجل الدفاع عن مبادئه الفكرية والإنسانية بتجسيدها في أعمال مسرحية بعضها يحارب الفساد السياسي والأخلاقي وبعضها بولادة فجر جديد تتمخض عنه أشكال الثورة ضد الظلم والطغيان كما يحدث في فلسطين ودول أميركا اللاتينية وكما في صراع الإنسان ضد المرض والفقر والاضطهاد الاجتماعي.

يسترجع فو ذكرياته المرتبطة بالمرحلة التي انتقلت خلالها أسرته للعيش في إحدى البلدات الساحلية الشهيرة بصناعة الزجاج. في هذه البيئة الصناعية كان يجتمع عدد كبير من الحرفيين الوافدين من أنحاء مختلفة من أوروبا وفي حين كان هؤلاء يحتفظون بلغاتهم المختلفة كانوا يبدون حريصين على اختراع لغة تفاهم موحدة يقول فو أنه على الرغم من أنها تمخضت عن أشياء أخرى منها لغة القص الإيطالي التقليدية، إلا أن تلك اللغة كانت ابنة لبيئتها الصناعية وتعقيدات الحداثة المعروفة عن مجتمعات هذه البيئة خاصة ما يتعلق منها بالأسلوب القصصي.

إلا أن ما يضاف إلى هذه الملاحظة هو قدرة فو على التكيف السريع مع هذه التطورات وموهبته الشخصية التي مكنته من استغلال مثل هذه التفاصيل من خلال الزج بها باتجاه آخر هو السياسة.

كان قد تقدم خطوة إلى الأمام بتوجيه من معلم كان قد تعرف إليه أثناء ركوبه القطار وكانا يتبادلان الحوار حول موضوعات شديدة الأهمية منها التناقضات التي تقع فيها رواية الملاحم البطولية الأسطورية على ألسنة الناس، والتنصل من عناصرها الفنية المهمة، كما هو بالنسبة لأسطورة يوليسيس التي احتج فو في مرحلة مبكرة على تجريدها من محتواها الملحمي.

في سنة 1936، كان فو في التاسعة من عمره عندما غزا موسوليني أثيوبيا وهي مناسبة أثارت مشاعر الإيطاليين الذين ابتهجوا بما كانوا يعتبرونه انتصار النظام لمبادئ تحرير الشعوب والحضارة والبناء.

وهو ما اعتبره في تلك الأثناء أحد الأخطاء السياسية الفادحة المخلة بواجب المواطنة الحقيقية، مشيراً في روايته إلى أنه في نوبة من الغضب الشديد طلب من أبيه أن يبرر له الأسباب المنطقية الكامنة وراء مشاركته في غزو دولة أخرى والتدخل في شؤونها الداخلية، وهو حسبما يرى فو مما لم يكن مبرراً على الإطلاق سواءً من قبل الدولة أو المواطن الإيطالي.

في تلك الأثناء تسنى لفو أن يتعرف على الوجه الحقيقي للحرب كما تسنى له التعرف إلى حقيقة أكثر أهمية هي حاجة الشعوب إلى ما يعرف بتكتيك المقاومة. كذلك بذل فو في مرحلة مبكرة من حياته هي مرحلة المراهقة جهودا كبيرة للسيطرة على مخاوفه من الحرب أو كرهه لها ، وهو ما يأتي في كتابه بالتزامن مع روايته عن فراره من التجنيد الإلزامي في جيش موسوليني.

ولم يقتصر كما يقول الأمر على نفسه بل تجاوز ذلك إلى التحريض على الفرار من الخدمة العسكرية في هذا الجيش. غير أن أهم ما يستخلصه المرء من قراءته لهذا الجزء هو أن موهبة فو في التأليف القصصي كانت قد ظهرت بشكل واضح أثناء استغلال زملائه لموهبته ككاتب لأذونات الخروج المزيفة، يقول تعليقاً على ذلك «لقد كنت ملفقاً بالفطرة».

ولد داريو فو في مارس 1926 لأسرة متواضعة. كان أبوه موظفاً متنقلاً، ناظراً في محطة للسكك الحديدية. كان اشتراكياً، وممثلاً في أحد المسارح غير المعروفة كثيراً في ذلك الحين. أما أمه رينا روتا، وهي امرأة موهوبة في مجال الكتابة فقد كانت تنحدر من عائلة فلاحية.

غير أنه نشأ في عائلة اشتهرت بكثرة عدد أفرادها ومن بين هؤلاء جده بائع الخضار المتجول الذي طاف معه فو في أنحاء كثيرة من شمال إيطاليا حيث الوعي الأساسي الذي لا يمكن تعويضه مطلقاً «كانت تلك الممارسة تمنحني شعوراً استثنائياً بالبطولة. وعلى الرغم من أنني لم أكن قد تجاوزت الخامسة أو السادسة حينها إلا أن تلك التجربة كانت قد وضعت الكون كله بين يدي».

كان تجوله مع رجل يمارس هوايته في الهواء الطلق متنقلاً من مكان إلى آخر دون الشعور بضغوط العمل النفسية قد حبب إليه كل شيء من الناس الذين كان يصادفهم وهم يقومون برواية وسرد القصص والأخبار، إلى الشخصيات والمشاهد وفنيات القص نفسها التي لم يغب عن ذهنه افتقارها إلى الكثير من عناصر الإتقان الروائي وهو ما حمسه على خوض تجربة فريدة هي إقحامها المشهد الإبداعي متضمنة التداعيات الفكرية والسياسية.

كان داريو فو قد التقى جمهوراً كبيراً من القراء أثناء حضوره فعاليات معرض أدنبرة الدولي للكتاب، أغسطس 2005، وخلال أحاديثه الموجزة أو تصريحات مؤلف سيرته جوزيف فاريل تركز الحوار حول العوامل المبكرة التي أثرت في تجربته الكتابية وساعدت على التعريف به كأحد الأصوات البارزة في الثقافة والأدب.

كان أهم ما أشار إليه تأثره بطفولته والقضايا الإنسانية في مرحلة كانت تعاني فيها إيطاليا من انعدام الوعي بهذه القضايا المهمة.

الكتاب: سنواتي السبع الأولى
الناشر: دار ميثوين المحدودة للنشر لندن 2005
الصفحات: 192 صفحة من القطع الكبير
.
.

حسن العلي
01-08-2008, 05:35 AM
.
.

مات المهرج، اضحكوا!” .. حوار مع داريو فو : ترجمة: كوليت مرشيليان

فوق قبره، يريد ان توضع هذه الكلمات: “مات المهرج، اضحكوا!” انه الفيلسوف و”البهلوان” داريو فو الذي بقي وفياً للنقد الساخر، بعد ان نال جائزة نوبل للآداب كذلك بعد ان اصبح في الثمانين، وحين كرمته “جائزة نوبل” كرمت فيه الكاتب المسرحي الاكثر رواجا في العالم: حوالي 300 انتاج مسرحي لمسرحياته الساخرة ويبلغ عددها ثمانين عملا، في كل عام.
داريو فو المهرج والفيلسوف هو ايضا المخرج والممثل والمؤرخ للفنون والمهندس والرسام.. وهو ايضا المناضل السياسي الذي بدأ منذ 1950 حملته الساخرة ضد كل القضايا الساخنة في بلده، وهو يقود المعارك ضد دولته والبوليس والرقابة والتلفزيون والفاتيكان والاحزاب اليمينية كذلك اليسارية. وهو يستمر في كل هذا: “انا لا زلت هنا لأزعج الجميع”. مجلة “الاكسبرس” الفرنسية اجرت معه حديثاً طويلاً اثر سعيه الدؤوب للوصول الى رئاسة بلدية ميلانو! هل سيكمل المعركة؟ يجيب انهم “مجانين اذا سمحوا بوصول مهرج الى هذا المنصب”. نقتطف من الحديث بعض الفصول:
منذ بداياتك لم تفصل بين النضال والكتابة المسرحية. وأعمالك المسرحية من مرحلة الخمسينات عرضت مشاكل الصناعة في البلاد والمافيا.. وعام 1968، تحولت الى معالجة مسائل مثل الطلاق والاجهاض وقضية القضاة المعادين للمافيا، مع كل هذا، يمكن القول انك كت دائما رجلا يتعاطى السياسة.
ـ لست سياسياً على الاطلاق. أنا مجرد رجل من هذا العصر وأنتقد الاسلوب المتبع في بلادي من قبل السياسيين. ونحن امام معضلة مبهمة يليق بها عمل مثل “اوبوروا” (وداريو فو اعاد عرض مسرحيته “اوبوروا” حيث اعطى للشخصية الرئيسية الاب اوبو كل ملامح برلوسكوني)، تخيل انه يتم وضع قوانين جديدة على مقاس وحسب مطالب برلسكوني، كما يتم انتقاء وزراء في قصره “مفصلين” على مقاس مصالحه الشخصية. والجمهور يضعف، وهو يمتلك اربع قنوات تلفزيونية خاضعة لمراقبته، كما اشترى كافة الصحف والمجلات وصارت تابعة له، كذلك وضع شقيقه يده على دور النشر وصالات السينما.. حتى انه ازاح بعض الموظفين ومقدمي برامج في التلفزيون لأن هؤلاء لم يقوموا بتنفيذ كل مطالبه، وكان آخرهم آنزو بياجي وميشيل سانتورو لأنهم قرأوا اخباراً كان طلب حذفها، تمتع برلوسكوني بسلطة رهيبة.
ولماذا تضحك وأنت تقول هذا؟
ـ افكر في هذه اللحظة بكل هفوات برلوسكوني التي جعلت وكالة “فورين برس اسوسييتش” تعطيه لقب “محتكر الكم الاكبر من وسائل الاعلام للعام”. ولقد تعامل مع مارتن شولز الديموقراطي الالماني على انه “من مخلفات النازية” واعتبر ان موسوليني لم يكن مسؤولا عن قتل احد. كما انه شرح في لقاء مع فلاديمير بوتين انه فهم منه ان الوضع في الشيشان كان مقبولاً ولم تحصل احداث قوية فيه. كذلك من اخباره انه صرح ذات مرة بعد زيارة الى وول ستريت انه دعا الاميركيين الى زيارة ايطاليا قائلاً لهم: “عندنا لم يعد يوجد اي شيوعي، بل عندنا سكرتيرات جميلات!” وذات مرة في خطاب له اتى على ذكر “رومولوس” وسماه “روموس” كذلك استشهد بيوليوس قيصر معتبرا اياه ابن اينييه فيما يتعلق الامر بآسكانيي. انه رجل عديم الثقافة وغبي.
أرى انك الآن حانق عليه ولم تعد تضحك!
ـ في الحقيقة، اشعر انني مهان. كيف تحمل الايطاليون هذه الزوبعة؟ اعتقد انهم مقموعون ومدهوشون. كان موليير يقول انه يمكننا ان نفهم ثقافة وذكاء كل رجل او امرأة بحسب مسيرة هذا الرجل او هذه المرأة. اعتقد ان جميع الايطاليين يشعرون بالضياع ويتصرفون بشكل عشوائي، فهم مثلا يلتقون امام المقاهي، يدورون من حول انفسهم ومن حول بعضهم البعض وكأنهم تحت تأثير المنحدر فلا احد يعترض او يتحدث في هذا الموضوع، وكأنهم يخضعون لطقوس لا معنى لها. ايطاليا تمسي صوب الهاوية وكأنها فاقدة لحاسة النظر. وأنا حاولت ان اجعل بلادي كما شعب بلادي يستفيق من هذا الكابوس عبر مسرحي السياسي المعارض، لكن كل هذا لم يترك اثراً لدى الايطاليين. لذا قررت ان انطلق في السياسة بشكل مباشر. المناخ الحالي في ايطاليا يذكرني بالفاشية. وأسمع الكثير من الكلمات في الخطاب السياسي الايطالي تذكرني بالتعابير المستخدمة في فترة موسوليني مثل: مجهود، وطن، الدفاع عن العرق، الحضارة الاصلية..
لقد دفعت غالياً ثمن التزامك؟
ـ دفعت غالياً؟ لقد تعرضت الى حوالي اربعين اتهاماً ومرافعة.. كما تم طردي من التلفزيون الايطالي الرسمي، وتعرضت الى ان افقد عيني بسبب الاعتداء علي في احدى المظاهرات.. هذا هو الثمن الذي يدفعه من يقول الحقيقة، هذا هو ثمن كلمات المهرج…
اذا داريو فو مجرد مهرج؟
ـ بالتأكيد. مهرج! لاعب مشعوذ! بهلوان! انظر الي جيداً. أنا آرلوكين! وجهي عبارة عن مجموعة تجاعيد غير متساوية ويخرج منها ما يشبه العينين. لدي ملامح الفلاح او خادم “وادي الشمال”. أنا وريشه جدي المزارع والحكواتي الشهير في قريته. كان حكواتيا ساخرا ومتنقلا، وأنا صغير، كنت اركب كل صباح فوق عربته الخاصة لبيع الخضار. وكان يبدأ بسرد القصص والحكايات المضحكة التي يفخخها بالنكات الطنانة لجلب الزبائن. لقد علمني هو وبعض اصدقائه مثل بعض الحرفيين في الشارع الذين كانوا ينفخون الزجاج ويصنعون المراكب الصغيرة الخشبية الذين كانوا يتجمعون كل ليلة لسرد الحكايات الرائعة. كنت شديد التأثر بهم لدرجة انني كنت ابكي احيانا.
عروضك المسرحية حرضت كثيرا على مجابهات عنيفة، عام 1962، قدمت الى جانب زوجتك الممثلة فرانك راما حلقة تلفزيونية لاقت رواجاً هائلاً واثارت جدلا كبيرا، في اليوم التالي، تم طردكما من المحطة.
ـ كان الخطأ الكبير الذي اقترفوه بأن وضعوا شخصيتين فوضويتين مساء السبت امام 24 مليون مشاهد وجعلاهما يتكلمان بشكل مباشر! منذ الليلة الأولى، انتشرت التعليقات التي قدمناها و”الإسكتشات” التي جعلناها ساخرة الى اقصى حد صارت حديث الناس. وللمرة الأولى، استطاع احد ما ان يتكلم عن حياة الناس على التلفزيون، تكلمنا عن العمال الذين يتعرضون لاحداث مأسوية اثناء عملهم ولا احد يلتفت الى مشاكلهم، تحدثنا عن مشاكل الطرقات والسير والازمات الخانقة، تحدثنا عن امراض بيئية يتم التعتيم عليها.. وكان النجاح هائلاً الى درجة انه وخلال ستة اسابيع، صارت ايطاليا تتوقف بشكل كامل عن الحركة عند الساعة الثامنة مساء لمشاهدة برنامج “كانزونيسيما” على التلفزيون… كانت المطاعم تقفل في تلك الساعة، وسيارات الاجرة تتعطل عن العمل، وذات ليلة، كنت خلال البرنامج اتحدث عن قصة واقعية حول مقتل صحافي شاب على يد المافيا، حين تم اسكاتي، وفي اليوم التالي، قامت الانتقادات من قبل المسؤولين وتلقيت هدية هي عبارة عن تابوت مصغر يحمل اسمي، كما تلقيت مجموعة تهديدات بالاعتداء على ابني الصغير وكان يبلغ في ذلك الحين حوالي سبع سنوات وكتبوا ذلك الى جانب تهديدي بالموت بالدم الاحمر فوق باب منزلي، في الاسبوع التالي، تم رفض ثم تعديل كل النصوص للحلقة من قبل المسؤولين في المحطة فاعترضنا وغادرنا. بعد ذلك، حصلت بعض المظاهرات لمناصرة موقفنا ورفض عدد كبير من الممثلين والمقدمين ان يكملوا البرنامج، وفي النهاية تم طردنا من هناك.
حين تلقيت جائزة نوبل للآداب منذ اعوام قليلة وزعت على اعضاء اللجنة الحكم رسوماً كاريكاتورية ساخرة قمت انت شخصيا برسمها، ثم كتبت لهم ما فحواه: “هل تدركون فعلا، ماذا تفعلون؟ أنتم تتوجون على هذه الجائزة مجرد “بهلوان”. وهل ان النقد اللاذع والساخر لا يغادرانك أبداً؟
ـ ابداً. الضحك ثم الضحك. حين يولد طفل يحاول اهله ان يجعلوه بكل الاساليب وعبر القيام بحركات في الوجه لماذا؟ لأنه حين يستجيب لهم ويضحك فهذا علامة أولى على ذكائه. عرف كيف يميز بين الصح والخطأ، بين الواقع والمتخيل، وبين حركة الوجه الساخرة او المهددة. في كل هذا، يكون الطفل قد استطاع ان يرى القناع وما وراء القناع. الضحك يحرر الانسان من الخوف. كل التعتيم في الانظمة، وكل اساليب الدكتاتورية في العالم مبنية على الخوف اذا، هلموا لنضحك!
.
.

حسن العلي
01-08-2008, 05:43 AM
.
.

بيتر بروك يعتزل
كيف أَشرَكَ مصريًّا وإسرائيليًّا وبريطانيًّا
في كتابة نص عن العدوان الثلاثي
أحمد عثمان

بيتر بروك ظاهرة فنية فريدة. كانت لديه الجرأة ألا يغيِّر طبيعة العرض الدرامي وحسب، بل وشكل المسرح الحديث كذلك، عن طريق إلغاء الحاجز الوهمي الذي يفصل بين الممثلين والجمهور. وعندما وصل إلى قمة النجاح وصارت الجماهير تنتظر أيَّ جديد يقدمه، فاجأ بروك العالم باعتزاله الإخراجَ الدرامي في المسارح العامة، وبدأ مشروعًا طويل الأمد من البحث عن أصول المسرح وطبيعة العلاقة بين الممثل والجمهور – كالراهب الذي يبتغي الوصول إلى قاع الحسِّ الإنساني وإدراك غير المحسوس، وكالعالِم الذي لا يملُّ من إجراء التجارب لتحقيق سحر جديد.

عندما وصلتُ إلى لندن سنة 1965 كانت بريطانيا تشهد فترة من الإبداع الفنيِّ في مجالات الموسيقى والمسرح لم تشهدها منذ وليم شكسبير والعصر الإليزابثي. فعندما وصل حزب العمال إلى الحكم في أعقاب الحرب العالمية الثانية أنشأ نظامًا عامًّا للتعليم سمح لأبناء الطبقات العاملة، للمرة الأولى، بتلقِّي التعليم مجانًا، حتى في الجامعة. وأدى تعليم أبناء الفقراء إلى ظهور طبقة جديدة من المثقفين والفنانين الشعبيين أثْرتْ الحياة الثقافية عن طريق تقديم نماذج فنية جديدة والتعبير عن رؤية حضارية مختلفة عما كان سائدًا في عصر "الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس".
في تلك الفترة، بعد ثورة البيتلز ("الخنافس")، ظهر العديد من الفرق الغنائية الشعبية، كما ظهر عدد كبير من كتَّاب المسرح الذين خرجوا من الطبقة العاملة، في أعقاب جون أوزبورن ومسرحيته الشهيرة انظر إلى الوراء في غضب.
حرصتُ، إذن، على مشاهدة الأعمال التي أخْرَجَها بيتر بروك منذ وصولي إلى لندن وحتى مغادرته هو لها بعد ذلك بأربعة أعوام (وهو يعيش حاليًّا في باريس). كنت ألقاه بعد العرض، أناقشه في محتواه. وكان البحث عن الدراما المصرية القديمة من أهم الأسباب التي جعلتْني أغادر القاهرة إلى لندن منذ 38 عامًا مضت. فقد بدأتُ حياتي الأدبية في الستينيات بالكتابة للمسرح، وكتبت خمس مسرحيات – وإن لم تُعرَض منها سوى واحدة، هي بيت الفنانين التي قدَّمها المسرح الحديث في العام 1964.
وعندما وصلتُ إلى العاصمة البريطانية تمكَّنتُ، عن طريق "المجلس البريطاني"، من الانضمام إلى تدريب للممثلين والكتاب المسرحيين كان يتم في استديو مسرح الرويال كورت الذي قدَّم غالبية الكُتَّاب الجُدُد. وإبان عملي في الاستديو كتبتُ مسرحية من فصل واحد باسم ثقب في السماء، قدَّمَها اثنان من زملائي الممثلين لمدة أسبوعين في "المسرح الصغير"، مما أتاح لي فرصةَ لقاء عدد كبير من كتاب المسرح البريطانيين وبعض المخرجين، من بينهم بيتر بروك.
ولد بيتر بروك في لندن سنة 1925 من أبوين روسيين هاجرا إلى فرنسا أولاً؛ ثم استقر بهما المقام في العاصمة البريطانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وعلى الرغم من أنه يهودي الأبوين، فقد انخرط في النظام التعليمي العام، حيث كانت المسيحية هي الديانة الوحيدة التي تُدرَّس في تلك الفترة. لم يكن بيتر في صباه مهتمًّا بالقضايا الدينية أو العنصرية، بل كان مشغولاً بالتساؤلات ذات الطبيعة الروحية وبمحاولة الوصول إلى إجابات عن القضايا الفلسفية الجوهرية. وبينما كان أبوه عالمًا فيزيائيًّا تمكَّن من اختراع نظام خاص للتليفون يمكِّن الجنود من الاتصال في جبهة القتال في أثناء الحرب العالمية الأولى، نالتْ أمُّه درجة الدكتوراه في العلوم الكيميائية، إذ توصَّلتْ إلى تركيب ترياق لمفعول الغازات السامة.
ظهور المخرج المسرحي
لم تظهر وظيفة المخرج المسرحي إلا في العصر الحديث، في القرن التاسع عشر؛ وهي تشبه، إلى حدٍّ كبير، الدور الذي يلعبه قائد الأوركسترا الموسيقية في الأعمال السيمفونية، في متابعة العرض الدرامي والتوفيق بين الممثلين في أدائهم. ففي القديم كان واحد من الممثلين المخضرمين يقوم بتوجيه زملائه في العمل المسرحي، بينما يشترك هو معهم في الأداء. إلا أنه، مع تطور التكنولوجيا، وخاصة بعد ظهور الإضاءة الكهربائية في المسرح، إلى جانب استخدام المناظر التي يمكن التحكم فيها ميكانيكيًّا والخدع المسرحية، صار الأمر يتطلب وجود شخص متفرغ لأعمال الإخراج المسرحي. ولم يظهر المخرج، كقوة مسيطرة على العمل الدرامي، إلا في آخر القرن التاسع عشر، بعد حوالى مائتي عام من عصر شكسبير. وكان الألمان هم أول من عيَّنوا مخرجًا متفرِّغًا للإشراف على عمل الفرقة المسرحية، ثم تلاهم الإنكليز.
وفي القرن العشرين صارت مهمة المخرج متعددة الجوانب. فإلى جانب مسؤوليته عن أسلوب التمثيل (وليس عن أداء الممثلين أنفسهم)، فهو الذي يتولى تأويل النص المسرحي، ويشرح للممثلين طبيعة دور كل منهم؛ وهو الذي يختار شكل الديكور والأزياء ونوع الإضاءة، إلى جانب الموسيقى والتأثيرات الصوتية في بعض الأعمال.
كانت هواية بيتر بروك منذ صباه تتعلق بالسينما؛ فأراد دراسة التصوير الفوتوغرافي حتى يتمكَّن من العمل كمخرج سينمائي. لكن أباه أرسله إلى أوكسفورد، حيث درس اللغات الفرنسية والروسية والألمانية. وفي الجامعة كان اهتمام بيتر بجمعية الفيلم التي أنشأها يستأثر بوقته كلِّه، مما جعله في خلاف مستمر مع أساتذته. وقد نفَّذ بعض الأعمال السينمائية في تلك المرحلة.
وعندما بدأ إخراج الأعمال المسرحية لم يكن بروك يعرف شيئًا عن فن التمثيل أو الكتابة المسرحية؛ كما لم تكن لديه رؤية ذهنية لهدف يريد تحقيقه على خشبة المسرح. كلُّ ما شغل باله في تلك الفترة هو استخدام حركة الممثلين داخل إطار محدد من الديكور والإضاءة، وحسب إيقاع موسيقي يختاره هو، لتقديم تناسق فنِّي أكثر إثارة من أحداث الحياة اليومية للمتفرجين. لم يكن يهمه النص الأدبي، كما لم يحاول تعليم الممثلين طريقة أداء أدوارهم، فاكتفى، في أعماله الأولى، باستخدام الأشكال والحركة والانفعال لرسم صور متحركة داخل إطار خشبة المسرح، تمامًا كما لو كان يقدِّم عملاً مصورًا على شاشة السينما.
ولما كانت بداية بروك في الإخراج المسرحي في أوبرا كوفنت غاردن مع الراقصين والمغنين والموسيقيين، ظل الدافع وراء اختيارات بروك في المسرح الدرامي بعد ذلك جماليًّا، تلقائيًّا، ينبع من شعور داخلي يعتمد على اللاوعي ولا يتم عن طريق التصميم والتحديد الإرادي. وبعكس أسلوب المخرج الألماني الشهير برتولد بريخت الذي يحدِّد كلَّ حركة أو إيماءة يقوم بها الممثل، اعتمد بروك على تلقائية الممثلين في التعبير عن الشخصيات الدرامية، واكتفى هو بتنظيم الإطار العام للحركة فوق خشبة المسرح.
الدراما في مصر القديمة
توطدت علاقتي ببروك عندما قدَّم مسرحية أوديب ملكًا الإغريقية، مستخدمًا الطقوس الدرامية القديمة التي أخذها الإغريق عن المصريين. ولما كان يحاول تخطِّي مظاهر المسرح الإليزابثي والرجوع إلى الجذور الأولى للدراما، حاولتُ إقناعه بدراسة المسرح المصري القديم وإعادة تقديم دراما أوزيريس. لكن المشكلة أن مؤرِّخي المسرح يستبعدون الدراما المصرية، باعتبارها تمثل طقوسًا لعبادة الآلهة، وليس عرضًا لشخصيات إنسانية. والاعتقاد الشائع يقول بأن المسرح الدرامي من نتاج الثقافة الغربية منذ مولده: فقد ظهر للمرة الأولى في احتفالات ديونيسوس، إله الخمر والخصوبة في بلاد الإغريق؛ ومنها انتشر إلى باقي أرجاء العالم. وعلى الرغم من أن كتَّاب الإغريق الكلاسيين الذين زاروا مصر في العصور القديمة، مثل الرحَّالة هيرودوتس، أوْرَدوا في كتاباتهم تفاصيل ما شاهدوه بأنفسهم من العروض المسرحية فيها فإن أساتذة الدراسات الكلاسية يصرُّون على أن هذه العروض لم تكن تمثل مسرحًا دراميًّا، بل مثلت طقوسًا للعبادة الدينية.
ولو نظرنا في غالبية المراجع الخاصة بتاريخ المسرح العالمي، أو في أية موسوعة أكاديمية، لا نجد أيَّ ذكر للمسرح المصري القديم، وإن كنا نجد دراسات وافية عن بعض المسارح الشرقية الأخرى، مثل المسرح الياباني والمسرح الهندي. والسبب في هذا يرجع إلى أنه بينما احتفظ اليابانيون والهنود بتقاليدهم الدرامية القديمة حيةً في عروضهم المسرحية حتى عصرنا الحاضر فإن الدراما المصرية اختفت تمامًا من الوجود ولم يعد أحد حتى يذكر عنها شيئًا. ولهذا فعندما بدأ المسرح المصري المعاصر منذ حوالى 150 عامًا، حاول المخرجون والكتَّاب محاكاة المسرح الأوروبي الحديث في إنتاجهم – وخاصة المسرحين الفرنسي والإنكليزي.
الدراما والعبادة
كانت الدراما المسرحية التي ظهرت في بلاد الإغريق من أهم المظاهر الحضارية التي عرفتْها البشرية التي تعيش بيننا حتى الآن. فقد أصبح المسرح الإغريقي هو النموذج المؤسِّس الذي تطورت عنه الدراما، عند الرومان أولاً، ومنهم انتقلت إلى الحضارات الغربية بشكل عام. ووصلت الدراما الأثينية إلى أوجها إبان القرن الخامس ق م. وأول ما ظهر المسرح بشكل متكامل في أثينا كان خلال المسابقات الدرامية آنذاك.
وعلى الرغم من أن ما أظهرتْه معاول الأثريين من بقايا أثرية، سواء في بلدان المنطقة العربية أو في بلاد الإغريق، تؤكد وجود عروض مسرحية في مصر القديمة، سابقة بمئات السنين على ظهور الدراما الأثينية، إلا أن رجال الآداب الكلاسية لا يزالون يرفضون الاعتراف بوجود مسرح مصري قديم. فهم يقولون بأن هذه العروض المسرحية التي كانت تقدم في إدفو، بين أسوان والأقصر في الصعيد، أو في أبيدوس التي تقع على بعد 50 كم جنوب سوهاج، أو في بوصيرص، وسط الدلتا، كانت كلها تمثل طقوسًا للعبادة، وليس أعمالاً درامية. ورفض الباحثون الغربيون اعتبار المسرح الدرامي تطورًا طبيعيًّا عن الطقوس التي أخذها الإغريق عن حضارة الشرقيين. وكانت حجتهم الأساسية في ذلك أن ما ظهر من عروض في بلاد الشرق قبل الإغريق كانت له طبيعة دينية؛ ولهذا فهم لا يعتبرونه من بين الفنون. فالفن عندهم يجب أن يكون دنيويًّا، لا علاقة له بالدين. يقول شلدون شيني في كتابه المسرح: ثلاثة آلاف عام، الصادر في لندن ونيويورك عام 1953:
كان أوزيريس المعبود المصري الرئيسي. والملك الأسطوري المقدس هو الشخصية الرئيسية لمسرحية دينية بها عناصر تشبه بوضوح تلك [المسرحيات الدينية] التي لا تزال تُعرَض في القرن العشرين. وفي وثيقة يُقدَّر أنها ترجع إلى 2000 سنة ق م لدينا ملخص وصفي للاحتفال والدراما كما كانت تنفَّذ آنذاك. وكان الهدف [من تقديم تلك الدراما] هو بالضبط نفس الهدف [من تقديم] المسرحيات الدينية الشهيرة عن أوبر أميرغو وتيرولين [وهي مسرحيات دينية لا زالت تُقدَّم في أوروبا حتى اليوم]... في أنها جميعًا خدمت أو تخدم في إبقاء [قصة] معاناة وانتصار معبود [معين] حية بجلاء في ذاكرة المؤمنين. (ص 24)
أي أن المتفرجين والممثِّلين جميعًا لم يكونوا يشاركون في العرض المسرحي لسبب ترفيهي أو تثقيفي أو احتفالي؛ وإنما كانت أدوارُهم جزءًا من طقوس العبادة، يؤدُّونها كنوع من أنواع الحج أو الصلاة. ويضرب شلدون مثلاً الطقوسَ التي تتم سنويًّا في مدينة النجف بالعراق، عندما يأتي إليها الآلاف من الحجاج الشيعة للاشتراك في طقوس تمثِّل مقتل الإمام الحسين، كمظهر من مظاهر العبادة وليس لسبب درامي.
أما الخلفية التاريخية لظهور المسرحية المصرية فهي تشير إلى أن مولدها كان في معبد أوزيريس، وأن أحداثها كانت تقوم حول مقتله وعودته إلى الحياة. والذي لا شك فيه أن عبادة أوزيريس كانت أهم العبادات التي عرفها المصريون القدماء؛ إذ إنها تتعلق بفكرة وجود عنصر روحي غير مرئي، إلى جانب العنصر الجسماني، في طبيعة الوجود الإنساني. وهذه الفكرة كانت خاصة من خواص الاعتقادات المصرية القديمة، لم يعرفها أيٌّ من الشعوب قبلهم. ومن خلال قصة أوزيريس ظهر التعبيرُ الديني واللاهوتي لاعتقاد المصريين بوجود عالم روحي أبدي. كما كانت هذه القصة كذلك هي الجوهر الرئيسي لتعبيراتهم الفنية والأدبية.
وينهي شلدون تقريره الصغير عن المسرح المصري القديم بقوله:
ليست المسرحيات الواقعية التي قام الكهنة بتمثيلها والتي عُرِضَتْ في مهرجانات التتويج بمسرحيات درامية حقيقية، على الرغم أن الكتابة الهيروغليفية على حوائط المعبد توحي [بوجود] بعض الحوار والتمثيل. وقد ذكر هيرودوتس في العام 449 ق م مسرحيتين دينيتين [كانتا] موجودتين [في عصره]، ولاحظ تأثيرهما على العبادات الإغريقية [ذات الطبيعة] السرَّانية، مثل عبادة أورفيوس. وعلى هذا، فعلى الرغم من العثور على نصوص مسرحية مصرية قديمة، وعلى الرغم من اعتراف الباحثين الآن بوجود عروض مسرحية في مصر، سابقة على ظهور الدراما الإغريقية، إلا أنهم، في غالبيتهم، يصمِّمون على أن هذه الدراما كانت تمثل مسرحية دينية، وليست مثل دراما الإغريق. أي أنها كانت تُقدَّم بقصد العبادة، وليس كشكل من أشكال النشاط الفني والاجتماعي لمصر الفرعونية.
الحاجز الوهمي
تغير الوضع عندما أدرك بروك ضرورة كسر الحاجز الوهمي القائم بين جمهور المتفرجين وجماعة الممثلين، عن طريق إقامة العرض المسرحي في نفس المكان الذي يجلس فيه المشاهدون، وليس في مكان منفصل. اعتقد بروك أن على المسرح أن يتحرر من الأقنعة الطبيعية أو الكلاسية، حيث يرى المسرح بمثابة خيال قادر على تقديم الحلم واللاوعي. يتكون بناء المسرح في العصر الحديث من جزأين مختلفين – الخشبة والكواليس – حيث يقوم الممثلون بأداء أدوارهم، وقاعة المشاهدين في الصالة والأدوار العليا؛ وبينما يقدم الممثلون عرضهم، يتلقى الجمهور ما يشاهده ويسمعه من دون لقاء أو مشاركة بين الجانبين. أراد بروك كسر هذا الحاجز الوهمي، بأن يجمع كلاً من الممثلين والجمهور في مكان واحد، بل ويشجع مشاركة المشاهدين في أداء العمل الدرامي. فمنذ أن أدرك بيتر بروك أن تركيبة المبنى الذي يقدِّم فيه الأعمال الدرامية تقف عقبة في سبيل التفاعل الذي يريد الوصول إليه بين الممثل والمشاهد، قرر المخرج، بعد وصوله إلى قمة النجاح عالميًّا، العودة إلى المعمل وإجراء التجارب، للتعرف إلى ما يمكن عمله لكسر الحاجز الوهمي بين الطرفين.
العدوان الثلاثي
دعاني بيتر بروك سنة 1969 إلى الاشتراك، بصفة متفرج، في آخر عمل قدمه في "المسرح المستدير"، واقترح تقديم مسرحية سياسية عن العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956، بحيث يشترك ثلاثة كُتَّاب للدراما في العمل، بريطاني وإسرائيلي ومصري. كانت الفكرة أن يقوم كلُّ كاتب باختيار الشخصيات والمواقف التي تعبِّر عن وجهة نظره، فيقدم نصَّه بحيث يصبح الصراع بين شخصيات الدراما صراعًا بين الكُتَّاب كذلك. وطلب مني بروك أن أشترك أنا بصفتي ممثلاً للرأي المصري في الصراع. بالطبع كانت هذه فرصة العمر، بالنسبة لشاب مصري في بداية الثلاثينيات، أن يشترك في عمل درامي مع عملاق المسرح في العالم كلِّه. وكانت هذه فرصة لتقديم وجهة نظر مصرية في مواجهة وجهتَيْ النظر البريطانية والإسرائيلية بخصوص العدوان الثلاثي على مصر. وكانت أول تجربة قام بها بروك لتقديم مسرح سياسي هي US التي لها، في اللغة الإنكليزية، دلالتان: "الولايات المتحدة" و"نحن"!
تناقش المسرحية (التي اشترك في كتابة نصِّها عدة كتاب دراميين) قضية الحرب التي كانت دائرة في فييتنام والمجازر البشرية التي تجري يوميًّا على أرضها. وبعكس الكاتب والمخرج الألماني الشهير برتولد بريخت، لم يحاول بروك تقديم رؤية سياسية محددة في مسرحيته؛ واكتفى بتقديم عناصر الصراع المختلفة تاركًا للجمهور الوصول إلى النتائج التي يراها.* (http://saihat.net/vb/editpost.php?do=editpost&postid=947325#_ftn1)

.
.

حسن العلي
01-08-2008, 05:54 AM
.
.

بيتر بروك في مسرحيته الجديدة (البدلة) احتفاء بالجسد وطقوس الفرجة الشعبية


فاطمة المحسن: لندن


المخرج البريطاني بيتر بروك من بين اهم صناع المسرح الغربي الحديث، وهو من الرعيل الذي قدم اضافات نظرية وتطبيقية حظيت باهتمام عالمي وادرجت ضمن مناهج التدريس الاكاديمي الغربي.
برز بروك في فرنسا واحتل مراكز رسمية مرموقة على مسارحها وقدم ومازال مجموعة من الاعمال اللافتة اضافة الى كتبه التي ترجمت الى لغات مختلفة وبينها (الفضاء الخالي) 1969حسب الترجمة العربية و (نقطة التحول) 1983وتمخضت اهم اجتهاداته التطبيقية عن فكرة المسرح المختلط الذي يلتقي حوله ممثلون وفنيون من جنسيات مختلفة بمن فيهم اولئك القادمين من الشرق وافريقيا. ولم تقتصر مصادر مسرحياته على مراجع غربية بل كان الشرق في القلب من اهتماماته، فقدم (مهاباهارتا) الملحمة الهندية التي اعتبرت من بين اهم الاعمال المسرحية في النصف الثاني من القرن العشرين، كما قدم (كلكامش) الملحمة السومرية و(منطق الطير) لفريد الدين العطار. وأستثمر مسرح النو الياباني وطقوس التمثيل في الصين وزار الهند وايران. وكانت افريقيا موضع اهتمامه في السنوات الاخيرة وتمخضت عنها مسرحية (الجزيرة) التي قدمتها فرقة جنوب افريقيا في مهرجان لندن المسرحي المنصرم، وها هو يعود الى هذه الفرقة ليقدم مسرحيته الاخيرة (البدلة) عن حي في جوهانسبرغ ـ جنوب افريقيا بممثلين كلهم من الزنوج ومؤلف نفي من بلده لوقوفه ضد سياسة التمييز العنصري ومات في سن مبكرة في المنفى بعد ان انهى حياته مدمناً على الشرب. كل ما يقدمه بروك في بريطانيا يعد حدثاً فنياً تحتفي به وسائل الاعلام ومراكز التدريس المسرحي، غير ان المخرج البريطاني بقي يتمسك بتقليد تقديم مسرحياته في اوروبا واميركا ثم يأتي بها الى بلده، لأسباب ربما يبرز من بينها انه لم يحظ بالتكريم هنا الا بعد ان اكتملت دورته وترسخت مكانته في فرنسا.
(البدلة) آخر اعماله تعرض الآن على مسرح اليونغ فيك، وكان قد قدم في العام 1995مسرحية (الرجل الذي) 1995على المسرح الملكي البريطاني. وبين المسرحيتين قدم عروضاً بينها عمل صاموئيل بيكت (تلك الايام السعيدة) على مسرح الريفر سايد ستوديو.
في عرضه الاخير تتجلى فتوة بروك ( 75سنة) تنضاف اليها حكمته ونضوج افكاره الانسانية ونزعته الى البساطة واتجاهه عمقاً نحو الاخذ بمنجزات المسرح الحديث مازجاً بين فن الفرجة والمسرح الفقير.
الممثل الاول ستوكيو كويت شيخ تجاوز الستين، يؤدي دور الراوية لقصة مدينة في جوهانسبرغ تسمى (صوفيا تاون). هذه المدينة التي يصفها الكاتب على نحو ملتاع، لم تكن تحمل ملامح المدن الجميلة، فلا تطل بيوتها من شرفات مضيئة ولا تفتح شبابيكها على شوارع بهيجة، ولكن بهجتها تكمن كما يقول الراوية، في ضجيج حياتها التي تجمع سكانا من مختلف الجنسيات والاديان، هنا المسيحي والمسلم والبوذي والهندوسي والوثني وكل ما يخطر في البال، وتعيش صخب ذلك التنوع وتستمد منه حيويتها وسحرها، بشوارعها التي تمتلئ بالمقاهي والاسواق وبأخوة سكانها وصداقاتهم. لم تستمر هذه المدينة طويلاً بعد ان اكتشفت سلطة الفصل العنصري ان هناك نشاطاً لحزب المؤتمر الوطني فيها، فسوتها مع الارض وتفرق سكانها في البلاد.
خلفية القصة تستجيب الى نزعة بروك ذاته وافكاره حول تمازج الاعراق والاديان، وهي تحمل بعدها السياسي في النص الاصلي مثلما تحمل بعدها الانساني في قصة حياة محصورة بين جدران مفتوحة على شارع في بيت شاب وشابة.
تتحدث المسرحية عن زوج في تلك المدينة يكتشف خيانة زوجته التي يحبها ويتخيل انها تبادله المحبة ذاتها. ينبهه جاره وصديقه الى الأمر، فيعود باكراً الى البيت فيهرب العشيق تاركاً بدلته على الكرسي. لا يعترض الزوج او يختصم، بل يبدأ التعامل مع البدلة بأعتبارها الشخص الثالث الذي يعيش معهما في البيت. كل الالم والمرارة والخيبة التي يحتبسها في صدره تتبدى على هيئة سخرية تضع البدلة في موضع الرمز او الاشارة التي يذكر فيها زوجته بخيانتها في كل الاوقات لحين ما يعود يوماً فيجدها منتحرة. يقوم الممثلون في هذه المسرحية بأدوار مركبة تشكل البدلة وسيلة بين وسائل متعددة لتكوين الايهام في حركتهم. والديكور بسيط يحوي سريراً وستارة واربعة كراسي ويتولى الممثل ملأ الفراغ بحركة الاستعاضة عنه عند استحضار بقية مقومات المكان. الفرجة في هذه المسرحية تتحقق من ازدواج اداء الممثل بين القص ـ دور الراوية التي يتناوب الممثلون عليه ـ والغناء والرقص والبانتومايم، فكل واحد فيهم يتجول في عالم رحب مشاركاً معه الجمهور في ايقاع حركته. ليس هناك من حواجز بين الممثلين والمتفرجين فالمساحة التي يحتلها الديكور صغيرة والمسرح شبه عار من الاثاث ولا تتوفر فيه اضاءة خاصة ويحيط به المتفرجون من ثلاث جهات. ومن يجلس على الارض يقترب من الممثلين على نحو يوحي بالالفة والمشاركة. هذه الحالة قربت العمل من طقوس الفرجة الشعبية التي كانت أحد مشاغل بيتر بروك النظرية والتطبيقية. كما ان الفراغ المكاني ومعنى الشكل المسرحي نجده في هذه المسرحية وان على نحو اشد بساطة وعفوية. مساحة المسرح في اليونغ فيك ـ وهو ليس من المسارح الكبيرة ـ ساعد بروك على ازالة الكثير من الحواجز بين الناس والعرض. غير ان التشكيل الحركي للممثلين وهم على درجة عالية من المرونة في اداء الرقص او البانتومايم والقدرة على اللعب وتبادل المواقع، خلف تلك الفجوة الممتدة بين الخشبة وجمهورها، ونقصد مساحة الخيال التي تعبر بالجمهور الى شواطئ اخرى في تلك المدينة البعيدة (صوفيا تاون). ومع ان المسرحية تحوي قدراً من التراجيديا في معالجة موضوع يخص عائلة صغيرة، فهي تعتمد الفرح الضاج بالغناء والرقص والنكات والاقوال الشعبية وآراء سكان هذه المدينة وطريقة عيشهم، كلها تمضي بإنسيابية وعلى هيئة اشارات سريعة لاتدع المشاهد يفلت من متابعتها. نجح بروك في اضفاء الطابع الاحتفالي على عمله، وهذا الاحتفال فيه لمسة برشتية ـ برتولت برشت ـ وفيه من فن الفودفيل ـ المسرح الغنائي الراقص الخفيف ـ مع الاحتفاظ بهوية مسرحه الخاص. شاركت في هذه الفرجة الزوجة ـ مثلت الدور تانيا مودي ـ التي حلمت مرة ان تكون مغنية مشهورة، واجهض حلمها بين جدران هذا البيت الذي لا تعرف هل تحبه ام تكرهه، والزوج الذي تشعر بفداحة الخطأ الذي ارتكبته بحقه، وتجد نفسها في الوقت عينه غير قادرة على نسيان عشيقها. ذلك الصراع يتجلى في حركة الجسد الذي ينتقل بين حالات هي مزيج من ايقاع البانتومايم والرقص والاداء العادي، صحبة بقية الطاقم المتكون من ثلاثة ممثلين يعمدون الى تفكيك انطباعات اللحظة: الحزن والفرح والخوف والدهشة، لنقلها الى اللوحة التعبيرية التي يتقاسمون صنع ايقاعها العام. عند هذه النقطة يمكن ان ندرك انتقال الحدث من الخاص والشخصي الى ترميزاته الاجتماعية والسياسية. فالزوج عندما يكتشف موت زوجته تسري رعشة في ذراعه ليبدأ حركته الراقصة مكملاً مشهد صمتها الاخير، فتمحِى كل الذنوب وينسى المتفرج انه يتابع حدثاً بعينه ليبق في تلك المنطقة الحلمية، حلم المخيلة التي يتقدم فيها الفعل المسرحي على حكايته.
.
.

حسن العلي
01-08-2008, 05:58 AM
.
.

بيتر بروك يقدم مسرحيته << المفتش الكبير >>
دمشق عروض مسرحية "المفتش الكبير" للمخرج البريطاني الشهير بيتر بروك التي قدمت في اربعة عروض في دار الاوبرا السورية ضمن احتفاليةدمشق عاصمة للثقافة العربية 2008. وعرضت المسرحية في "الصالة متعددة الاستعمال" وهي اصغر مسارح دار الاوبرا الثلاث ما اتاح وجود الجمهور على مقربة من بروس ميرز الممثل شبه الوحيد في المسرحية التي تشكل مقطعا صغيرا في رواية الاخوة كرامازوف لدوستويفسكي.فقد قام بروك باقتطاع حكاية رمزية او حكمة وردت على لسان ايفان كرامازوف في الرواية وقام ببناء مسرحيته عليه. وبعد مرور دقائق على بداية العرض الثاني للمسرحية وبينما كان ميرز يواصل اداءه وقف مرتبكا وهو ينظر الى شاب بين الحضور يوجه كاميرته اليه ويلتقط صورة.وقد صمت ميرز لوهلة ثم ما لبث ان انفعل ومد يده باتجاه الشاب مبديا استياءه وطالبا اخفاء الكاميرا.واعتذر الممثل من الحضور ليعيد مجددا المسرحية من بدايتها. ويقول الممثل البريطاني في حديث لوكالة فرانس برس ان انفعاله وطلبه اخفاء الكاميرا "لم يكن على سبيل المنع او لأكون شرطي المسرحية بل لأن ضوء الكاميرا الذي كان يواجهني دمر تركيزي".ويضيف "نسيت الجملة في الحوار ولذلك توقفت واعدت من البداية".ويوضح ميرز ان عمله في التلفزيون والسينما ايضا لا يعني اداءه بمعزل عن التأثر بما يجري امامه. وقال "يوجد كاميرا واحدة في السينما ويمكن ان توقف وتعيد اكثر من مرة لكن في هذه المسرحية هناك نص يتطلب تركيز عاليا جدا ويتواصل خمسين دقيقة".ويؤدي ميرز دور المفتش الكبير اضافة الى دور الراوي للحدث الذي يدور حول عودة المسيح الى الحياة ومواصلته تعاليمه ومعجزاته ويعتقله المفتش الكبير ويخبره انه سيحرق على يدي هراطقين. ومعظم حوار المسرحية هو الخطاب الذي يوجهه المفتش الكبير عندما يزور المسيح في زنزانته ويخبره ان الكنيسة اخذت دوره وقبلت ما كان رفضه وانه لم يعد من داع لوجوده وان الحرية هي اكبر حمل اورثه للبشرية التي تحتاج دائما ان تكون قطيعا ينتظر من يقوده. ويشارك ميرز في الاداء ممثل سوري شاب يلعب دور المسيح. لكن هذا الدور يقتصر على الجلوس على كرسي مدة العرض والانصات لخطاب المفتش الكبير. ويوضح الممثل البريطاني الذي يشكل احد اعمدة مسرح بيتر بروك ويعمل معه منذ نحو اربعين عاما انهم كانوا يصطحبون ممثلا ليلعب دور المسيح "لكن ذلك الشاب كان يمل كثيرا من الدور ويسأم من وجوده بلا حراك طوال العرض".لذلك رأى بروك ان من الافضل ان يلعب هذا الدور احد الممثلين الشبان في البلد الذي يزوره العرض كما حصل في تشيلي وفرنسا.ولعب دور المسيح شابين سوريين كل منهما أدى الدور في عرضين وهما موسى فرح وعمار حاج احمد.وجاء حوار المسرحية باللغة الانكليزية وكانت هناك شاشة للترجمة الى العربية اعلى الخشبة. ويلفت ميرز الى ان وجود شاشة الترجمة "يجعل الامر اكثر صعوبة بالنسبة للممثل فانا كنت ارى الجميع امامي وعيونهم ليست باتجاهي وانما الى اعلى".لكنه يضيف انه اعتاد على ذلك باعتبارهم فرقة دولية تجول في العالم ويعتبر ان وجود لغتين وترجمة في المسرحية "يجعل الحدث اكثر كثافة وغنى".وكعادته يقدم بيتر بروك الذي لديه الآن اربع عروض تجول العالم في الوقت نفسه مسرحية "المفتش الكبير" باقصى تقشف ممكن في الديكور. فلا يوجد على المسرح سوى مصطبة مربعة اصغر من المسرح تسمح بالحركة حولها وفي زاويتيها المتقابلتين كرسيان صغيران. ويلعب بروس دور المفتش الكبير عندما يصعد الى المصطبة ودور الراوي عندما يجول حولها فيما يستخدم الكرسي كأداة وحيدة ليقترب او يبتعد عندما يخاطب المسيح المتسمر على كرسيه طوال العرض. ويرى الممثل ميرز ان وجود المسرح اليوم في عالم "الصورة الخارق والانبهار القوي بها" يجعل من هذا "الشكل المتقشف الطريقة الوحيدة لايصال جوهر الرواية التي كتبها دويستوفسكي في اواخر القرن التاسع عشر".ويضيف الممثل الذي يلعب الدور الرئيسي في المسرحية منذ سنتين ونصف "في عالم الصورة الذي نعيشه يصبح الشيء المثير للاهتمام ان تقدم الاستثناء وهو الشكل المتقشف".وبروس ميرز كان عضوا في الفرقة الشكسبيرية الملكية في اواخر ستينات القرن الماضي وصار بعدها عضوا مؤسسا في المركز الدولي لابحاث المسرح الذي اسسه بيتر بروك سنة 1974.وشارك ميرز في معظم انتاجات مركز بروك المسرحية مثل اورغاست وتيمون الاثيني والمهابارتا (المسرحية والفيلم) و تراجيديا هاملت. كما مثل في العديد من الافلام التلفزيونية والسينمائية.
.
.

حسن العلي
01-08-2008, 06:01 AM
.
.
فنون: << ستانسلافسكي معلم المسرح الروسي الحديث >>
عامر موسى الربيعي
Alrubaiay_47@ yahoo.com
ستانسلافسكي،اسم معروف في أنحاء العالم،وخاصة في مجال الفن المسرحي ،( كوستانتين سيرجيفيتش ستانسلافسكي،1863- 1938 ) ممثل روسي ، مخرج مسرحي ، معلم المسرح الحديث،مدير مسرح موسكو الفني ،حاز على لقب فنان الشعب في الاتحاد السوفيتي آنذاك،

رفض أسلوب الحماس الخطابي للتمثيل من اجل مدخل أكثر واقعية،ركز على القواعد النفسية لتطور الشخصية ، وأسس أستوديو الممثل على طريقته و منهجه، الواقعية لا ترتبط كاتجاه في الفن المسرحي بكاتب أو مخرج من رجال المسرح الحديث ( مسرح القرن الحديث ) مثلما ارتبط بأسم ستانسلافسكي وطريقته ومنهجيته في الواقعية السايكلوجية فهو أكثر من حققوا عن جدارة صفة العالمية بصورة عملية ،وحاز ستانسلافسكي على مكانته ليس بسبب عروضه التجريبية الرائعة أو أرائه السياسية الساخنة ، بل لأنه كان و بحق أول معلم تمثيل حقيقي ، أي أول من امتلك طريقة ومنهج في تدريب الممثل ، وقد كان ظهور ستانسلافسكي هو خطوة مهدت لها كافة خطوات التطور السابقة للمثل الجمالية ، للواقعية الروسية خلال القرن التاسع عشر ، فقد جاء إبداع المنهج تأسيساً على أفضل ما في التقاليد الفنية الروسية ( تقاليد إبداع جوجول ، بوشيكن ، لير منتوف ، ليو تو لستوي وغيرهم ) ألا انه يبدو أن التأثير الخاص على الصياغة الجمالية لنظرة ستانسلافسكي هو ماكان لكتابات ( تسيخوف وغوركي ) الدرامية ، وهي الواقعية التي تختلف بالمرة عن الطبيعة التي سادت المسرح الأوربي وحتى ذلك الوقت ، والتي فرضت على الكل مناهضتها لما فيها من سطحية وشكلية فارغة ، وكما يشير وكما يشير أن الواقعية ( لم تعد هي واقعية البيئة ، أو الصدق الخارجي بل واقعية الصدق الداخلي في حياة النفس الإنسانية ، واقعية المعايشة الطبيعية التي تتماشى بطبيعتها مع مشارف المذهب الطبيعي الروحي ) في أولى مراحله الفنية الأولى ، كان ستانسلافسكي ( ككل المبتدئين ) يقلد العديد من الممثلين الكبار ، وقد مثل في حياة عشرات الأدوار الكوميدية الغنائية الراقصة في الفودفيلات ، الاوبريتات التي كانت تقدمها حلقة الهواة التي كونتها عائلته ، وكان لهذا ميزة ، انه سرعان ما أدرك انه تقليد النماذج الأخرى مهما يكن فانه يقود إلى ثوابت شكلية ، أكليشيهات ) ، و أن البحث في الحياة و الطبيعة هو ما يقود الفنان إلى طريق واسع إلى الفن الحقيقي المتسع ، وهكذا قرر رفض الأسلوب الخطابي والحماسي للتمثيل من اجل مدخل أكثر واقعية ، مركزاً على القواعد النفسية لتطور الشخصية ، و على هذا الأساس أقام منهجه ( طريقته ) من خلال عمله في مسرحه ، مسرح الفن ( 1898 ) موسكو ، و لكن ما هي حقيقة هذا المنهج الذي أورثه ستانسلافسكي إلى تلامذته في العالم اجمع ، ليس في روسيا فقط ، يتألف المنهج وفق الخطة التي وضعها ستانسلافسكي نفسه لمؤلفاته في مدخل و قسمين :
ستانسلافيسكي%201 المدخل هو كتاب ( حياتي في الفن ) حيث يعرض فيه منطلقاته الأساسية في الفن المسرحي معتمداً على تجربته الذاتية.
القسم الأول ويتألف من جزئين بعنوان ( عمل الممثل مع نفسه ) و هما:
1-أعداد الممثل في المعاناة الإبداعية ( الداخلية ).
2-في المعايشة و التجسيد ( الخارج ).
القسم الثاني هو كتاب ( عمل الممثل مع الدور ) أو ( إعداد الدور المسرحي ) ، هذا عدا أبحاثه و كتاباته النقدية في الفن المسرحي ، فن الأوبرا وأيضا رسائله ، ونشرت ( مجلة أفاق المسرح ) المصرية العدد 21 أن ( د. شريف شاكر المخرج والباحث السوري ، قام بترجمة هذين القسمين إلى العربية عن الروسية ، بعد أن كان متوفر من منهج ستانسلافسكي هو الجزء الأول في القسم الأول والمترجم عن الانكليزية ، وهو ما أدى لفترة طويلة إلى انتشار فهم منقوص و خاطئ لمنهج ستانسلافسكي من جانب المسرحيين العرب خاصة ).
وتختلف طريقة أو منهج ستانسلافسكي عن غالبية الطرق المسرحية السابقة عليها ، كونها لا تطمح إلى دراسة النتائج النهائية للإبداع ، ولكن إلى تفسير الدوافع المؤدية إلى هذه النتائج أو تلك ، فمن خلالها تحل مشكلة ( السيطرة الواعية ) على العملية الإبداعية اللاواعية ، وتتبع خطوات عملية التجسيد العضوي التي يجريها الممثل للشخصية ، والمهم أنها لم تكن مجرد نظرية صرف بمعزل عن التجربة الكلية الإبداعية و التعليمية لستانسلافسكي نفسه ، ولمسرحه ، وقد سماها ( فن المعايشة ) ، ولا يعني هذا الاصطلاح الذي عانى من التباسات كثيرة ، أن يفقد ( الممثل نفسه في الشخصية ، بل يعني إلى ما اشرنا إليه في عملية ولادة أو خلق الممثل لـ ( شخصية إنسانية جديدة ، على أساس من الصفات الفردية الخالصة ، أي يخضع الممثل ذاته و أفكاره ومشاعره لجميع الدقائق وخصائص إنسان أخر ).
فالصدق الذي يسعى إلى تحقيقه الممثل وفقاً لهذه الطريقة ، وليس هو بالمرة صدقا واقعيا، بل هو الصدق الفني ، الذي يؤمن الممثل بوجوده في نفسه وعند الآخرين من فريق العمل المسرحي وبدون هذا الصدق لا وجود للعمل الفني الخلاق على المسرح ، فهو يؤكد على (المنحى الخيالي ) الذي يرتبط به ، حيث أكد على العمليات الداخلية لدى الممثلين ، وأكد على الوسائل التي يستطيع الممثلون من خلالها استحضار في مجال خبراتهم و المواقف والانفعالات التي يمر بها الكاتب المسرحي ومحاولة أن يجعل من الشخصيات المسرحية التي تشعر بها ، وتمثيل الممثل ما يمكن أن يكون عليه هذا الدور في الموقف الدرامي على المسرح ، ويفكر قائلا ( ما الذي ينبغي أن افعله ) واستخدام ( لو) السحرية التي يعتبرها ستانسلافسكي هي المفتاح الخاص الذي يفتح باب التجسيد الخيالي للمشاعر والانفعالات وعلى نحو يتم بالكفاءة ، وهناك أيضا ( المذاكرة الانفعالية ) التي توكد على محاولة الممثل والممثلين تذكر المناسبات التي حدثت فيها ، أو من خلال حياتهم والظروف المماثلة لها في المسرحية ، بعدها يعيدوا تكوين أو إيقاظ ذلك الانفعال الذي كانوا يشعرون به من خلال ذلك الزمن الماضي ، و دمج الانفعال والإيماءات التي احى بها أو استثارتها في المشهد الدرامي الآني وبشكل مناسب ، أي تكيف ما في داخله بما يتناسب مع الدور ، مع التأكيد على تجنب ( الإحساس المتطرف ) الذي يبديه الممثل على خشبة المسرح ، لما له من تأثير سلبي في إيقاف التواصل مع المشاهد ( المتلقي ) ، كما يقول ( لكل لحظة فعل يرتبط بشعور محدود ، وكل شعور يستدعي بدوره فعلاً محددا،أي يعرف من أين هو آت و لأي سبب موجود،وعكسه فان ما يقوم به عبارة عن شعوذة وليس فعلا نموذجيا ، أي انه أدرك أن عليه جعل منهجه يعمل وفق ( من الداخل إلى الخارج ) ، والفعل ألبدئي الفيزيولوجي هو نقطة الانطلاق في خلق أو تخليق الشخصية ، إذ كيف يمكن البدء مع الممثل من ( الخارج إلى الداخل ) بدون دور مكتوب ؟ ، أن الارتجال الوسيلة الناجحة التي اكتشفها ستانسلافسكي أنها قوة دافعة لخيال الممثل ، وهو تأكيد للدخول إلى الحياة الشخصية الداخلية ، بصورة أكثر صدقا و هو الأساس في حل المقارنة القائمة في فن الممثل ، الوهم – الحقيقة / الخيال – الواقع.أي بالانتصار للواقعية وللحقيقة السايكلوجية ، وجعل الشخصية الخيالية تصبح شخصية واعية ، بواسطة خلق ( حياة الروح الإنسانية ) من روح الممثل.وفي قميص الشخصية أي ( موّلد كائن أنساني لا سيما في هذه الحالة الخاصة ، الإنسان – الدور ).
1-أعداد الممثل .
2-أعداد الممثل ، في المعاناة الإبداعية ،د.شريف شاكر – مجلة آفاق المسرح.
3-نظرية المسرح الحديث ، اريك بنتلي.

.
.

حسن العلي
01-08-2008, 06:20 AM
.
.


<< ستانسلافسكي وفن الممثل المسرحي >>

لاشك أن التمثيل من أقدم الفنون التي عرفتها البشرية، فالناس كما يقول أرسطوطاليس في الفصل الرابع من "فن الشعر" ميّالون بطبعهم إلى المحاكاة، وهم يستمتعون بها حتى عندما تكون مادة المحاكاة شيئاً كريهاً تعافه النفوس(1). والتمثيل أكمل صور المحاكاة دون مراء. وإذا سلمنا بالرأي القائل بأن طقوس العبادة وغيرها من الطقوس الاجتماعية عند الأمم القديمة ليست إلا ضروباً من التمثيل، وأن الرواة في المجتمعات البدائية كانوا يستعينون بالإيماء والحركة وتلوين الصوت ليقرّبوا صورة الوقائع التي يسردونها إلى أذهان مستمعيهم أدركنا أن هذا الفن قد سبق ظهور الدراما عند الإغريق بأشواط بعيدة. ومع ذلك فإن فن التمثيل -خلافاً للدراما نفسها- لا يستند إلى نظرية عريقة. وليس معنى هذا أنه لم يظفر، كغيره من الفنون، بعناية الدارسين والنقاد، ولكن القليل الذي كتبه هؤلاء حول الموضوع لم يكن كافياً لبناء نظرية متكاملة يسترشد بها الممثل في صقل موهبته وإعداد أدواره. وإذا كان من حسن حظ الدراما أنها استأثرت باهتمام مفكر عظيم كأرسطوطاليس فعكف على دراستها وكشف عن طبيعتها وخصائصها الأساسية منذ القرن الرابع قبل الميلاد، فإن مقومات فن التمثيل وعناصر الدور المسرحي ومراحل إعداده لم تحظَ بصياغة نظرية تسعف رجل المسرح في عمله إلا في أواخر القرن الماضي. وقد اقترن هذا التطور في علم المسرح باسم الفنان الروسي الكبير "كونستانتن ستانسسلافسكي".‏
لم يكن ستانسلافسكي فيلسوفاً كصاحب "فن الشعر" ولا أديباً كمؤلف كتاب "الفن المسرحي في هامبورغ"* (http://rasheedyaseen.com/stan.htm#Dooaly_Footer*) بل كان ممثلاً ومخرجاً مسرحياً موهوباً استخلص من تجاربه الطويلة المتنوعة وتأملاته "منهجاً" عاماً للتمثيل المسرحي، يرتكز، إلى قوانين السلوك الإنساني نفسه، وبذلك حول عمل الممثل من "الهام" غامض المصدر إلى "علم" له منهجه وأصوله.‏
كان ستانسلافسكي يردد -كما نقل عنه الممثل الروسي "فاسيلي توبوركوف" -أن الممثل يختلف عن العازف أو راقص الباليه أو غيرهما من الفنانين في أنه "محروم من التمارين، لأنه لا يدري كيف ينبغي له أن يتمرن، فهو لا يعرف العناصر التي يتألف منها فنه، وليست لديه نظرية". وقد أنفق حياته الفنية المديدة باحثاً عن هذه "العناصر" التي يتألف منها فن الممثل وعن المقدمات الضرورية لخلق أدوار حية، مقنعة على المسرح.‏
ومع أن من العسير على الباحث، في مقال وجيز كهذا أن يلم من جميع الوجوه بذلك المنهج المتشعب الذي رسم ستانسلافسكي خطوطه الأساسية في كتابيه الشهيرين "إعداد الممثل" و "حياتي في الفن"، إلا أن بإمكاننا أن نوجز هذا المنهج في مرحلتين: إعداد الممثل لنفسه مهنيّاً، ثم إعداده لدوره".‏

كيف يعد الممثل نفسه مهنياً ؟‏
لزمن طويل ساد الاعتقاد بأن الموهبة الفطرية هي كل ما يحتاج إليه الممثل ليتألق على خشبة المسرح. ومن المحزن أن بعض العاملين في المسرح عندنا مازالوا يحملون هذه الفكرة الساذجة، فمهنة التمثيل لا تتطلب في نظرهم سوى جملة من القوالب التعبيرية الجاهزة التي يفرغ فيها الممثل دوره. وقصارى مايراد من الممثل، في اعتقادهم، أن يجيد اصطناع الخوف أو الغضب، وأن يعرف كيف يضحك أو ينتحب على خشبة المسرح.‏
والواقع أن فن التمثيل أعمق وأبعد منالاً من ذلك بكثير. فليس التمثيل مجرد محاكاة سطحية للسلوك البشري، وليس رصيداً جاهزاً من الحركات والتشنجات، بل هو "عملية خلق فني" تستهدف ترجمة أفكار المؤلف المسرحي إلى حياة وحركة وفعل. والممثل الحقيقي هو من يبعث الحياة في الشخصية التي رسمها المؤلف، ويكشف بالمعطيات الحسية عن عالمها الداخلي المعقد، ويبرزها بكل أبعادها السايكولوجية والاجتماعية.‏
وفي عملية الخلق هذه تندمج ملامح الدور بملامح شخصية الممثل لتؤلف صورة مركبة فريدة ومتجددة باستمرار. فكل شخصية تظهر أمامنا على المسرح لها جانبان: الجانب الذي صاغه المؤلف، والجانب الذي أضافه الممثل. ويستلزم الأول منهما -ولنسمّه الجانب الموضوعي من عملية الخلق الفني -فهماً عميقاً للدور وللمسرحية ككل، بينما يرتكز الثاني-وسنسميه الجانب الذاتي- إلى عوامل متعددة، أهمها موهبة الممثل وثقافته وتجاربه وملاحظاته. ويمكننا في هذا الشأن أن نشبه الممثل بالرسام الذي ينقل عن أنموذج حي فهو مطالب من ناحية بأن ينقل إلينا أبرز سمات هذا النموذج كما أنه مطالب من ناحية أخرى بأن يكون له أسلوبه الخاص. وهذا بالضبط ما عناه ستانسلافسكي عندما أوصى ممثلي فرقته بقوله:‏
"كن أنت نفسك في كل دور تؤديه، ولكن كن مختلفاً في كل مرة. فما دامت بيئتك مختلفة، وقصة حياتك مختلفة، فإن ذهنيتك هي الأخرى يجب أن تختلف وكذلك سلوكك وإحساسك بالقيم".‏
وعندما نفهم وظيفة الممثل على هذا المستوى يبدو واضحاً أن الموهبة الفطرية وحدها لا تكفي لخلق الممثل إلا بمقدار ما تكفي الأذن الحساسة وحدها، مثلاً، لخلق المؤلف الموسيقي. فإلى جانب الموهبة -وهي شرط لا غنى عنه لأي فنان- يستلزم فن التمثيل شروطاً عديدة أخرى، أهمها أن يكون الممثل ذا ثقافة واسعة، متعددة الجوانب، ولا سيما في مجال المسرح والفنون الأخرى ذات العلاقة، وأن تكون له معرفة واسعة بطبائع البشر وعاداتهم وعلاقاتهم وأنماط تفكيرهم وسلوكهم، وأن يبذل جهوداً منتظمة للاحتفاظ بمرونة جسمه وطلاقة صوته، وأن يتحلى بأخلاق مهنية عالية.‏
ويبدو لي أن من غير الضروري أن نتوسع في شرح أهمية كل من هذه الشروط فقد يكفي أن نعيد إلى الأذهان أن الدراما هي أعقد صور الأدب العالمي وأرقاها، وإن نقلها إلى المسرح بكل ما تنطوي عليه من عمق فلسفي وما تزخر به من مواقف ونماذج إنسانية هو أمر يتطلب الكثير من الدراية والاستعداد.‏
ويجدر بنا أن نتوقف قليلاً عند مسألة "الأخلاق المهنية" التي أولاها ستانسلافسكي وتلامذته قسطاً كبيراً من الاهتمام. ومرد ذلك إلى أن المسرح فن جماعي قوامه الجهود المتناسقة التي يبذلها حشد كبير من الفنانين، وهذا ما يجعل الفنان في المسرح أقل حرية مما هو عليه في بعض مجالات الفن الأخرى. فالشاعر، مثلاً، يستطيع أن يكتب قصيدته متى أراد، وأن يعيد كتابتها المرة تلو المرة حتى يعثر على القالب الذي يرضيه، وقد لا يعنيه كثيراً أن يرضى الآخرون عما كتب. أما الممثل فهو مرتبط بمواعيد عمل معينة يجب التقيّد بها، وهو يقوم بتجاربه ومحاولاته على مشهد من الآخرين، وهو مطالب بالانسجام مع الخط العام الذي حدده المخرج ومع زملائه الآخرين في المسرحية.‏
وهكذا فإن طبيعة عمل الممثل تستوجب منه نكران الذات والانضباط الدقيق واحترام الزملاء وكبح شهوة الظهور على حساب الغير أو على حساب العمل المسرحي نفسه. وقد ترك ستسانسلافسكي وصايا كثيرة في هذا الصدد، منها عبارته المأثورة "لا تحبوا أنفسكم في الفن، بل أحبوا الفن في أنفسكم". وكان إذا احتج أحد الممثلين على دور صغير أسند إليه يرد عليه بقوله "لا توجد أدوار صغيرة، بل يوجد ممثلون صغار".‏
وتشهد الذكريات التي رواها عنه زملاؤه وتلامذته على مدى تقيده شخصياً بالأخلاق المهنية. وإليكم هذه الواقعة التي رواها عنه الممثل "فسيفولود فيربيتسكي"، أحد أعضاء فرقة مسرح موسكو الفني:‏
"عندما أعفاه فلاديمير ايفانوفتش -دانتشكنكو* من دور العقيد روستانيف بعد البروفة الأخيرة لمسرحية "قرية ستيبانتشيكوفو** (http://rasheedyaseen.com/stan.htm#Dooaly_Footer**) وأسند الدور إلى "ماساليتنوف"، شهق أفراد الفرقة وحبسوا أنفاسهم خائفين في انتظار ما سيحدث. ولكن لم يحدث شيء. فقد أذعن لمشيئة المخرج دون أن ينبس بحرف، رغم أنه كان يعتبر دور روستانيف، كدور الدكتور ستوكمان (http://rasheedyaseen.com/stan.htm#Dooaly_Footer***) من أفضل الأدوار التي أداها في حياته. ولم نسمع منه أية نأمة احتجاج أو كلمة استياء حول الموضوع. فما دام فلاديمير ايفانوفتش يعتقد أنه لا يصلح للدور فمعنى ذلك أنه لا يصلح".‏
ولعل خير ما نوضح به مفهوم ستانسلافسكي عن إعداد الممثل لنفسه وضخامة الجهد الذي ينبغي عليه بذله في هذا السبيل، أن نقتطف الفقرة التالية من ذكريات الممثل "توبوركوف"، الذي سلفت الإشارة إليه:‏
"كان إذا شكونا إليه من أن نتاجاتنا المسرحية قليلة جداً وأننا ننفق في إعدادها سنين طويلة، يوافقنا على أن هذا غير حسن، ثم يضيف مستدركاً: ولكن إذا أردنا أن نقدم كل شهر مسرحية جديدة، فيستوجب علينا أن نغلق المسرح لبضع سنوات ونطور تقنياتنا. وبعد أن يكون الممثلون قد حذقوا تقنيات المسرح، فإن المخرج لن يحتاج إلى كل هذا الوقت الطويل لإخراج مسرحية.‏
"افترضوا أن شخصاً ما أتاني وأخبرني بأنه يريد أن يتعلم أغنية. وحين شرعت في تعليمه اكتشفت أن صوته لم يصقل، وأن عليَّ قبل أن أعلمه الأغنية أن أعطيه دروساً صوتية. في هذه الحالة سيكون لابد من إرجاء الأغنية ريثما أدرّبه على الغناء. وأعتقد أنكم تقدرون كم يتطلب ذلك من الوقت..".‏
هذا عن إعداد الممثل لنفسه. بيد أن الثورة الحقيقية التي أحدثها ستانسلافسكي في الممارسة المسرحية إنما هي منهجه في "إعداد الممثل لدوره".‏
لقد كتب الكثير عن منهج ستانسلافسكي وصيغت له تعريفات عديدة، قد يكون أقربها إلى الدقة أن يقال أنه منهج "بناء الدور المسرحي من الداخل" أو "خلق المقدمات السايكولوجية اللازمة لولادة الدور بصورة عفوية على خشبة المسرح".‏
وقد أوجز نميروفتش دانشينكو، في إحدى مقالاته، الغاية التي رمى إليها ستانسلافسكي على النحو التالي:‏
"كان ستانسلافسكي يحلم بإبداع فن يمكن الممثلين من أداء أدوارهم في المسرحية بحرية، كما لو كانوا يؤدونها للمرة الأولى، دون أن يلجؤوا إلى الإيماءات والوسائل المستهلكة التي ترافق عرض المسرحية للمرة الأربعين أو الخمسين أو المائتين. كان يحلم، إذا جاز التعبير، بأن يتحول كل عرض مسرحي إلى إبداع جديد، لا يخلو من "الكليشيهات" الجاهزة وحسب، بل ويزخر بالمفاجآت حتى بالنسبة للمثل نفسه..."* .‏

ماذا يعني بناء الدور من الداخل؟‏
إنه يعني -خلافاً للتمثيل الحرفي الذي يخضع الدور لعدد من التعبيرات المبتذلة المعدة سلفا -أن يتبنى الممثل "منطق" الشخصية الدرامية وأن "يعاني" مشكلتها على خشبة المسرح معاناة حقيقية متجددة، تاركاً لعاطفته فرصة التجسد التلقائي الحر ضمن شروط المسرح. وهذه الغاية تتطلب بناء دقيقاً متأنياً للدور، أو لنستعرض عبارات ستانسلافسكي ذاتها فنقول إنها تتطلب إنماء الدور وتطويره من مجرد "بذرة" إلى نبتة حية، دانية القطوف.‏
وبوسعنا أن نحدد لعملية إنماء الدور هذه أربع مراحل متتابعة:‏
-التعرف على الدور.‏
-تحليله.‏
-معاناته.‏
-تجسيده.‏
ولكل من هذه المراحل أثرها الحاسم في بلوغ النتيجة التي كان يحلو لستانسلافسكي أن يسميها "بالكشف عن حياة النفس البشرية" على المسرح.‏
إن التعرف على الدور يعني قراءته أول مرة. وكما أن انطباعات لقائنا الأول مع شخص غريب قد تلازمنا لفترة طويلة بعد ذلك. وقد تصبح أساساً لا شعورياً لموقفنا منه أو علاقتنا به، كذلك فإن القراءة الأولى للنص المسرحي تترك في النفس عادة، انطباعات يصعب تغييرها.‏
ومن المعروف أن النص المسرحي لا يتضمن إلى جانب الحوار سوى النزر السير من المعلومات والتفاصيل، وهذا ما يجعل القارئ يملأ فجوات النص -بصورة لا إرادية- ببعض الصور المختزنة في ذاكرته. وهكذا فنحن في أثناء القراءة الأولى نتخيل مشاهد المسرحية وملامح أبطالها وهيئاتهم العامة وحركاتهم ونبرات أصواتهم. ولكن تصوراتنا هذه ليست صحيحة في كل الأحوال، فالقراءة الأولى قد لا تتيح لنا فهماً شاملاً للمسرحية. وقد نكتشف، ونحن نتقدم في القراءة وتتجلى لنا الحبكة بمزيد من الوضوح، أننا أخطأنا في تصور بعض الشخصيات. وبالتالي فإن انطباعات القراءة الأولى يجب أن تدرس وتغربل في المرحلة الثانية من إعداد الدور، أي مرحلة التحليل.‏

كيف يحلل الممثل دوره؟‏
إن تحليل الدور يعني استجلاء مختلف المقومات الخلقية والعقلية والاجتماعية التي تتكون منها الشخصية الدرامية. وأفضل سبيل إلى الإحاطة بمقومات هذه الشخصية أن نحاول، عن طريق استقراء النص، الإجابة عن هذين السؤالين:‏
من هي هذه الشخصية؟ وماذا تريد؟‏
ومن الطبيعي أننا لن نجد في أي نص مسرحي إجابة مفصلة وافية عن السؤال الأول. ولكن إذا أحسنا قراءة النص فسنجد فيه دون شك المعطيات الأساسية الكافية لبناء الدور، أما الجزئيات والتفاصيل فهي متروكة لتصوراتنا نحن.‏
وتشمل الإجابة عن السؤال الأول معرفة عمر البطل المسرحي وجنسيته ومهنته وانتمائه الطبقي ومركزه الاجتماعي ووضعه العائلي ونوعية علاقاته بالآخرين ومزاجه ومنطقه ودوافعه النفسية الخ.. وعلى أساس هذه المعرفة يستطيع الممثل أن يكمل النص بشتى الوقائع والجزئيات الصغيرة التي تتألف منها حياة الناس اليومية، مستعيناً في ذلك بمخيلته وما تحفل به ذاكرته من صور وانطباعات. وقد تستلزم طبيعة الدور أن يخرج الممثل إلى المجتمع ليراقب عن كثب أناساً يماثلون بطله في المهنة أو الوضع الاجتماعي أو الحالة الصحية أو غير ذلك.‏

وباختصار فإن على الممثل -وفقاً لمنهج ستانسلافسكي- أن يؤلف، في ضوء ما لديه من معطيات، "سيرة كاملة" للشخصية التي يؤديها، وأن يحمل في ذهنه صورة حسية دقيقة لسائر ظروفها المرتبطة بما يجري على المسرح ولو ارتباطاً غير مباشر. وهذه مهمة صعبة. ولكنها ممكنة إذا اكتملت في الممثل شروط الإعداد المهني التي تحدثنا عنها.‏
لنفترض أن ممثلاً ما اطلع بدور "كارستون بيرنك" في مسرحية "أعمدة المجتمع" لهنريك ابسن، فما هي العناصر التي يمكنه أن يستمدها من النص المسرحي وماذا يستطيع أن يضيف إليها؟‏
إن بيرنك -كما يقدمه إلينا المؤلف في الفصل الأول -رأسمالي نرويجي في نحو الأربعين من عمره، يتمتع بسمعة اجتماعية عالية كرب أسرة مثالي، ذي أخلاق رصينة محافظة. ولكن وصول قريبين للعائلة من أميركا على نحو مفاجئ يكشف لنا عن ماضي الرجل، فنعرف أن ثروته الكبيرة قامت على عملية اختلاس اقترفها في شبابه، وأنه تخلى عن المرأة التي يحب ليتزوج من أخرى تؤمّن له مزيداً من النجاح في المجتمع، وأنه كان طرفاً في فضيحة أخلاقية تنصل منها ونسبها إلى أخلص أصدقائه. ونرى بيرنك في الفصول التالية وهو يجاهد للاحتفاظ بمجده القائم على الاختلاس والرياء والغدر، ولإقصاء شبح الماضي الذي انبعث بغتة في شخص قريبيه العائدين من أميركا. وهو في سبيل ذلك لا يتورع حتى عن التورط في جريمة رهيبة. وفي ختام المسرحية نرى بيرنك، وقد ارتد إليه ضميره، يقف أمام الملأ ليزيح بنفسه الستار عن خطايا ماضيه. وقد يبدو لنا هذا التطور الأخير في شخصية بيرنك مفتعلاً وغير مقنع. كما بدا فعلاً لبعض النقاد، ولكن علينا أن ندخله في حسابنا عند تحليل الدور.‏
ولنحاول الآن، وقد تابعنا تطور شخصية "كارستون بيرنك" ضمن حدود النص، أن نجيب عن هذين السؤالين:‏
-من هو بيرنك؟ وماذا يريد؟‏
ويمكننا -تمثيلاً لا حصراً- أن نجيب عن السؤال الأول بما يلي:‏
-إن بيرنك شخصية مرائية ذات سلوك مزدوج، ولابد أنه يعيش في حالة قلق دائم من افتضاح أمره.‏
-إنه بارع جداً في إخفاء دوافعه الحقيقية، فحتى زوجته تظل مخدوعة به حتى النهاية.‏
-لابد أن يكون بيرنك على قدر كبير من الجاذبية وقوة الشخصية، فقد أحبه عدد من النساء، وضحى أحد أصدقائه بسمعته من أجله، وأحاطه المجتمع بكثير من الاحترام والثقة.‏
-من الواضح أن الثراء والجاه هما القيمة الكبرى في حياة بيرنك، فقد ضحى من أجلهما بمن يحب وأهمل من أجلهما واجبه تجاه ابنه الوحيد.‏
-إن بيرنك، كما لاحظ أحد النقاد الغربيين، هو "ماكبث" معاصر، قوي الشكيمة، شديد الطموح، لا يحجم -وقد بنى مجده بالجريمة- عن اقتراف سلسلة جرائم أخرى دفاعاً عما بناه.‏
-رغم سقوط بيرنك الأخلاقي فإنه ظل يحمل في أعماقه بعض القيم الخيرة، وهذا ماتدل عليه خاتمة المسرحية، وبالتالي فإن الصراع بين الضمير ومقتضيات المصلحة الشخصية يشكل جزءاً من أزمته الداخلية.‏
ولنكتف بهذا القدر من الإجابة عن السؤال الأول وننتقل إلى السؤال الثاني: "ماذا يريد؟". وينبغي أن نشير هنا إلى أن الإجابة الدقيقة عن هذا السؤال هي أهم ما يواجه الممثل المسرحي، لأنها تكشف عن جوهر الصراع الذي تخوضه الشخصية المسرحية، وتحدد العلائق بينها وبين بقية الشخصيات. والإجابة، في المثال الذي اخترناه، واضحة جداً، فكارستون بيرنك يريد أن يبقي، بأي ثمن، على الأكذوبة التي كانت أساساً لسمعته وثرائه. ولكننا نخطئ إذا تصورنا أننا نستطيع بالسهولة نفسها أن نعرف دوماً مايريده بطل مسرحية ما أو غيره من شخصياتها.‏
وليس الإلمام بعناصر الشخصية المسرحية وتحديد غايتها الأساسية إلا بمثابة الخطوط العامة لصورة مازالت تفتقر إلى الكثير من التفاصيل. وعلى الممثل أن يكمل هذه الصورة. وثمة وسيلتان لذلك: المعرفة والخيال. ففي المثال الذي أوردناه يتوجب على الممثل أن يلم على قدر الإمكان بطابع الحياة ومظاهر السلوك الاجتماعي البورجوازي في بلدة نرويجية صغيرة خلال النصف الثاني من القرن الفائت. وعليه من الناحية الأخرى أن يتخذ من بعض الإشارات العابرة في المسرحية منطلقاً لتصور حياة كارستون بيرنك في شتى مراحلها وإغناء هذا التصور بأقصى ما يمكن من الجزئيات. ولنأخذ، على سبيل المثال، واقعة الاختلاس الذي أقدم عليه بيرنك في شبابه، فالنص لا يعطينا عنها أية تفاصيل رغم أنها عنصر هام في نسج عقدة المسرحية. وواجب الممثل هنا أن يصوغ لنفسه هذه التفاصيل بعناية ودقة ليكون قادراً على "تذكر" هذه الواقعة كشيء حدث بالفعل. وهذا النوع من الوقائع والظروف التي لا نشاهدها على المسرح رغم أنها ذات ارتباط وثيق بما يجري أمامنا من أحداث هي التي يسميها ستانسلافسكي "بالظروف المفترضة" أو "الظروف المسبقة".‏
فإذا انتقلنا بعد ذلك إلى المرحلة الثالثة -مرحلة معاناة الدور، جاز لنا أن نقول إنها فترة صيرورة الدور بكل عناصره الأدبية وجزئياته وظروفه المفترضة جزء من العالم الداخلي للممثل. وقد سبق أن أوضحنا أن هذا لا يعني ذوبان الممثل كلياً في دوره، بل يعني الامتزاج والتكامل بين الممثل والدور. فكما أن الممثل يتكيف ليلائم دوره، كذلك فإن الأخير يتلون بشخصية الممثل. ولعل القارئ الذي شاهد الممثل الروسي "بندرتشوك" والممثل الإنكليزي "لورنس أوليفييه" يؤديان دور "عطيل" على الشاشة، يتذكر كيف أن كلاً من هذين الفنانين البارعين قد أدى دوره أداءً مختلفاً ومهره بأسلوبه الخاص، دون أن يخرج عن الصورة التي رسمها شكسبير.‏
ولا يصل الممثل دفعة واحدة إلى مستوى المعاناة الحقيقية للدور، بل يصل إليه من خلال العمل الدائب والمحاولة المتكررة والاحتشاد الذهني الطويل. ومن الخطأ الاعتقاد بأن جهد الممثل في هذه المرحلة مقصور على المشاركة في التدريبات مع الممثلين الآخرين، فهو مطالب في الوقت ذاته بأن يواصل إعداد دوره على انفراد. باحثاً عن أنسب الأشكال والوسائل التعبيرية لكل جزء من أجزائه، وهو مطالب بأن يحوّل سيرة البطل المسرحي إلى "سيرة ذاتية" وأن يتحسس "الضرورة" الكامنة وراء كل عبارة يقولها البطل أو تصرف يأتيه. وخلال التدريبات التي تجري مع بقية الممثلين تحت إشراف المخرج يتبلور إحساس الممثل بالدور وتزداد معاناته عمقاً، ويكتسب أداؤه الإيقاع المنسجم مع إيقاع المسرحية العام، وتنضج لديه بالتدريج الأشكال الفنية المناسبة للتعبير عن عالم بطله الداخلي. ومن هنا كان تركيز ستانسلافسكي على أهمية التدريبات المتواصلة المضنية.‏

أما المرحلة الأخيرة (تجسيد الدور) فهي أهم المراحل بالطبع، لأنها الصورة المكتملة التي تقدم إلى الجمهور. وقد كان ستانسلافسكي -كما أسلفنا- يطمح إلى خلق حياة حقيقية على المسرح، ترتبط فيها العناصر الروحية والجسدية ارتباطاً تلقائياً طبيعياً، كما في الحياة نفسها، وهذا لا يتحقق إلا إذا ظل الممثل "يحترق" كل ليلة على خشبة المسرح ويعيش أحداث المسرحية وكأنه يواجهها للمرة الأولى. أما إفراغ الدور في قالب ثابت، حتى وإن كان هذا القالب حصيلة مرحلة سابقة من المعاناة الفعلية، فلن يخلق الحياة المرجوة على المسرح، لأن الممثل -مهما كان بارعاً في تقنيته- لا يمكن أن يثير عواطف الجمهور، بينما هو نفسه فارغ القلب، ساكن الأعماق.‏
ولابد للممثل، إذا أراد التزام الصدق في الأداء، من أن يدخل المسرح وهو لا يحمل في ذهنه إلا صورة "الماضي"، ماضي الشخصية التي يمثلها. أما ما ينتظره من محن أو مسرات فينبغي أن يكون "مفاجأة" له، مثلما هو مفاجأة لجمهور المتفرجين. إن ممثل دور "لير"، مثلاً، يجب أن ينسى تماماً أنه سيكابد الويلات من عقوق ابنتيه الكبيرتين، لأنه إن لم ينس ذلك فسيصعب عليه تصديق ما أظهرتا له من ولاء في الفصل الأول من المسرحية.‏
وممثل "روميو" يجب أن ينسى الحب المأساوي العظيم الذي ينتظره وإلا فلن يتهيأ لـه، في الفصل الأول من المسرحية، أن يعبر بالحرارة اللازمة عن حبه لروزالين.‏
وأخيراً فإن على الممثل أن ينسى أنه ممثل أمام جمهور سيحكم له أو عليه، وألا يحاول التصرف على النحو الذي يكفل له التصفيق الحاد عند إسدال الستار، بل يجب أن يحصر همه في أمر واحد، هو أن "يعيش" بكل قلبه وجوارحه على منصة المسرح.‏
دمشق 1973‏
(1) يقول أرسطوطاليس بالحرف الواحد: "يبدو أن الشعر عموماً قد نشأ عن سببين، كلاهما طبيعي. الأول أن الناس مفطورون على المحاكاة منذ طفولتهم وهم يتميزون عن غيرهم من الكائنات الحية بأنهم الأقدر على المحاكاة وبأنهم يكتسبون معارفهم الأولى عن طريق المحاكاة، والثاني أن الناس جميعاً يحسون بالمتعة أمام التصوير، والواقع يشهد بذلك: فنحن نستمتع بتأمّل التصوير المتناهي في الدقة لأشياء، هي في ذاتها منفردة للعين، كتصاوير الحيوانات الكريهة أو الجثث مثلاً -ترجمتنا عن النص البلغاري المنقول عن اليونانية القديمة بقلم البروفسور أ.نيتشيف والصادر في صوفيا عام 1993.‏
الكاتب الألماني الشهير ليسنغ ‏
* مخرج مسرحي روسي كبير، أسس مع ستانسلافسكي مسرح موسكو الفني.‏
** مسرحية مقتبسة من رواية دوستويفسكي المسماة "قرية ستيبانتشيكوفو وسكانها".‏
*** بطل مسرحية "عدو الشعب" لإبسن.‏
* من مقال لنميروفتش -دانتشنكو بعنوان "البعد الثاني".‏

وختامها مسك ،، وعذراً يا عزيزي محمد الحلال وجميع من هنا لعدم التفرغ ،، متمنياً أن تكون هذه الموسوعة المئوية تعود بالفائدة لجميع المسرحيين والمهتميين بشؤون المسرح ،، ،

وغداً يومٌ آخر ،، ،
استودعكم الله
.
.

حسن العلي
08-08-2008, 05:27 AM
.
.

مروة هاشم مترجمة "تقنيات الأداء المسرحي" لستانسلافسكي:
الممثل هو العمود الفقري للمسرح الحقيقي
من المؤكد أن الممثل يعتبر حجر الزاوية والعمود المحوري في أي فن مسرحي حقيقي، فمن دونه ما كان لكلمات المؤلف أن تجد من ينطقها وينفخ فيها من روحه، وأيضاً ما كان للبناء المسرحي من ضرورة، وبالتالي ما كان لعناصر الديكور والأزياء والإضاءة من معنى درامي". هذا ما توضحه الأديبة والمترجمة مروة هاشم في مقدمتها لكتاب الروسي قنسطنطين ستانسلافسكي "تقنيات الأداء المسرحي: بناء الشخصية"؛ والذي ترجمته مروة هاشم إلى اللغة العربية، وصدر أخيراً عن دار شرقيات بالقاهرة. اعتمدت مروة هاشم في ترجمتها على الطبعة الإنجليزية للكتاب التي أنجزتها إليزابيث ريونالدز هابجود، وتضيف مروة قائلة: المسرح هو فن التمثيل أولاً وأخيراً، لكن التمثيل ليس مجرد الوقوف والتحرك على المنصة ونطق كلمات الدور كيفما يشاء الممثل، فهو فن له أصوله وقواعده التي تختلف من شعب إلى آخر ومن عصر إلى عصر. وتشير مروة هاشم إلى أن ستانسلافسكي يرى أن التمثيل غريزة إنسانية عامة، والشيء الرئيسي لا يكمن في الفعل ذاته بل في نشأة الميل إلى الفعل نشأة طبيعية، وأن يكون هذا الميل أو الحافز مركباً وسهل التطويع في الوقت ذاته، فالأصل في التمثيل هو رغبة الإنسان الدائمة في التعري من شخصيته الواقعية الذاتية والتحول إلى شخصية أخرى غريبة، سواء كان هذا بدافع الحفاظ على الذات عن طريق الاختفاء والتنكر أم لمجرد الرغبة في اللعب وعرض الذات بطريقة مثيرة أو ما يمكن أن نطلق عليه (حب الظهور).

يشتمل الكتاب؛ الذي يعد واحداً من مراجع الأداء المسرحي؛ على مجموعة من المباحث والفصول المهمة، منها: نحو التشخيص الجسدي، ارتداء الشخصية، شخوص وأنماط، كي يكون جسدك معبّراً، مرونة الحركة، السيطرة والتحكم في النفس، الإلقاء والغناء، التنغيمات والوقفات، التوكيد: الكلمة المعبرة، منظور حول بناء الشخصية، درجة سرعة إيقاع الحركة، درجة سرعة إيقاع الخطاب، سحر المسرح، نحو أخلاقيات المسرح، أنماط الإنجاز، فضلاً عن بعض الاستنتاجات حول التمثيل.
وتوضح مروة هاشم أن مؤلف هذا الكتاب؛ المخرج والممثل الروسي الكبير "قنسطنطين ستانسلافسكي"؛ يعتبر أول من قنن عمل الممثل ووضع له النهج الأول كي يسير عليه، وأصبحت طريقته التي طرحها في كتابه "ممثل يستعد" وكتب أخرى أشبه بالكتاب المقدس بالنسبة للممثل المسرحي. واتخذت كل المدارس المسرحية في العالم تقريبا نظرية ستانسلافسكي منهجا دراسيا لطلابها في مادة التمثيل. ولقد غير أسلوبه شكل التمثيل في روسيا إلى الأبد قبل أية دولة أخرى، وكانت نظرياته ومبادئه شاملة لجوانب عديدة من حالة الممثل وأسلوب عمله، كما كان جزء كبير منها تجريبيا. والمنهج لدى ستانسلافسكي يمثل إنجاز المعايشة الإبداعية التي تخلق الامتزاج بين الحياة والفن، وهي من علامات النظام الإبداعي والانعكاس الذي تتركه الحياة على الإنسان. إن عمل الممثل مع نفسه (المعايشة الفنية) هي للتفريق بين "الفن المصطنع" وبين "الفن الحياة" على خشبة المسرح. إن خلاصة التأمل الكبيرة عند ستانسلافسكي يحددها في الجانب النفسي الداخلي لعملية الإبداع، وقد استنتجها من خلال التمهيد باتجاه التكنيك الإبداعي، وهو ابتكار توصل إليه في الممثل. وتشير مروة هاشم إلى أن ستانسلافسكي قد تعامل مع المسرح باعتباره فناً متكاملاً فيه كل العناصر المكونة للعرض في وحدة فنية وأسلوبية توحد التفكير المبدع لكل الفريق المسرحي بقيادة المخرج. كما قدم منهج ستانسلافسكي إجابة عن الأسئلة الأخلاقية لعمل الممثل كواحدة من أهم الإشكاليات في المسرح التي نظمت جوهر المنهج للوصول إلى الهدف الأعلى للعمل المسرحي، أي الغرض الذي كتب الكاتب من أجله مسرحيته، من ثم فإن كل ما يدور في المسرحية من أحداث وكل أفكارها الإبداعية المنفردة وأيضا أعمال المؤلف الأخرى تسعى إلى تحقيق هذا الهدف الأعلى. وكما يقول ستانسلافسكي فإن الهدف الأعلى هو بمثابة الجذر الذي تنبته أول ما تنبت بذرة الكاتب (أي ثروته الفكرية التي يثري بها المسرحية) وهذه البذرة هي ما يصنع مزاج العرض والشعور الانفعالي الموحد السائد فيه. ويؤكد ستانسلافسكي أن المعرفة الإبداعية هي وحدها أساس نظامه وهي وحدها التي تقود إلى الصدق، وأن المعرفة الحقيقية لها هي التي تخلق الربط بين الدرس (المسرحية) والممارسة (التجسيد) في رصانة عمل الممثل، وبالتالي التزام القيم العليا في العرض المسرحي. ويقول ستانسلافسكي: على الممثل أن يقضي حياته في العمل، وأن يكرس عقله للفن، وأن يدرب مهاراته وملكاته بانتظام، وينمّي شخصيته ويطوّرها. وعليه ألاّ يشعر باليأس وألاّ يتخلى عن هدفه الرئيسي، متسلّحاً بعشقه لفنه بكل جوارحه وقوته، وحبه الخالي من الأنانية.
.
.

حسن العلي
08-08-2008, 05:35 AM
.
.


مقدمة
(أعداد الممثل) لـ( ستانسلافسكي)
بقلم: ك. كريستي
ترجمة : د.فاضل خليل

في مقدمة كتاب (عمل الممثل مع نفسه) لستانسلافسكي الصادر لأول مرة عام 1938م ، وضح الكاتب بأن العمل وفق المنهج (النظام System )(*) كان قد بدأ بعد العام 1907م ، وهذا يعني بأن العمل على إنجازه كان مع سنوات البحث فيه. لكن واقع الحال يقول ، بأن الفترة التي حددها الكتاب لم تكن لتغطي كامل الفترة التي تم تدوينها فيه ذلك لأن الكاتب – ستانسلافسكي – أيامها كان منشغلا في البحث بالمراحل المكونة للعرض المسرحي والى ما يتطلبه عمل الممثل على الخصوص فيها من متطلبات والتي حددت بالآتي : الدراسة ، المعايشة ، التجسيد . مستفيداً بذلك من مراقبته للفنانين الذين زامنوه والذين عملوا معه وقد ثبت في دفاتره الأولى ومفكراته اليومية عن أعمالهم أثناء التمرين وبعده وخلال البحث فيها الملاحظات التي اراد دراستها. وبذلك نستطيع القول بأن (النظام) كان قد عبّر عن أهداف مشروعه تدريجيا فيما حققته دراسة تلك التجارب من استمرارية لمراحل العمل وأهدافها . أن ستانسلافسكي و منذ طفولته كان يقود عمليات التنفيذ على مسرحهِ الخا ص(**) ومن خلالها أدرك - و في وقت مبكر- ما كان يصاحب تلك الأعمال من ضعف وخلل في المشاعر – ربما – و في ما يصاحب التخطيط والتجسد من سرعة تؤدي في الكثير من الأحيان إلى عدم الدقة . لقد وقف ستانسلافسكي بوعي أمام تلك الملاحظات وأمام ما شخصه من خلل فيها فاقترح له المعالجات وعزز مواطن القوة فيها وثبتها .

يذكّر ستانسلافسكي في مذكراته ، بأن (ألنظام) الطريقة ستعطي يوماً ما خطط لها لتكون منهجا يهدي الطريق أمام رجالات المسرح في محاولاتهم الإبداعية لخلق الشكل الفني والأسلوبي بوجهات نظر جمالية نقية نابعة من حياة المجتمع ووفق أُسس قوانين التطور الاجتماعية وهي لا تخلو من صعوبات لكنها سهلة بسبب قوانين العمل التي ثبتها النظام .

ومنذ العام 1889م كان ستانسلافسكي يؤكد على ضرورة أن يكون لكل فنان أبجديته الواضحة ، ألمعززه بالقواعد الفنية الثابتة التي تقبل الجدل لأغراض التغير . لأنه لم يكن في السابق يمتلك الشروط الثابتة في عطاءه الفني ، لا في المسرح ولا في الحياة . بل لم يكن يمتلك حتى التصور الواضح لقواعد فن المسرح تلك التي حققت معرفةً لقوانين الإبداع على مستوى التنظير على الخشبة التي رصدها ستانسلافسكي ووثقها ، بل ووقف أمامها طويلاً في تجاربه على مستوى الشكل المبسط للحالات ، وكذلك في رغبته الهادفة إلى إعطاءها الأُسس الفنية والمعرفية في الإبداع . فنظر لها في مؤلفاته التي لم تغب أهميتها والإستفادة منها لدىالمتخصصين وطلاب الفن والجمهور( ربما).لأن ( ستانسلافسكي ) (1) و( النظام ) ، مصطلحان ظلا يلازمان الباحث في مهنة التمثيل وفي فن إعداد الممثل ، ليتعرفوا من خلالهما بالمراحل التي انتعش فيها المسرح الروسي ومن ثم المسرح السوفيتي ، بل ظل ملازما لهما حتى حاضر و مستقبل المسرح بشكل عام .

ففي كتابه (حياتي في الفن) ، قارن ستانسلافسكي ما أكتشفه من أسس في اختيار الفنان المبدع ، بعد نفض الغبار عن موهبته وفسح الطريق أمامها مستفيداً بذلك من تجربته الراسخة لسنوات طويلة ممثلا ومخرجا ومربيا . فقدم نفسه في الكتاب من خلال نظريته –المنهج - (النظام) باعتباره المحصلة الكاملة لموروثة الثقافي الذي اكتسبه من طول تجربته في المسرح إلى جيل المستقبل العاملين في المسرح . فكانت بحق خلاصة جهد تميزت بصدقها ودقة تعاملها مع التجربة المهمة لحياته الإبداعية . في كتابه(حياتي في الفن)ألقى ستانسلافسكي الضوء على تاريخ البداية الكاملة لنشوء نظريته فكان في كل فصل من كتابه يهدي القارئ إلى مداخل فيها جوانب من نظريتهِ في الإخراج والتمثيل ، توضح له كيفية التعامل مع أدق الحالات والممارسات في المعايشة و التجسيد .

وضح ستانسلافسكي في نظامه ، الأسس النظرية لدراسة فن التمثيل وعمل الممثل مع نفسه وعلى الدور ، فأذا أمعنا النظر في تلك الأسس سنجد أن ستانسلافسكي لم يستند إلى تجربته الخاصة وحسب بل اعتمد إلى كامل الإرث المسرحي الذي عاشه لنفسه وللآخرين ودرسه على امتداد واقع امتد إلى عشرات السنين . وعليه فأن (النظام) لم يكن حصيلة تجربته الخاصة فقط بل كانت كل متكامل لمجمل تقاليد المسرح الواقعي اعتمد فيها على دراسة الأسلاف الذين سبقوه والمعاصرين الذين زامنوه أيضا . كان يشير دائماً إلى نظريتهِ التي بدأت من تجارب (شجبكن) ، وآخرين غيره من أعلام المسرح الواقعي الروسي ، الذين تناولهم بالدراسة كما تناول بالدراسة أيضا تجارب الكثير من زملائه و تلامذتهِ ، الذين لم يهمل أعمالهم المتميزة والتي تركت أثرا في مسيرة المسرح العالمي ، كما أكد على تجارب (مسرح مالي – في لينينغراد) واعتبرها من أهم التجارب . وبهذا يكون قد تناول بالاعتزاز المؤثرات الثقافية الفاعلة التي عاشها بل لقد ناضل ستانسلافسكي ضد سقوط الثقافة الواقعية وتناولها بالدراسة في كافة مراحل تطورها ، كما تناول بالدراسة أيضا تجارب بعض الممثلين الألمان والفرنسيين . إضافة إلى دراسته لتاريخ المسرح الأوربي بشكل عام في القرن الرابع عشر . لقد تعمق بمعرفة البساطة والفخامة معا في تراجيديات شكسبير وكوميديات مولير . وفي أعمال لمقنني وواضعي أسس ودراسات في الدراما آخرين عظام .

إن ( نظام) ستانسلافسكي أكد على كل البدايات المؤثرة على ا لثقافة المسرحية الديمقراطية في روسيا ، لأن(النظام) لم يظهر ليؤكد الإبداع العالي في أعمال (مسرح موسكو الفني) فقط بل أكد على كل التجارب الإبداعية المؤثرة أينما كان . لقد كان لعملية التنافس المستمرة في أعمال الفنانين الكبار أثرها لأن يكون المسرح السوفيتي في المقدمة . كما كان لتجارب المؤلفين الكبار أمثال (تشيخوف) و(غوركي) و(شيفنسكي) وغيرهم أثرها هي الأخرى في ترصين كامل التجربة المسرحية في العالم .

ومن تجاربه في (مسرح موسكو الفني) والتجارب الأخرى التي أشرنا إليها ، مضافا إليها تجارب رفيق دربه في المسرح مخرجا ومربيا ومنظرا (نيمروفيتش دانجنكو) (2) ، مع جهود الكثيرين ممن زامنه من جيل الشباب والجيل الأوسط أمثال: (ماييرخولد) (3) ، و(فاختانكوف)(4) ، و(مرجانوف) (5) …..وغيرهم ، الذين ساهموا معه في إرساء قواعد النظام حتى تكامل وأصبح المنهج الأهم في إعداد الممثل والمخرج معا. ولأجل أن يمتلك ستانسلافسكي ناصية المجابهة التقليدية لمسرح واضح قادر على امتلاك زمام المبادرة في المسرح كظاهرة حضارية من شأنها خلق مسرح روسي متقدم يسير على خطى منهجه الإبداعي (النظام) كنظرية جمالية في تنظيم عمل المخرج والممثل معاً ، كانت أهم ركائزها واقعية المبادئ الطبيعية في ألفن . و التعبير عن ذلك الواقع البساطة المعمقة في فهم الحياة . فلقد حدد النظام الأسس الصحيحة للعمل في المسرح الواقعي . أما القيمة التي اعتمدها فهي معرفة القوانين الاجتماعية الموضوعية للإبداع الفني ، والتي أكد على احتوائها للشروط والمتطلبات التي يتصف بها الفنان . يضاف إلى ذلك الفائدة التي يكتسبها الفنان من المحيط الذي يعيش فيه . لأن الطبيعة وحدها لاتمده بالخبرة بعيدا عن القيمة التعبيرية التي تميز الفنان عن غيره ، كأن يكون : جذابا ، ذا حضور ، يترك انطباعا حيويا عند الجمهور . فروح المثابرة من أهم المزايا التي على الفنان أن يتمتع بها غي حضوره على المسرح ، وفي امتلاكه الخيال الخلاق المتجدد ، والثقافة الموسوعية التي تمكنه من أدراك حاجات المجتمع . هذه السمات تساعد الممثل في إعداد دوره ويطلق عليها ستانسلافسكي (العناصر ELEMENTS) التي تساعد الممثل في إعداد دوره أملا في الوصول إلى التكامل الفني في العرض المسرحي .

في النظام امتحان لمختلف العناصر الطبيعية والنفسية والعضلية والفنية للممثل . امتحان لنوع العلاقة بينه وبين زملائه ، و للجدل المثمر الذي يوصل إلى نتائج تساعده على الإبداع والنجاح للدور الذي يلعبه . ومن خلال التحليل وإعادة البناء و التركيب و من معرفة الأشياء الساندة لدوره واستيعابها ومن المعايشة اليومية لحركة الناس والمجتمع يتمكن الممثل من نقل أفكاره الحية إلى ألخشبة يساعده في ذلك فهمه المبدع لمحتويات (النظام) . إن العملية الإبداعية في هذا النظام تعتمد على ضبط النفس في الوصول إلى قوانين التكامل الفني للعرض المسرحي ، والتي يعتبرها ستانسلافسكي مادة الخلق والإبداع في نظامه ، لا يمكن تجاوزها بأي حال من الأحوال . إذن من الخطأ اعتبار العمل على طريقة ستانسلافسكي – طريقة شكلا نية – عاجز عن خلق الجديد الذي يدحض الشكل المتحفي الحرفي للطبيعة ، إنما الصحيح هو ( أن الطبيعة تؤطرالحياة على المسرح بالشكل الفني ) . وعليه فأن ، عمل الممثل يكون عملا حيا نموذجيا بوسائله الإبداعية في فن (ألخشبة الحية) لأنه يجسد بعمق محتويات الفكرة و" هكذا هي دعوتي " : كما يقول ستانسلافسكي . هذا القو ل المشهور لم يأت اعتباطا وانما جاء بعد ثمرة جهده في أ لبحث عن ( طريقة عمل جديدة للممثل ) لكي يعطي ( شكلا جديدا الدور ) ، يكتشف من خلاله أهمية تجاربه الحياتية التي تضفي ، من روحه إلى روح الشخصية (الدور) ، من دون أي افتعال أو مؤثرات خارجية مقحمة وانما بشكل تلقائي جذاب يستطيع التحكم به وبالشخصية على المسرح .

يحدد ستانسلافسكي مسبقا هدف البحث في المضامين وأفعالها من خلال التمرين مع الممثل قبل صعوده على الخشبة . وكيف عليه أن يكون مقنعا مقبولا متلائما مع نفسه دوره بكامل شكلا ومضمونا و بمنطق لا يقبل الشك ، يحتم عليه أن يعيش الواقع على المسرح لا أن يمثله ، هذه الحتمية تلزمه أن يكون حيا ، حيويا ، يتنفس الحياة بصدق ويضفي على الخشبة حضورا حيا ، ذو نظام يستند إلى القوانين الطبيعية في الحياة ، شرط امتلاكه التلقائية المطلوبة على المسرح . التي تجعل من الصعوبة عادة ، وعادة سهلة تمتزج مع شروط التمثيل في ، المزاج ، الضبط ، العدالة ، الابتعاد عن الميكانيكية . وهنا يكمن الإبداع في مفهوم ستانسلافسكي : (أن تكون طبيعيا) ذا موهبة للوصول إلى شخصية الممثل الناجح الذي يمتلك الشروط التي حددها ستانسلافسكي والتي يعتبرها مهمة جدا في فن التمثيل .

حدد ستانسلافسكي في نظامه ( أ لطريقة ) مراحل عمل الممثل في الأداء وهي :

عمل الممثل مع نفسه .

عمل الممثل على الدور .

ففي الأولى رسم الطريق في بناء الشخصية من خلال التكنيك الخارجي للصورة التمثيلية التي يطمح الممثل في الوصول إليها عبر عمله الإبداعي الذي يؤدي في النتيجة إلى الشكل النهائي للشخصية على المسرح .

نظام ستانسلافسكي حدد الشكل في الإعداد الحرفي للمسرحية : من وجهة نظره التي حددها كمطلب أساس أطلق عليه أسم (أسس وقواعد عمل الممثل) ، أي ممارسة القيادة في إعداد الدور . حددها بوضوح أشر فيه الهدف المطلوب للباحث والمربي : مدرس مادة التمثيل ، وللقارئ أيضا . أن هذه الصور للنظام يمثل وجهة نظر الأستاذ المربي والموجه سعيا للوصول إلى الدقة في التنفيذ العلمي – المعرفي .وبهذا تكون قد عبرت عن وجهة نظر ستانسلافسكي ، ولأول مرة عن استلام القيادة المتكاملة لحرفية العمل التمثيلي لكل الاختصاصات :مخرجين ، ممثلين ، باحثين ، مربين ، معلمو التمثيل و بأستاذية عالية . وكان ستانسلافسكي من أول من استلم ناصية الإبداع تلك واستحق الريادة فيها . ومع أن الذين سبقوه كان لهم شرف المحاولة في أن يثبتوا تحديدا ولو شكليا لأسس وتعليمات فن التمثيل – وكانوا حريصين على مراجعة المناهج التي سبقته ، الا أن تلك المناهج لم تتطرق ولم تعالج عيوب فن التمثيل والمسرح مثلما عالجها هو بل وكانت بعيدة عن الابتكار والمبادرة ، مثل تحديد ، السلوك ، التصرف ، محاولات التألق الثابتة ( الكليهشة) – للممثل على خشبة المسرح – ومع انهم أصدروا كتبا بذلك – لكنهم لم يتوصلوا إلى ما ثبته ستانسلافسكي في (النظام) . إن القيادة القديمة لفن المسرح كانت متناقضة في الأفعال الداخلية للتعبير عن حقيقة وعمق الانفعالات والعواطف والحالات النفسية ، وفي الأفعال الخارجية لعمل الممثل . لكن ستانسلافسكي اقترح لتلك الحالات الاحتمالات العديدة وأساليب مبتكرة في التقنيات ، وحاضرة في ذهن الممثل : مثل : التعبير عن السعادة ، الفرح ، الحزن ، وغيرها . هذا الينبوع الروحي الممزوج بالموهبة والمسالك المتعددة لتمثيل الشعور وما إلى ذلك من وسائل التعبير الإبداعية . وهي ما كان يسميها ستانسلافسكي ( البصمات المسرحية ) ، واعتبرها هي الأساس في الحرفة(الصنعة المسرحية) التي تتناقض تماما مع (المعايشة) التي يؤكد عليها ، الا انه يعتبر امتلاك الاثنين من ضروريات الإبداع في العمل . وبهذا تميز (النظام) عما سبقه من نظم لأنه حرص على دراسة النتائج المتحققة من التجارب التي يقوم بها . مثل تركيزه على الشعور الداخلي ووضعه في المقام الأول ، وتابع تطوره منذ البداية ، ولم يركز على الظواهر الخارجية للعواطف وركز على الداخلية منها ، لأنه أعتبرها الأهم ومن خلالها يتحر ك التعبير الخارجي الذي هو المنطلق المباشر نحو النتائج الإبداعية حين يقارنها بالتجسيد من غير المحاكاة للطبيعة وتقليدها – أرسطو - ، بل كان قد حددها مع الهدف الذي يجب إنجازه . وبناء على ذلك حتم أن يكون للممثل مخزونا من التجارب التي تساعده في المعايشة والتجسيد ، وهو مسعاه إلى خلق الممثل المتخصص الذي يمتلك الحرفة والإبداع .

(النظام) يمثل إنجاز المعايشة الإبداعية التي تهيأ الامتزاج بين الحياة والفن ، وهي من علامات النظام الإبداعية والانعكاس الذي تتركه الحياة على الإنسان . أن عمل الممثل مع نفسه (المعايشة الفنية) ، هي للتفريق بين (ألفن المصطنع) وبين (ألفن الحياة) على خشبة المسرح . انه خلاصة التأمل الكبيرة عند ستانسلافسكي يحددها في (الجانب النفسي الداخلي) لعملية الإبداع وقد استنتجها من خلال التمهيد باتجاه عملية التكنيك الإبداعي وهو ابتكار توصل إليه في عمل الممثل على الدور .

تعامل ستانسلافسكي مع المسرح كفن متكامل فيه كافة العناصر المكونة للعرض في وحدة فنية وأسلوبية توحد التفكير المبدع لكل الفريق المسرحي ، بقيادة المخرج . لقد أجاب (النظام) الذي ابتدعه ستانسلافسكي على الأسئلة الأخلاقية لعمل الممثل ، كواحدة من أهم الإشكاليات في المسرح ، التي نظمت جوهر النظام للوصول إلى (الهدف الأعلى) . للعمل المسرحي . بهذا المعنى حشد ستانسلافسكي وتحت عنوان النظام عدد كبير من الأسئلة التي أجمعت على الكثير من المواضيع في عمل الممثل والمخرج معا ، هذه العلوم مجتمعة هي التي سارعت بالنهوض في النظرية (النظام) ، وكذلك في الممارسات العملية في المسرح – هذا الموروث الإبداعي الكبير – وفي معرفة تكنيك الخشبة ، وعلم الجمال ، وعلم الأخلاق ، والتربية ، والتنظيم الإبداعي للعمل المسرحي بشكل عام . ولكي نتلافى سوء الفهم في التفسير لمحتويات النظام ومن خلال الحديث عن الإرث الإبداعي له خلال العامين 1950-1951 ، حدد ستانسلافسكي ما يتوجب عمله من تنظيم للقدرات الإبداعية الكامنة عند الممثل في عمله على الدور ، للنهوض بأفكار النص لملامسة الشعور الكامن في حياة القاعة (المتفرجين) . فهذا الشعور من السهولة أن يتحول إلى شعوذة شكلية إذا ما انساق الفنان خلف متطلباتها ، تاركا العمل الضروري من فعل العرض ومتطلباته المهمة .

لقد أكد ستانسلافسكي في أن المعرفة الإبداعية هي وحدها أساس نظامه وهي وحدها التي تقود إلى الصدق ، وان المعرفة الحقيقية لها هي التي تخلق الربط بين الدرس (المسرحية) والممارسة (التجسيد) في رصانة عمل الممثل ، وبالتالي التزام القيم العليا في العرض المسرحي .

لقد نجح في تشكيل جوهر التقاليد التقدمية لفن المسرح الواقعي .
كما نجح في ترصين روح التجريب الخاص بفن الممثل والتكنيك الخاص بعمله على الدور ومع نفسه .
4- تمكن من توضيح طرق التحولات التي توصل الممثل إلى الأساليب التي تساعده في التجسيد والمعايشة على خشبة المسرح .
هذا الامتزاج للنظرية (ألنظام) و تطبيقها هما اللذان شكلا البناء العظيم الذي أسس له ستانسلافسكي وطوره من خلال عمله الطويل ، مربيا ، ومخرجا في الحياة ، والمسرح 0
ألهوامش :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ
*) ألنظام ، هو منهج ستانسلافسكي ، في كيفية تدريب وعمل الممثل في المسرح . والذي تعارف المسرحيون في العراق وربما في بقية البلدان العربية على تسميتها ( الطريقة ) 0
**) كان لعائلة ستانسلافسكي مسرحهم الخاص ، وهو المكان الذي تدرب فيه وقام بتجاربه الأولى عليه ، وكان النواة لتأسيس (مسرح موسكو الفني) 0
1) هو ( قسطنطين سرجيفتش ستانسلافسكي Constantine Sergievitch Stanislavski ) – ( 17/1/1863 – 7/8/1938 ) . ممثل ، ومخرج ، ومربي ، وصاحب أهم نظرية في فن التمثيل تدرس في أغلب معاهد التمثيل في العالم 0
2) هو ( نيميروفتش دانجنكو Nemerovitch Danchenko ) – كاتب ومخرج ومربي ومنظر ، رافق مسيرة زميله ستانسلافسكي في تأكيد نظريته في المسرح وفي تأسيس مسرح موسكو الفني ( مسرح ستانسلافسكي – دانجنكو ) الذي تأسس بعد اجتماع الثمانية عشرة ساعة ، ليحدد قواعد المسرح السوفيتي – انذاك – 0
3) هو ( فيسفولد اميليافيتش ماييرخولد Vesvold Emilievich Mayerhold ) – (9/2/1874 – 2/2/1940 ) واحد من أهم طلاب ستانسلافسكي ودانجنكو ، وواحد من أهم رجالات المسرح الروسي فيما بعد كتب واخرج العديد من المسرحيات لكبار الكتاب ، عمل مخرجا في مسرح ( كوميسارجيفاسكايا ) ، وبعدها مخرجا في مسرح ( أوبرا مارينسكي ) . أسس مسرحه الخاص وقاده من العام 1920 وحتى العام 1938 . هو وفاختانجوف رافقا جوردن كريج عند إخراجه لمسرحية (هاملت) في مسرح موسكو الفني ، بدعوة من ستانسلافكي . أضاف لعمل المخرج في المسرح (ممثل المستقبل) و(البايو ميكانيكا) 0
4) مرجانوف Merdganov : واحد من أبرز طلاب الاثنين ( ستانسلافسكي – دانجنكو ) مخرج وممثل ومدير مسرح . زامل مايرخولد وفاختانكوف وقدم كما قدما العديد من لعروض المسرحية المهمة .

.
.

حسن العلي
08-08-2008, 05:40 AM
.
.


من يوميات ستانسلافسكي .. دروس من دفتر التمثيل
ترجمة د. فاضل خليل

اليوم، وللمرة الأولى يصطحبنا - نيكولاي اركدايفتش - مدرس الرياضة السويدية، وليس ايفانوفيتش كما كنا نتصور. حدثنا (أركدايفتش) باسهاب عن أهم ما يتعلق بالرياضة وأهمية اللياقة البدنية بالنسبة الى الممثل، وكيفية عملها على تهيئة أجسامنا وتوفير اللياقة التي نطمح اليها في العمل المسرحي. سجلت باهتمام بالغ بعض ما قاله (اركدايفتش) في موضوع اللياقة وكيفية تطوير التعبير الجسماني عند الممثل ومن جملة ما دونته قوله:
ـ ان أغلب الناس لايعرفون كيفية استخدام اجسامهم، كما انهم لا يحاولون التخلص من نواقص أجسامهم الطبيعية، والأهم من ذلك، وبالجانب الآخر فهم يجهلون أهمية وكيفية الحفاظ عليها، بل وحتى لا يعرفون الكيفية في أساليب تطويرها، وتنميتها او كيفية تطوير عضلاتهم الضعيفة،

أو كيفية تقويم عمودهم الفقري ان كان يشكو من انحناءآت يمكن معالجتها، أما عن التنفس غير السليم الذي تمارسه الأغلبية، فهو ظاهرة طبيعية في حياتنا جميعا وليس الممثلين فقط.
ان حديث (أركدايفتش) انما هو حديث نابع من الخبرة الطويلة في دراسة الواقع الذي لمسه عن قرب في عمله مع الممثلين وتأكده من عدم قدرتهم على تربية وتقويم ما ينقص أجسامهم، وهو شيء لا يدعو للعجب، لأنهم يجهلون استخدام الوظائف الطبيعية لأجسامهم. وللسبب المتقدم تجدنا وباستمرار نلتقي أناسا يمتلكون أجساما غير منسجمة وغير مرنة بسبب جهل اصحابها في معالجة خلل نواقصها. ان الكثير من هذه السلبيات او جزءاً منها بامكان الممثلين اصلاحها واخضاعها للعلاج. لكن البقية من الناس الاعتياديين لا يخضعون عيوبهم في العادة الى العلاج. والسبب ببساطة، هو ان سلبياتهم وعيوبهم الجسمانية بعيدة عن عيون الآخرين، او بمعنى آخر، لا تخضع للعرض أمام الآخرين في الحياة الاعتيادية. لكن الممثلين وغالبية الحرف كالفن والرياضة التي تكون بمواجهة الناس في الساحات أو على المسرح. لزام عليهم ان يتخلصوا من عيوب اجسامهم وأن يتمتعوا باللياقة البدنية وامتلاك المرونة وكل ما يجعل من جاهزيتهم للعمل بالشكل السليم. كما وتحدث (أركدايفتش) مدرس للياقة البدنية عن أهمية التمارين الرياضية، والجمناستيك –على وجه الخصوص- وأثرها على مرونة الاجسام لهذه الفئة من المبدعين. وكيف ان الجمناستيك سيجعل من حركة تلك الأجسام مرنة ومنسجمة في تأدية أغراضها على المسرح. ان الاهتمام بالجمناستيك، سيساعد كثيرا على تقويم العيوب الجسدية التي شخصناها. ان التمارين اليومية المنتظمة تساعد في ذلك، وهي ليست بالتمارين القاسية والمبتكرة كالتي يمارسها ممتهنو الرياضة وانما هي تمارين من صلب الحياة وتعطي مفعولا اسرع، واجمل ليس فقط من خلال التمارين الحركية الخشنة، ولكن حتى من التمارين الدقيقة التي من النادر استخدامها او انها عندما لا تحصل على عملها الضروري فهي جاهزة لأن تموت وان تضمر، وباحيائها فسيدرك الممثلون احساسا جديدا، وحركات جديدة، وامكانيات تعبيرية اكثر دقة واكثر حساسية، والتي لم يدركوها من قبل ولحد الان. كل هذا له الفضل على الجهاز البدني لأن يصبح اكثر حركة ومرونة، واكثر تعبيراً واكثر استقبالاً واهمية. والذي يجب ان ينجز في حصص الجمناستيك وبعد الفترة الدقيقة فان سألنا المدرس: هل تحبون شكل الجسم الرياضي للاعبي السيرك والمصارعين؟! بالنسبة لي لا أعرف شيئا أكثر جمالا، لأن الانسان الذي يمتلك كتفين هائلين مرتفعين بدوائر من العضلات في كل جسمه، ومواصفات اخرى ليس في هذه الاماكن فقط التي تتطلب قصصا جميلة، لكن...
أركدايفتش: هل كنتم رأيتم مثل هؤلاء الرياضيين وهم بالملابس الرسمية بعد ان ينتهوا من تقديم فقراتهم الفنية (النمرة) في السيرك؟ هل تذكركم اجسام هؤلاء اللاعبين في السيرك ذات الاشكال الكوميدية بحاملي المشاعل اثناء عمليات الدفن؟؟ ماذا يحصل لو ان هذه الاجسام الممسوخة ستلبس ملابس القرون الوسطى التي تلتصق باجسامهم وتبدوا على حقيقتها، كما لو كانت عارية تماما. كم ستكون مضحكة هيئتهم وهم بهذه الاشكال. ليس بمقدوري ان احكم لأي درجة تكون التربية البدنية مهمة، ويكون الجسم بحاجة اليها في مجال الرياضة. ان من واجبي ان احذركم بأن هذا المسخ الفيزيائي (الجسماني) على المسرح ليس من الممكن قبوله. نعم، اننا بحاجة الى اجسام قوية، صحيحة، متطورة، متناسقة، ولكن بدون زوائد فائضة عن حاجة الجسم الجميل المتناسق المعتمد بكماله على (الجمناستيك) وليس العكس.
انتم الآن على مفترق طرق... الى أين ستنطلقون؟
من المؤكد أن الانطلاقة ستكون باتجاه تطوير العضلات، والجهاز العضلي باتجاه الرياضة، انها الحل الامثل الذي يبعدنا عن التأقلم باتجاه قبول الوضع الخاطئ لأجسامنا على ما هو عليه. بالطبع يجب ان يتم التوجيه بهذا الطريق، والجميع قادم لهذا الغرض. وعدم اهمال حصة (الجمناستيك) التي ستطلب منكم ما يتطلبه عمل النحات بالنسبة الى التمثال، فالنحات يبحث عن الخصال الجميلة والصحيحة فسلجيا والسليمة تشريحيا من حيث قياسات الأجزاء وعلاقاتها بالتمثال المراد انجازه. ان مدرس الجمناستيك يجب عليه ان يصل الى ذلك بواسطة معرفته باجزاء الانسان الحية وقياساتها المثالية.
نحن نعرف بأن (لا وجود لأجسام نموذجية مثالية)، وعليه يجب ان تعدل الاجسام وفق فهم حجم مقاسات أجزائها. علينا ان نتعرف على السلبيات والخلل في تلك الأجزاء من الجسم التي يتوجب علينا تعديلها ومن ثم تطوير عمل الاجزاء التي لم تصحح كما خلقت على الطبيعة، ليصبح عملها طبيعي كما هو عمل الاجزاء السليمة خلقيا. وعلينا ان نحافظ على تلك الأجزاء التي أعطتها الطبيعة بشكل ناجح. وهناك أمثلة كثيرة على ذلك، منها: أن البعض يمتلكون أكتافا ضعيفة، وصدوراً ضعيفة كذلك، علينا ان نطورها. ونجعلها سليمة كما هي عند الآخرين أكتافاً عريضة قوية وصدوراً بارزة، وان كانت كذلك علينا ان لا نزيدها بروزاً وسعة أكثر مما يجب، للدرجة التي تصل فيها الى التشويه. عملنا ان لا نزيد النواقص أكثر بواسطة التمارين. فالأفضل تركها كما هي، ونتوجه بالتركيز والاهتمام على الاجزاء التي تحتاج الى التطوير والاهتمام. أن نركز اهتمامنا على الساقين، عندما تكون أجزاؤها ضعيفة أكثر مما يجب، فنعمل على تطويرها كي نصل بها الى الشكل الضرورة المتفق مع الهدف الطبيعي المتفق مع تكوين الجسم. أي أن نجعل من التمارين الرياضية تساعدنا مع الجمناستيك، في الوصول الى الجسم الذي نريده.
ان النحس هو، في ما اذا كان (لاعب الجمناستيك) قبل تمرينه الخطير، يفكر، أو يشك بأن الموت يلاحقه أو يخيفه أو أن التمرين خطير، فذلك سوف يرعبه لشعوره خلال التمرين بأنه في لحظة موت. ان مثل هذا التفكير سيجعله يتذبذب، وعليه - اذن- أن يعمل من غير تردد ويبعد أي تفكير عن مخيلته، أي أن يلقي نفسه بين يدي الحدث (المناسبة) وكأنه يرمي نفسه في مياه باردة، ولسان حاله يقول: ليحصل ما يحصل. على الممثل ان يفكر بنفس الطريقة عندما يصل الى اللحظة الأكثر قوة في دوره في مثل هذه اللحظة: أن يصرخ الألم المجروح في (هاملت)، أو في (عطيل) عندما يصرخ: دما... ياجو... دما. يجب أن لا يبرر الممثل، أو يتذبذب، وأن يعطي للاشياء كامل أهميتها. أن يتهيأ لامتحان الذات في التأثير واجتياز العقبات بتسارع مسبق. على أن نعرف بأن مشاهد المجاميع للغالبية من الممثلين، ستكون فيها المعنويات النفسية أعلى ومغايرة تماما قياسا الى المتعارف عليه. انهم يخافون من اللحظات القوية، وتراهم يتهيأون قبل وقت ليس بالقصير، وبحذر وحيطة. ان هذا يقضي على الانكماشات ويثير في النفس نوازع قوية تقف في وجه كل ما يعيق اكتشاف القوى واللحظات الصعبة في الدور، لأن تجاوزها يساعد النفس كثيراً على ان تعطي المعاني المتفق عليها بدون عوائق. وبعكسه فان الممثلين سيجعلون من جباههم متاريس واقية ضد اللكمات التي تتعرض اليها الشخصية وستتعرض جباههم الى كدمات (عناجير) تلتصق بها مرة تلو مرة. ان المدرب سيهتم كثيراً بأن هذا الخدش الصغير لن يكون مضرا اذا ما وقينا شدة الضربة باستخدام اليد لاتقاء شرها. وان هذا سيجعلنا متمرسين في المرة القادمة لأن نعيد التجربة ذاتها بدون تفكير في اتقاء الضربات، وانما سيكون اتقائها تلقائيا، وبدون حاجة التفكير عند التعود على الدفاع عن النفس، بعيدا عن التعمد في ردود الافعال، وبلا تقاعس وبارادة واعية، وبلياقة فيزياوية (جسمانية) عالية.

.
.

حسن العلي
08-08-2008, 05:47 AM
.
.


ستانسلافسكي
منهجه الذي ولد من احتياجات
الممارسـة فـي الفــن المسرحي

في ربيع سنة ١٩١١، قرأ ستانسلافسكي المخطط الأول لــ«المنهج»، على أسماع غوركي. وحدث بينهما الحوار التالي، الذي سجله تيخونوف (سيريبروفي):
غوركي : يبدو لي أنك ابتدعت عملا في غاية الأهمية، عملا ذا أهمية هائلة، علما عن الفن. قد يبدو للبعض أن الفن والعلم لا يجتمعان. علم وفن؟..لكن الأمر غير ذلك. فالفن هو مجهود انساني، قبل كل شيء آخر. وبعد ذلك، البقية الباقية. ولغرض جعل الجهد مثمرا، ينبغي تنظيمه علميا. هل فهمت فكرتك فهما صحيحا؟
ستانسلافسكي: بالضبط:
وهكذا، علم عن الفن. لقد بحث ستانسلافسكي لمدة خمسين عاما ما سماه غوركي «علما عن الفن». هذا الجهد المضني لفنان عبقري وعارف عظيم بكل مدارات العمل المسرحي المعقد، لم يكن له أن يذهب سدى. ونشأ العلم.
قبل كل شيء، كل علم يميزه أن لا تكون مكوناته مصطنعة، لا تكون مؤلفة، بل مكتشفة. انها موجودة قبل أن تكتشف، ووهي مؤثرة سواء أعرف الناس أو لم يعرفوا، أعجبت هذا الشخص أو ذاك أو لم تعجبه.
وهذا كله، بالدرجة ذاتها، ينطبق على منهج ستانسلافسكي. وهو مثل أي علم أصيل، غير مخترع، غير مصطنع، غير مؤلف، بل مكتشف في الممارسة الحية للابداع التمثيلي، ذلك الابداع الموجود قبل أن يكتشف ستانسلافسكي قوانينه، والتي تبقى موجودة بغض النظر عن معرفة الناس بها، وبأية درجة عرفوا هذه القوانين.
يقول ستانسلافسكي: «ان لطبيعتنا الفنية قوانينها الابداعية. وهذه القوانين الزامية لجميع الناس، لجميع البلدان، لجميع الأزمنة ولجميع الشعوب. وينبغي ادراك جوهر هذه القوانين»... «جميع الفنانين العظام ساروا في ابداعهم حسب هذه القوانين، من غير ان عرفوا بذلك، ساروا من غير أن يعوا ذلك».
ويقول في مكان آخر : « فن المعاناة، يضع في أساس نظريته، مبدأ الابداع الفطري للطبيعة ذاتها، حسب القوانين الطبيعية، التي وضعتها هي». ويقول في مكان آخر : «هناك منهج واحد، هو منهج الطبيعة الحية الخلاقة. ولا وجود لمنهج آخر» .. «قانون الطبيعة الخلاقة، لا يمكن تغييره».
وهكذا، فان السمة الأساسية لمنهج ستانسلافسكي كعلم، هي موضوعية القوانين، التي تكونها.
والسمة الفائقة الأهمية بالنسبة لنا: كل علم أصلي، يوجد لاشباع حاجات الممارسة الانسانية. وهذا كله كاملا ينطبق على منهج ستانسلافسكي. فهو قد ولد من احتياجات الممارسة في الفن المسرحي، وكان هدفه هو تحسين الممارسة. وقد جرب ستانسلافسكي منهجه في الممارسة الابداعية والتعليمية.
وكما في كل علم آخر، لا يمكن لمعايير الممارسة أن تؤكد أو ترفض بالمطلق، القوانين المكونة لمنهج ستانسلافسكي. لأن هذه القوانين هي «تصورات انسانية» ، هي انعكاس في رأس الانسان.
السمة الثالثة المهمة بالنسبة لنا: لا يمكن لأي علم ، بما انه «انعكاس في رأس الانسان» أن يتماهى مع الممارسة التي يخدمها.
كل ممارسة تحتاج الى معطيات طبيعية معينة، أما اذا فُقدت هذه المعطيات، فلن يُستطاع تحسين هذه الممارسة، ولن يُستطاع تطبيق العلم. تماما مثل استحالة الزراعة بصورة عامة، وبذلك استحالة التطبيق العملي المفيد للعلوم الزراعية، عند غياب التربة والماء والهواء.
حين يحاول أحدهم تطبيق العلم، متجاهلا غياب الشروط الضرورية لتطبيقه ، فيصادف الفشل، فان هذا لا يدحض العلم. ان ذلك يثبت فقط، ان الذي أصيب بالفشل لم يكن ملما بهذا العلم بدرجة كافية، وانه -جزئيا- لا يعرف الشروط اللازمة لتطبيقه.
وهذا كله ينطبق على منهج ستانسلافسكي. فلغرض تطبيقه تطبيقا مثمرا، يُحتاج الى شروط ملزمة. وعند غياب هذه الشروط، فان منهج ستانسلافسكي لا يمكن تطبيقه.
الشرط الأول والضروري بشكل مطلق، هو الموهبة، القدرات، الملَكة. ويستحيل بدون هذا الشرط تطبيق منهج ستانسلافسكي، كما تستحيل الزراعة بدون أرض.
هناك شروط أخرى ضرورية، لغرض تطبيق علم فن التمثيل. وسنبحث تلك الشروط في الفصل الأخير.
السمة الرابعة والأخيرة في تعدادنا القصير، الذي لا يستنفد طبعا- كل قائمة السمات: «على النظرية العلمية الشرعية الحقيقية، أن لا تكتفي بشمول المادة الموجودة كلها فقط، بل وعليها أن تفتح امكانيات واسعة للدراسة المستقبلية، ويمكن القول، للتجريب بلا حدود» كما يقول بافلوف.
كل علم أصيل لا يجيب على أسئلة الممارسة فقط، بل ويبحث - دائما - عن أجوبة جديدة، أكثر دقة: كل جواب مؤسس علميا، يفترض طرح سؤال جديد. ولهذا فان العلم لا يستطيع أن يراوح مكانه. فالعلم لا يحتوي على تلك القوانين وتلك الحقائق التي يمكن أن تستعمل في الممارسة بدون إبطاء، بل ويحتوي على تلك المطلوبة لتحقيقها في الحياة، ولاستمرار تدقيقها وتوضيحها وتفصيلها. وتبعا لذلك، لا يدخل في تركيبة أي علم من العلوم قوانين وحقائق مؤكدة فقط، بل وفرضيات وتخمينات.
ولهذا فان التطبيق العملي لأي علم، هو سيرورة ابداعية: ولهذا بالتالي، مهما عرف انسان ما، هذا العلم أو ذاك ، فهناك امكانية لوجود انسان آخر، يعرف ذلك العلم أفضل منه.
وهذا يميز منهج ستانسلافسكي أيضا. فالعلم الذي أبدعه، يمكن معرفته بهذه الدرجة أو تلك، لكن يستحيل معرفته تماما، حتى النهاية. يقول ستانسلافسكي : « أنا ستانسلافسكي، أعرف المنهج، لكني لا أعرف تطبيقه، أو بالأصح، بدأت فقط، في معرفة كيفية تطبيقه. ولغرض احكام المنهج الذي تعهدته، ينبغي لي أن أولد مرة ثانية، وأن أبدأ التمثيل حين أبلغ السادسة عشرة من العمر».
لكن رؤية امكانية تطور علم من العلوم، لا يعني - بالطبع- رفض ما وصل اليه ذلك العلم. فنسبية الحقيقة -كما هو معلوم - لا يلغي موضوعيتها. والحقيقة الموضوعية يمكن معرفتها بشكل موثوق.
واذا اعترفنا أن منهج ستانسلافسكي يمتلك تلك السمات الأربع، التي جرى الحديث عنها، فيمكننا الانتقال الى استنتاج قاتل للمنهج ، للنظرة الأولى: كل موهبة تبدع على حسب قوانين المنهج في كل الحالات، ومن لا يمتلك الموهبة فلن يساعده المنهج بأي شيء... ترى ما فائدة هذا المنهج اذن؟
لو كانت الموهبة، شيئا معطى مرة واحدة والى الأبد، ولا يتغير أبدا، شيئا ما موجود في شكل نهائي معين، أو غير موجودة عند هذا الممثل أو ذاك، لكان منهج ستانسلافسكي بلا فائدة. لكن لا شيء في الطبيعة يراوح مكانه. والموهبة أيضا -تبعا لذلك- ومهما حددنا محتوى هذا المفهوم، وبأي درجة امتلكها هذا الانسان أو ذاك، تكون (الموهبة) لدى أي انسان محدد، في كل الحالات ودائما، في سيرورة النمو والتطور، أو في سيرورة الانحطاط والموت.
واضافة الى ذلك، ليست المسألة في «وجود» أو «عدم وجود» الموهبة عند هذا الانسان أو ذاك، بل في تمظهرها في نشاطاته أو لا: ففي ذلك الأساس الوحيد لتأكيد وجود الموهبة.
الموهبة، مثل اي قدرة فطرية، تنمو وتتطور في سيرورة استعمالها الصحيح، وتخبو وتموت في حالة عدم استعمالها أو استعمالها بصورة مغلوطة، منافية للطبيعة، وقبيحة.
وهذا ينطبق على أية موهبة، من العظيمة الى الصغيرة. الفرق يكمن فقط في أن القوانين الفطرية في المواهب العظيمة تعمل بصورة أقوى، وبفعالية أكبر وتكشف عن نفسها بشكل أتم. ولهذا السبب فان ستانسلافسكي اكتشف قوانين الابداع الموضوعية في ممارسات الفنانين العظام والعباقرة.
وبما ان كل موهبة تتضمن البذور أو القدرات الفطرية، التي يستحيل اكتسابها، فالمسألة -عمليا - تنحصر في تنمية وتطوير الموهبة الموجودة، أو القدرات في الأقل. لقد تبين أن القدرات المتوسطة (من وجهة نظر عامة، اعتمادا على تمظهرها) يمكن تطويرها الى موهبة، وأن أكثر المواهب توهجا يمكن أن تموت ، ويمكن أن تصبح أبهى وأغنى. ويعتمد ذلك على هذه الدرجة أو تلك على كيفية استعمال هذه الموهبة في الممارسة.
ينبغي لك لاتقان منهج ستانسلافسكي، أن تريد حقا وبعمق، أن تتقن فنك اليوم بأفضل مما كنت البارحة. أما اذا كان الممثل او طالب الفن لامباليا، راضيا عن نفسه -في أعماقه- وعن موهبته وعن قدرته، فلا فائدة في دراسته لمنهج ستانسلافسكي، قبل أن يتهدم رضاه عن نفسه هذا.
ان هذا النوع من الطمأنينة، الذي يكون أحيانا مخفيا عميقا ومقنَّعّا غريزيا بمهارة، لا يشكل شيئا دخيلا على الموهبة، أو شيئا يمكن أن يوجد الى جانب الموهبة أو على الرغم منها، كلا، انه نقص في الموهبة، انه عيب في الموهبة ذاتها، ذلك أنه خلل في الارادة الابداعية.
يقول ستانسلافسكي : «كلما كان الفنان أكبر موهبة، كبر اهتمامه بالتقنية، وبالتقنية الباطنية بشكل خاص. لقد منحت الطبيعة الصحة ومكوناتها لشيبكين وليرمولفا ولدوزيه ولسالفيني ، لكن، وعلى الرغم من ذلك، كانوا يشتغلون على تقنياتهم»..« ومن باب اولى أن يشتغل عليها أصحاب المواهب المتواضعة».. « علما أنه لا ينبغي أن ننسى أن الموهوبين حسب، لن يصبحوا عباقرة أبدا، لكن بفضل دراسة طبيعتهم الابداعية الخاصة وقوانين الابداع والفن يرتفع أصحاب المواهب المتواضعة الى مستوى العباقرة، ويصبحون من صنفهم. ويحدث هذا التقارب من خلال المنهج، وبالأخص «الاشتغال على الذات».
تسمع أحيانا مثل هذه العبارة: «هذا الممثل يمثل بحسب منهج ستانسلافسكي» ثم تسمع أحيانا من يكمل قائلا: «ومع ذلك يمثل بصورة جيدة متوهجة وأخاذة». في هذه العبارات يتكشف الفهم السطحي للمنهج ونفي جوهره ذاته، ونفيه كعلم.
يمكن أن يكون التمثيل جيدا أو سيئا ويمكن أن يكون أحسن ويمكن أن يكون أسوأ. وكل من يمثل جيدا ( اي يكشف عن موهبته) فهو يمثل بناء على القوانين الموضوعية للابداع. ويمثل على حسب «المنهج» بتلك الدرجة، وبما انه يمثل جيدا. علما بأن المتفرج لا يهتم ابدا، أكان الممثل يفكر بالمنهج حين كان يشتغل على دوره أم لا. تماما كما أن كل من يمثل تمثيلا سيئا ( لا يكشف عن موهبة) فانه «لا يمثل حسب المنهج» حتى لو كان طيلة فترة عمله لم يفكر الا بتنفيذ تعليماته. وما دام قد مثل تمثيلا سيئا فانه لم يحسن أو لم يستطع استعمال المنهج.
ان الممثل المهموم في لحظة الابداع بهذا المنهج أو ذاك، يكون تمثيله سيئا، لهذا السبب وحده. فالمنهج موجود للمساعدة في سيرورة الابداع الطبيعي، لا ليحل محلها. والممثل يبدع على الخشبة كما يتطلبه المنهج، في الحالة التي لا يكون لديه في لحظة الابداع وقت ليفكر بأي منهج كان.
يقول ستانسلافسكي: «المنهج» ليس «كتابا للطبخ»: تحتاج الى طبخة معينة فتفتح الصفحة وتأخذ الوصفة. كلا، انه ثقافة كاملة، ينبغي النمو والنشأة فيها لسنين طويلة. المنهج لا يمكن حفظه عن ظهر قلب، بل يمكن تفهمه والتشبع به، ليدخل في دم ولحم الفنان ويصبح طبيعته الثانية ويمتزج به حيويا الى الأبد، ليعيد ولادته للخشبة. وتجب دراسة «المنهج» بأجزائه ، وبعد ذلك ادراكه في كليته وفهم بنيته العامة وتركيبته. وفي هذه الحالة سيفتح أمامكم مثل مروحة يابانية، وعند ذلك فقط، ستحصلون على تصور كامل عنه».
وينشأ عن ذلك: ان منهج ستانسلافسكي علم متكامل، متحد، متساوق: ويتكون من أجزاء، كل جزء بدوره، كلُ معقدُ يتكون من أجزاء هو أيضا، ولهذا فعند دراسة منهج ستانسلافسكي كعلم، مهم جدا، النفاذ الى كل دقائقه، أي التمكن منه بالتفاصيل وبتفاصيل التفاصيل من جهة، ومعرفة مكان كل تفصيل ومهمته ودوره، كجزء في كل متساوق، بالضبط وبالتحديد، من جهة أخرى.
ان اساس المنهج في الحقيقة، هو ادراكه في كليته، في وحدته، أي دراسة العلاقات المتبادلة والاعتماد المتبادل لجميع أجزائه. ولغرض الشروع في دراسة المنهج دراسة تفصيلية، من الملائم استعراضه استعراضا عاما.
لو أردنا دراسة بنيان معماري متساوق في كل تفاصيله، لما بدأنا بدراسة التفاصيل هذه، بل من استعراض البنيان كله في كليته.
ولو اقتربنا من منهج ستانسلافسكي بطريقة مشابهة، لاستطعنا أن نكتشف فيه أجزاءه وأقسامه وأوجهه، المشابهة لواجهات البنيان المعماري. لكن بما ان المنهج ليس شيئا بالمعنى الحرفي لهذه الكلمة، فان تقسيمه الى أجزاء وأقسام وأوجه، هو-بالطبع- تقسيم اصطلاحي، نظري، ضروري لتعريفه تعريفا عاما ابتدائيا. ان كل جزء من هذه الأجزاء، أو وجه من هذه الوجوه يتكاثر في أجزاء وأوجه أخرى، مرتبط بها حيويا، لذا لا يمكنه الانفصال عنها.
منهج ستانسلافسكي كعلم يتكشف، وكأنه يتكشف من ثلاث جهات. انه يتكشف بالتحديد. ويمكن النظر اليه من ثلاث جهات، لكن عند التعمق في كل جهة، أي الانطلاق من السطح الى اللب، سيتضح أن اللب عند الجهات الثلاث هو نفسه، وان هذه الجهات الثلاث تلتئم في اللب في كلٍ واحد. هذا الكلُ إذ يتفصل ويتطور في كل الاتجاهات، يعطي الجهات الثلاث التي مر ذكرها. انها تبدو فقط، وكأنها موجودة منفصلة، تتحدث عن مواضيع مختلفة، لكنها في الحقيقة، تتحدث عن موضوع واحد من جهات مختلفة، أي تعطي تصورا متعدد الجوانب عن موضوع واحد.
هناك الكثير من اللبس في تفسيرات منهج ستانسلافسكي، يتأتى من هنا تحديدا: أحدهم ينظر اليه من جهة ويؤكد أنها هي المنهج، والثاني ينظر اليه من جهة ثانية ويقول انه شيء آخر، لأنه نظر اليه من جهة أخرى، أما الثالث فقد اهتم بجهة ثالثة، ولهذا يبدو له بصورة جلية أنه شيء ثالث. لكنه في الحقيقة شيئا ما أكبر من الأول والثاني والثالث، شيء يتكشف بأشكال مختلفة من جهات محتلفة.
مع العلم أن أيا من تلك الجهات في ذاتها لا يمكن أن تعطي تصورا دقيقا وكاملا عن هذا الشيء.
المنهج من وجهة نظر احدى الجهات هو علم عن: ما هو المسرح ولماذا يحتاجه المجتمع الانساني. ما الذي ينبغي تسميته فنا مسرحيا وما الذي يذكِّر بذلك الفن بشكله فقط ، لكنه لا يملك الأسس للتسمي باسمه. هذا كأنه جهة واحدة، جزء، قسم من أقسام علم فن التمثيل ـ الاسطيطيقا.
الجهة الثانية (جزء، قسم) لهذا العلم تتاخم الأولى مباشرة. انها علم عن كيف ينبغي أن يكون الممثل، لكي يمتلك الحق في ابداع العمل الذي يلبي الوظيفة الاجتماعية للفن ـ الأخلاق.
الجهة الثالثة (جزء ، قسم) يربط من جديد، الأولى بالثانية. انه علم عن كيفية تحقيق الممثل لامكاناته،بأسرع الطرق وبأكثر عقلانية وفعالية. كيفية الوصول الى الهدف وهو يمتلك الوسائل ويعرف الهدف، كيف يعمل عمليا لكي يبدع العمل الفني منسجما مع وظيفته ـ تقنيات التمثيل.
ان ارتباط هذه الجهات الثلاث واضح للعيان بشكل مطلق: احداها تتحدث عن الهدف والثانية عن الوسائل والثالثة عن الطرق لاستعمال هذه الوسائل، وهي كلها: الاسطيطيقا والأخلاق والتقنيات تبحث في الموضوع الواحد نفسه : عن ابداع الممثل الأصيل.

.
.

حسن العلي
08-08-2008, 05:50 AM
.
.

السمة الأولى التي ذكرناها عن علم المسرح، تؤكد وتنمّي تلك المبادئ ذاتها، التي تمسك بها العديد من السابقين على ستانسلافسكي، في الفن الروسي الواقعي وفي الفكر الاجتماعي التقدمي الروسي عامة. فقد أفصح عن هذه الأفكار أكثر من مرة، بوشكين وغوغول وشيبين وأستروفسكي وتورجينيف وتولستوي ولينسكي وتشيخوف.
وستانسلافسكي الذي تربى على تقاليد الفن الواقعي، كان يقف في مواقع مشتركة لكل القوى التقدمية في المجتمع والفلسفة والعلم والفن. ويمكن تحديد هذه المواقع باختصار: غنية المحتوى، مفهومة،صادقة. واخلاص ستانسلافسكي لهذه المعالم يعرفها الجميع. فقد كتب في سنة ١90١ «هل تعرفون لماذا تركت أعمالي الخاصة واشتغلت في المسرح؟ لأن المسرح أقوى المنابر، وأقوى في تأثيره من الكتاب والصحافة. لقد وقع هذا المنبر بأيدي أوباش البشرية فحولوه الى مكان للعهر. وواجبي أن أعمل على قدر استطاعتي، لتنظيف عائلة الفنانين من الجهلة وغير المتعلمين والمستغلين. واجبي أن أشرح- على قدر استطاعتي- للجيل المعاصر، أن الممثل مبشر بالجمال والحقيقة».
يقول ستانسلافسكي ، كما سجل كلماته غورجاكوف : «تذكروا، أن واجبي أن اعلمكم عمل الممثل والمخرج الشاق، لا تزجية الوقت الممتع على الخشبة. اذ توجد مسارح ومناهج أخرى ومعلمون آخرون لهذا. فعمل الممثل والمخرج كما نفهمه، سيرورة ممضة، وليس «سعادة الابداع» التجريدية، التي يتكلم عنها الدخلاء على الفن في بياناتهم الفارغة. ان مجهوداتنا تعطينا الفرح حين نبدأها. انه فرح الادراك أننا نملك الحق، ومسموح لنا بممارسة العمل الذي نحب، الذي نذرنا له كل حياتنا. ان جهدنا يعطينا السعادة حين نقوم به، إذ نخرج مسرحية أو نمثل دورا، نكون قد قدمنا منفعة للمتفرج وأوصلنا له شيئا ضروريا ومهمّا لحياته ولتطوره. وباختصار، أعود الى كلام غوغول وشيبكين عن المسرح، التي سمعتموها مني مرارا وستسمعونها لاحقا». وهكذا، فان على المسرح أن يحمل محتوى يساعد المتفرج على أن يعيش ويتطور روحيا.
«ينبغي للفن أن يفتح العيون على المُثُل التي أبدعها الشعب نفسه. يأتي الكاتب، يأتي الفنان، ويرى هذه المثل فيخلصها من كل الشوائب فيلبسها شكلا فنيا ويقدمها الى ذلك الشعب الذي أبدعها، لكن في الشكل الذي، تصبح هذه المثل أفضل تمثلا،وأسهل فهما». وهكذا فان التوجه نحو اغناء المعني يُستكمَل بالتوجه نحو امكانية الفهم.
لكن «الشكل اليابس للموعظة أو المحاضرة ليست محبوبا. لن نقول أن المسرح مدرسة. كلا ، المسرح متعة. ولا يفيدنا أن نفقد هذا العنصر المهم. فليذهب الناس الى المسرح دائما طلبا للمتعة. لكنهم هاهم، قد أتوا، وأغلقنا عليهم الأبواب وأطفأنا المصابيح، وصار بامكاننا أن نصب في أرواحهم ما نشاء».
يقوم المسرح بمهمته الاجتماعية ـ التربوية فقط، حين يتمتع المتفرج بالمعرض المسرحي، وحين يحصل على المتعة الفنية في المسرح، وحين يستغل المسرح ذلك، فيقوم بالدعاية لتلك المثل التي «ابدعها الشعب نفسه».
ان التوجه نحو المفهومية مرتبط ارتباطا وثيقا بالتوجه نحو الصدق والكشف عن جوهرالأحداث المعروضة في العمل الفني.
يقول سالتيكوف ـ شيدرين : « نلاحظ أن الأعمال الفنية التي تنتمي الى المدرسة الواقعية تعجبنا، وتثير فينا التعاطف، وتلامس مشاعرنا وتهزنا ، وهذا وحده يمكن أن يكون اثباتا كافيا أن في هذه الأعمال شيئا ما، أكثر من مجرد التقليد. وفعلا، يصعب على العقل الانساني أن يكتفي بالنقل العاري للعلامات الخارجية: انه يتوقف على العلامات الخارجية بالصدفة فقط، ولفترة قصيرة جدا. انه ينقب في كل مكان، وحتى في أتفه التفاصيل عن ذلك الفكر الحميمي، تلك الحياة الداخلية، التي تعطي -وحدها- للواقعة ، المعنى الحقيقية والقوة».
ان ما يسميه سالتيكوف ـ شيدرين «الفكر الحميمي» و«الحياة الداخلية» و«المعنى الحقيقي والقوة» هو نفس ما يسميه ستانسلافسكي -في الحقيقة- «حياة الروح الانسانية» ، الوظيفة الابداعية الرئيسة للفن». ان ستانسلافسكي وسالتيكوف ـ شيدرين يتكلمان عن جوهر الظاهرة التي ينبغي للكاتب والفنان ولكل مبدع أن يعبر عنها، ويحققها بحيث تصبح قابلة للرؤية وللسمع، وقابلة للاستقبال المباشر، لكي تكون مفهومة للقارئ والمتفرج والسامع.
ان الفنان اذ يستعيد ظاهرة الحياة الحقيقية لا «ببرود» أو بدون احساس، محاولا عرض جوهرها، يصبح معبرا عن فكرة معينة، معلما، مربيا للشعب. ان وجهة نظره وموقفه الاجتماعي وموقفه السياسي تتكشف في تأكيده جوهرا معينا - بالتحديد- في الظاهرة التي يصورها، وفي تأكيده ظاهرة معينة -بالتحديد- كظاهرة نمطية.
ان تقاليد العاملين في ثقافة ما قبل الثورة، كانت تتوجه نحو غنى المحتوى والمفهومية والصدق، التي أكدها ستانسلافسكي أيضا، مؤشرا وحدة اتجاهها، قادت (تقاليد العاملين) الى تكاملها الفني المتصل.
«المسرح قوة جبارة للتأثير النفسي على جماهير الناس، الباحثين عن التواصل. المسرح مدعو لتصوير حياة الروح الانسانية، وهو يستطيع تطوير وتهذيب الشعور الجمالي». هذه الكلمات كتبها ستانسلافسكي في سنتي ١٩١٣ ـ ١٩١٤ . وقد طور وحدد -أثناء كل حياته- ذلك المفهوم للفن والمسرح الذي ورثه عن غوغول وشيبكين وأسترفسكي، ودافع عنه بصلابة لا تتزعزع : الفن المسرحي هو شكل خاص للنشاط الاجتماعي : الممثل هو شخصية اجتماعية وخادم لشعبه.
وهكذا، فان العلم الذي أبدعه ستانسلافسكي يجيب عن سؤال «تحديد الأهداف»: لماذا يحتاج الناسُ المسرح؟ اذا نظرنا الى المنهج كعلم، فان تابعيته لوظائف الفن عامة، واضحة للعيان. ولهذا تسمى هذه الآراء «اسطيطيقا منهج ستانسلافسكي».
ان «الجهة» الجمالية للمنهج،تتحول عفويا الى التالية: ان ادراك أهداف الفن المسرحي يولد متطلبات جمالية، من أولئك الذين يريدون ابداع هذا الفن.
ننظر الآن الى منهج ستانسلافسكي من جهة ثانية. ويسمون هذه الجهة في العادة، قواعد سلوك منهج ستانسلافسكي. انها تنير دائرة واسعة من الأسئلة: كيف يجب أن تكون وجهة نظر الممثل وثقافته العامة وتعليمه، وكيف يكون تبعا لذلك تصرفه في المسرح وفي الحياة العامة وفي الحياة اليومية، كيف تكون صورته الأخلاقية؟. كل هذا المركب من الأسئلة يقود في نهاية المطاف الى شيء واحد: كيف ينبغي أن يكون الممثل نفسه ليمتلك الحق والامكانية على الابداع في الفن، طبقا لوظيفته الاجتماعية؟.
يؤكد علم المسرح - على الضد من التحامل المثالي القديم - وجود اعتماد متبادل غاية في التعقيد مع أنه مخفي أحيانا، لكنه لا يقهر، بين ذلك الذي يشكله كل ممثل معين (من حيث وجهات النظر والثقافة والحياة اليومية وما الى ذلك) وذاك الذي يمكن أن يبدعه في الفن. هذا الاعتماد معقد جدا، ثم ان «سلوك منهج ستانسلافسكي» يشكل قسما كاملا من المنهج.
يقول ستانسلافسكي : «أنا أحاول ادخال منهج معين في عملية تربية الممثل وعمله على نفسه، لكن ينبغي أن يُحدد منهج معين لآراء وأحاسيس أي مبدع يبحث في ابداعه عن الحقيقة، ويريد أن يكون مفيدا للمجتمع من خلال عمله». هذه «الآراء والأحاسيس» عبر عنها ستانسلافسكي بمعادلة مختصرة: «ينبغي أن تتمكنوا من محبة الفن في أنفسكم، لا أن تحبوا أنفسكم في الفن». لكن المعادلة تأخذ أهميتها الحقيقية حين يُفهم الفن كما فهمه ستانسلافسكي.
من هنا تنبع المتطلبات الواسعة من الممثل. فاذا كان المطلوب من الفن الكشف عن جوهر الظواهر، فان على الممثل أن يجد هذا الجوهر. فكيف سيستطيع ذلك ان لم يتقن وسيلة الادراك التقدمية لكل عصر، واذا لم يتمكن من ثقافة عصره التقدمية ويمتلك أفقا واسعا؟
اذا كان المطلوب من الفن خدمة الشعب، فان على الممثل أن يعرف حاجات ومصالح شعبه. فكيف سيعرفها ان لم يعش حياة شعبه ولم يشاركه همومه وتطلعاته؟
واذا كان الممثل يريد أن يقوم بواجبه الاجتماعي، فكيف يستطيع أن لا يثمن تقنيات فنه، أي أدواته الحرفية للقيام بهذا الواجب؟ كيف يمكن أن يسكت على نواقص صنعته؟ كيف يمكن أن يهمل أية فرصة لتكامل تقنياته الخارجية والداخلية؟
وتبعا لذلك، فان «حب الفن في نفسك» يعني السعي حقا، للتنفيذ الأمثل لواجباتك كفنان ـ مبدع ، كفنان ـ مواطن، والتخلص من أي زمان ومكان للاهتمام بمصالحك الأنانية الخاصة وما الى ذلك.
علم المسرح يدرس النظم الطبيعية لـ « عمل الممثل على نفسه» بالمعنى الأوسع لهذه الجملة. الكلام يدور ثانية هنا، حول القوانين العامة. ولهذا سيكون عن طرق واتجاهات عمل الممثل على نفسه، أكثر منه عن المتطلبات المعيارية. الطريق الذي يقترحه ستانسلافسكي لا نهائي، يسعى نحو المثال، لكنه ملموس في الآن ذاته. ويستطيع كل ممثل السير على هذا الطريق الى الأمام كل يوم - حرفيا- ما دام يمتلك الارادة الابداعية.
لقد شرح ستانسلافسكي هذا القسم من العلم على شكل دعوات وتمنيات وطلبات من الممثل بصفته محترفا ومتخصصا في حرفته.
تورجينيف كتب (وكان يمكن أن يقول ستانسلافسكي ذلك): «فيما يخص الجهد: فبدونه وبدون العمل الشاق سيبقى أي مبدع مجرد هوّي: ولا معنى هنا لانتظار ما يسمى بلحظات الالهام، فاذا جاءت فأهلا بها، وان لم تأت ..اعملوا على أي حال: ولا يكفي العمل على الشيء الذي تمارسوه فقط، لكي يعبر بالتحديد عن ما تريدون التعبير عنه بتلك الدرجة وذلك الشكل الذي تريدون، بل ينبغي لكم أن تقرأوا وتدرسوا بدون انقطاع والتعمق بكل ما يحيط بكم، وأن لا تكتفوا بمحاولة اقتناص الحياة في كل تمظهراتها، بل وينبغي أن تفهمونها وتدركوا تلك القوانين التي تحركها والتي لا تظهر على السطح دائما، وينبغي الوصول الى النماذج من خلال لعبة الصدف، والبقاء - مع ذلك- مخلصين للحقيقة، ويجب عدم الاكتفاء بالدراسة السطحية، وينبغي الابتعاد عن الزيف والمؤثرات الاستعراضية. الكاتب الموضوعي يحمل على عاتقه حملا ثقيلا، لذا يجب أن تكون عضلاته قوية».
لقد طبق ستانسلافسكي هذه المتطلبات العامة من كل مبدع موضوعي ، على الممثل، ونماها وفصلها. وبذلك أوضح ماذا تعني «محبة الفن في نفسك» بالنسبة للمثل، وماذا عليه أن يعمل، اذا كان فعلا يحب الفن في نفسه، لا نفسه في الفن.
ممتع أن نقارن معادلة ستانسلافسكي هذه مع كلمات ليوناردي دافينتشوا : « حقا ان الحب العظيم تولده المعرفة العظيمة لذلك الموضوع الذي تحب، وان لم تدرسه فلن تستطيع محبته أو ستحبه قليلا، وأما اذا أحببته بسبب الهبات التي تنتظرها منه، لا بسب صفاته الخاصة، فأنت تتصرف مثل الكلب الذي يهز ذيله أمام من يعطيه عظما».
العلم الذي أبدعه ستانسلافسكي يسلّح الممثل بـ «معرفة الموضوع»، ولهذا فهو يفترض «حبا عظيما»، يولده ويتطلبه.
لو تكوّن العلم عن المسرح من القسمين الذين تحدثنا عنهما، لسلّح -في هذه الحالة - الممثل بالتصورات عن النماذج من المسرح المثالي والممثل المثالي. ومع صحة هذه التصورات يصعب أن نسميها علما بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة. ذلك أن على العلم أن يرينا الطريق الملموس، المسبَّب موضوعيا، والتفصيلي الى الهدف.
.
.

حسن العلي
08-08-2008, 05:51 AM
.
.

يقول ستانسلافسكي: «ان صعوبة وتعقيد فننا تكمن في أننا نعرف ما هو الصحيح وما هو الضروري وما هي الفكرة التي ينبغي أن تنطلق من الخشبة. لكننا لا نعرف ولا نحسن كيف نكسوها في شخصية مسرحية وكيف نضعها ضمن موضوع، في فعل مسرحي، كيف نعبر عنها في طبع وتصرفات البطل».
«بين الفكرة ، القانون، الأساس الجديد -مهما كانت هذه كلها صحيحة- وتحقيقها، مسافة هائلة. ولتقريب هذه المسافة ينبغي العمل كثيرا وبجد على تقنيات فننا، التي لا تزال في مرحلة بدائية».
عند مراجعتنا الجزءين أو الوجهين الأوليين من منهج ستانسلافسكي، رأينا التقاليد بوضوح. العلم الحديث في هذين الجزءين يعتمد على ارث غني. لكن الأمور في الجزء الثالث ليست على هذا المنوال. ذلك أن هذا القسم لم يبحث قبل ستانسلافسكي تقريبا.
فقد ذكر : « على الرغم من جبال من المقالات المكتوبة والكتب والمحاضرات والملخصات عن الفن، وعلى الرغم من بحوث المجددين باستثناء بعض ملاحظات غوغول وبعض سطور رسائل شيبكين ، فليس لدينا شيء مكتوب يمكن أن يكون ضروريا ومفيدا -عمليا- بالنسبة للفنان في لحظة تحقيق ابداعه، أو يمكن أن يكون مرشدا للمدرس في لحظة لقائه مع الطلبة. فكل المكتوب عن المسرح، مجرد فلسفة، ممتعة أحيانا، تتكلم بشكل رائع عن النتائج التي ينبغي الوصول اليها في الفن، أو نقد يبحث جدارة أو عدم جدارة النتائج المحرزة.
كل هذه المجهودات قيمة وضرورية، لكن ليست للممارسة العملية المفيدة، لأنها تسكت عما ينبغي عمله في الأوان الأول والثاني والثالث مع الطالب المبتدئ الخالي من التجربة، أو -بالعكس- مع الممثل الذي أفسدته التجربة الفائقة. ما هي التمارين التي تشبه تمارين الصولفيج، الضرورية له؟ ما هي السلالم الموسيقية التي يحتاجها الفنان لتطوير مشاعر الابداع والمعاناة؟ اذ ينبغي تعدادها بالأرقام -بدقة- في كتيبات الوظائف اليومية لغرض التمارين المنهجية في المدرسة وفي البيت. لكن الأعمال والكتب التي تتحدث عن المسرح تسكت عن ذلك، وتخلو من الارشادات التطبيقية».
القسم الثالث للمنهج ، اي الجهة التي نراجعها الآن، قد أعاد ستانسلافسكي -في الحقيقة- بناءها من جديد. ويمكن تسمية هذا القسم: «علم عن التقنية، علم عن المهارات، أو تكنولوجيا فن التمثيل».
واذ ابدع ستانسلافسكي هذا العلم فقد سار الى الهدف مباشرة.
بداية البحث، والنتائج الأولى اختلفت عن المرحلة النهائية اختلافا دراماتيكيا. فمن تخمينات عبقرية ومحاولة تسويغها عن طريق السيكولوجيا، التي كانت هي نفسها تهوم في الظلام، الى علم متساوق يعتمد على العلم المادي التقدمي، مفسرا أكثر مسائل التقمص والمعاناة تعقيدا. هكذا كان درب تطور هذا القسم من المنهج. والآن فقط، بعد المرور بهذا الدرب، صار المنهج -في الحقيقة- علما. الآن صار موضوعه ، أي السيرورة الموضوعية لفن التمثيل، مُنارا من جميع الجهات، كسيرورة بالتحديد، كنشاط متخصص.
لقد ألقينا نظرة عجلى على البناية الجليلة لعلم المسرح، ووصّفنا أوجهها الثلاثة بملامحها العامة، لكننا لم نستعمل مطلقا، عبارات ستانسلافسكي المعروفة جيدا، «الهدف الأسمى» و« الفعل المتحكم» (الترجمة الحرفية هي الفعل المُختَرِق، لكني آثرت ترجمتها الى الفعل المتحكم..المترجم). ترى كيف كان ذلك ممكنا، ولماذا؟ وعند بحث أي من الوجوه، كان علينا أن نتوقف عند هذه المفاهيم؟
كان ستانسلافسكي يسمي «المركز الرئيس»، «العاصمة» ، «قلب المسرحية» ، «الهدف الرئيس الذي أبدع الشاعر من أجله عمله الفني ، والذي مثل الفنان من أجله أحد أدوار المسرحية»،يسمي ذلك كله «الهدف الأسمى».
«ترى أين علينا البحث عن هذا الهدف؟
ـ في روح الشاعر وفي روح الفنان، أي في الدور.
أو بكلمات أخرى، ليس في الدور فقط، بل في روح الفنان نفسه».
وكان ستانسلافسكي يسمي «السعي خلال المسرحية كلها» نحو الهدف الأسمى «الفعل المتحكم». وكتب : « ان خط الفعل المتحكم يوحد ويخترق، مثل خيط ينتظم قلادة،كل العناصر ويوجهها الى الهدف الأسمى العام، الذي يوضع كل شيء في خدمته».
هذه التعريفات الأكثرعمومية واختصارا للهدف الأسمى وللفعل المتحكم، تستطيع أن تعطي اجابات للأسئلة المطروحة في أعلاه.
ان العلم عن الهدف الأسمى وعن الفعل المتحكم ليس جهة أو قسما أو فصلا من منهج ستانسلافسكي كعلم، انه جوهر ولب هذا العلم كله. انه كل ما يتفصل وما يتحدد ويتطور في كل قسم أو فصل من المنهج، في كل وضع من أوضاعه. انه ما يشع من المنهج عند تدقيق النظر من أية جهة كانت.
اذا نظرنا- بكل الخصوصيات والتفاصيل- الى مسألة ما هو المسرح وما هي ضرورته وبماذا يختلف المسرح الجيد عن المسرح السيئ، لوصلنا الى الدور الحاسم للهدف الأسمى والفعل المتحكم.
واذا درسنا بنزاهة مسألة كيف ينبغي للممثل أن يكون ليتمكن من أداء مهمته، سنصل ثانية الى الدور الحاسم للهدف الأسمى والفعل المتحكم.
واذا تعمقنا -أخيرا- في تعاليم ستانسلافسكي عن تقنية فن الممثل، فسنصل هنا أيضا، الى الهدف الأسمى والفعل المتحكم. ذلك أن كل التقنية وكل المهارة كما فهمها ستانسلافسكي هي تقنية ومهارة العثور على الهدف الأسمى والفعل المتحكم في المسرحية وفي داخل الممثل نفسه، وتحقيقهما.
ولهذا «فان كل ما موجود في «المنهج» ضروري بالدرجة الأولى، للهدف الأسمى وللفعل المتحكم». «الهدف الأسمى والفعل المتحكم، ذلك هو الأرأس في الفن». «في الهدف الأسمى والفعل المتحكم يكمن كل شيء».
لكن منهج ستانسلافسكي ما كان ليكون علما، لو انه أكد هذه الحقيقة واكتفى بذلك. ان منهج ستانسلافسكي علم، فقط لأنه يكشف عن النماذج الطبيعية الكثيرة والمعقدة، النابعة من هذا القانون العام والمتعلقة بمختلف الجهات لتلك الظاهرة التي يدرسها، المعقدة بأقصى ما يكون التعقيد، لكنها في جوهرها موحدة : ظاهرة ابداع الممثل.
العلم لا يكتفي بالاقرار بالوقائع: النار تدفئ، الماء يجري، الأجسام لها وزن، بدون الهدف الأسمى والفعل المتحكم، لا يمكن أن يوجد فن تمثيلي كامل القيمة. العلم يكشف النماذج الطبيعية المعينة، التي تنوجد -نتيحة لها- الظواهر المدروسة، ويعرض في ماذا، وأين، ومتى، ولماذا. وبأية درجة تتكشف هذه القوانين.
منهج ستانسلافسكي يسلِّح الممثل، لا لأنه يدعو الى الموافقة على المبدأ العام، المعروف -بالمناسبة- قبل ستانسلافسكي بمدة طويلة، مع أنهم كانوا يطلقون عليه كلمات أخرى، بل لأنه يكشف نماذج طبيعية عديدة مختلفة محددة، تحكم السيرورة الابداعية، التي تقود الى تحقيق الفعل المتحكم والهدف الأسمى.
بعد كل ما قيل، ينبغي أن يكون قد أصبح واضحا ضعف السؤال المطروح حول أي أوجه المنهج أكثر أهمية: الأسس الفكرية أم قواعد السلوك أم النظريات حول التقنية والمهارة؟
هذا السؤال يشبه التالي: ما هو الأكثر أهمية للجسد الانساني: الدورة الدموية أم الجهاز الهضمي أم المنظومة العصبية؟ أو ما هو الأكثر أهمية: الفكرة أم تحقيقها؟
هذه الأسئلة -من ناحية المبدأ- عبثية بالدرجة ذاتها، لكن في التطبيق يحدث أن تكون عند الشخص المعين الدورة الدموية والجهاز الهضمي طبيعيين، في حين تكون المنظومة العصبية مختلة، أو ان الشخص المعين يحقق الفكرة من غير أن يفهمها فهما تاما. ما دامت هذه العيوب التفصيلية صغيرة فانها لا تدمر الكل. أما حين تتعدى حدودا معينة، فانها تصبح قاتلة.
الانسان الذي يحقق الفكرة تحقيقا أعمى يمكن أن يتوه بسهولة، وأن يرتكب الكثير من الأخطاء، ويمكن أن يبتعد عن الفكرة ويؤذيها من غير أن يقصد ذلك. والمنظومة العصبية المختلة ستقود لا محالة الى مرض الجسد كله، ومن ثم الى موته.
وهذا ما يحدث مع منهج ستانسلافسكي. فكل من «الجهات» الثلاث التي أفردناها اصطلاحا، تغني وتكمل أي واحدة أخرى. وحرمان المنهج أيا من هذه الجهات، يعني تدميره كعلم. لكن في ممارسة هذا المسرح أو ذاك، هذا الممثل أو ذاك، يمكن أن يكون الوضع أفضل في هذه الجهة أو تلك، لكن حتى حد معلوم. فبعد هذا الحد، أي عيب في اي جهة يخرب الكل. وعندئذ لا يعود بالامكان القول ان هذا المسرح أو هذا الممثل يلتزم بمنهج ستانسلافسكي بأية درجة كانت.
ان أي اهمال لأية جهة أو عدم الالتزام بها، هو عدم التزام بالكل،هو تشويه واخلال بالمنهج، واستبدال للعلم بتصورات مغلوطة خاصة عنه.
فاذا كان المسرح أو الممثل الفرد مثلا، يؤكدان أنهما مخلصان لقواعد السلوك وللأفكارعند ستانسلافسكي، لكنهما يهملان نظرياته حول التقنية والمهارة، فان هذا يشكل برهانا ساطعا على أنهما يفهمان المبادئ التي يعترفان بها فهما سطحيا خاليا من الشعور بالمسؤولية، وفي النتيجة النهائية خاطئا، حتى لو كانا يحفظان كل هذه المبادئ عن ظهر قلب. واذا كان المسرح أو الممثل -على العكس من ذلك- يؤكدان أنهما يتبعان نظريات ستانسلافسكي عن التقنية والمهارة اتباعا دقيقا، لكنهما يهملان مبادئ السلوك والأفكار، فهذا يبرهن على انهما يفهمان التقنية لا كما فهمها ستانسلافسكي. وهذا يعني أنهما يمارسان تقنية ومهارة، لكنها ليست التقنية والمهارة اللتان اشترطهما العلم عن المسرح، حتى وان استعارا الاصطلاحات من هذا العلم.
وتبعا لذلك، ففي الممارسة تكون هذه الجهة بالنسبة لهذا الممثل أو المسرح أهم من تلك التي يهملها. أي ان قلة الاهتمام بأي جهة أو جزء من المنهج ، يعني في النهاية، عدم الاهتمام بالهدف الأسمى والفعل المتحكم، أو عدم فهم المعنى الدقيق لهذين المفهومين.
ولهذا مهم جدا عند الاقتراب من دراسة منهج ستانسلافسكي -قبل كل شيء- تبني وحدته وتعقده، أي الاقتراب منه بصفته علما، لا كقائمة من الوصايا، التي يمكن قبول بعضها ورفض الأخرى.
.
.

حسن العلي
08-08-2008, 06:05 AM
.
.

<< حديث ستانسلافسكي حينما قال لممثليه >>

ان اردتم الاقتراب في ابداعكم من هؤلاء العمالقة فأدرسوا القوانين الطبيعية التي تخضع لها بشكل عفوي احيانا و تعلموا استخدام هذه القوانين بصورة واعية و طبقوها في ابداعكم العملي . هذا هو الاساس الذي قام عليه منهج ستانسلافسكي الشهير و مادة هذا الكتاب هي قضايا الفن المسرحي و بالأخص الممثل و فن التمثيل بكل ما يحمله من متناقضات و اضداد بين الشكل و المضمون ( وحدة الممثل ، الشخصية و الممثل المبدع ، العامل الجسماني و النفساني في ابداع الممثل ، الذاتي و النموذجي في الشخصية التي يجسدها ، الحرية و الضرورة في عملية الابداع ، الداخلي و الخارجي في كل الالوان المسرحية على حده : في النبرة ، في الايماء ، في الحركة .
و يؤكد المؤلف ان اولى المباديء التي يجب على الممثل مراعاتها و الاهتمام بها هي ان المسرح فن جماعي لا يصنعه فنان او شخص واحد كما في اغلب الفنون الاخرى بل كثير من المشاركين في عملية الابداع فالمؤلف ، و المخرج ، و الماكيير ، و مصمم الديكور و الملابس ، و الموسيقى و فني الاضاءة و غيرهم ، يبذل كل منهم قسطا من الجهد الابداعي في العمل المشترك . لذا فإن المبدع الحقيقي في فن المسرح هو المجموعة و ليس الفرد .
و تتطلب طبيعة المسرح ان يكون مجمل العرض المسرحي مشبعا بالفكر الخلاق و المشاعر الحية التي يجب ان تتغلغل في كل كلمة و كل حركة من حركات الممثل و في كل تشكيل حركي يضعه المخرج . كل هذا معا اي كل مظاهر التعبير عن حياة ذلك الكيان الواحد و المتكامل الذي ولد بنتيجة الجهود الابداعية لكل الفريق المسرحي هو الذي يملك الحق بتسميته نتاجا حقيقيا . عرضا مسرحيا ، لهذا فإن مهمة تربية الممثل على الروح الجماعية تنبع كما نرى من طبيعة فن المسرح ذاتها ، و تتطلب تطويرا شاملا لشعور الاخلاص لمصالح الجماعة و محاربة كل مظاهر الانانية و الفردية . ثمة خاصية اخرى للمسرحية ترتبط ارتباطا بالمبدأ الجماعي للفن المسرحي و هي طبيعته التركيبية فهو فن مركب من كثير من الفنون المتفاعلة فيما بينها : الادب ، الرسم ، الموسيقى ، الغناء ، الرقص ... الخ و هناك فن واحد من هذه الفنون يرتبط ارتباطا وثيقا بالمسرح فقط الا و هو فن الممثل حيث ان الممثل لا ينفصل عن المسرح و المسرح لا ينفصل عن الممثل و بهذا يقرر المؤلف ان ( الممثل هو حامل خاصية المسرح ) .


استودعكم الله
وفي أمان الله ،، ،
.
.

الخارجية
17-06-2009, 07:38 AM
الله يعطيك العافيه

شكرا لك